منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب
السلام عليكم ورحمة الله وبركـاتـه

أهلا وسهلا في منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب نحن سعداء جدا في منتداك بأن تكون واحداً من أسرتنا و نتمنى لك الأستمرار و الاستمتاع بالإقامة معنا و تفيدنا وتستفيد منا ونأمل منك التواصل معنا بإستمرار في منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب و شكرا.

تحياتي

ادارة المنتدي

http://www.ouargla30.com


 
الرئيسيةالرئيسية  البوابة*البوابة*  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى ، فيرجى التكرم بزيارةصفحة التعليمـات، بالضغط هنا .كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيعو الإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب .

القانون الدستوري- الجزء الثاني

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
فقدت كلمة المرور
البحث فى المنتدى
Loading



هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل .

و يسعدنا كثيرا انضمامك لنا ...

للتسجيل اضغط هـنـا


منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب :: °ღ°╣●╠°ღ°.. منتديات التعليم العالي والبحث العلمي ..°ღ°╣●╠°ღ° :: منتدى القانون و الحقوق و الاستشارات القانونية

شاطر
الإثنين 13 مايو - 1:13
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67721
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: القانون الدستوري- الجزء الثاني



القانون الدستوري- الجزء الثاني

القانون الدستوري- الجزء الثاني

الفصل الرابع : سلطة الدولة
تتمتع الدولة بالسيادة وتستأثر بها. ومعنى تمتعها بهذه الصفة ان تكون لها الكلمة العليا لا يعلوها سلطة أو هيئة أخرى . وبالتالي فهي سلطة سامية تعلو على جميع السلطات باعتبارها السلطة الآمرة العليا التي تفرض إرادتها على الجميع داخل حدود الدولة .
كما أن سلطة الدولة وحدة واحدة لا تتجزأ مهما تعددت الهيئات الحاكمة في الدولة , لان هذه الهيئات لا تتقاسم السلطة فيما بينها , وإنما تتقاسم الاختصاصات فقط .
وفي ضوء ذلك نقسم هذا الفصل إلى ثلاث مباحث :
المبحث الأول - خصائص سلطة الدولة
المبحث الثاني – هيئات الدولة
المبحث الثالث – وظائف الدولة


المبحث الأول : خصائص سلطة الدولة

تتميز الدولة عن غيرها من المنظمات الأخرى بخصائص رئيسية تتمثل في تمتعها بالشخصية المعنوية وتمتعها بالسيادة وكذا حريتها في تعديل القوانين التي تضعها بشرط انسجامها مع مبدأ خضوع الدولة للقانون.


أولا- تمتع الدولة بالشخصية المعنوية.

لا يكفي في الدولة توافر الأركان الثلاثة السالفة الذكر، فلكي تستطيع القيام بمهامها يجب أن تكون متمتعة بالشخصية الخاصة بها والمنفصلة عن الأشخاص المكونين لها. مما دفع ببعض الفقهاء إلى تعريف الدولة بأنها تشخيص قانوني للأمة. والدولة بمنحها هذه الشخصية تكون أهلا لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات شأنها شأن الأفراد الطبيعيين، مما يجعلها متميزة عن الأشخاص المسيرين لها وكذا استقلال ذمتها المالية عنهم.
غير أن فكرة الشخصية المعنوية للدولة كانت ولا تزال محل خلاف وجدل بين الفقهاء، والذين انقسموا إلى قسمين، الأول ينكرها على الآدمي، والثاني يعترف بها للدولة ولغيرها من التنظيمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأخرى. وسبب هذا الانقسام يعود في الأساس إلى الخلط بين المدلول اللغوي للشخص والذي يفيد الإنسان الآدمي، والمدلول القانوني للشخص والذي يعني كل من يستطيع أن يكون أهلا لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات وفقا للقانون سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا.
1- الرأي المنكر للشخصية المعنوية للدولة. ويتمثل هذا الاتجاه في ثلاث مجموعات من الفقهاء هي:
أ- مجموعة دوجي وأنصاره. إذ يعتبرون أن الدولة عبارة عن ظاهرة اجتماعية طبيعية تظهر إلى الوجود بمجرد انقسام أفراد المجتمع إلى فئتين فئة حاكمة وفئة محكومة، والفئة الحاكمة هي التي تجسد القانون وتفرض احترامه وتطبيقه، أي الذي يجسد شخصية الدولة هو الحاكم، وأن القول بتمتع الدولة بالشخصية المعنوية أو نسبة إرادة الحاكمين إلى شخص معنوي هي مجرد افتراض، وأنه ليست هناك حاجة لهذا الافتراض طالما كانت تصرفات الأفراد الحاكمين في حدود اختصاصاتهم وتتمشى والقانون، لأنها تكون ملزمة للأفراد استنادا إلى فكرة التضامن الاجتماعي.
نقد: ما يؤخذ على أنصار هذه النظرية أنهم لا يقدمون البديل عن الشخصية المعنوية، الذي يعد كأساس لتفسير مباشرة الدولة لنشاطها كوحدة قانونية، وعليه فهم يحملون الحكام والمسيرين الأخطاء التي ترتكبها الدولة والأشخاص العامة.
ب - مجموعة زعماء النازية. وعلى رأسهم(روزنبرج) بحيث يرون أن الشعب هو محور النظام السياسي وذلك لأنه هو الذي ينشئ الدولة ويفرض القانون ويمنح السلطة للزعيم رمز الوحدة العرقية الذي يقود المجتمع، ولا يعتبرون الدولة سوى مجرد أجهزة وأنظمة لا تتمتع لا بالسلطة ولا بالشخصية المعنوية.
نقد: لا شك أن هذا الاتجاه كان يهدف إلى تدعيم أنظمة الحكم العنصرية وتبرير الاستبداد في الداخل والاعتداء في الخارج.
جـ - مجموعة الفقهاء الماركسيون. يرى هؤلاء أن الدولة ما هي إلا جهاز وضعته الطبقة الحاكمة لفرض سيطرتها على الطبقة المحكومة، وأن منح الشخصية المعنوية لها ما هو إلا مجرد حيلة لإخفاء ذلك الاستغلال وإجبار الطبقة المحكومة على قبول الأمر الواقع والإيمان بأن ذلك هو قانون الطبيعة أو سنة الحياة، وعليه فالماركسيون يدعون الطبقة المستغلة إلى الثورة من أجل الإطاحة بالنظام وإقامة دولة البرولتارية في مرحلة أولى تمهيدا للانتقال إلى المجتمع الشيوعي حيث تزول الدولة بزوال الصراع.
نقد: في الحقيقة أن الأفكار الماركسية إذا كانت ترى الدولة جهاز استبداد فإن العيب يعود للفلسفة التي يضعها الأفراد لقيام تلك الدولة وتطبيقها. وعليه يمكن الرد على الاتجاه الرافض لفكرة الشخصية المعنوية للدولة بأن مذهبهم لا يتفق مع بعض الحقائق والواقع الملموس، كما أنه يعجز عن تفسير بعض الظواهر المسلم بها والتي يصعب تفسيرها بغير الاعتراف بالشخصية المعنوية للدولة ومن ذلك:
1 ـ استمرار شخصية الدولة رغم تغير نظام الحكم أو تغير الحكام فيها.
2 ـ وجود ذمة مالية مستقلة بالدولة متميزة عن ذمم الحكام.
3 ـ يعترف بعض المنكرين لشخصية الدولة بالشخصية المعنوية لبعض التقسيمات الإدارية كالمؤسسات وهي جزء من الدولة وهي التي تمنح هذه الوحدات الشخصية المعنوية، وهذا خطأ منطقي إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه.
2- الرأي المؤيد للشخصية المعنوية للدولة:-
يشكل هذا الاتجاه الرأي الغالب في الفقه، فالقانون الروماني أعترف بالشخصية المعنوية للدولة ولبعض الجمعيات والمستشفيات، حيث علاوة على أهمية التمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات، هناك تأكيد على الانفصال الحكام والسلطة مما يعني أن الدولة وحدة قانونية مستقلة عن أشخاص الحكام الذين يمارسونها، وأن هذه الوحدة لها طابع الدوام والاستمرار ولا تزول بزوال الأفراد الذين يباشرون الحكم.
ويترتب على الاغتراف بالشخصية المعنوية للدولة عدة نتائج أهمها:
أ- وحدة الدولة وديمومتها : ظهور شخص قانوني متميز ومنفصل يعد النتيجة المنطقية للإقرار للدولة بالشخصية المعنوية، والتي تمنح لها صفة الدوام والاستمرار وأن زوال الأشخاص لا يؤثر عنها، فلا يسقط حقوقها ولا يحللها من التزاماتها الداخلية والدولية.
ب - تمتع الدولة بذمة مالية. يقضي الاعتراف بالشخصية المعنوية للدولة الاعتراف لها بالاستقلال عن الأشخاص الحاكمين، وهذا الاستقلال ينتج عنه أن الدولة لها حقوق وعليها التزامات وللحصول على حقوقها والوفاء بالتزاماتها يجب أن تكون لها ذمة مالية مستقلة عن ذمم الأشخاص المسيرين لها، ومنه فالأعمال والتصرفات التي يقوم بها الأشخاص باسم الدولة ولحسابها تعود إلى ذمة الدولة سواء كانت حقوقا أو التزامات.
جـ - المساواة بين الدول. الاعتراف للدولة بالشخصية المعنوية بعد اكتمال أركانها ينتج عنه ظهور شخص قانوني دولي جديد متساوي مع الدول الأخرى في المعاملة، هذا من الناحية النظرية، أما في الواقع العملي نجد هناك تفاوت بين الدول تتحكم فيه اعتبارات أخرى سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو سكانية في مجال تأثيرها على مجريات الأحداث الدولية.
والخلاصة أن هناك إجماع بين الفقهاء على ضرورة الاعتراف بالشخصية المعنوية والقانونية للدولة، وهي حقيقة لابد منها وليست حيلة قانونية، والاعتراف بها يحقق الكثير من الأهداف ويعين على تفسير الكثير من المشاكل وحلها.







بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 1:16
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67721
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري- الجزء الثاني



القانون الدستوري- الجزء الثاني

ثانيا- تمتع الدولة بالسيادة.
يعني مصطلح السيادة من الناحية اللغوية المجد والشرف والعلو والسيطرة. أما اصطلاحا فهو يعني السلطة العليا في الدولة وهي مشتقة من الأصل اللاتيني (super attus) وأول من استخدم هذه الكلمة جان بودان في كتابه الجمهورية عام 1576 . ويعرف بعض الفقهاء السيادة بأنها ( السلطة العليا التي تحكم بها دولة ما وأن هذه السلطة يمكن مباشرتها في الداخل أو في الخارج، والسيادة في الخارج تتركز في استقلال مجتمع سياسي معين بالنسبة لكل المجتمعات الأخرى.) والسيادة بالمعنى القانوني هي خاصية من خصائص السلطة السياسية.
ولدراسة موضوع السيادة لابد من التمييز بين سيادة الدولة كخاصية لها أو مظهر من مظاهرها، والسيادة في الدولة أي من هوصاحب السيادة الفعلي في الدولة.
1- سيادة الدولة .
السلطة السياسية في الدولة تتميز بأنها ذات سيادة، والسيادة تعرف على أنها (مجموعة من الاختصاصات تنفرد بها السلطة السياسية في الدولة وتجعل منها عليا وآمرة وتمكنها من فرض إرادتها على غيرها من الأفراد والهيئات، كما تجعلها غير خاضعة لغيرها في الداخل أو في الخارج).
تعتبر الدولة كاملة السيادة إذا كانت تتمتع بكامل مظاهر سيادتها الداخلية والخارجية وبأن تكون حرة في وضع دستورها واختيار نظام الحكم الذي ترتضيه وتبني النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي تراه مناسبا لها. وتعتبر ناقصة السيادة إذا شاركتها دولة أجنبية أو هيئة دولية في ممارسة اختصاصاتها الأساسية. وعليه فالسؤال الذي يطرح ما هي مظاهر هذه السيادة وما هي خصائصها؟
أ- مظاهر السيادة. أجرى الفقه عدة تقسيمات لسيادة الدولة يمكن حصرها في التقسيمات الرئيسية التالية:
1- السيادة القانونية والسيادة السياسية: - السيادة القانونية معناها سلطة الدولة في إصدار القوانين وتنفيذها، أما السيادة السياسية فتنصرف على الشعب بمفهومه السياسي الذي يتولى عملية اختيار من يسيرون الدولة ويمارسون السيادة القانونية.
2- السيادة الداخلية والسيادة الخارجية: -
أ- السيادة على صعيد القانون الداخلي السيادة الداخلية هي حق الأمر والنهي في مواجهة كل المواطنين وكل القاطنين على إقليم الدولة، دون أن تكون هناك سلطة موازية أو منافسة لسلطة الدولة مع عدم خضوع الدولة في ممارستها لهذه العملية لأي ضغط مادي أو معنوي من أي كان. وتتجسد سيادة الدولة على صعيد القانون الداخلي من خلال القول : إنّ سلطة الدولة أصلية، غير مشتقة و لا مفوضة. أي بمعنى أن الدولة يمكن أن تنظم نفسها كما تشاء. و بالتالي فإنه لا توجد أية سلطة أخرى يمكن أن تعلو عليها أو تنافسها في فرض إرادتها على الأفراد و الهيئات المتواجدة على إقليمها. فحرية الدولة، من حيث المبدأ، هي مطلقة و كاملة فيما يتعلق بتنظيم شؤون إقليمها و القاطنين عليه. و بهذا الشأن تضع الدولة الدستور و القوانين و الأنظمة اللازمة لذلك، أي لها الحرية في وضع القواعد القانونية. فالدولة، كما يقول المؤلفون الألمان بهذه الشأن، تملك سلطة تحديد اختصاصاتها، أي أنها تملك سلطة التدخل متى تشاء، أينما تشاء، و كما تشاء. و لذلك تملك الدولة، كما أشرنا سابقاً، احتكار القوة في مواجهة القاطنين على إقليمها، من أجل تأمين احترام القواعد التي تفرضها و القرارات التي تتخذها، و حتى الأفراد لا يمكنهم الحفاظ أو الحصول على حقوقهم إلا من خلال الدولة.
بيد أن القول بأن سيادة الدولة على صعيد القانون الداخلي هي سيادة مطلقة هو أمر مبالغ فيه و غير مقبول في عصرنا الحالي. حيث القول بالسيادة بهذا المفهوم المطلق يعني السماح لسلطة الدولة بعدم احترام القواعد القانونية، و التصرف بدون مراعاة لحقوق و مصالح الأفراد و الهيئات المقيمة على إقليمها. لذلك فإن القول بسيادة الدولة بهذا المفهوم المطلق انتقد بشدة من قبل الفقه الدستوري. فسلطة الدولة إذن هي سلطة مقيدة بالخضوع للقانون، أو بالأحرى مقيدة ذاتياً. فالدولة عندما تضع القواعد القانونية، يجب أن تقبل بالخضوع لهذه القواعد التي وضعتها بنفسها تطبيقاً للقول اللاتيني Patere legem quem fecisiti. فسيادة الدولة على الصعيد الداخلي أصبحت مقيدة في الدول الديمقراطية بقيود متنوعة : مثل حقوق و حريات الإنسان، احترام الحياة الخاصة …الخ.
ب- السيادة على صعيد القانون الدولي أما السيادة الخارجية فمعناها عدم خضوع الدولة لأية سلطة أو دولة أجنبية، أي تمتعها بالاستقلال التام أمام غيرها من الدول والمنظمات الدولية، بما ينفي عنها اندماجها أو تبعيتها لوحدات سياسية خارجية، مما يفيد معنى الاستقلال السياسي. وسيادة الدولة على صعيد القانون الدولي تتجسد من خلال استقلالها (السياسي طبعاً)، أي في مواجهة الدول الأخرى. و السيادة بهذا المفهوم قد تكون تامة و قد تكون ناقصة. فالسيادة تكون تامة إذا كانت الدولة غير خاضعة سياسياً لأية دولة أخرى، و تكون السيادة ناقصة إذا ما كانت الدولة تتمتع ببعض مظاهر السيادة على الصعيد الخارجي، و فاقدة لجزء من هذه السيادة نتيجة تبعيتها لدولة أخرى كما في حالة الدول الواقعة تحت الانتداب أو الحماية أو الوصاية.
و سيادة الدولة على صعيد القانون الدولي ليست مطلقة أيضاً، فيمكن أن تقيد هذه السيادة بشكل إرادي من خلال الارتباط باتفاقات و معاهدات دولية كالانضمام مثلاً إلى الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية، أو بدون إرادتها : فمثلاً فرضت دول الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية على ألمانيا و اليابان منع الحصول على السلاح النووي، أو إرسال قوات خارج إقليمها. و لكن في الحقيقة فإن تعقيد العلاقات الدولية أدى إلى تقييد سيادة الدولة على صعيد القانون الدولي أكثر فأكثر، من خلال الأحلاف العسكرية التي نشأت خلال الحرب الباردة حيث أقامت الدول الغربية فيما بينها ما يسمى بحلف الناتو N.A.T.O. و أقامت دول المعسكر الشرقي فيما بينها حلف فرصوفيا Pacte de Varsovie مع كل ما حمله هذان الحلفان من تقييد لسيادة الدول المنظمة إليهما، و في الوقت الحالي تنشأ التكتلات الاقتصادية الكبيرة كالاتحاد الأوربي مثلاً مع كل ما يحمله من تقييد لسيادة الدول الأعضاء فيه ، كذلك فإن سيادة أغلب دول العالم الثالث أو كما تسمى الدول النامية أو الدول على طريق التطور، أضحت منتقصة لما تفرضه عليها التنظيمات الدولية و الاقتصادية منها على وجه التحديد من تعليمات، و خاصةً صندوق النقد الدولي F.M.I. الذي يفرض على الدول المستفيدة من خلال قروضه المالية إقرار بعض القوانين المحددة في مجال الخصخصة و الإصلاحات الإدارية و المصرفية و أحياناً السياسية فيما يتعلق بحقوق الإنسان. هذه السيادة الوطنية للدول أصبح الانتقاص منها أمراً مشروعاً في القانون الدولي من خلال الاعتراف بحق أو بالأحرى واجب التدخل في الحالات الإنسانية Le devoir d'ingérence humanitaire في الشؤون الداخلية للدول ، و ذلك خلافاً للمبدأ العام، من مبادئ الأمم المتحدة، المتمثل بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرىLe principe de la non-ingérence dans les affaires d'un autre Etat.
3- السيادة الإقليمية والسيادة الشخصية: السيادة الإقليمية تعني ممارسة سلطة الدولة على كامل إقليمها وكل ما يوجد به وما يقع عليه من أعمال وتصرفات، أي انسحاب أوامرها ونواهيها وتنفيذ قوانينها على المقيمين على أرضها من أشخاص ( مواطنين أو أجانب)، وأشياء أو حوادث. أما السيادة الشخصية فهي تعني أن سلطة الدولة تتحدد على أساس عنصر الشعب بمعنى أن الدولة يمكنها تتبع الأفراد المكونين لشعبها بأوامرها ونواهيها وقوانينها سواء كانوا داخل أو خارج إقليمها.
4- السيادة السلبية والسيادة الايجابية. يتجلى مضمون السيادة السلبية في عدم إمكانية إجبار الدولة على القيام بأي نشاط داخلي أو خارجي لا ترغب في القيام به من أي كان سواء دولة أو منظمة دولية. أما السيدة الايجابية فيتجلى مضمونها في عدم إمكانية منع الدولة من القيام بأي نشاط داخلي أو خارجي ترغب في القيام به من أي كان في الداخل أو في الخارج.
ب- خصائص السيادة. يمكن إيجاز خصائص السيادة في الآتي:
ـ سيادة الدولة قانونية، أي أنها ليست مجرد حقيقة مادية بل هي حالة أجازها القانون وقررها.
ـ إنها عليا وشاملة، أي أنها تسمو فوق الجميع ولا تخضع لأحد وكذلك طاعتها واجبة على كل الأفراد من دون استثناء.
ـ إنها دائمة، حيث تتعدى في مداها الزمني عمر جيل كامل، ولا تخضع لعمر القائمين عليها.
ـ إنها غير قابلة للتصرف فيها أو التنازل عنها ولا تقبل التجزئة.
2- أساس شرعية سلطة الدولة (صاحب السيادة )
اختلفت النظريات في بيان أساس شرعية سلطة الدولة وتمثلت في نظرية الأساس المقدس للسلطة , ونظريات المصدر الشعبي للسلطة .
أولا - نظريه الأساس المقدس للسلطة : لقد ساد الاعتقاد في فترة من فترات التاريخ بان الله هو مصدر السلطة ، ولذلك تجب طاعتها وبالتالي فهي شرعية . ومرت هذه الفكرة بثلاث مراحل : ففي المرحلة الأولى وهي مرحلة (( تأليه الحاكم )) ساد الاعتقاد , بان الحكام من طبيعة غير طبيعة البشر ,ذلك أنهم كانوا يعتبرون من طبيعة إلهية .
وفي تلك الفترة لم يكن فيها التميز موجودا بين مصدر السلطة وبين من يمارس هذه السلطة. فلم يكتف بإسباغ القدسية على مصدر السلطة ، بل أن هذه القدسية أسبغت أيضا على من يمارس هذه السلطة. بحيث أن الحكام - في هذا الاعتقاد - ليسوا بشرا يمارسون سلطة متأتية من العناية الإلهية , بل أنهم أنفسهم آلهة.
فشرعية سلطة الحكام لم تطرح - في هذه المرحلة من التطور التاريخـي - بالمعنى الدقيق لان الحكام كانوا يعتبرون آلهة وبالتالي مصدراً للسلطة . وفي المرحلة الثانية وهي مرحلة " الحق الإلهي المباشر " سادا الاعتقاد بان الله مصدر السلطة هو الذي يختار الحكام . بناء عليه فان سلطة الحكام تكون شرعية , لان الله هو الذي اختارهم لممارسة السلطة فالحكام لم يعودوا إلهة . بل بشر اختارهم العناية الإلهية لممارسة السلطة في المجتمع , وهذا الاختيار أسبغ الشرعية على السلطة التي يمارسها الحكام . إما في المرحلة الثالثة وهي مرحلة " الحق غير مباشر" ساد الاعتقاد بان السلطة هي من الله إلا انه لا يتدخل مباشرة في اختيار من يمارسها ( الحكام ) وإنما يترك ذلك لحرية وإرادة المحكومين. فشرعية الحكام تتأتى إذن من اختيار المحكومين لهم بتوجيه من العناية الإلهية . فالمحكومون وان اختاروا الحكام بإرادتهم الحرة إلا ان الله هو الذي منحهم هذه الإرادة وهذه الحرية . كما ان الله أسبغ نعمة السلطة على المجتمع لتمارس فيه .
بالنسبة للشريعة الإسلامية : كما أشرنا فإن النظريات السابقة، و على الرغم من اختلافها، تتفق على أن صاحب السيادة هو الله. أي أنها تقوم نظرياً على أساس ديني، على الرغم من أنها قامت، في الحقيقة على أساس استغلال الشعور الديني عند الأفراد، أكثر مما قامت على أساس متطلبات العقيدة الدينية. و لذلك يطلق عليها الفقه الفرنسي بالنظريات التيوقراطية أو الدينية لارتباطها خاصةً بالفكر المسيحي أو بالتحديد بالفكر الكنسي. والمذهب السياسي الإسلامي هو أيضاً مذهب ديني مستمد من دين الإسلام، و كبقية المذاهب الدينية يقوم بدوره على أساس أن السيادة هي لله. و لكن حسب أغلب الدارسين للمذهب السياسي الإسلامي يرون أنّ الإسلام (وعلى عكس المسيحية و النظريات السياسية المنبثقة عنها على أساس الفصل بين الدين و الدولة) دين و دولة، عقيدة و شريعة ، عبادة و سياسة. و يعترض جانب من الفقه على تصنيف المذهب السياسي الإسلامي بين ما يسمى بالمذاهب التيوقراطية، و يرى بأنه من الخطأ ترجمة المذاهب التيوقراطية بالمذاهب الدينية . في حين نذهب إلى خلاف ذلك و نقول مع الأستاذ أبو الأعلى المودودي إنّه إذا كان لا يصح إطلاق كلمة ديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية فإن كلمة الحكومة الإلهية أو التيوقراطية هي أصدق تعبير عن نظام الحكم في الإسلام. و لكننا نرى معه أيضاً بأن التيوقراطية الإسلامية تختلف عن التيوقراطية المسيحية في أوربا : فالتيوقراطية المسيحية قامت على أساس تسلط طبقة على الحكم و التشريع وفق أهوائهم مستترين في ذلك وراء القانون الإلهي، في حين أن التيوقراطية التي يقوم عليها الإسلام هي تيوقراطية بعيدة عن التسلط و الاستبداد لكون السلطة في أيدي مجموع المسلمين يتولونها وفقاً لما جاء في كتاب الله و سنة رسوله . فصاحب السيادة و السلطة بحسب المذهب السياسي الإسلامي هو الله تعالى تصديقاً لقوله جل جلاله {قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء، و تنزع الملك ممن تشاء، و تعز من تشاء، و تذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير} (الآية 26/البقرة)، و قوله {..إن الحكم إلا لله..} (الآية75/الأنعام)، و إن من يزاول الحكم هم المستخلفون في الأرض لقوله تعالى {..إني جاعل في الأرض خليفة..} (الآية 30/ البقرة)، و لقوله تعالى {..إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق..} (الآية 26/ ص). فالناس و قد خولوا مزاولة السلطة أصبحوا مالكين لهذا الحق بشكل جماعي، فإذا اختاروا أحدهم و فوضوه مزاولة السلطة نيابة عنهم، يصبح هذا الشخص وكيلاً عنهم مع احتفاظهم بأصل الحق، بحيث لو طغى أو خالف شروط الوكالة حق لهم أن يعزلوه لأن من يملك حق التولية يملك حق العزل، و هذا ما يتناوله الباحثون في نظام الحكم الإسلامي تحت عنوان حق الأمة في عزل الخليفة. من هنا نرى أن المذهب السياسي الإسلامي كمذهب تيوقراطي، باعتبار أن صاحب السلطة و السيادة فيه هو الله، لا يوصلنا إلى الحكم المطلق، و بالتالي لا يختلط بحق الملوك الإلهي الذي استند إليه ملوك أوربا في القرون الوسطى لتبرير سلطاتهم. فالسلطة في الإسلام تستند إلى رضى المسلمين الذي يتجسد في صورة عقد، يمارس بموجبه الخليفة أو الحاكم سلطاته تحت رقابة المسلمين الذين يملكون حق عزله إذا استوجب ذلك.
ثانيا - نظريات المصدر الشعبي للسلطة :- ساد الاعتقاد بأن الأفراد بإرادتهم وبحريتهم أقاموا السلطة ولم تفرض عليهم ، وهم يحتفظون بهذه السلطة لأجل أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم . وهذه هي الفكرة الديمقراطية . وتقضي الفكرة الديمقراطية بأن " الشعب " هو مصدر السلطة وهو الذي يمارسها بنفسه أو ينتخب من ينوب عنه في ممارستها ، وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا يعني إن سلطة الحكام لا تكون شرعية إلا إذا استمدت من الشعب . وفي هذا التصور فإن الشرعية الديمقراطية تعني إن سلطة الحكام تستمد من الشعب عن طريق اختيار المحكومين أو الناخبين لهم . فكل " حكومة " لا تستمد سلطتها وشرعيتها من الشعب عن طريق الانتخاب هي حكومة غير شرعية .
وفي إطار فكرة الشرعية الديمقراطية تؤكد بعض الدساتير على إن : " الشعب مصدر السلطات " على أنها تعني إن الحكام هم القابضون على السلطة ، إلا إن شرعية هذه السلطة تتوقف على إرادة المحكومين أي الناخبين الذين يعبرون عنها عن طريق الانتخاب . غير إن الاعتراف للشعب بالسلطة ( أو السيادة ) لم يمنع المذاهب من الاختلاف في تفسير " فكرة الشعب " . لذلك ظهرت عدة نظريات هي : نظرية سيادة الشعب ، نظرية سيادة الأمة ، النظرية الاشتراكية ، نظرية الصفوة .
أ-نظرية السيادة الشعبية بدايةً سوف نحدد الأساس الذي تقوم عليه نظرية السيادة الشعبية La Souveraineté populaire، و من ثم نتناول النتائج المترتبة على الأخذ بها، و أهم الانتقادات الموجه لها.
الأساس الفلسفي لنظرية السيادة الشعبية : تنسب هذه النظرية إلى جان جاك روسو J.-J. Rousseau في كتابه "العقد الاجتماعي" Du Contrat social حيث حدد في الفصل الأول من الكتاب الثالث من هذا المؤلف الرائع. يرى روسو Rousseau أنّ الشعب مكون من جميع الأفراد الذين يسكنون إقليم الدولة الخاضعين لسلطتها. كل فرد باعتباره مواطناً لم يوافق على الخضوع للإرادة العامة إلا لأن له الحق في المساهمة بإنشاء هذه الإرادة. فبموجب مفهوم السيادة الشعبية كل واحد من الأفراد يشكل جزءاً من الجسم الاجتماعي و بالتالي يملك جزءاً من السيادة، حيث يقول روسو Rousseau “ لو فرضنا أنّ الدولة مؤلفة من عشرة آلاف فرد فإن كل فرد يملك جزءاً من عشرة آلاف جزء من السلطة السيدة، رغم أنه خاضع لهذه السلطة السيدة” . فالسيادة مجزأة بين أفراد الشعب السياسي (أي جمهور الناخبين كما حددناه سابقاً) و بالتساوي بينهم.
النتائج المترتبة على نظرية السيادة الشعبية : يمكن أن نورد في عجالة بغير إسهاب أهم النتائج المترتبة على الأخذ بنظرية السيادة الشعبية :
1-الانتخاب يعتبر حقّاً لكل مواطن باعتباره يملك جزءاً من السيادة، وهذا الحق لا يمكن ممارسته إلا شخصياً، و برأيه إذا الفرد فوض سيادته يتخلى عن حريته . و لذلك لا يجوز تقييد حق الاقتراع بشروط معينة. فمفهوم السيادة الشعبية يتناسب مع مبدأ الاقتراع المطلق أو العام.
2-تتناسب نظرية السيادة الشعبية مع نظام الديمقراطية المباشرة و الديمقراطية شبه المباشرة.
3-النائب في البرلمان لا يعتبر ممثلاً للامة بأسرها و إنما ممثلاً لناخبيه فقط أو وكيلاً عنهم ، و تبعاً لذلك يحق للناخبين إعطاؤه أوامر و تعليمات ملزمة لا يستطيع النائب مخالفتها، و هو مسؤول أمامهم، و يتوجب عليه تقديم حساب لهم، و للناخبين الحق في عزله في أي وقت.
4-القانون يكون تعبيراً عن إرادة الأغلبية الممثلة في البرلمان .
الانتقادات الموجه لنظرية السيادة الشعبية : على الرغم من أن نظرية السيادة الشعبية تعتبر الأقرب إلى المفهوم الحقيقي للديمقراطية فقد انتقدت على أكثر من صعيد و خاصة لناحية تجزئة السيادة بين أفراد الدولة المالكين لكل منهم جزء من هذه السيادة. و بالتالي يؤدي بنا الحال إلى ازدواجية في السيادة سيادة مجزأة بين أفراد الدولة و سيادة الدولة باعتبارها شخص معنوي. كذلك الأمر انتقدت لصعوبة وضع النظام السياسي الناشئ عنها و هو الديمقراطية المباشرة أو ملطفه نظام الديمقراطية شبه المباشرة، و خاصة في الدول الكبيرة موضع التطبيق العملي. من ناحية أخرى هذه النظرية القائمة على فلسفة تؤكد على الحرية بصورة مطلقة ربما تهدد الحرية نفسها لتجاهلها مبدأ فصل السلطات و تركيز السلطة كلها في جمعية المواطنين صاحبة الحق المطلق في اتخاذ القرار، فبذلك نكون قد انتقلنا من الحق الإلهي للملوك إلى الحق الإلهي للشعوب. كذلك فإن تجزئة السيادة بين أفراد الشعب يؤدي إلى أن تكون هذه السيادة غير مستقرة و غير ثابتة بسبب تجدد الجمعية الشعبية باستمرار نتيجة تعاقب الأجيال و تعاقب الأشخاص.
لهذا الأمر فقد فضل رجال الثورة الفرنسية الأخذ بنظرية سيادة الأمة رغم أنها أقل ديمقراطية من نظرية السيادة الشعبية على الأقل في نتائجها، هذه النظرية التي قدم لها الأب سيس Siéyès.
ب- نظرية سيادة الأمة:- سوف نتبع نفس الأسلوب السابق، فنحدد بدايةً الأساس الذي تقوم عليه نظرية سيادة الأمةLa Souveraineté nationale، و من ثم نتناول النتائج المترتبة على الأخذ بها و أهم الانتقادات الموجه لها.
الأساس الفلسفي لنظرية سيادة الأمة : تكون السيادة حسب هذه النظرية أيضاً ملكاً للشعب، و لكن للشعب بمجموعه مشكلاً هيئة مجردة. أي أن السيادة مملوكة لأفراد الأمة ليس بصفتهم الشخصية بل بوصفهم هيئة معنوية مجردة هي الأمة التي تتميز عن شخصية الأفراد المكونين لها. فإذا كان مفهوم الشعب يختلط مع مفهوم السكان في نظرية السيادة الشعبية، فبالنسبة للقائلين بنظرية سيادة الأمة، الشعب هو هيئة مجردة تسمى الأمة، و الأمة صاحبة السيادة تشكل شخصاً معنوياً متميزاً عن الأفراد المكونين لها، ولها إرادة خاصة بها. الأمة باعتبارها شخصاً معنوياً لا يمكن أن تتصرف، و تعبر كأي شخص عادي، فالشخصية المعنوية للأمة تحدد الهيئات أو الأجهزة المعطاة حق التصرف و التكلم باسمها. هذه الهيئات أو الأجهزة الممنوحة حق التصرف و التكلم باسم الأمة يحددها الدستور الذي يعتبر الوثيقة المشتركة للأمة و الدولة. إنّ هذه الهيئات أو الأجهزة مهمتها التعبير عن إرادة الأمة عن طريق القوانين. و قد اعتنقت الثورة الفرنسية مبدأ سيادة الأمة الذي قال به أحد منظري هذه الثورة الأب سيس Siéyès، حيث نصت المادة الثالثة من إعلان حقوق الإنسان و المواطن الصادر عن الثورة في 26 آب 1789 “المبدأ هو أن الأمة هي مصدر كل سيادة، و لا يجوز لأي فرد أو هيئة ممارسة السلطة إلا على اعتبار أنها صادرة أو منبعثة عنها (أي عن الأمة) بشكل صريح”. في الحقيقة يتجه العديد من العلماء الباحثين المسلمين في العصر الحديث، و هو ما نقول به نحن، إلى إسناد السيادة في الدولة الإسلامية إلى الأمة،و يرون بأن الإسلام يأخذ بمبدأ سيادة الأمة . مستدلين على ذلك بالنتائج المترتبة على مبدأ الشورى، و مسؤولية أولي الأمر، و استمداد الرئاسة العليا (الخلافة) من البيعة، كما يستدلون على أن الأمة صاحبة السيادة بالحديث النبوي “لا تجتمع أمتي على ضلالة”، و بأن الله سبحانه قد أمر بطاعة أولي الأمر بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و الرسول و أولي الأمر منكم} (الآية 59/النساء)، و لكن في مقابل مسؤولية أولي الأمر تطبيقاً لقوله تعالى في الآية السابقة من نفس السورة {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعاً بصيراً} (الآية 58/النساء)، و أولو الأمر عند بعض الفقهاء هم أهل الحل و العقد (الولاة و الحكام و العلماء.. أي من يتداولون بالشأن العام)، و بناء على ذلك اعتبر الفقه الإسلامي الحاكم وكيلاً عن الأمة في مزاولة السلطة في حدود شرع الله من القرآن و السنة تطبيقاً لقوله جل جلاله في نفس السورة {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر} (الآية 59/ النساء). فالقول، كما أشرنا سابقاً، بأن صاحب السيادة و السلطة بحسب المذهب السياسي الإسلامي هو الله تعالى، لا يتعارض مع فكرة سيادة الأمة. فالإسلام خول الناس، كما أشرنا أيضاً، حق مزاولة السلطة، فأصبحوا مالكين لهذا الحق بشكل جماعي، فإذا اختاروا أحدهم، و فوضوه مزاولة السلطة عنهم، يصبح هذا الشخص و كيلاً عنهم، أي أن السلطة في الإسلام تستند إلى رضى المسلمين. و لكن سيادة الأمة، بمقتضى المذهب السياسي الإسلامي، هي سيادة مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية .
ج- النظرية الاشتراكية :- تحدد هذه النظرية مفهوم الشعب بـ " البروليتاريا " أي الطبقة الاجتماعية أو الأفراد الذين يشكلون الأكثرية في المجتمع ، وهم في ذات الوقت ، الأكثر استغلالا من قبل الأقلية البرجوازية .
وعلى هذا الأساس ، فإن السلطة ( أو السيادة ) يجب أن تعود إلى البروليتاريا، كما إن كلمة " شعب " تعني الطبقة البروليتارية أو الأكثرية الساحقة المستغلة . وبهذا المعنى ، يمكن الكلام عن " السيادة البروليتارية " كما أمكن الكلام عن " سيادة الشعب " و " سيادة الأمة " . وعليه فإن الشرعية الديمقراطية تعني – وفقا لهذا المفهوم – إن السلطة تأتي من البروليتاريا ، وهي وحدها التي تختار من ينوب عنها في ممارستها . وهذا الاتجاه في مفهوم الديمقراطية ( والذي يستوحي عناصره من الفكر الماركسي 9 وجد له تطبيقا في الاتحاد السوفيتي السابق . فالقوانين الانتخابية قبل عام 1935 كانت تحرم أعضاء الطبقة البرجوازية من الإسهام في الانتخابات .
د- نظرية الصفوة :- تذهب هذه النظرية إلى إن في كل مجتمع فئتين ، فئة محكومة وهي الأغلبية ، وفئة حاكمة وهي الأقلية ، وتكمن قوتها في سيطرتها على مقدرات الاقتصاد في المجتمع .
ويقود هذه الأقلية الحاكمة صفوة تفرض إرادتها على الأغلبية المحكومة حيث تشرف على كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، لأنها تملك وسائل الإنتاج .
وأبرز التقدم العلمي والتقني أهمية دور التكنوقراطيين أو الفنيين في الحياة الاقتصادية وتأثيرهم المتزايد في المجتمعات الصناعية الحديثة . وهكذا انتقل إصدار القرار الحقيقي إلى صفوة جديدة من المجتمع تختلف عن الصفوة السابقة ، وهذه الصفوة الجديدة هم الفنيون والباحثون والعلماء . وبذلك أصبحت السلطة في الدولة الصناعية ليست بيد الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج فقط بل يضاف إليها الفئة الجديدة المتمثلة بالفنيين والباحثين والعلماء . ولهذا أصبح الشعب الحقيقي مالك سلطة الدولة هم الفنيون والباحثون والعلماء و مالكي وسائل الإنتاج.






بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 1:19
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67721
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري- الجزء الثاني



القانون الدستوري- الجزء الثاني

* وضع المسألة في الدساتير الجزائرية.
- في دستور 1963 نجده يشير صراحة إلى أن الشعب هو صاحب السيادة في البند 25 من مقدمة الدستور والمادة العاشرة منه تقضي بأن من أهداف الجمهورية ممارسة السلطة من طرف الشعب وتضيف المادة 27 أن السيادة الوطنية للشعب يمارسها بواسطة ممثليه في المجلس الوطني.
- أما دستور 1976 في المادة الخامسة منه نصت على (السيادة الوطنية ملك للشعب يمارسها عن طريق الاستفتاء أو بواسطة ممثليه المنتخبين.)
- أما دستور 1989 فقد نصت المادة السادسة على أنه ( السيادة الوطنية ملك للشعب)
- أما تعديل 1996 فقد نصت المادة السادسة الفقرة الثانية (السيادة الوطنية ملك للشعب وحده) وأضافت المادة السابعة الفقرة الثانية والثالثة أنه : (...يمارس الشعب سيادته بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها، يمارس الشعب هذه السيادة عن طريق الاستفتاء وبواسطة ممثليه المنتخبين..)






ثالثا- خضوع الدولة للقانون :
1- الأساس الذي يقوم عليه مبدأ خضوع الدولة للقانون: -
واذا كان الاجماع ينعقد اليوم على ضرورة تقييد الدولة بالقانون ورضوخها لأحكامه، فإن الخلاف يستعر بشأن اساس ذلك التقييد وتحديد المبررات التي يستند اليها. ومن أهم هذه النظريات:-
أولا - نظرية القانون الطبيعي. ترى هذه النظرية أن هناك قانون طبيعي يسمو على الجميع وهو يعني مجموعة المبادئ الخالدة التي يجب أن تحكم السلوك البشري، لأنها منبثقة عن طبيعة الإنسان باعتباره كائنا عاقلا واجتماعيا، هذا القانون يعد سابقا في وجوده للدولة ولذلك فهو قيد على الحكام الذين عليهم الالتزام به.
تنتقد هذه النظرية بسبب غموضها، حيث يمكن للحكام أن يضعوا ما يشاءون من القوانين والادعاء بأنها مطابقة أو مستخلصة من القواعد الطبيعية. الأمر الثاني إن القانون متغير ومتطور حسب تطور المجتمع في حين تكون القوانين الطبيعية ثابتة.
ثانيا- نظرية الحقوق الفردية: ومفادها وجود حقوق فردية أصلية وسابقة على الدولة، تسمو عليها ولا تخضع لسلطانها، وبأن الفرد ما انضوى تحت لواء الجماعة إلا لحماية هذه الحقوق والتمتع بها في آمن وطمأنينة.. فدخول الفرد في الجماعة لا يفقده هذه الحقوق. وما دامت هذه الحقوق سابقة على كل تنظيم سياسي، فهي تخرج عن سلطان الدولة، وفوق ذلك فهي تقيِّد أنشطتها. وهذه هي النظرية التي قام عليها إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا سنة 1789.
نقد النظرية: حظيت هذه النظرية بالتأييد المطلق ما يقارب من قرنين من الزمان، ثم تعرضت للنقد حتى لم يبقَ لها إلا القليل من المعتنقين. واهم ما يؤخذ عليها هو إغراقها في التصور والخيال، إذ تقوم على أساس، وضع الإنسان الفطري، قبل دخوله في الجماعة، ولمجرد صفته إنسانا، فإن يمتلك حقوقا طبيعية ودائمة، وله أنْ يحتفظ بتلك الحقوق بعد انخراطه في سلك الجماعة، وأن العقد الاجتماعي لم يكن من شأنه أنْ يحرمه من تلك الحقوق، وإنما على العكس جاء العقد الاجتماعي لحماية تلك الحقوق والمحافظة عليها .
على أن هذا الادعاء منهار الأساس، لأن الحق لا يتصور وجوده في غير وجود الجماعة إذ أنه يفترض وجود شخصين يفرض احدهما إرادته على الآخر، والإنسان الفطري لا تربطه علاقة اجتماعية بغيره من البشر لأنه يحيا في عزلة فردية، ومن ثم لا تتصور له حقوق. قد تكون له سلطة مادية على الأشياء، ولكن في جوهر توصيف الوضع لم تكن له حقوق. كما أن هذه النظرية تحول دون التطور الاجتماعي: فالدولة في مفهوم هذه النظرية لا تستطيع أن تضع قيودا على الأفراد إلإ بالقدر الضروري لحماية نشاط الجميع. فهي لا تستطيع إذن إلإ وضع قيود سلبية من دون أن يكون لها سلطة فرض التزامات ايجابية على الأفراد، أي أنها تستطيع أن تمنع الفرد من الاعتداء على حرية الآخرين وليس لها أن تلزمه بعمل شئ من أجل الآخرين وهذا هو جزء من فروض الدولة الحديثة وأهدافها وعلى الاخص في الفقه الاشتراكي. وأخيرا فان الحق الفردي لا قيمة له ما لم يحدد مضمونه وتـُبيَّن وسائل استعماله، الأمر الذي لا يتصور بغير القانون، ومن ثم فلا يمكن للحقوق الفردية أن تكون قيودا فعالة على نشاط الدولة لأنه لا اثر لها قبل تدخل الدولة من اجل تنظيمها. فالمذهب الفردي إذ يقابل بين الفرد والدولة إنما يؤدي إلى احد أمرين : الفوضى او الاستبداد، لانه اما ان يكون للفرد ان يحدد حقوقه بنفسه، وحينئذ تنهار الدولة من أساسها وتكون الفوضى، واما ان تحدد الدولة وحدها مدى الحقوق الفردية، ووقتئذ لن يقف في سبيلها شئ مما يؤدي الى الاستبداد او التحكم. ومع ذلك كله وعلى الرغم من جميع هذه الانتقادات، فلا شك ان تقرير الحقوق الفردية وخصوصا اذا ما ضمنت في وثيقة لها جلالها كوثيقة إعلان الحقوق، لاشك ان ذلك التقرير من الناحية السياسية ان لم يكن من الناحية القانونية، يحول بين المشرع وبين الاعتداء على الحريات الأساسية للفرد كما أحس قوة الرأي العام. فالنظرية في الحقيقة لها قيمة سياسية اكثر منها قانونية.
ثالثا- نظرية التحديد الذاتي: ذهب الفقهاء الالمان مع اعترافهم بضرورة تقييد الدولة بالقانون، الى ان القواعد القانونية التي تحكم السلطات العامة لا يمكن ان تكون من صنع الدولة. ذلك ان الدولة هي صاحبة السيادة، والسيادة في نظرهم هي التي مكَّنت صاحبها في ان يحدد لنفسه بحرية مجال نشاطه، وان يعين مختارا ما يريد القيام به من الأعمال ومن ثم فالدولة لا يمكن ان تلتزم او يقيد سلطانها إلا بمحض إرادتها.
وذلك لا يعني ان الدولة سلطانها مطلق، لان السيادة ليس من مستلزماتها ان تكون سلطة مطلقة دون حدود. بيد ان من طبيعة الدولة ذات السيادة ان تضع بنفسها القواعد التي تقيد سلطانها . ولن تكون الدولة صاحبة سيادة اذا كانت تلك القواعد تفرض عليها من سلطة أو بإدارة أعلى .
ويكاد يجمع الفقه الالماني على ضرورة خضوع الدولة للقانون. وفي ذلك يقول جلينك Jellinek أنه ما لم تخضع الدولة للقانون الذي صنعته، فأن ما يعد قانونا ملزما بنفسه للافراد لن يكون قانونا بالنسبة للدولة وهذا غير ممكن، لان القاعدة لا تكون قانونية وغير قانونية في نفس الوقت وداخل نظام قانوني واحد، اللهم إلا إذا أقمنا الدولة على اساس ديني. ولكن الدولة ليست الله على الارض، فهي خاضعة للقانون، ونشاطها محدد بالقانون، وتمكن محاسبتها امام القضاء الذي يطبق عليها القانون شأنها شأن أفرادها.
وبذلك يكون الفقه الالماني قد وفق بين فكرة السيادة، التي كانت في ذلك الوقت (القرن التاسع عشر) بمثابة العقيدة التي لا تقبل الجدل، وفكرة خضوع الدولة للقانون، فسيادة الدولة تتنافى مع فكرة تقييدها بوساطة سلطة خارجية عليها، لان السيادة تفرض الاستقلال، ولكن الدولة حين تقبل بمحض إرادتها ان تقيد سلطانها في امر من الامور لا تكون بذلك قد فقدت سيادتها مادامت هي بنفسها قد وضعت القيد.
نقد النظرية: وقد انتقد ديجي هذه النظرية بعنف، فقال ان خضوع الدولة للقانون لا يكون حقيقيا إذا كانت هي وحدها تضع القانون وتعدله على وفق هواها وحسب مشيئتها، لأننا في الواقع نكون امام سلطة مطلقة لا حدود لها . ثم يتساءل عن الاسباب التي يمكن ان تدفع الدولة، وهي تحتكر إستخدام القوة، الى الخضوع للقانون الذي وضعته؟ِِ. ويجيب عن ذلك إهرنج بقوله: إن من المنطق ان تخضع الدولة للقانون الذي وضعته لما لها من مصلحة أكيدة في ذلك، إذ ان الدولة حين تلتزم القانون تكتسب سلطة أقوى على الافراد وتضمن احترامهم لقوانينها. والدولة لا تخضع للقانون بدافع المصلحة فقط بل ايضا، كما قال جلينيك Jellinek لما يوجد من تلازم بين فكرة الدولة ووجود نظام قانوني، لأنه من تعريف الدولة يظهر انها تفترض وجود ذلك النظام. فالدولة إذ توجد، يوجد معها قانون لا يمكنها الخلاص منه إلا بالقضاء على نفسها، وهي لا تمارس نشاطها إلا على مضمون ذلك القانون، فهو كالظل بالنسبة لها، يوجد بوجودها ويمحى بفنائها. كما ان القواعد التي يتضمنها ذلك القانون، لا قيمة لها إذا لم تكن ملزمة، والدولة لا يمكنها مخالفتها بغير القضاء عليها ومن ثمَّ التنكر لوحدها ذاتها. و قد صادفت هذه النظرية معارضة قوية في الفقه الفرنسي، ولم يعتنقها غير فالين وكاريه دي ملبر . غير ان بعض الفقهاء الفرنسيين مثل هوريو وبيردو لم يقولوا إلا بآراء مقاربة تماما لآراء الألمان ، وإن أنكروا كل صلة لهم بنظريات هؤلاء.
رابعا: نظرية ديجي في التضامن الاجتماعي: لجم ديجي النظريات الألمانية من أساسها حتى قال عن نظرية التحديد الذاتي إنها سفسطة وهزل، وخرج لنا بنظرية جديدة تقوم على أساس إنكار كل من فكرة السيادة وفكرة الحق وفكرة الشخصية المعنوية. ففي نظر ديجي أن إهرنج وجلنيك قد بدءا من نقطة بداية خاطئة، لأنهما كانا يهدفان إلى إيجاد أساس لمبدأ خضوع الدولة للقانون لا يتنافى مع مبدأ سيادة الدولة. بيد أن العلامة الفرنسي ينكر فكرة السيادة، ويرى أن المشكلة تنحصر في تعريف القانون وتعيين مصدر له يكون في منأى عن سلطان الحكم. فهو يعتقد انه لا يمكن تبرير خضوع الدولة للقانون طالما حسبنا القانون من صنع الدولة، أو انه بعبارة أخرى مجرد تعبير عن إدارة الحكام، لان الشرط الأساس لتقييد الدولة وخضوعها للقانون هو أن يكون للقانون مصدر مستقل وخارجي عن الدولة، وسابق على وجودها، بمعزل عن إرادة كل عضو من أعضائها. فصاحب القاعدة القانونية لا يمكن أن يقيدها لان القيد لا بد ان يكون مصدره خارجيا، أي نتيجة لقاعدة خارجية.
لذلك فقد قامت نظرية ديجي على أساس المصدر غير الإداري للقانون، أي عدم تدخل إرادة الحكام في عمل القانون. فالقاعدة تكتسب الصفة القانونية والإلزامية لا بسبب إصدارها بواسطة سلطة عامة ، ولكن بسبب اتفاقها مع مستلزمات التضامن الاجتماعي والعدالة . ومن ثم تكون لها الصفة القانونية لذاتها وبذاتها، إذ ان توافقها مع مقتضيات التضامن الاجتماعي صفة ذاتية لا دخل لإرادة الحكام في وجودها. وبذلك يظهر الانفصال بين القانون في مصدره وبين الدولة، الأمر الذي من شأنه أن يقيد الدولة بالقانون، لأن القاعدة القانونية تنشأ بمجرد ما يستقر في ضمير الجماعة ضرورة وجودها دون تدخل من الدولة.
نقد النظرية: وعلى الرغم مما نكنه لآراء ديجي من إجلال وتقدير ، فاننا نرى انه قد جانب التوفيق في هذا الباب، وانه اشتط في هجومه على الفقيه الالماني حتى ضل السبيل. فقد انكر الفقيه الكبير على الدولة حتى مجرد سلطة الصفة الوضعية للقاعدة القانونية، وادعى بان القاعدة تكتسب هذه الصفة بمجرد اعتناق الآفراد لها ورسوخها في ضمائرهم. ولكن، أليس القانون الوضعي هو القانون المطبق فعلا؟ ومادام الأمر كذلك، فكيف يمكن القول ان القاعدة قد اكتسبت الصفة الوضعية باعتناق الافراد لها من دون ان يتحدد مضمونها تحديدا دقيقا؟ فلا شك ان مجموع الافراد عاجز على ان يقوم مثل هذا التحديد، وكل ما يستطيع عمله هو ان يتطلع الى تعديل تشريعي في موضوع معين من دون ان يمكنه تحديد مضمونه تحديدا كافيا. ولذلك فلا يتصور اكتساب الصفة الوضعية لقاعدة ما قبل ان تدخل سلطة مختصة. ثم كيف يمكن خلع الصفة القانونية الالزامية على القاعدة من دون ان يكون لها جزاء منظم لحمايتها؟ وكما يقول هوريو: " لاحكم للقانون في أي مكان بغير سلطة تحميه".
الحقيقة أن آراء ديجي في القاعدة القانونية وعدم ضرورة الجزاء لاعتبارها كذلك، لايمكن التسليم بها. والاساس الذي قال به في خضوع الدولة للقانون ليس اساسا قانونيا ولا يعدو ان يكون قيدا أخلاقيا. ولا نريد الدخول في تفصيل هذه النظرية او غيرها من النظريات، فانما قصدنا فقط ان نلم الماما سريعا باهم الاراء التي قيلت في اساس خضوع الدولة للقانون وهناك نظريات اخرى قيل بها في هذا الشأن نكتفي بالاحالة اليها ( مثل نظرية القانون الطبيعي لميشو ولفير). وخلاصة القول ان الراي السائد اليوم يدعو الى اخضاع الدولة للقانون وان الخلاف ينحصر في تحديد الاساس الذي بقوم عليه ذلك المبدأ، فمن قائل بان القيود التي ترد على نشاط الدولة انما تنبع من ذات وجودها وانه لا يوجد انفصال بين السلطة والقانون اذ هما يمثلان وجهين لقطعة معدنية واحدة ومن ثم فليس للقانون سبق على الدولة (يمكن ان نضع في هذا الاتجاه مع نظرية التحديد الذاتي، الاراء التي قال بها كل من هيرو وبيردو). بينما يرى اخرون ان القانون سابق على الدولة ويسمو عليها ( نظرية الحقوق الفردية، نظرية ديجي في التضامن الاجتماعي ونظرية القانون الطبيعي) .
ونحن وان كنا لا نريد ان نتخذ الان موقفا من هذه الاراء المختلفة حول القانون والدولة، لما يقتضي ذلك من دخول في تفاصيل قد تباعد بيننا وبين موضوع البحث، فاننا مع ذلك نستطيع ان نعلن ميلنا الى الاخذ بالنظرية الالمانية، لما فيها من تلمس لحقيقة الواقع، وبعد عن التصور والخيال. اما النظريات التي تقيم فاصلا قاطعا بين القانون والدولة فهي نظريات تنكر القانون الوضعي وتقوم على اساس تصوري خاطئ، اذ انه لا يصح الفصل بين القانون والدولة لوجودهما في حالة اعتماد وتساند متبادلين، ولان السلطة في الدولة تقوم على اساس من القانون، كما ان القواعد الوضعية تجد مصدرها في السلطة التي تنظم الجزاء اللازم لحمايتها.
رابعا - نظرية التضامن الاجتماعي. دعا إليها ليون دوجي، والذي يرى بأن الدولة مقيدة بقواعد القانون الوضعي الذي يفرضه التضامن الاجتماعي باعتباره حقيقة وضرورة اجتماعية وهو الذي أدى إلى نشأة الدولة ويفسر أساس مشروعية السلطة وعليه فالتضامن الاجتماعي هو الذي يحد من سلطة الحاكم ويعتبر قيدا عليها.
لقد انتقدت هذه النظرية، لأن الصفة الوضعية للقاعدة القانونية لا تكتسب إلا بواسطة الدولة وهي التي تحدد مضمون القاعدة وهي مصدرها وليس اعتناق الأفراد لها.
هذه هي النظريات التي حاولت إيجاد أساس لتفسير التزام السلطة بالقواعد القانونية عندما تمارس مهامها، وتعد نظرية التقييد الذاتي للإرادة أقرب النظريات للواقع.






بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 1:22
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67721
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري- الجزء الثاني



القانون الدستوري- الجزء الثاني

- تعريف الدولة القانونية وعناصرها
ومهما يكن الاساس الذي يقوم عليه مبدأ خضوع الدولة للقانون فلا شك في كونه مبدأ من المبادئ الاساسي للدول الحرة. غير ان عناصرها لا يمكن حصرها في قائمة موحدة وثابتة، لان الدولة القانونية في الواقع ليست الا نظاما مثاليا لم يتحقق بصورة مكتملة العناصر في القانون الوضعي، كما ان مضمون المبدأ وعناصره تخضع لسنة التطور مع تطور الفكر الانساني كما تختلف من فقيه الى اخر. و نظرية الدولة القانونية قد اخذت صورتها العلمية على يد الكتاب الالمان وعلى الاخص مول وستال وجينيست. ويعرفها ستال بانها تلك التي تعين عن طريق القانون وسائلَ مباشرةِ نشاطِها وحدود ذلك النشاط؛ كما تحدد مجالات النشاط الفردي الحر. بينما يعرفها جيركه بانها الدولة التي تخضع نفسها للقانون وليست تلك التي تضع نفسها فوق القانون. على انه يجب ان لايغرب عن البال ان التعبير قد استعمل في معان مختلفة في كتب الفقه. فمن الفقهاء من قصد به مجرد خضوع الادارة للقانون بالمعنى الضيق أي خضوع الادارة للعمل الصادر من السلطة التشريعية، وهو ما نسميه نحن "مبدأ سيادة القانون" والذي لا يعدو في نظرنا ان يكون عنصرا من عناصر الدولة القانونية. وقد عدَّ هوريو خضوع الدولة للقضاء صورة من صور الدولة القانونية، ومرحلة من مراحل تطورها، ونحن نرى ان خضوع الدولة للقضاء او امكان مقاضاتها امام القضاء ورضوخها لاحكامه شأنها شأن الافراد، يكون عنصرا اخر من عناصر الدولة القانونية بغيره يغدو مبدأ خضوع الدولة للقانون وهميا او نظريا . لذلك نرى من اللازم ان نعرف من الان ماهية الدولة القانونية او مبدأ خضوع الدولة للقانون، وان نميزه عن غيره من المبادئ التي تختلط به في الاذهان.
أولا: تعريف الدولة القانونية:- القول بنظام الدولة القانونية معناه خضوع الدولة للقانون في جميع مظاهر نشاطها، سواء من حيث الادارة او القضاء او التشريع، وذلك بعكس الدولة البوليسية حيث تكون السلطة الادارية مطلقة الحرية في ان تتخذ قبل الافراد ما تراه من الاجراءات محققا للغاية التي تسعى اليها على وفق الظروف والملابسات (وهذا النظام الذي عرفته الملكيات المطلقة في القرنين السابع عشر والثامن عشر وبعض كبرى الامبراطوريات في القرن التاسع عشر. على ان الانتقال من نظام الدولة البوليسية الى نظام الدولة القانونية لا يتم الا على مراحل، لاننا نجد كثيرا من البلدان حتى اليوم تمثل خليطا من عناصر الدولة القانونية وعناصر الدولة البوليسية، لان كثيرا من تلك الدول لم تخضع للقانون الا في بعض مظاهر نشاطها دون بعضها الاخر. ومع ذلك يمكن ان نعد الثورة الفرنسية وما تابعها من اعلان الحقوق، الحدث الذي حقق الانتقال من نظام الدولة البوليسية الى نظام الدولة القانونية، لان الثورة قد هدفت الى هدم كل ما يتعلق بالماضي وما خلفه من انظمة استبدادية، واقامت نظاما جديدا على اسس جديدة.
وعلى الرغم مما خلفته الثورة الفرنسية من اثار في مختلف الدول الاوربية، فان غالبية هذه الدول قد عاشت في ظل النظام البوليسي طوال القرن التاسع عشر، ولم تأخذ بنظام الدول القانونية الا تدريجا وحديثا.
ويجب التمييز بين الدولة البوليسية والدولة الاستبدادية ففي الاخيرة نجد تعسف الادارة بالافراد حسب هوى الحاكم او الامير ويُستبَدّ بأمورهم. اما في الدولة البوليسية فليس للافراد حقوق قبل الدولة وللادارة سلطة تقديرية مطلقة في اتخاذ الاجراءات التي تحقق الصالح العام للجماعة، وذلك على اساس ان الغاية تبرر الوسيلة أي انه بينما يستهدف السلطة في الدولة البوليسية مصلحة المجموع، نجد الحاكم المستبد لا يبغي الا مصلحته الشخصية. ومن ثم يكون الحاكم في الدولة الاستبدادية مطلق التصرف وغير مقيد بأي قيد، لا من حيث الوسيلة ولا من حيث الغاية، أي انه يعمل كل ما يحلو له ولو كان فيه إساءة الى الجماعة التي يتولى أمرها.
اما في الدولة البوليسية فالحاكم وان كان غير مقيد من حيث الوسيلة، فهو مقيد من حيث الغاية، لان حريته في اتخاذ ما يراه من الاجراءات مشروطة بان تكون غايته في هذه الإجراءات مصلحة الجماعة وليس مصلحته الشخصية. ولعل اهم مايميز الدولة القانونية هو ان السلطات الادارية لا يمكنها ان تلزم الافراد بشئ خارج القوانين المعمول بها، وذلك يعني تقييد الادارة: فمن ناحية لا تستطيع الادارة حينما تدخل في معاملات مع الافراد ان تخالف القانون او تخرج عليه ومن ناحية اخرى لا تستطيع الادارة ان تفرض عليهم شيئا الا اعمالا لنص القانون او بموجب قانون. فعلى رجل الدولة اذن قبل ان يتخذ أي إجراء ضد احد الافراد، ان يبين له القانون الذي استمد منه سلطة اتخاذ ذلك الاجراء، وبعبارة أخرى ليس على الادارة فقط أن تمتنع عن مخالفة القانون ، بل يجب عليها فوق ذلك ان لا تتصرف الا بموجب نص القانون.
على ان ذلك لا يكون الا عنصرا من عناصر الدولة القانونية، اذ انه للوصول الى نظام الدولة القانونية الكامل لا يكفي إخضاع الادارة للقانون، بل يلزم اخضاع جميع السلطات العامة الاخرى كذلك وعلى الاخص السلطة التشريعية، أي سلطة عمل القوانين.
ثانيا: التمييز بين مبدأ خضوع الدولة للقانون او نظام الدولة القانونية وبين مبدأ سيادة القانون:
1- مبدأ خضوع الدولة للقانون كما سبق القول يعني خضوع جميع السلطات في الدولة للقانون، وهو مبدأ قانوني قصد به صالح الافراد وحماية حقوقهم ضد تحكم السلطة. أما مبدأ سيادة القانون فينبع من فكرة سياسية تتعلق بتنظيم السلطات العامة في الدولة وتهدف الى وضع الجهاز التنفيذي في مركز ادنى بالنسبة للجهاز التشريعي ومنع الاول من التصرف الا تنفيذا لقانون او بتخويل من الشعب صاحب السيادة. وحيث ان كل تنظيم في الدولة وكل نشاط لها يجب ان يصدر عن ارادة الشعب، فانه ينبغي خضوع السلطة التنفيذية للبرلمان وكل عمل للسلطة التنفيذية لا يمكن الا ان يكون تنفيذا للقانون المعبر عن الارادة العليا. وهذا الخضوع أي خضوع الجهاز التنفيذي للجهاز التشريعي، لا يقتصر على ما يتعلق باعمال الادارة التي تنتج اثارا خاصة تجاه الافراد ، بل يمتد الى جميع الاجراءات الادارية بما فيها تلك التي تخص التنظيم الداخلي للمرافق الادارية والتي لا تتعدى اثارها نطاق الجهاز الحكومي.
2- مبدأ خضوع الدولة للقانون وان كان اضيق نطاقا من مبدأ سيادة القانون من حيث ان الاول يقتصر تطبيقه على الاجراءات التي تمس مصالح الافراد بينما الثاني شامل لجميع اعمال الادارة كما سبق البيان، فان مبدأ خضوع الدولة للقانون اوسع نطاقا من نواحي اخرى. فمبدأ سيادة القانون يهدف الى جعل الجهاز التشريعي ـ بوصفه جهازا منتخبا من الامةـ الجهاز الاعلى في الدولة، وان يجعل ارادته الارادة الاعلى فيها. ومن ثم فهو لا ينطبق الا على السلطة التنفيذية، في حين ان نظام الدولة القانونية يقتضي إخضاع جميع السلطات العامة للقانون أي ان هذا المبدأ الاخير لا يقيد السلطات الادارية فقط، بل يقيد السلطة التشريعية ايضا. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى فان مبدأ سيادة القانون يعني خضوع الادارة للقوانين الاشكالية فقط. بيد ان نظام الدولة القانونية يعني تقييد الادارة ليس فقط بالقوانين، بل أيضا باللوائح الادارية، وذلك لانه على وفق مبدأ خضوع الدولة للقانون لا يجوز للادارة ان تلزم الافراد إلا في حدود القوانين و اللوائح المعمول بها، ومن ثم فهي تخضع للوائح الادارية كما تخضع للقوانين طالما ان تلك اللوائح تبقى معمولا بها..
3- مبدأ سيادة القانون خاص بالنظم الديمقراطية حيث يتكون الجهاز التشريعي الذي يعمل القوانين من نواب عن الامة يمثلون إرادتها العليا. اما مبدأ خضوع الدولة للقانون فهو يصلح النظم المختلفة للحكم، ديمقراطية او ديكتاتورية، ولذلك فنحن نرى مع الأستاذ بونار ان الفقه الاشتراكي القومي الالماني (النازي) لا يتعارض مع مبدأ خضوع الدولة للقانون وان لم يأخذ بمبدأ القانون بمعنى سيادة البرلمان. وعلى الرغم من كل هذه الفروق، فان الخلط قائم في كثير من الاذهان بين خضوع الدولة للقانون ومبدأ سيادة القانون،
ونجد كثيرا من كتب الفقه، المصري والفرنسي على السواء، تستعمل التعبيرين على انهما مترادفان ولعل مصدر الخلط راجع الى حسبان النظام الفرنسي، وهو الذي يأخذ بمبدأ سيادة القانون الناتجة عن سيادة البرلمان، النظام المثالي للدولة القانونية. وهو نظر غير سليم في رأينا، لان المشرع الفرنسي في الواقع لا يعرف قيودا حقيقية على حريته، اذ تنعدم الرقابة على دستورية القوانين، ولا يكون نظام الدولة القانونية متحققا بصورة كاملة ما لم تتقرر الضمانات التي تكفل احترام الدستور وتضمن عدم مخالفة المشرّع لنصوصه.
ثالثا: عناصر الدولة القانونية ووسائل تحقيقها: للقول بخضوع الدولة كلية للقانون، او لتحقيق نظام الدولة القانونية الكامل ينبغي توافر عناصر مختلفة وتقرير ضمانات معينة نجملها فيما يلي:
1- وجود دستور: وجود دستور يعني اقامة نظام في الدولة ووضع قواعد لممارسة السلطة فيها ووسائل وشروط استعمالها ومن ثم يمتنع كل استخدام للسلطة العامة لا تراعى فيه الشروط او تلك القواعد. وبعبارة اخرى، اذا كان دستور الدولة يبين اختصاصات كل عضو من اعضائها، فهو في الوقت نفسه يحرم عليه جميع السلطات التي تخرج عن ذلك البيان. من ذلك يتضح ان وجود الدستور يعد الضمانة الاولى لخضوع الدولة للقانون، لان الدستور يقيم السلطة في الدولة. ويؤسس وجودها القانوني كما يحيط نشاطها بإطار قانوني لا تستطيع الحياد عنه. وليس ذلك راجعا الى ان الدستور يقيم حكما ديمقراطيا اذ انه لا ارتباط بين وجود الدستور وقيام الحكم الديمقراطي. كما انه ليس ثمة تلازم بين خضوع الدولة للقانون واعمالها للمبدأ الديمقراطي. ولكن وجود الدستور يؤدي الى تقييد سلطات الدولة، اذ سينظم السلطة فيها ووسائل ممارستها كما يعين حقوق الحاكم ويحددها. والدستور بطبيعته أسمى من الحاكم لانه يحدد طريقة اختياره و يعطيه الصفة الشرعية، كما يبين سلطاته وحدود اختصاصه ومن ثم فان السلطة التي مصدرها الدستور لابد ان تكون مقيدة، لا لانها يجب ان تمارس على وفق الأوضاع الديقراطية، ولكن لوجوب احترامها لوضعها الدستوري و الا فقدت صفتها القانونية. فاذا ما نص الدستور على ان امورا معينة لا يمكن تنظيمها الا بقوانين تصدر من السلطة التشريعية في الدولة فان ذلك يستتبع حتما تقييد سلطان الدولة في هذا الشأن لانها لن تستطيع تنظيم هذه الامور عن طريق السلطة التنفيذية. كما ان الدستور اذا ما فصل بين سلطة سن القوانين وسلطة عمل الدستور، أي انه اذا ما أخذ بفكرة الدستور الجامد وفرق بين القوانين العادية والقوانين الدستورية، كان ذلك اكثر تقييدا لسلطات الدولة بقدر جمود الدستور وبقدر ما توضع من قيود على تعديله.
ووجود الدستور يعني تقييد السلطات المنشأة في الدولة، أي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، لان الدستور هو الذي انشأها ونظمها وبيَّنَ اختصاصاتها، ولانها تابعة للسلطة التأسيسية.
2- الفصل بين السلطات: واذا كان الدستور يعين السلطات ويحدد اختصاص كل منها، فانه ينبغي ضمان احترام هذه القواعد وعدم خروج السلطة عن حدود اختصاصها. ولعل الضمانة الاولية لذلك تنحصر في الفصل بين السلطات فصلا عضويا او شكليا، بمعنى تخصيص عضو مستقل لكل وظيفة من وظائف الدولة، فيكون هنالك الجهاز الخاص بالتشريع والجهاز الخاص بالتنفيذ والجهاز الثالث للقضاء ومتى تحقق ذلك فان كل عضو سيكون له اختصاص محدد لا يمكنه الخروج عليه من دون الاعتداء على اختصاص الاعضاء الاخرين. ولاشك ان الفصل بين السلطات يمنع ذلك الاعتداء لان كلا منها سيوقف اعتداء الاخر.
اما اذا تجمعت السلطات في يد واحدة، فانه حتى لو قيدناها بقواعد معينة في الدستور فلن تكون هناك أي ضمانة لاحترام هذه القواعد، ولن يقف في سبيل الحاكم شئ اذا استبد بالسلطة. فمثلا اذا اجتمعت وظيفة التشريع ووظيفة التنفيذ في يد واحدة، فان التشريع قد يفقد ضمانته الاساسية، الا وهي وضعه قواعد عامة مجردة لتطبق على الحالات المستقبلية. وقد يحدث ان تصدر القوانين لتسري على حالات خاصة، او ان يعدل القانون وقت التنفيذ على الحالات الفردية لاغراض شخصية. ويصدق نفي الشئ على حالات اجتماع وظيفتي التشريع والقضاء في يد واحدة، اذ يستطيع المشرع ان يسن قوانين مغرضة تتفق مع الحل الذي يريد تطبيقه على الحالات الفردية التي تعرض امامه للقضاء فيها، فيحابي من يشاء ويسعف بمن يريد.
3- سيادة القانون: أي أن على الجميع احترام القوانين بحيث تتحقق من خلال مبدأ المساواة بين أفراد الشعب أمام النصوص القانونية.
فلا يجوز لأي سلطة في الدولة أن تتخذ إجراءا إداريا أو عملا ماديا، الا بمقتضى القانون وتنفيذا للقانون.
4- تدرج القواعد القانونية: كان للمدرسة النمساوية، وعلى رأسها كلسن ومركل الفضل في استخلاص هذه النظرية التي تقول بان القواعد القانونية التي يتكون منها النظام القانوني في الدولة ترتبط ببعضها البعض ارتباطا تسلسليا ، بمعنى انها ليست جميعا في مرتبة واحدة من حيث القوة والقيمة القانونية، بل تتدرج فيما بينها ما يجعل بعضها اسمى من مرتبة بعضها الاخر. فنجد في القمة القواعد الدستورية التي تكون اعلى مرتبة من القواعد التشريعية العادية أي الصادرة عن السلطة التشريعية، وهذه بدورها اعلى من القواعد القانونية العامة(اللوائح) التي تصدرها السلطات الادارية. ونستمر في هذا التدرج التنازلي حتى نصل الى القاعدة الفردية (القرار الفردي) الصادر من سلطة ادارية دنيا.
يترتب على مبدأ تدرج القواعد القانونية، وجوب خضوع القاعدة الادنى للقاعدة الاسمى من حيث الشكل والموضوع، أي ان صدورها من السلطة التي حددتها القاعدة الاسمى وباتباع الاجراءات التي بينتها، وان تكون متفقة في مضمونها مع مضمون القاعدة الاعلى. كما ان القرار الفردي لابد ان يكون تطبيقا لقاعدة عامة مجردة موضوعة سلفا. واخيرا فان العمل المادي التنفيذي نفسه لن يكون الا تنفيذا للقرار المطبق للقاعدة العامة على الحالة الفردية، أي انه لا يجوزللجهة الادارية عند تطبيقها للقاعدة القانونية العامة على الحالات الفردية، ان تلجأ الى اتخاذ اجراءات مادية تنفيذية مباشرة، بل يجب عليها قبل اتخاذ هذه الاجراءات ان تصدر قبلا قرارات فردية تعلن فيها ان الحالات الفردية المعروضة تندرج تحت القاعدة القانونية وتخضع لاحكامها. وبعبارة اخرى ان التنفيذ المادي يسبقه دائما قرار اداري فردي يحدد مجال نطاقها في القاعدة القانونية ويعين الافراد الذين تسري عليهم، ولعل في هذا الارتباط بين القواعد القانونية التي تكوّن النظام القانوني للدولة ما يحقق نظام الدولة القانونية على أحسن وجه، لان كل قاعدة قانونية تتولد عن قاعدة قانونية أعلى منها مرتبة، كما تولد في نفس الوقت قاعدة اخرى تأخذ مرتبة أدنى : أي ان القواعد القانونية تتتابع في حلقات تنازلية او تتدرج في نظام قانوني هرمي . وهذا النظام كله يقوم على أساس قانوني هو اخر .فاذا كانت القواعد الدستورية توجد في قمة هذا النظام الهرمي ، فان ذلك لا ينفي خضوعها للقانون ، لانه لابد ان تكون هناك قاعدة قانونية ترتكز اليه أو قاعدة تعد خارج النظام الهرمي . ففي حالة تعديل الدستور لابد من مراعاة القواعد التي نص عليها الدستور السابق، وإذا كان التعديل نتيجة ثورة او انقلاب فان الدستور الجديد لابد ان يلتزم المبادئ والاهداف التي قامت من أجلها الثورة او الانقلاب.
5- الاعتراف بالحقوق الفردية: قلنا فيما سبق إن نظام الدولة القانونية يهدف الى حماية الافراد من عسف السلطات العامة واعتدائها على حقوقهم، فهو يفترض وجود حقوق للافراد في واجهة الدولة لأن المبدأ ما وجد الا لضمان تمتع الافراد بحرياتهم العامة وحقوقهم الفردية. غير ان الحقوق الفردية في الدولة الحديثة قد فقدت مدلولها التقليدي الحر الذي كان يجعل منها حواجز منيعة امام سلطان الدولة ويسد بوجهها مجالات معينة يحظر عليها الاقتراب منها، ومن ثمَّ يحدد سلطاتها. واصبحت الحقوق الفردية في مدلولها الجديد لا تتطلب حتما تقييد سلطات الدولة، بل على العكس توجب تدخل الدولة في بعض الاحيان. كما انه ظهرت حقوق فردية جديدة، فالحقوق الاقتصادية تفرض على الدولة التدخل من اجل تحقيق مستوى مادي معين للافراد، يسمح لهم بممارسة حرياتهم الاخرى التقليدية. ولاشك ان الحقوق الفردية بمدلولها التقليدي الحر، هي الاقرب الى تحقيق نظام الدولة القانونية الكامل، لما تفرضه من قيود على سلطات الحكام ولما تتضمنه من امتيازات للافراد. ومع ذلك فان الحقوق الفردية بمدلولها الحديث ـ وان كانت تحد من مبدأ خضوع الدولة للقانون بما تتضمنه من توسع في اختصاصات الدولة ـ فهي لا تتنافى كليا مع ذلك المبدأ، بل على العكس تدعمه وتقويه من حيث انها تفرض على الدولة التزامات معينة ومن ثمَّ تخضع نشاطها لقواعد معينة يمتنع عليها ان تخالفها. غاية الامر ان مدلول المبدأ قد تغير فبعد ان كان خضوع الدولة للقانون خضوعا سلبيا، إذ يمتنع عليها الاعتداء على الحقوق الفردية اعمالا لمبادئ المذهب الفردي الحر، اصبح الخضوع ايجابيا في الدولة الحديثة ذات النزعات الاشتراكية نظرا لما يفرضه عليها القانون من التزامات ايجابية بقصد تحقيق مستوى مادي معين للافراد. ففي كلتا الحالتين نجد الدولة تخضع لقانون وان كان خضوعها في الوقت الحاضر اضيق نطاقا من خضوع الدولة الحرة التي تقوم على المذهب الفردي، اذ ان الدولة الحديثة قد اتسع اختصاصها بعكس الدولة الحرة التي كانت مقيدة في اختصاصها الى حد بعيد.
6- تنظيم رقابة قضائية: وأخيرا فانه لتحقيق نظام الدولة القانونية يجب تنظيم حماية مناسبة للقواعد المقيدة لنشاط السلطات العامة اذ انه ما لم يوجد جزاء منظم لتلك القواعد فإنها لن تكون قيدا حقيقيا على نشاط الدولة.
على انه من الممكن تنظيم صور مختلفة لهذه الحماية. فهناك الرقابة البرلمانية والرقابة الإدارية والرقابة القضائية. والحماية التي تحققها كل من الرقابة البرلمانية والرقابة الإدارية غير كافية، لان الأولى سياسية يتحكم فيها حزب الأغلبية وتخضع لأهوائه، والثانية تجعل الأفراد تحت رحمة الادارة اذ تقيم من الإدارة خصما وحكما في وقت واحد. اما الرقابة القضائية فهي وحدها التي تحقق ضمانة حقيقية للافراد، اذ تعطيهم سلاحا بمقتضاه يستطيعون الالتجاء الى جهة مستقلة تتمتع بضمانات حصينة من اجل الغاء او تعديل او التعويض عن الاجراءات التي تتخذها السلطات العامة بالمخالفة للقواعد القانونية المقررة. واستقلال السلطة القضائية وتمتعها بالضمانات الكافية لصيانة هذا الاستقلال ضروريان لتحقيق رقابة فعالة ومنتجة. ولاشك ان ما يتمتع به القضاء في بلد مثل بريطانيا من حصانة واستقلال، وعلى الخصوص تجاه السلطة التنفيذية لكفيل بتحقيق رقابة قوية على الادارة البريطانية وباخضاع الحكام البريطانيين لاحكام القانون وتحديد سلطاتهم تحديدا فعالا . اما حيث يفقد القضاء استقلاله ويكون رجاله من حيث اختيارهم او ترقيتهم او ممارسة اختصاصاتهم خاضعين للسلطة التنفيذية فان الرقابة القضائية تفقد معناها على الاقل بالنسبة للحكام، ويصبح مبدأ خضوع الدولة للقانون وهميا لا وجود له. الا ان البحث يثور مع ذلك حول المفاضلة بين تخصيص قضاء مستقل للنظر في اقضية ومنازعات السلطات العامة(أي بين فكرة القضاء المزدوج التي تقيم الى جانب القضاء العادي الذي يفصل في منازعات الافراد، قضاء اداريا خاصا بمنازعات الجهات الادارية) وبين فكرة توحيد القضاء وجعل المنازعات الخاصة والعامة أي سواء السلطة العامة طرفا فيها او لم تكن من اختصاص جهة قضائية واحدة. ومهما تكن نتيجة هذا الجدل فلا شك ان الضمانة الاساسية لتحقيق نظام الدولة القانونية هو خضوعها لقضاء في جميع نشاطها التشريعي ونشاطها الاداري. ومن ثم يكون من اللازم حتى يكتمل خضوع الدولة للقانون، ان يتم َّ تنظيم رقابة قضائية على القوانين وعلى الاعمال الادارية معا.
وبذلك نكون قد انتهينا من بيان العناصر الاساسية لنظام الدولة القانونية الكامل وما يكفل تحقيقه من ضمانات . على انه يجب التنبه الى تخلف عنصر من هذه العناصر او اغفال ضمانة من الضمانات، لا يعني عدم خضوع الدولة للقانون، وانما يعني فقط ان نظام الدولة القانونية ليس كاملا . فقد سبق لنا القول بان نظام الدولة القانونية نظام مثالي لم يتحقق بصورة كاملة في القانون الوضعي، وانما تأخذ الدول ببعض مظاهره من دون بعضها الاخر، كما ان قائمة العناصر والضمانات التي سردناها، ليست سوى محاولة فقهية من جانبنا، اردنا بها ان نسوِّغ العناصر والضمانات التي نرى ضرورة توافرها لقيام ذلك النظام وقد يرى غيرنا ان هذه العناصر او تلك الضمانات ليس من اللازم توافرها جميعا لتحقيق نظام الدولة القانونية، بينما من الممكن ان يجدها غير كافية لاقامة النظام.
خلاصة: وخلاصة ما تقدم ان نظام الدولة القانونية قد اصبح حقيقة معترفا بها في الانظمة السياسية الحديثة. واذا كان التطور في مد وجزر، وصعود وهبوط فان الفكر البشري قد وصل الى درجة عليا في تقويم الإنسان لا يتصور معها العودة الى النظم البدائية التي كانت لا تعترف بأي قيد على سلطات الحاكم، والتي كانت تخلط بين الحاكم والدولة، وهي ملكا لكل شئ ومطلق السيادة على المحكومين في اشخاصهم وفي اموالهم وفي معتقداتهم. ولئن كان الارتباط وثيقا بين ظهور المبادئ الحرة وتقرير مبدأ خضوع الدولة للقانون، وان ثمة تعاصرا زمنيا قد وجد بين نشأة المذهب الفردي وقيام نظام الدولة القانونية في اوربا، فان التلازم ليس حتميا بين هذا وذاك. فقد عرف الاسلام نظام الدولة القانونية قبل ان تأخذ به الدول الاوربية وقبل ظهور المذهب الفردي بقرون كثيرة. كما ان النظم السياسية الحديثة، الشرقية منها والغربية قد هجرت تعاليم المذهب الفردي واخذت بمذاهب التدخل، ولكنها مع ذلك تقوم جميعا على أساس إخضاع الحكام لقواعد تسمو عليهم وتقيّد سلطاتهم. فالدولة الحديثة، أيا كان نظامها السياسي، يقوم على أساس دستوري يحدد للحاكم اختصاصاته ويقيد سلطاته في حدود الاختصاصات الدستورية، وتخضعه لرقابة قضائية تقرر مسؤوليته إذا خرج على الرسالة التي فوضه الشعب في القيام بها.. وغاية الأمر ان الدول تختلف فيما بينها من حيث مدى اخذها بعناصر الدولة القانونية، ومن حيث مدى تقريرها الضمانات التي تكفل تحقيق هذا النظام.






بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 1:26
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67721
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري- الجزء الثاني



القانون الدستوري- الجزء الثاني

المبحث الثاني : هيئات سلطة الدولة
تشتمل حكومة الدولة الحديثة عادة على ثلاث هيئات هي : الهيئة التشريعية والهيئة التنفيذية والهيئة القضائية ، تقوم على أساس من التخصص في العمل .


أولا- الهيئة التشريعية :
وهي الهيئة التي تملك إصدار القواعد القانونية الملزمة التي تحكم تصرفات الحكام والمحكومين في نطاق الدولة . وهذا يقتضي أن نعرض للجهة المختصة بالتشريع ، ثم إلى كيفية ممارسة وظيفة التشريع .
أ-الجهة المختصة بالتشريع :-
1-البرلمان : يتمتع البرلمان باختصاص أصيل في مجال التشريع ، وتتمثل وظيفته الأصلية في وضع التشريعات التي تحكم مختلف أنواع الأنشطة ذات الأهمية في الدولة ، سواء تعلقت هذه الأنشطة بالأفراد ، أم تعلقت بهيئات الدولة المختلفة . والوظيفة التشريعية يتولاها البرلمان منفردا ، أو بالاشتراك مع السلطة التنفيذية ، أو بالاشتراك مع الشعب . هذا ويمارس البرلمان بالإضافة إلى الوظيفة التشريعية ، وظائف دستورية أخرى ، تتمثل في : الوظيفة المالية ، وتتعلق بفرض الضرائب العامة والموافقة على ميزانية الدولة . كما يقوم البرلمان بوظيفة سياسية ، تتعلق بممارسة نوع من الرقابة على أجهزة الدولة التنفيذية ، بصورة أو بأخرى ، تختلف حسب نوع النظام السياسي المطبق . وتختلف الدول فيما يتعلق بتنظيم البرلمان ، فمنها ما يأخذ بنظام المجلس الواحد ، ومنها ما يأخذ بنظام المجلسين . ويقصد بنظام المجلس الواحد ، اضطلاع مجلس نيابي واحد بالوظيفة التشريعية في الدولة . ويتكون المجلس الواحد – كقاعدة عامة – من عدد معين من النواب الذين يتم انتخابهم بواسطة الشعب ، طبقا للنظام الانتخابي الذي يقرره الدستور . وقد يتم الجمع بين وسيلتي الانتخاب والتعيين في تكوين المجلس، بحيث يقوم الشعب بانتخاب بعض الأعضاء ، على ان تتولى الهيئة التنفيذية تعيين البعض الآخر . أما نظام المجلسين ، فيقتضي أن يتشكل البرلمان من مجلسين نيابيين . وتختلف صورة كل مجلس عن الآخر من حيث التكوين ، ومن حيث الاختصاص . وتتوزع مظاهر الاختلاف بين المجلسين النيابيين من حيث تكوينهما إلى المغايرة في : التشكيل ، وعدد الأعضاء ، وفي الشروط التي يجب أن تتوافر في الناخب والمرشح ، ومدة العضوية . وإذا كانت الوظيفة التشريعية بجميع مظاهرها تنعقد للبرلمان ، فإنه من الطبيعي ، أن يباشر المجلسان هذه الوظيفة عند الأخذ بنظام الازدواج . ومعنى ذلك إن لكل مجلس منهما الحق في اقتراح القوانين وحق مناقشة مشروعات القوانين وإقرارها بصفة مستقلة عن المجلس الآخر ، بحيث يلزم موافقة المجلسين على مشروعات القوانين ، حتى تتحول إلى تشريعات نافذة كأصل عام . بيد إن هذا الأصل العام لم تأخذ به كثير من الدساتير ، إذ فرقت بين المجلسين من حيث الاختصاص التشريعي لكل منهما ، ومنحت المجلس الشعبي سلطات أوسع من المجلس الآخر .
2- رئيس الدولة :أقرت بعض الدساتير باشتراك رئيس الدولة مع البرلمان في مجال التشريع .
حيث نصت الدساتير على اختصاصات تشريعية يتمتع بها رئيس الدولة ، وهي :
- اقتراح القوانين . - الاعتراض على القوانين . -التصديق على القوانين وإصدارها .
وتولت الدساتير مسألة تنظيم دور رئيس الدولة في ممارسة العمل التشريعي في حالات عديدة منها :
1- إذا كان البرلمان معطلا لسبب أو لآخر وحدث ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز لرئيس الدولة أن يصدر في شأنها قرارات لها قوة القانون .
2- للبرلمان أدوار انعقاد عادية وأخرى غير عادية تتخللها فترات الراحة . فإذا حدث أمر طارئ لا يمكن مواجهته إلا بقانون ، فإن الاتجاه يذهب نحو تخويل رئيس الدولة إصدار مراسيم لها قوة القانون .
3- التشريع بتفويض من البرلمان . لرئيس الدولة وبناءا على تفويض من البرلمان أن يصدر قرارات لها قوة القانون ، ويجب أن يكون التفويض لمدة محدودة ، وإن تبين فيه موضوعات هذه القرارات ، وأن تعرض هذه القرارات على البرلمان في نهاية المدة لكي يبدي رأيه فيها .
ب- كيفية ممارسة وظيفة التشريع :
إن عملية صنع القانون ، لا تكتمل إلا بعد إتمام مراحل عديدة ، تبدأ باقتراح مشروع القانون ، ثم مناقشة مشروع القانون ، والتصويت عليه ، ثم التصديق والإصدار .
1-اقتراح مشروع القانون : أقرت أغلب الدساتير للبرلمان بحق اقتراح مشروعات القوانين على أساس إنه العضو الأصيل في التشريع . ولكن بعض الدساتير تجعل مشروعات القوانين ، حقا مشتركا بين الحكومة والبرلمان .
2- التصويت على مشروع القانون : سواء كان الاقتراح من جانب البرلمان ، أو من جانب الحكومة ، فإنه لكي يصبح المشروع قانونا ، فلابد أن يوافق عليه البرلمان . وتتم إجراءات التصويت على مشروع القانون ، طبقا للنظام الداخلي الذي يحكم عمل البرلمان . والقاعدة العامة في التصويت هي الأغلبية العادية أو البسيطة ، حيث أنها تكفي للموافقة على القانون ، ما لم يقرر الدستور غير ذلك صراحة . ذلك لأن بعض الدساتير تتطلب الأغلبية المطلقة لإقرار بعض القوانين الهامة ، فإذا لم يحصل المشروع المعروض على البرلمان على الأغلبية المطلوبة ، فإنه يعتبر مرفوض .
3- التصديق والإصدار : في حالة إقرار البرلمان لمشروع القانون ، يرفع إلى رئيس الدولة للتصديق عليه
واختصاص رئيس الدولة بالتصديق ، يعد أحد الحقوق التقليدية لرئيس الدولة في مختلف الأنظمة السياسية .
فإن صادق رئيس الدولة على مشروع القانون ، فإنه لا يصبح قانونا نافذا إلا بعد نشره في الجريدة الرسمية لكي يتحقق العلم به . أما إذا امتنع رئيس الدولة عن التصديق ، فإن ذلك يعد ، اعتراض على مشروع القانون ، يترتب عليه ، وقف نفاذ القانون .


ثانيا- الهيئة التنفيذية :
تتمثل وظيفة الهيئة التنفيذية في وضع القواعد القانونية موضع التنفيذ ، بالإضافة إلى دورها في وضع السياسة العامة للدولة . وقد تكون الهيئة التنفيذية ، فردية ( في النظام الرئاسي ) ، أو ثنائية ( في النظام البرلماني ) ، أو جماعية ( في النظام ألمجلسي ) .
وسنعرض للاتجاهات الدستورية في تكوين الهيئة التنفيذية ، وعلى النحو التالي :
الاتجاه الأول- النظام الرئاسي : قد يتولى الهيئة التنفيذية فرد واحد ، يعاونه بعض الموظفين الخاضعين لسلطته ، ويحدث ذلك في النظام الرئاسي . ويتميز النظام الرئاسي بوحدة الهيئة التنفيذية ، بحيث تكون من عنصر واحد ، تنحصر فيه اختصاصاتها ، هو رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب . و رئيس الجمهورية يجمع بين صفة رئيس الدولة وصفة رئيس الحكومة . فهو يجمع بين يديه كافة الوظائف التنفيذية . وهو وإن كان لا يقوم بها بنفسه مباشرة . وإنما يعاونه العديد من الأجهزة في الدولة ، إلا أن هذه الأجهزة جميعا تعمل تحت إشرافه ، وتأتمر بأمره ، وتسأل أمامه ، وهو المسؤول عنها أمام الرأي العام . ويترتب على ذلك ، أنه لا يوجد في النظام الرئاسي ، مجلس وزراء ، وإنما يوجد معاونون للرئيس ، سواء سموا وزراء أو سكرتيرين أو غير ذلك . وهؤلاء المعانون يقوم الرئيس بتعيينهم ويتحمل مسؤولية اختيارهم أمام الشعب ، وكذلك فهو وحده الذي يستطيع عزلهم وتعيين غيرهم .
الاتجاه الثاني- النظام البرلماني : تتكون الهيئة التنفيذية في النظام البرلماني ، من جهازين متميزين عن بعضهما البعض ، وهما : رئيس الدولة و الوزارة . وهذا معناه ، أن النظام البرلماني ، يقوم على أساس ثنائية الهيئة التنفيذية . ولما كان رئيس الدولة في النظام البرلماني يعتبر سلطة – كقاعدة عامة –فإنه غير مسؤول . والواقع أن مبدأ عدم مسؤولية رئيس الدولة ، يرجع إلى القاعدة التي تقول أنه : " حيث لا سلطة لا مسؤولية " وقد استقر منطق النظام البرلماني على إن رئيس الدولة ، يسود و لا يحكم ، وأنه يباشر ، ما قد يكون له من اختصاصات بواسطة الوزارة المسؤولة . و لا يملك أن يباشرها بنفسه . وذلك فإن توقيعاته في أي أمر من أمور الدولة لا تكون منتجة . إلا إذا وقعها معه رئيس الوزراء والوزير المختص في بعض الأحيان .
و رئيس الدولة هو الذي يعين رئيس الوزراء ، ولكن حقه في ذلك ليس مطلقا ، بل مقيد بضرورة اختياره من زعماء حزب الأغلبية في البرلمان . ومن ثم ، يقوم رئيس الوزراء باختيار الوزراء الذين سيحملون المسؤولية معه ، على أن يقدم الوزارة بعد ذلك إلى البرلمان للحصول على ثقته .
الاتجاه الثالث- النظام المجلسي : قد تتكون الهيئة التنفيذية من هيئة جماعية ، تمارس قيادة جماعية ويحدث ذلك في ظل النظام ألمجلسي ( نظام حكومة الجمعية النيابية ) . ويتميز النظام ألمجلسي ، بتركيز السلطة السياسية كلها في المجلس النيابي ، على أساس أن السيادة لا تقبل التجزئة ، وإن المجلس النيابي المنتخب هو الذي يمثل الشعب . ويتولى المجلس النيابي الوظيفة التشريعية ، ولما كان يستحيل أن يباشر بنفسه الوظيفة التنفيذية بتفاصيلها ، فإنه يعهد بها إلى عدد من الأفراد يكونون خاضعين له خضوعا تاما ، فأعضاء الهيئة التنفيذية يعينهم المجلس النيابي ويلتزمون بتنفيذ سياسته وتعليماته ، ويسألون أمامه سياسيا .
ومن الأمثلة البارزة التي تشير إلى جماعية الهيئة التنفيذية ، المجلس التنفيذي الاتحادي في سويسرا .






بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 1:30
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67721
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري- الجزء الثاني



القانون الدستوري- الجزء الثاني

ثالثا- الهيئة القضائية :
تتولى الهيئة القضائية تطبيق القواعد الدستورية و القانونية على المنازعات التي تنشأ بين الأفراد وبعضهم أو بينهم وبين إحدى جهات السلطة العامة في الدولة .
-مقومات القضاء وضمانات استقلاله وحياده : ان تحقيق الهدف من رسم طريق قضائي لحل المنازعات يقتضي أن يعهد بهذا الحل إلى جهاز مستقل ومحايد . يطبق إجراءات خاصة . فجوهر كيان القضاء ومقومات وجوده هي الاستقلال والحياد ، وإتباع إجراءات قضائية تضمن معرفة الحقيقة . ومن مبادئ هذه الإجراءات علنية الجلسات ، ومباشرة الإجراءات في مواجهة الخصوم ، وضمان حق الدفاع ، وتسبيب الأحكام ، وتعدد درجات التقاضي ، ... الخ . ويمكن أن نجمل ضمانات استقلال القضاء ، وحياده ، فيما يلي :
أ-طريقة اختيار القضاة : اتجهت بعض الدول إلى جعل اختيار القضاة عن طريق الانتخاب ، بدعوى تحقيق شعبية القضاء ، ولضمان استقلاله ، وبصرف النظر عن الجدل الفقهي ، فقد أثبتت التجارب إن انتخاب القضاة لا يؤدي إلى اختيار أفضل العناصر الصالحة لتولي هذه المهمة الصعبة الدقيقة التي تحتاج إلى نوعية خاصة من التخصص الفني ، فضلا عن الخلق الكريم . كما إن القضاة المنتخبين قد يميلون في قضائهم إلى إرضاء ناخبيهم بغية إعادة انتخابهم ، وإدخال اعتبارات خاصة ، ولو على حساب اعتبارات العدالة .
ولذلك اتجهت أغلب دول العالم إلى تعيين القضاة بواسطة الهيئة التنفيذية ، مع وضع الضمانات القانونية التي تكفل حسن اختيارهم .
ب-التكوين المهني للقضاة : تقتضي وظيفة القاضي تأهيلا قانونيا خاصا عن طريق الدراسة القانونية وعن طريق الخبرة والمران والإحاطة بأحكام القضاء . وهو ما يلزم لتكوين الملكة القانونية والقدرة على تفسير القانون وتطبيقه ، تطبيقا سليما . فالقضاء مهنة قانونية تقتضي التفرغ والتخصص ، خاصة بعد أن تعددت فروع القانون ، وتنوعت موضوعاته ، فضلا عن تضخم عدد التشريعات التي تصدر في كل مجال .
والتخصص يعد ضمانه لاستقلال القاضي . ذلك أن الاستقالة يقتضي ألا يخضع القاضي في قضائه لغير حكم القانون ، والتكوين المهني للقاضي هو الذي يوفر له القدرة على الحكم طبقا للقانون .
ويمر القضاة بثلاث مراحل : التكوين الأساسي ( في كليات القانون ) ، والتكوين المهني ( ويتم من خلال معاهد إعداد القضاة ثم بواسطة الخبرة العملية ) ، والتكوين المستمر ( ويتم من خلال الاطلاع الدائم الأساسي والدورات التدريبية ) . وتتمثل عناصر هذا التكوين في جميع مراحله في الملكة القانونية التي تهيئ للقاضي معرفة القانون ، وفي القدرة على الحكم طبقا للقانون ، ثم في القدرة على الاستقرار والاستنباط السليم .
ج-حصانة القضاة : من أهم الضمانات التي يجب أن يتمتع بها القضاة ، عدم جواز عزلهم عن العمل سواء بالفصل أو الإحالة على التقاعد أو سحب قرار التعيين ، أو الوقف عن العمل ، أو النقل إلى وظيفة أخرى .


المبحث الثالث : وظيفة الدولة
لا جدال حول وظائف الدولة الأساسية، القانونية منها و السياسية. و الوظائف القانونية للدولة تتمثل في الوظائف التشريعية و التنفيذية و القضائية. أما الوظائف السياسية التي لا خلاف عليها فهي: المتعلقة بالأمن الخارجي أو الدفاع عن سلامة إقليم الدولة بواسطة الجيش، و بالأمن الداخلي للحفاظ على أرواح و أموال الأفراد المتواجدين على إقليمها بواسطة الشرطة، و إقامة العدالة بين الأفراد بواسطة القضاء. هذه الوظائف التقليدية الأساسية الملقاة على عاتق الدولة، كدولة حارسة Etat gendarme، تعد من الأمور التي لا ينازع بشأنها أحد مهما كان المذهب السياسي الذي يعتنقه. أما الوظائف الأخرى، أو الثانوية كما يسميها البعض، المرتبطة بالمجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، فقد اختلف فيها، فهل تدخل ضمن وظائف الدولة؟ أو بالأحرى ما مدى تدخل الدولة في هذه المجالات؟
و تختلف وظيفة الدولة، أو مدى تدخلها، في هذه المجالات باختلاف المذاهب السياسية التي تعتنقها كل دولة. و المذهب السياسي، في الحقيقة، يعكس من الناحية السياسية مجموعة من القيم و الأفكار المترابطة أو مجموعة من الإيديولوجيات التي تقدم تصوراً للوجود، أي هو برنامج سياسي يجسد بشكل متكامل جملة من الإيديولوجيات، و يحدد الأهداف و الوسائل اللازمة لنقلها من البنية الفكرية البحتة إلى البنية القانونية و الحركية في إطار الدولة.
و في هذا الإطار يمكننا أن نلاحظ وجود ثلاثة من المذاهب السياسية التي سادت أو لا تزال تسود في عالمنا، حددت دور أو وظيفة الدولة وفقاً للتصورات المنبثقة عن إيديولوجيات هذه المذاهب و هي : المذهب الفردي أو الحر (أولا)، و المذهب الاشتراكي أو الماركسي (ثانيا)، و المذهب الاجتماعي (ثالثا). و العديد من الأحزاب السياسية التي تتصارع للوصول إلى السلطة في دول عالمنا، تتبنى، بشكل أو بآخر، هذا المذهب السياسي أو ذاك، على الرغم من التغيرات الجوهرية التي طرأت على الأسس الإيديولوجية لهذه المذاهب.


أولا : المذهب الفردي أو الليبرالي
في الحقيقة إنّ دور أو وظيفة الدولة في المذهب الليبرالي طرأ عليه الكثير من التغيير، و ذلك منذ نشأة هذا المذهب و تطوره و تبنيه و تطبيقه في العديد من الدول، في ظل الظروف التاريخية و الاقتصادية و الاجتماعية و الفكرية التي سادت العالم. لذلك سوف نحدد المفهوم العام لدور أو وظائف الدولة كما صيغت من قبل منظري المذهب الليبرالي الأولي أو التقليدي، و من ثم التطورات التي طرأت على هذا المفهوم لدور الدولة.
1- دور الدولة في المذهب الليبرالي التقليدي : الفرد هو محور المذهب الليبرالي Libéralisme و لا قيمة للفرد إلا بذاته، و لذلك يجب أن تترك له حرية التصرف. و لكن هذا لا يعني بأنه لا يوجد أية قيمة للمجتمع، فقيمة المجتمع تتحدد بموجب توافق إرادات الأفراد في شكل قوانين. فالفرد هو أساس قيمة الجماعة و ليس العكس. و بحسب المذهب الليبرالي تعد الدولة أمراً لا بد منه من أجل تأمين حماية الحريات و الحقوق الفردية، و هي ثمرة عقد اجتماعي من أجل ضمان انتظام المجتمع و تطوره[1]. فالدولة هي ضرورة يفرضها العقل من أجل تأمين حماية الحريات و الحقوق الفردية، و بالتالي يجب أن لا تتجاوز الدولة في وظائفها حدود الوظائف الأساسية المشار إليها : الدفاع و الأمن الداخلي و إقامة العدل. و في الحقيقة إنّ هذا المذهب استند في منطلقاته الأساسية لتحديد دور الدولة، على الظروف الموضوعية المرتبطة بنشأته التاريخية. فالحركة الثورية في نهاية القرن 18، وخاصةً في فرنسا، المنطلقة من الأفكار الفلسفية الليبرالية الديمقراطية يمكن تفسيرها بأنها ردة فعل من الفرد ضد مجتمعه، أكثر منها ردة فعل شعب ضد سلطة أو نظام حكم كان يضطهده. فالمجتمعات (الدول) في ذلك الوقت كانت مؤسسة في النظام الإقطاعي القائم على عدم المساواة، و كانت مؤلفة من فئات اجتماعية لا تسمح بوجود الفرد بمعزل عن الجماعة - النبلاء، البائعين، الفلاحين، الحرفيين، الفلاحين …الخ- التي كانت تؤمن حمايته ولكن كانت تقيد الكثير من حريته. انتماء الفرد إلى مجموعة يحدد وضعه ويبين حقوقه و واجباته. أي بمعنى أخر إنّ الفرد لا وجود له بمعزل عن الجماعة. فالفرد محدد وضعه الاجتماعي ضمن الجماعة : فمثلاً أحد النبلاء لا يمكن أن يصبح عاملاً، و حرفي لا يمكن أن ينتج شيئاً غير الذي ينتجه الحرفيون المنتمون لنفس جماعته و لا يمكنه استعمال طرق أخرى، و فلاح لا يمكنه أن يصبح حرفياً. أي أن هذا النظام الاجتماعي القائم على عدم المساواة يحرم الناس من حرياتهم. هذا الشيء كان منطقياً مع النظام السياسي المطبق في ذلك الوقت، و القائم على فكرة الحكم المطلق المستمد من حق إلهي. نتيجة انعدام الحرية كانت فئة المفكرين أكثر الفئات غير المتسامح معها فقد كانت الرقابة عليها شديدة. كذلك الأمر بالنسبة للبرجوازية التي كانت حبيسة في منشآتها الصناعية و التجارية بسبب القيود الإدارية و النظام الضريبي و المالي البالي و غير العادل. لذلك فإن هذه البرجوازية هي التي تجاوبت مع نداء الفلاسفة و المفكرين وأقاموا ثورتهم. لهذا الأمر قلنا : إنّ هذه الثورة البرجوازية كانت أولاً و قبل كل شيء ثورة الفرد من أجل تعزيز مكانته في مواجهة المجتمع (الدولة). انطلاقا من أن الفرد هو الأهم في المجتمع، و من هذه الزاوية بالتحديد، لم يعد ينظر إلى الشعب كمجتمع و لكن كتجمع أفراد مع الأخذ بعين الاعتبار بأن هذا التجمع له حقوق على الأفراد الذين يكونونه ويكفي لتأمين احترام ذلك وجود سلطة بوليس محدودة[2]. من ذلك نرى بأن الثورة البرجوازية واضعة الفكر الديمقراطي الليبرالي موضع التطبيق لم تطلب من المجتمع سوى ترك الحرية للأفراد المكونين له. أي أن مطلبها الأساسي هو الحريات الفردية و الأمر الملازم لهذه الحريات وهو المساواة القانونية. و الحريات التي أعلنت في دساتير الثورة الفرنسية، كذلك الأمر في إعلان حقوق الإنسان في 27 أب 1789، هي الحريات الفردية الهادفة إلى حماية الإنسان ضد السلطة (الدولة) : حرية المرور، و الضمانات ضد التوقيف التعسفي و العقوبات غير المتناسبة مع الأعمال المرتكبة، و قرينة البراءة، و حرية الرأي و الاعتقاد، و حرية التعبير كتابةً و قولاً، و حرية الاجتماع.
إضافة إلى هذه الحريات الفردية أضاف واضعو إعلان حقوق الإنسان أمراً ضرورياً (وذلك حفاظاً على مصالح البرجوازية) و هو حق الملكية الخاصة أو الفردية و حمايتها، حيث المادة /17/ منه تؤكد بأن هذه الملكية مقدسة و لا يمكن المساس بها أو نزعها إلا للمصلحة العامة و مقابل تعويض مسبق و عادل.
و جاءت الحريات الفردية و حق الملكية -هدف الثورة البرجوازية- من أجل تأمين أمرين هما: حرية التجارة و حرية الصناعة، أي حرية التعاقد و إقامة المشاريع. هاتان الحريتان صنفهما في نهاية القرن 19 الفقيه الفرنسي الكبير موريس هوريو Hauriou بين الحريات الأولية، بل حتى أهم من حرية الاعتقاد، و برأيه يمكن أن نقبل في بعض الظروف التضحية بكل الحريات الأخرى باستثناء هذه الحريات[3].
و في الحقيقة إن الاقتصاديين الأحرار يشددون على هاتين الحريتين مبينين خاصة أهمية التنافس من أجل صالح المجتمع. فالتنافس يؤدي و بدون توقف إلى إزالة المشاريع المنهارة لصالح الأكثر ديناميكية مجبراً المسؤولين (رجال السلطة) للبحث عن العقلانية في عملهم، و خاصةً العمل على الاستيعاب السريع للاكتشافات العلمية و التقنية -بالرغم مما تنتجه من مشاكل- لما لها من دور فعال في صالح المجتمع ككل.
و بحسب بعض الفقهاء (خاصة الفقيه الألماني G.Jellinek في كتاب ظهر له عام 1902) فإن لهذه الحريات الفردية مفهوم سلبي. أي بمعنى أن هذه الحريات تنتج عن غياب تدخل الدولة في تصرفات الأفراد. الدولة لا تتدخل إلا من أجل ضمان أو تأمين ممارسة هذه الحريات، فغياب تدخل الدولة هو أساس هذه الحريات، فإعلان حقوق الإنسان مؤسس على امتناع الدولة في التدخل في أعمال الفرد في بحثه عن سعادته.
و قد شدد على المساواة لأسباب تاريخية تعود إلى أن المجتمع السابق كان قائماً -كما أشرنا سابقاً- على عدم المساواة، و خاصة أن البرجوازية كانت خاضعة لتعسف النبلاء. و لكن أيضاً المناداة بالمساواة كان ضرورياً لأنها أمر مرتبط بالحرية[4]. فعدم المساواة كان قائماً على امتياز أو انعدام الحرية لبعض فئات المجتمع، فالامتياز كان معطى فقط للنبلاء منذ ولادتهم و حتى مماتهم. أي أن الحرية كانت مرتبطة بالفئة الاجتماعية. فالمساواة جاءت لتعيد للفرد قيمته الحقيقية بمعزل عن الجماعة. فحرية الفرد لا ترتبط أبداً بولادته و لكن بكفايته و فضائله. من هنا جاءت فكرة الفردية L'individualisme في الفلسفة الثورية البرجوازية الليبرالية، هذه الفلسفة مؤسسة على أن الإنسان هو حر في وسط المجتمع : هو حر لأن له قيمة باعتباره فرداً، و يجب أن يحقق طموحاته. فالمجتمع ليس من حقه أن يحدد مكانة الفرد و موقعه بين الفئات المكونة للمجتمع، بل هو وحده القادر على تحديد موقعه و مكانته من خلال نشاطه و مهاراته الخاصة به. المجتمع ليس له إلا أن يساعده و لا يقف عائقاً في طريقه. هذه المساواة هي مساواة قانونية ليس أكثر[5]، فهي ليست مساواة اجتماعية اقتصادية هدفها خاصة إعادة توزيع الثروة. فالدولة يجب ألا تتدخل عن طريق القوانين لصالح فئة على حساب فئة أخرى. فالقانون يجب أن يكون واحداً بالنسبة للجميع.
و بالتالي، يمكننا القول : إنّ التطبيق العملي لمفهوم الحرية و ملازمته المساواة القانونية، كتعبير عن النزعة الفردية، ترتبط في المجال الاقتصادي على ما يسمى في أيامنا بالاقتصاد الحر (الليبرالي) أو اقتصاد السوق.
انطلاقاً من ذلك يمكننا إيجاز أهم المرتكزات الأساسية لهذا المذهب فيما يتعلق بدور الدولة :
- الفردية، فحسب المذهب الليبرالي، المجتمع و الدولة مسخران لخدمة الفرد. فحقوق الفرد بفكره و عقيدته و ماله و حركته في مواجهة السلطة بشكل خاص هي أساس المذهب الليبرالي، و من هنا فقد جاءت أغلب الدول الأولى التي طبق لديها النظام السياسي المنبثق عن هذا المذهب بإعلان لحقوق الإنسان و المواطن، خاصةً في فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية.
- الليبرالية السياسية، و هي المفهوم الذي من خلاله يتم التوفيق بين الحرية و السلطة و ذلك من خلال : الديمقراطية التي هي نظام الحكم المنبثق عن المذهب الليبرالي، حيث لا تكون السلطة سوى التعبير عن مجموع إرادات الأفراد. و القوانين التي تصدر بصورة قواعد مجردة تطبق على جميع الأفراد بالتساوي.
- الرأسمالية كأساس للنظام الاقتصادي الليبرالي، و هو يعطي الفرد حق تملك وسائل الإنتاج بدون حد. و على الدولة عدم التدخل في الحياة الاقتصادية، و ترك هذا النشاط للأفراد في ظل مبدأي حرية التجارة و الصناعة و حرية المنافسة، و لكن في ظل رقابة و تنظيم الدولة لهذه الحريات.
2- تطور مفهوم دور الدولة في المذهب الليبرالي : في الواقع إن أغلب دول الديمقراطيات الغربية، التي تتبنى المذهب الليبرالي، تخلت إلى حد ما عن هذه الفكرة النظرية التي حددها هذا المذهب لدور الدولة و خاصةً في المجالين الاقتصادي و الاجتماعي. فمنذ الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929 أخذت هذه الدول تتدخل في هذين المجالين لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، و ظاهرات التأميم و التخطيط و الحماية الجمركية مثلاً وجدت في أغلب دول الديمقراطيات الغربية التي تتبنى المذهب الليبرالي.
فالأزمة الاقتصادية التي حدثت عام 1929 تعتبر برأينا نقطة تحول هامة في التاريخ المعاصر، و قد امتد أثرها على الكثير من المجالات و من ضمنها المذاهب السياسية (و خاصةً المذهب الليبرالي) و الأنظمة المطبقة لها. ففي الماضي كان المواطنون في الديمقراطيات الغربية عندما يتجهون إلى الدولة لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، يتمكن البرلمان من أخذ المبادرة في هذا المجال معتمداً في ذلك على الإمكانات المتاحة أمامه، و قد تمكن من خلالها من تحقيق ذلك بشكل فعال : إعادة توزيع الثروة من خلال الضرائب و الرسوم على الطبقات الميسورة خاصةً و الإعفاءات الممنوحة للطبقات ذات الدخل المحدود…الخ.
بالطبع عند حدوث أزمة 1929 لجأ المواطنون مجدداً نحو الدولة بحثاً عن حلول لها أو للتخفيف من آثارها السيئة على الطبقات الميسورة و الفقيرة معاً. فحتى هذا التاريخ كان المطلب الوحيد من الدولة (السلطات العامة) هو تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية من خلال توزيع الدخل القومي الموجود. و لكن مع حدوث الأزمة الاقتصادية و ما أنتجته من آثار خطيرة، لم يعد كافياً إعادة توزيع الدخل القومي الموجود لتحقيق العدالة الاجتماعية، بل يتوجب على الدولة العمل أيضاً على نمو الدخل الإجمالي للناتج المحلي. في هذه المرحلة ظهر المذهب الاقتصادي الكينزي الداعي إلى تدخل الدولة في عملية نمو الإنتاج و مكافحة البطالة، و ذلك من خلال الاستخدام الأمثل للموارد الإنسانية و المادية. و الاستخدام الأمثل لهذه الموارد يتم من خلال السيطرة على حجوم الاستهلاك و الادخار. فلذلك نشأت في هذه الفترة ظاهرة التأميم و خاصةً لقطاعات البنوك (التي تسيطر على القروض و بالتالي على حجم الاستثمارات)، و التأمين (الذي يلعب دوراً أساسياً في عملية الادخار و بالتالي في حجم الاستهلاك) و المشاريع المنتجة للطاقة (نظراً لدورها الحاسم في العملية الاقتصادية). هذه الظاهرة أعطت الدولة أداة هامة من أجل لعب دور أساسي كمنسق للأنشطة الاقتصادية[6]. هذا الدور الجديد للدولة أدخل تغييراً مهما في مفهوم الدولة و وظائفها في المذهب الليبرالي، القائم على الحرية و عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. فالبرجوازية منشئة هذا المذهب، رغم اعتراضها على قيام الدولة في القرن الماضي بلعب دور المنصف الاجتماعي (العدالة الاجتماعية)، قبلت بهذا الدور الجديد للدولة، كمنسق للعملية الاقتصادية : لأنه من مصلحتها، و من الصالح العام و جود إنتاج قوي مستخدم بشكل جيد، و قد أرادت الدولة الاستفادة من مزايا الوسائل التي وضعتها تحت تصرف المشاريع الاقتصادية (قروض بفوائد متدنية، إعفاءات ضريبية، إعانات …الخ). و لذلك نجد في هذه المرحلة، و خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، تطوراً هاماً قد حدث في محتوى إعلان حقوق الإنسان في الدول الليبرالية. فأغلب الدساتير التي ظهرت عقب هذه المرحلة أشارت إلى الحقوق الاقتصادية للفرد و خاصة حقه في العمل : فمقدمة الدستور الفرنسي لعام 1946 مثلاً نصت على أنّ “كل مواطن له الحق في الحصول على عمل”، كذلك المادة 25 من نفس الدستور نصت على “إنشاء خطة قومية مهمتها تأمين العمل للمواطنين و الاستعمال العقلاني للموارد المادية”.
و لكن منذ بداية الثمانينات نلاحظ أنّ الليبراليين الجدد Le New Libéral يخوضون معركة شرسة للدفاع عن الاختيارات الفردية، مقترحين حلولاً اقتصادية و إجرائية من شأنها تقليص تأثير الدولة في حياة الجماعة، أو العودة إلى المفهوم القديم الذي حدده المذهب الليبرالي لدور الدولة. هذا الأمر نلاحظه جلياً في عهد مارغريت تاتشر في بريطانيا و رونالد ريغن في الولايات المتحدة الأمريكية، و انتشار ظاهرة الخصخصة La privatisation في أغلب دول العالم[7]. هذا الأمر أدى إلى انتشار العديد من الأحزاب الليبرالية أو ما يسمون بالليبراليين الجدد New Libéral، الذين يعملون على إيجاد نوع من القطيعة مع الثقافة الاجتماعية الديمقراطية، و إعادة النظر في دولة العناية الإلهية (الصحة و بخاصة الخدمات الاجتماعية).
هذا المفهوم الجديد الذي تقدمه الليبرالية الجديدة لدور أو وظائف الدولة، ساعد على انتشاره ما يسمى بالعولمة La Mondialisation[8]. فأنصار العولمة يعملون على إضعاف دور الدولة، و خاصةً القضاء على ما يسمى بدولة العناية الإلهية التي كانت تضمن لمواطنيها بعض الخدمات و التأمينات الاجتماعية و خاصةً الصحية منها[9]. و هذا ما نلاحظه من خلال البرامج و السياسيات التي تفرضها المؤسسات الدولية الداعمة و الراعية للعولمة و على رأسها المنظمة العالمية للتجارة O.M.C.، و صندوق النقد الدولي F.M.I.، و البنك الدولي للإنشاء و التنمية B.I.R.D.. هذه المؤسسات الدولية تفرض على الدول الأعضاء (و تؤثر على بقية الدول) سياسة إعادة هيكلة إداراتها، و خصخصة مشاريعها، و إلغاء سياساتها الحمائية (الجمركية منها، الدعم الذي تقدمه لمشاريعها و الذي يؤثر على مبدأ المنافسة) لضمان حرية انتقال رؤوس الأموال أو الاستثمارات، و البضائع. هذه العولمة المفروضة لا تؤدي فقط إلى تقليص دور الدولة فحسب، و إنما تؤدي فعلياً De facto إلى نوع من إهمال تطبيق مبدأ السيادة، الذي يعتبر كما أشرنا سابقاً أحد أهم خصائص الدولة، بحيث لا يعود للدولة من دور سوى الضبط الذاتي لسلطاتها.


ثانيا : المذهب الاشتراكي
في الحقيقة، إن المذهب الاشتراكي Le Socialisme جاء كرد فعل على المذهب الليبرالي و نتائجه. و لذلك، فإذا كان أنصار المذهب الليبرالي يحصرون نشاط الدولة في نطاق ضيق لا يتعدى وظائفها الأساسية المتمثلة في الأمن الخارجي و الداخلي و العدالة، و يحظرون عليها التدخل في المجالين الاقتصادي و الاجتماعي، فإن أنصار المذهب الاشتراكي يرون بأن على الدولة التدخل في جميع المجالات. و في الحقيقة نجم هذا المفهوم لدور أو وظيفة الدولة لكلا المذهبين عن الأسس الفلسفية التي يقوم عليها كلّ منهما. فمنظرو المذهب الفردي يرون في تدخل الدولة تعدياً و انتهاكاً لحريات و حقوق الأفراد، و بالتالي فإن صيانة حريات و حقوق الأفراد تتأمن بشكل واسع في ظل دولة محدودة الوظائف أو غير متدخلة (كثير من الدولة عندما يلزم و قليل من الدولة ما أمكن). في حين أن منظري المذهب الاشتراكي يرون بأن تدخل الدولة يعتبر أمراً لا بد منه لصيانة حريات و حقوق الأفراد، و بالتالي كلما تدخلت الدولة و ازدادت وظائفها، تأمنت حماية أفضل لهذه الحقوق و الحريات (كثير من الدولة ما أمكن و قليل من الدولة عندما يلزم). و لكن أصحاب المذهب الاشتراكي الذين يقولون بضرورة تدخل الدولة في جميع نشاطات الحياة، اختلفوا حول مدى هذا التدخل، و في هذا الإطار يوجد تياران متمايزان : الجماعية، و الشيوعية. فأنصار الجماعية Le Collectivisme، يرون بوجوب إلغاء الملكية الفردية، و لكن باستثناء بعض الملكيات الخاصة المعدة لإشباع حاجات الأفراد المباشرة. و لذلك فإنه يتوجب على الدولة السيطرة على مصادر الإنتاج الأساسية، باستثناء بعض هذه المصادر التي لا تسمح لمالكيها باستغلال العمال. في حين أن أنصار الشيوعية Le Communisme، يرون أيضاً بوجوب إلغاء الملكية الفردية، و لكن بشكل أكثر تطرفاً مما يراه الجماعيون، فهم لا يسمحون بوجود أية ملكية خاصة. و لذلك يتوجب على الدولة السيطرة على جميع مصادر الإنتاج بدون استثناء، و إدارتها و توزيع ثمارها على جميع الأفراد بصورة عادلة.
باختصار يمكننا القول : إنّ أنصار المذهب الاشتراكي، الجماعيين منهم و الشيوعيين، يرفضون النظام الرأسمالي الناجم عن المذهب الليبرالي الذي يؤدي إلى تركيز الثروة بيدي فئة قليلة، تستغل الفئة الكبيرة من العمال، و إحلال نظام اشتراكي يركز الثروة أو سائل الإنتاج بيد الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية، و إزالة الفوارق بين طبقات المجتمع. و لكن هذا المذهب الاشتراكي الداعي لتدخل الدولة في جميع المجالات، منتقد على أكثر من صعيد : فالقضاء على الملكية الفردية أمر يتعارض و الطبيعة البشرية المجبول عليها الإنسان و منها حب التملك. كذلك فهذا المذهب لم يؤدّ إلى القضاء على الاستغلال من خلال القضاء على الفئة القليلة التي تتركز بيدها الثروة و تستغل العمال، و إنما أحل محلها فقط طبقة أخرى من الطبقة الحاكمة و كبار الموظفين الذين يتولون إدارة وسائل الإنتاج في المجتمع الاشتراكي. يضاف إلى ذلك أنّ تدخل الدولة في مجال الأنشطة الفردية أدى إلى الكثير من الانتهاك لحقوق و حريات الأفراد…الخ.
و لذلك و على الرغم من النجاح الذي حققه هذا المذهب مرحلياً في بعض الدول التي تبنته و على رأسها الاتحاد السوفيتي السابق، فإن المذهب الاشتراكي لاقى تراجعاً كبيراً منذ نهاية الثمانينات من القرن العشرين، بعد الفشل الذي لاقاه على الصعيدين الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي طبعاً، مما أدى إلى انهيار أغلب الدول التي تبنته كلياً، و إلى تخلي الكثير من الأحزاب السياسية في العديد من الدول التي تستند إلى المبادئ الفلسفية للمذهب الاشتراكي عن أغلب هذه المبادئ : ففي دول أوربا الغربية نجد مثلاً في بريطانيا أن حزب العمال تخلى عن مبادئه الرافضة للخصخصة، و كذلك الأمر بالنسبة للحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يمكن الاستنتاج من برنامجه الانتخابي في الانتخابات التشريعية الأخيرة (حزيران 1997، و حزيران 2001) أنّه قد تحول إلى حزب اجتماعي كما هو الحال بالنسبة لحزب العمال البريطاني.






بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 1:41
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67721
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري- الجزء الثاني



القانون الدستوري- الجزء الثاني

ثالثا : المذهب الاجتماعي
يعتبر المذهب الاجتماعي La doctrine sociale، مذهباً وسطاً بين المذهبين الليبرالي و الاشتراكي. فأنصار هذا المذهب الخليط لا يقولون، كما يرى أنصار المذهب الليبرالي، بتقييد دور الدولة ضمن الوظائف الأساسية بجعلها مجرد دولة حارسة، كذلك لا يقولون، كما يرى أنصار المذهب الاشتراكي، بإطلاق العنان للدولة للتدخل في جميع المجالات. فهم يقرون بالسماح للدولة بالتدخل بقدر معين لتحقيق مصلحة الجماعة و تحقيق غاياتها، مع ترك الحرية للأفراد للتمتع بحقوقهم و منها حق الملكية، في حدود القانون. فالدولة بحسب أنصار هذا المذهب لا تقف موقفاً سلبياً تجاه حقوق و حريات الأفراد، و لكن لا تصادر في الوقت نفسه هذه الحقوق و الحريات[10]. و قد ساد هذا المذهب معظم دول العالم، و خاصةً دول أوربا الغربية، ما بين الحربين و إلى يومنا هذا، فالدولة أصبح لها حق التدخل الإيجابي في جميع أوجه النشاط، سواء في المجال الاقتصادي، أم في مجال التعليم و الصحة العامة. حيث ظهر مفهوم الدولة الموجهة Dirigisme، التي توجه بصورة مباشرة أو غير مباشرة جميع أوجه النشاط الاقتصادي و الاجتماعي (إشراف، مراقبة، تخطيط، مساعدات)، أي بوضع الضوابط القانونية لهذا النشاط. و ظهر مفهوم دولة العناية الإلهية L'Etat-providence، التي تعتبر مسؤولة عن تحقيق التقدم الاقتصادي و الاجتماعي، و خاصةً ما يتعلق بمجال الصحة و بقية التأمينات الاجتماعية. و أصبح يعبر عن هذا المذهب اقتصادياً بسياسة التدخل L'intreventionnisme. و في الواقع اكتسح هذا المذهب أغلب دول العالم، و خاصةً دول أوربا الغربية، و على وجه التحديد الدول الاسكندنافية، حيث تلعب الدولة الدور الأساسي في المجال الاجتماعي و خصوصاً في قطاعي الصحة و التعليم، و يعتبر الضمان الاجتماعي La solidarité sociale أحد أهم خصائص هذه الدول. و بهذا الخصوص نعتقد بأن المذهب السياسي الإسلامي ينظر لدور و وظائف الدولة نظرة قريبة أو مماثلة للمذهب الاجتماعي، و ذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار موقف الإسلام من الفرد و الجماعة اللذين هما الأساس الفلسفي لتحديد دور الدولة في كل المذاهب : فالإسلام يقف على مسافة واحدة في نظرته للفرد و المجتمع. فالفرد، الذي هو طبعاً أسبق من الجماعة في الوجود، مكرم و يتمتع بذاته بقيمة رفيعة أمام الله و الجماعة و السلطة. و هو يتمتع بالحرية الملازمة لمسؤوليته، فالحرية هي الأساس الذي تقوم عليه المسؤولية الفردية في الإسلام. فالفرد إذاً حسب المذهب السياسي الإسلامي هو كيان قائم بذاته له قيمته و حريته و حقوقه. و لكن ليس وحده في الوجود فهناك أيضاً المجتمع الذي له قيمته و حقوقه الخاصة به. و قيمة الفرد و حقوقه و قيمة المجتمع و حقوقه محددة بموجب الشريعة الإسلامية التي لم يضعها لا الفرد و لا المجتمع و إنما الله خالق الفرد و المجتمع[11].
----------
[1]- و هو ما يقول به كبار منظري الفكر الليبرالي، كما أشرنا سابقاً، أمثال توماس هوبز، وجان لوك، و جان جاك روسو …الخ. انظر :
Dmitri Georges Lavroff : ”Les grandes étapes de la pensées politique“,Dalloz,1993, R.175 et suivant
[2]-انظر مادة 4 و 5 من إعلان حقوق الإنسان و المواطن 1789، الذي صاغه رجال الثورة الفرنسية.
[3]- و قد أكد كبار منظري المذهب الليبرالي على هذه الأمر مثل : لوك و مونتسكيو و آدم سميث Smith خاصةً، الذي يعتبر واضع المفهوم الاقتصادي للمذهب الليبرالي من خلال كتابه (البحث حول الطبيعة و أسباب غنى الأمم) الصادر عام 1776.
[4]-حسب روسو في كتابه “ العقد الاجتماعي” الكتاب الثاني- الفصل 11، طبعة GF-Flammarion ، صفحة76 : ”الحرية و المساواة : الحرية لأنه كل شيء متعلق بالقوة المعطاة للفرد تجاه الدولة، و المساواة لأن الحرية لا يمكن أن تستعمل بدون المساواة.
[5]- من المقولة القائلة بأنه “بين الضعيف و القوي : الحر هو الذي يسيطر و القانون هو الذي يحكم”.
[6]-هذا الأمر حصل في الولايات المتحدة الأمريكية رائدة المذهب الليبرالي من خلال برنامج الرئيس روزفلت المسمى New Deal.
[7]-في اعتقادنا إن انتشار ظاهرة الخصخصة La privatisation لا يعتبر رجوعاً عن ظاهرة تدخل الدولة، بل هو نوع من التفكير العملي Pragmatisme لتأمين استمرارية القطاعات الإنتاجية، و ما يؤديه في تقوية الناتج المحلي الإجمالي للدولة.
[8]- العولمة التي هي من حيث الظاهر فكرة اقتصادية، لا نعتقد بأن هدفها السياسي يقل أهمية عن هدفها الاقتصادي، و خاصةً ما يتعلق بتأثيرها على أنظمة الحكم و النظام الديمقراطي الليبرالي و دور الدولة فيه بشكل خاص. انظر بهذا الخصوص المؤلف الرائع و الحديث نسبياً للصحافيين هانس بيترمارتين و هارالد شومان : “فخ العولمة : الاعتداء على الديمقراطية و الرفاهية”، ترجمة د. عدنان عباس علي، منشورات عالم المعرفة، العدد238، أكتوبر/تشرين الأول 1998.
[9]- البرفسور روبير شارفان : “العولمة : البعد القانوني و السياسي”، ترجمة د. قاسم المقداد، مجلة الفكر السياسي، دمشق-شتاء 1998-1999، السنة الثانية، العددان الرابع و الخامس، ص230 و ما بعدها.
[10]-يعتبر العميد ليون ديجي Duguit أحد أهم أنصار هذا المذهب :
L.DUGUIT : ”Traité de droit constitutionnel- la théorie générale de l'Etat“,Tome I,op.cit.,p.85 et suivants.
[11]- انظر تفاصيل حول مكانة الفرد و المجتمع في التشريع الإسلامي، الدكتور فتحي الدريني : “خصائص التشريع الإسلامي في السياسة و الحكم”، مؤسسة الرسالة-بيروت، 1987.



.../... يتبع







بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 1:55
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67721
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري- الجزء الثاني



القانون الدستوري- الجزء الثاني

الفصل السادس: أنواع الدولة
ليست الدول سواء , من حيث مركزها السياسي , ومن حيث تكوينها المادي . وتنقسم الدول أولاً من حيث مركزها السياسي (أو تمتعها بالسيادة ) ، إلى دول كاملة السيادة ، ودول ناقصة السيادة .
الدولة كاملة السيادة : يراد بالدولة كاملة السيادة هي تلك الدولة التي تتمتع باستقلال تام في ممارسة شؤونها الداخلية والخارجية على حد سواء .وهذا يعني ان هذه الدولة تتمتع بممارسة كافة مظاهر سيادتها في داخل إقليمها ,وفي المحيط الدولي ,دون ان يكون لدولة أخرى أي أهمية على شؤونها .وهذا هو الوضع الطبيعي الذي يجب ان تكون علية الدولة أصلا , بحكم وجودها قانونا , وهو المركز الفعلي لأغلب الدول الأعضاء في الجماعة الدولية .
- الدولة ناقصة السيادة : يراد بالدولة ناقصة السيادة هي تلك الدولة التي ليس لها كامل الحرية في ممارسة سيادتها لارتباط بدولة أخرى أو خضوعها لها . وهذا يعني ان الدولة ناقصة لسيادة تتمتع بالشخصية الدولية ,بل بسيادتها .وكل ما هنالك أنها - مثل الشخص القاصر أو عديم الأهلية – مقيدة في ممارسة هذه السيادة أو محرومة من ممارستها . والدول ناقصة السيادة وفق التجديد المتقدم تشمل فئات ثلاثة :الدول التابعة ,والدول المحمية ,والدول المشمولة بالوصاية . وتنقسم الدول ثانيا ,من حيث تكوينها المادي ,إلى دول موحدة (بسيطة) ,ودول مركبة (اتحادية ) .
ولما كانت ,دراسة انواع الدول من حيث تكوينها المادي من خصائص القانون الدستوري , فنستعرض لذلك بشكل مفصل . وبذالك ينقسم هذا الفصل بشكل إلى مبحثين .
المبحث الأول :الدولة الموحدة
المبحث الثاني : الدولة المركبة


المبحث الأول : الدولة الموحدة
الدولة الموحدة هي تلك الدولة البسيطة في تركيبها الدستوري , حيث تكون السلطة فيها واحدة , ويكون شعبها وحدة بشرية متجانسة , تخضع لدستور واحد , وقوانين واحدة , داخل إقليم الدولة الموحد .
وسوف نعرض فيما يلي الخصائص الدولة الموحدة من جهة ,ولدراسة موضوع المركزية واللامركزية داخل الدولة الموحدة من جهة أخرى .
أولا: خصائص الدولة الموحدة :
أ-تتميز الدولة الموحدة أو البسيطة بوحدة التنظيم السياسي فيها , حيث تظهر الدولة الموحدة كوحدة واحدة من الناحية الخارجية والناحية الداخلية . فهي تنفرد بهيئة واحدة تدير شؤونها الخارجية وبتمثيل خارجي واحد . كما تميز من الناحية الداخلية بوحدة في نظام الحكم السياسي , أي : بدستور واحد يطبق على كافة إنحاء إقليم الدولة ,وسلطة تشريعية واحدة تختص بمباشرة الوظيفة التشريعية بالنسبة لإقليم الدولة بكاملة , وسلطة تنفيذية واحدة يخضع لها جميع أفراد الدولة أفراد الدولة على حد سواء فيما تصدره من قرارات وسلطة قضائية واحدة يلجئ أليها أفراد الدولة في منازعاتهم .
ب - تكون الدولة الموحدة متحدة في عصرها البشري , حيث تخاطب السلطة السياسية فيها جماعة متجانسة ,بالرغم مما يوجد اختلافات فردية بين أعضاء الجماعة . كما يخضع الجميع في الدولة الموحدة للقرارات الصادرة من الهيئات الحاكمة ,وأخيرا يغضي التنظيم الحكومي جميع أجزاء إقليم الدولة بطريقة متجانسة دون اعتبار للفوارق الإقليمية والمحلية . ومن أمثلة الدول الموحدة : لبنان , والأردن , ومصر , وفرنسا , وبلجيكا , وهولندا , واليابان , وغيرها من الدول .
ثانيا : المركزية واللامركزية الإدارية في الدولة الموحدة :
إذا كانت الدولة الموحدة تتميز بوحدة نظام الحكم السياسي , فانه لايخل بهذا القول تنوع ممارسة الوظيفة الإدارية في الدولة . حيث تملك الدولة الموحدة .حرية الاختيار بين نظام المركزية الإدارية أو نظام اللامركزية الإدارية ,طبقا لما تراه محققا لصالحها العام .
أ- الدولة الموحدة ذات نظام المركزية الإدارية :
1- معنى المركزية الإدارية : قد تتركز الوظيفة الإدارية في الدول في يد هيئة واحدة هي السلطة المركزية المستقرة في العاصمة والتي تتولى ممارسة جميع مظاهر الوظيفة الإدارية .وتباشر ذلك إما بنفسها أو بواسطة موظفين يعملون باسمها ويخضعون في نهاية الأمر لسلطتها الرئاسية فيما يباشرون من إعمال .وهذا النظام يعرف بالمركزية الإدارية. فالمركزية الإدارية معناها تركيز جميع الوظائف الإدارية في السلطة المركزية التي يكون لها وحدها حق اصدرا القرارات اللازمة على كل إقليم الدولة .والإشراف كذلك على جميع المرافق العامة سواء كانت مرافق قومية تهم الدولة يأسرها ومرافق محلية تهم إقليم محلي معين .
وينسب إلى هذا النظام عدة مزايا تتخلص في تحقيقه للوحدة الوطنية ,وتوفيره للنفقات , وإتاحة الفرصة لموظفي الإدارة المركزية لاكتساب خبرة وكفاءة أدارية عالية . ومع ذلك ,يوجه إلى النظام المركزية عدة انتقادات تتلخص في انه يؤدي إلى تركيز شديد في السلطة ,وعدم تعرف الإدارية المركزية في العاصمة على حقيقة المشاكل التي تواجه أقاليم الدولة .
2-عناصر المركزية الإدارية: وتمثل عناصر المركزية الإدارية فيما يلي :
- تركيز الوظيفة الإدارية في يد الحكومة المركزية في العاصمة .
- تسلسل جميع العاملين في الإدارة الحكومية في سلم تدريجي هرمي الشكل وخضوعهم لرقابة رئاسية .
3- صور المركزية الإدارية: توجد صورتان للمركزية هما :
- التركيز الإداري (أو المركزية الكاملة ): ومعناها ان يقتصر اتخاذ القرارات الإدارية في الوزارة في العاصمة وبخاصة في يد الوزير .فلا يمنح أي قدر من الاختصاصات إلى باقي الموظفين سواء كانوا في العاصمة أو في الأقاليم . ولذا فقد سميت أيضا " المركزية الوزارية " إبرازا لدور الوزارة .
- عدم التركيز الإداري ( أو المركزية المعتدلة ) : وتعني الاعتراف لبعض موظفي الوزارة
بسلطة التقرير النهائي في بعض الاختصاصات , دون الرجوع إلى الوزير المختص , وتسمى هذه الصورة أيضا (المركزية اللاوزارية ) .
ويتفرع عدم التركيز الإداري إلى نوعين : عدم التركيز الداخلي و عدم التركيز الخارجي . يحدث عدم التركيز الداخلي عندما تنتقل سلطة التقرير في بعض الاختصاصات من الوزير إلى بعض كبار موظفي الوزارة في مقرها في العاصمة . في حين يقع عدم التركيز الخارجي في حالة انتقال سلطة التقرير في جانب من الشؤون الإدارية إلى بعض موظفي الوزارة في الأقاليم .
ب -الدولة الموحدة ذات نظام اللامركزية الإدارية :
لا يتعارض مع نظام الدولة الموحدة الأخذ بأسلوب الإدارة اللامركزية , فالدولة , سواء كانت موحدة أو اتحادية , لا يمكن ان تطبق الأسلوب المركزي أو الأسلوب اللامركزية في الإدارة .
فاللامركزية الإدارية تقتصر على الوظيفة الإدارية , ولا تتجاوز إلى مجال التشريع أو القضاء . بل أنها لا تمتد إلى كل الوظيفة التنفيذية في الدولة , فاللامركزية لا تستبعد وجود السلطة المركزية التي تبقى كضرورة تقضيها المحافظة على وحدة الدولة .وفضلاً عن ذلك فأن الهيئات اللامركزية تخضع لنوع من الرقابة والإشراف من جانب الحكومة المركزية .
وعلى ذلك فان الدولة تبقى موحدة نظراً لوحدة دستورها ووحدة سلطاتها التشريعية والحكومية والقضائية .
1- معنى اللامركزية الإدارية : يسمح نظام اللامركزية الإدارية بتوزيع الاختصاصات السلطة المركزية للدولة , ووحدات إدارية إقليمية .إذ تمنح هذه الوحدات سلطة البت والتقرير فيما يتعلق بالاختصاصات التي خولها القانون ,على ان تخضع لرقابة وإشراف السلطة المركزية .
ويتركز الهدف من فرض هذه الرقابة أو الوصاية الإدارية في الحفاظ على وحدة الدولة .
2- عناصر اللامركزية الإدارية : يستند نظام اللامركزية الإدارية على عنصرين أساسين هما :
أ-وحدات إقليمية مستقلة تمثلها مجالس محلية منتخبة .
ب-عدم خضوع الوحدات الإقليمية المستقلة لرئاسة الدولة خضوعا تاما .
أ-وحدات إقليمية مستقلة تمثلها مجالس محلية منتخبة : يعني نظام اللامركزية الإدارية توزيع ممارسة الوظيفة الإدارية في الدولة بين السلطة المركزية في العاصمة وبين هيئات مستقلة محلية تتمتع بالشخصية المعنوية ,كالمحافظات والمدن والقرى , بحيث تباشر هذه الهيئة اختصاصا الإدارية والموكلة إليها تحت رقابة وإشراف السلطة المركزية في العاصمة , ويعني منح الشخصية القانونية -المعنوية – لهذه الوحدات ان تكون صاحبة حق,وأهلا للالتزام ,بحيث يحق لها أن تمتلك وتنسب إليها التصرفات . على ان منح هذه الوحدات المحلية الشخصية المعنوية لايكفي بذاته لضمان استقلالها, بل يلتزم كذلك الاعتراف لها بالاستقلال المالي . ويعد اختيار أعضاء الهيئات المحلية عن طريق الانتخاب بواسطة السكان المحلين. الطريقة المثلى لتشكيل هذه الهيئات .وبهذا يتحقق استقلال الهيئات المحلية تجاه السلطات المركزية.
ب- عدم خضوع الوحدات الإقليمية المستقلة لرئاسة الدولة خضوعا تاما :
يقتضي استقلال إدارية اللامركزية بألاّ ترتبط هذه الهيئات بالسلطة الرئاسية ارتباط تبعية إدارية ، وإلا تخضع للسلطة الرئاسية وإلا تحولت إلى مجرد فروع للحكومة المركزية. بيد ان القول باستقلال الهيئات المحلية ، لا يعني استقلالها بشكل مطلق عن السلطة المركزية ، لأن مثل هذا القول يهدد الوحدة السياسية للدولة . لذلك فان النظام اللامركزي يقوم على أساس بقاء ممارسة الهيئات المحلية لاختصاصاتها خاضعة لأشراف ورقابة السلطة المركزية . وتنظيم الرقابة الإدارية من الأمور الدقيقة التي يجب ان يوازن المشرع فيها بين ضرورات تحقيق أهداف الإدارة المحلية التي اقتضت الأخذ بنظام اللامركزية الإدارية وتوزيع اختصاصات الوظيفة الإدارية على هيئات مركزية ومحلية ,وضرورة تأكيد وحدة الدولة وسلطتها على كامل إقليمها . ولذلك فان الدول تختلف في مدى رقابة السلطات المركزية على الهيئات المحلية .على حين تمارس عدد من الدول رقابة محدودة . فتكون الهيئات المحلية أكثر استقلالا , وتمارس دولا أخرى رقابة كاملة وفعالة فتكون الهيئات المحلية مقيدة إلى حد ما .



المبحث الثاني : الدولة المركبة
تتألف الدولة المركبة من دولتين أو أكثر ، اتحدت لتحقيق أهداف مشتركة ، و تتوزع سلطات الحكم في الدولة المركبة على الدول المكونة لها تبعا لطبيعته ونوع الاتحاد الذي يربط بينها .
ويميز الفقه بين أربعة أنواع رئيسية من الاتحادات التي تتكون بها الدولة وهي : الاتحاد الشخصي ، و الاتحاد الكونفيدرالي أو ألتعاهدي أو الاستقلالي ، و الاتحاد الحقيقي أو الفعلي ، و الاتحاد المركزي أو الفيدرالي .
أولا - الاتحاد الشخصي:- ينشأ الاتحاد الشخصي بين دولتين أو أكثر بحيث تخضع الدولة الداخلة في الاتحاد لحكم شخص واحد ، على أن تحتفظ كل دولة باستقلالها الخارجي وبشخصيتها الدولية الكاملة ، وباستقلالها الداخلي وبنظام حكمها أي بدستورها وسلطاتها العامة من تشريعية وتنفيذية وقضائية .
وعلى ذلك ، فإن الاتحاد الشخصي لا يعمل على خلق دولة جديدة ما دام إنه سيستبقي لكل دولة من دول الاتحاد ذاتيتها الكاملة المستقلة إزاء الأخرى . أما مظهر الاتحاد بين هذه الدول المستقلة بعضها على بعض فيظهر في وحدة رئيس الدولة ، حيث يكون هنالك رئيس واحد بالنسبة لدول هذا الاتحاد .
فرئيس الدولة هو المظهر الوحيد والمميز للاتحاد الشخصي ، الأمر الذي يجعل منه اتحادا عرضيا موقوتا يزول وينتهي بمجرد انتهاء أو اختلاف شخص رئيس الدولة .
ويترتب على الاتحاد الشخصي النتائج الآتية :
أ- إذا كان المظهر الوحيد للاتحاد الشخصي ، يتمثل في خضوع الدولة الداخلة في الاتحاد لرئاسة شخص واحد فإن هذا الأمر لا يعني إن هذا الرئيس يمارس سلطاته بصفته رئيسا للاتحاد . ولكن هذه الممارسة تتم على أساس إنه رئيس لأحدى الدول الداخلة في الاتحاد حينا ، وبصفته رئيسا للدولة الأخرى حينا آخر .
ويعني ذلك إن نفس الشخص الطبيعي تكون له شخصية قانونية مزدوجة أو متعددة بحسب الدول الداخلة في الاتحاد .
ب- لا يتكون من الاتحاد الشخصي شخصية دولية جديدة ، بل تظل لكل دولة شخصيتها الدولية الخاصة بها . وينتج عن ذلك ، أن تستقل كل دولة بسياستها الخارجية ، وبممثليها الدبلوماسيين ، و بمعاهداتها الخاصة مع الدول الأخرى ، كما تستقل كل دولة بمسؤوليتها الدولية عن تصرفاتها القانونية .
وفيما يتعلق بعلاقات بين الدول التي يضمها ، الاتحاد الشخصي ، فإن رعايا كل دول يعتبرون أجانب بالنسبة للدولة الأخرى ، وإذا كانت الحرب بين إحدى الدول الداخلة في الاتحاد ودولة أجنبية ، فإن الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد تبقى على الحياد .
وإذا نشبت الحرب بين دولتين داخلتين في الاتحاد ، فإنها تعتبر حربا دولية لا حربا أهلية .
ج- تحتفظ كل دولة بنظامها السياسي في الداخل ، و لا يتأثر نظام الحكم فيها بقيام الاتحاد الشخصي .
ولهذا لا يشترط وجود تماثل بين الأنظمة السياسية في الدول الداخلة في الاتحاد ، بل كثيرا ما يختلف نظام كل دولة اختلافا بينا عن نظام الدول الأخرى الأعضاء .
فقد يقوم الاتحاد بين دولة تأخذ بالنظام الملكي البرلماني وأخرى تخضع للملكية المطلقة .
ومن أمثلة الاتحاد الشخصي : الاتحاد بين إنكلترا وهانوفر الذي تم عام 1714 ، عندما تولى أمير هانوفر عرش إنكلترا وانتهى هذا الاتحاد عام 1837 ، عندما تولت الملكة ( فيكتوريا ) عرش إنكلترا ، لأن قانون توارث العرش في هانوفر لم يكن يسمح بتولي الإناث العرش إلا إذا انعدم الذكور تماما في جميع فروع الأسرة المالكة . وكذلك الاتحاد الذي حدث بين هولندا و لوكسمبورغ عام 1815 بتولي ملك هولندا الحكم في لوكسمبورغ ، وانتهى عام 1890 عندما تولت الملكة ( ولهيمينا ) عرش هولندا ، لأن قانون لوكسمبورغ لم يكن يبيح للإناث تولي الحكم .
ثانيا - الاتحاد الكونفيدرالي أو ألتعاهدي أو الاستقلالي:- يتكون الاتحاد الكونفيدرالي أو ألتعاهدي نتيجة الاتفاق بين دولتين أو أكثر في معاهدة دولية على الدخول في الاتحاد ، مع احتفاظ كل دولة بسيادتها ، أي باستقلالها عن دول الاتحاد الأخرى سواء من الناحية الخارجية أو من الناحية الداخلية ، وذلك فضلا عن التمايز في رئاسة الدولة بحيث تختص كل دولة من هذه الدول برئيس خاص لها . ومظهر الاتحاد بين هذه الدول المستقلة بعضها عن البعض ، إن هنالك تحالفا بينها يهدف إلى تحقيق مصالح وأغراض مشتركة ، كضمان أمنها وحماية سلامتها ، أو تحقيق مصالح اقتصادية فيما بينها . ويتولى التنسيق بين دول الاتحاد هيئة سياسية مشتركة ، قد تكون مؤتمر أو جمعية أو مجلس . وتتكون هذه الهيئة على أساس المساواة التامة والتوازن الدقيق بين الدول الأعضاء ، حيث يمثل كل دولة عدد متساو من الممثلين ، إذ تقف جميع الدول الأعضاء على قدم المساواة في هذا التمثيل بصرف النظر عن الاختلاف فيما بينها من حيث القوة أو المساحة أو عدد السكان .
وتقوم هذه الهيئة بمهمة استشارية ، وذلك بتحديد السياسة المشتركة للدول الأعضاء عن طريق التوصيات التي تصدرها ، والتي لا بد من موافقة الدول الأعضاء عليها قبل تنفيذها . ويترتب على ما تقدم عدة نتائج :
أ- تحتفظ كل دولة من دول الاتحاد بشخصيتها الدولية و بسيادتها الخارجية ، بحيث يكون لها الاستقلال عن غيرها في تصرفاتها الدولية ، فتعقد المعاهدات التي تلتزم بها وحدها ، وتنفرد بالدخول في الحرب ، وإن كان ذلك مشروطا بألا يتعارض مع ما تبرمه من معاهدات من المسائل المشتركة المنصوص عليها في اتفاق التعاهد ، كما إن الاتفاق يتضمن عادة تحالفا دفاعيا ويستلزم تبادل المساعدات في حالة الحرب .
وتعد الحرب التي تقوم بين دول الاتحاد حربا دولية .
ب - تستقل كل دولة من دول الاتحاد بسيادتها الداخلية ، بحيث يكون لها نظامها السياسي الذي قد يختلف كلية عن النظام السياسي لغيرها ولكل منها جنسيتها المستقلة بحيث يعتبر رعاياها أجانب في نظر الدول الأعضاء الأخرى .
ج- الدول الأعضاء في الاتحاد الكونفدرالي متساوون من حيث الحقوق و الواجبات، فهم متساوون في التمثيل في الهيئات المشتركة لإدارة الاتحاد، بصرف النظر عن المساحة أو الحجم الديموغرافي أو المكانة الدولية للدول الأعضاء.
د- إن الاتحاد الكونفيدرالي لا ينشئ دولة أو شخصا دوليا جديدا . فالهيئة المشتركة ، رغم أهميتها السياسية ، لا تتمتع بالشخصية الدولية ولا تمثل شخصا دوليا .والواقع إن هذه الهيئة تعتبر مجرد مؤتمر مشترك يتكون من أعضاء تختارهم حكومات دول الاتحاد ويعتبرون ممثلين لدولهم في مؤتمر يقتصر على تقرير السياسة العامة في مجالات معينة لدولهم ، دون أن يكون له سلطان مباشر داخل الدول الأعضاء في الاتحاد . فقرارات المؤتمر أو الهيئة المشتركة ، حتى لو صدرت بالإجماع([1]) لا تنفذ إلا بواسطة الدول الأعضاء ، ولذا تحتاج إلى موافقة هذه الدول التي تملك اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذها .
هـ - ولما كانت اختصاصات المؤتمر أو الهيئة المشتركة محددة في المعاهدة ، فإنه لا يتم تعديلها بالزيادة أو النقصان ، إلا بالموافقة الإجماعية من الدول الأعضاء ، والدول التي لا توافق على التعديل يكون لها حق الانفصال ، و حق الانفصال من خصائص الاتحاد الكونفيدرالي ،تمارسه كل دولة كما تشاء ، فهو حق أصيل لها تمارسه حتى ولو بنص عليه صراحة في الاتفاق .
أمثلة على الاتحاد الكونفدرالي : هناك العديد من الأمثلة القديمة و الحديثة على الاتحاد الكونفدرالي :
فمن الأمثلة القديمة لهذه النوع من الاتحاد التي زالت إما بتحولها إلى دول فيدرالية أو بتفككها يمكن أن نذكر : الاتحاد السويسري Helvétique La confédération 1848-1815، و الاتحاد الأمريكي La confédération Américaine 1776-1787، اللذين تحولا إلى دول فيدرالية، و الاتحاد الجرماني La confédération Germnaique 1815-1866 الذي حل و تفكك.
أما أمثلة الاتحاد الكونفدرالي الحديثة فهي كثيرة و سوف نشير إلى البعض منها و خاصةً في الوطن العربي: كجامعة الدول العربية، اتحاد المغرب العربي، و مجلس التعاون الخليجي، إضافة لنموذج فريد، يحتذى به، هو الاتحاد الأوربي الذي ينحو من الكونفدرالية إلى الفيدرالية، لذلك سوف نتوسع قليلاً في شرحنا له، لأهميته كنموذج لنا نحن العرب.
1-جامعة الدول العربية : تعتبر جامعة الدول العربية التي أنشئت في 12 آذار 1945 أحد أشكال الاتحاد الكونفدرالي، و تضم الدول العربية المؤسسة، و الدول التي انضمت إلى الميثاق لاحقاً. و الدول العربية الأعضاء في الجامعة يتمتعون بالسيادة خارجياً و داخلياً، بل إن المادة /2/ من الميثاق حددت الهدف من قيام الجامعة بصون استقلال الدول العربية و سيادتها، إضافة لتوثيق العلاقات بين دول الجامعة في المسائل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الأمنية (المادتين 5 و 7 من الميثاق).
فجامعة الدول العربية، ليست دولة جديدة، و إن كانت تعتبر شخصاً دولياً. فلا يوجد على رأسها حكومة و إنما مجرد هيئات تنسيق. على رأس هذه الهيئات : مؤتمر القمة[2]، و مجلس الجامعة، و الأمانة العامة للجامعة، إضافةً لبعض الهيئات المتخصصة التابعة للجامعة. فالدول الأعضاء ممثلون في الجامعة عن طريق مندوبين.
و لكن للأسف فإن جامعة الدول العربية كاتحاد كونفدرالي كان من المفترض أن يؤدي مع الوقت إلى تقارب الدول الأعضاء بهدف قيام وحدة عربية، و لو بشكل فيدرالي، على غرار ما يحدث في أوربا الآن، إلا أنه لم يحقق هذه الهدف الافتراضي، و لا حتى الأهداف المعلنة في الميثاق. وفي ظل عدم فاعليتها، فإن الإبقاء على جامعة الدول العربية أو إلغاءها أصبحت مسألة مطروحة على الأمة العربية في ظل الظروف الدولية و التغيرات الإقليمية و التحديات التي تتعاظم من حيث الحجم و التأثير و النتائج على أمتنا العربية[3].
2-اتحاد المغرب العربي : كذلك فأن اتحاد المغرب العربي، الذي أنشئ بموجب معاهدة وقعت عام 1989 بين المغرب و تونس و الجزائر و ليبيا و موريتانية، يعتبر اتحاداً كونفدرالياً، يهدف (المادة /2/ من معاهدة التأسيس) إلى تمتين أواصر الأخوة بين الدول الأعضاء و شعوبها، و تحقيق رفاهية مجتمعات المغرب العربي و الدفاع عن حقوقها، و المساهمة في صيانة السلام القائم على العدل و الإنصاف، و اتباع سياسة مشتركة في مختلف الميادين، و العمل تدريجياً على تحقيق حرية تنقل الأشخاص و الخدمات و السلع و رؤوس الأموال بين الدول الأعضاء. و الدول الأعضاء تحتفظ بسيادتها و استقلالها خارجياً و داخلياً و هذا ما حرصت على تأكيده معاهدة التأسيس التي نصت في المادة /3/ منها على أن أحد أغراض الاتحاد الحفاظ على استقلال الدول الأعضاء فيه. و هذا الاتحاد ليس دولة جديدة و إنما مجرد اتحاد بين دول، حيث يوجد على رأس الاتحاد : مجلس الرئاسة الذي يعتبر السلطة العليا و يتألف من رؤساء الدول الأعضاء، مجلس وزراء الخارجية الذي يقوم بالتحضير لأعمال مجلس الرئاسة، الأمانة العامة و تتشكل من ممثل عن كل دولة عضو، لجنة المتابعة و تتكون من عضو من كل من الدول الأعضاء، و تقوم بمتابعة قضايا الاتحاد، و تقدم نتائج عملها إلى مجلس وزراء الخارجية، مجلس الشورى الذي يعتبر هيئة استشارية، و هو مؤلف من عشرة أعضاء عن كل دولة عضو يتم اختيارهم من قبل الهيئات النيابية للدول الأعضاء، الهيئة القضائية التي تتألف من قاضيين اثنين عن كل دولة عضو تعينهما الدولة المعنية لمدة /6/ سنوات، و تجدد النصف كل /3/ سنوات، و تنتخب الهيئة رئيساً من بين أعضائها لمدة سنة واحدة، إضافةً لعدد من اللجان الوزارية المتخصصة التي ينشئها مجلس الرئاسة، و يحدد مهامها. و للأسف أيضاً فإن اتحاد المغرب العربي و بتأثير عدد من العوامل الداخلية و الخارجية، دخل في مرحلة من التعثر و الركود و عدم الفعالية، سواء على مستوى الإنجازات أم على مستوى النشاط المؤسسي[4].
3-مجلس التعاون الخليجي : مجلس التعاون الخليجي، الذي أنشئ في 4 شباط 1981 و يضم المملكة العربية السعودية و دولة الإمارات العربية المتحدة و الكويت و قطر و البحرين و سلطنة عمان، هو الاتحاد الكونفيدرالي العربي الوحيد الذي يسير بصورة مرضية. هذا الاتحاد يهدف كما حددت المادة /4/ من نظامه الأساسي إلى توثيق العلاقات بين دول الخليج العربي في مختلف المجالات. فهو ليس دولة فوق الدول الأعضاء، رغم أنه يتمتع بشخصية قانونية مستقلة عن الدول الأعضاء، هذه الأخيرة تحتفظ بكامل سيادتها على المستويين الخارجي و الداخلي. و يوجد على رأس هذا الاتحاد عدد من الهيئات : المجلس الأعلى الذي يضم رؤساء الدول الأعضاء، و المجلس الوزاري الذي يضم وزراء خارجية الدول الأعضاء، و الأمانة العامة.
و كما أشرنا سابقاً، و لحسن الحظ، فإن مجلس التعاون الخليجي هو الاتحاد الكونفيدرالي الوحيد في الوطن العربي الذي يعمل و يسير بصورة مرضية، باستثناء بعض المشاكل البسيطة، سواء على مستوى الإنجازات أم على مستوى المؤسسات. فعلى مستوى الإنجازات فقد حقق الكثير مما يصعب حصره، أما على المستوى المؤسسي فإن اجتماعات المجلس الأعلى و المجلس الوزاري تتم بشكل دوري و كما هو محدد لها، و ذلك على غرار ما يحدث في الاتحادات المتقدمة كالاتحاد الأوربي.
4-الاتحاد الأوربي من الكونفدرالية إلى الفيدرالية : من أجل تحقيق تعاون بين دول القارة الأوربية فقد بدأت الدول الأوربية الغربية بإنشاء تجمعات ذات أهداف اقتصادية فيما بينها، كان أولها معاهدة باريس في 18 آذار 1951 التي أنشأت المجموعة الأوربية للفحم و الصلب C.E.C.A.، ثّم معاهدتا روما في 25 آذار 1957 اللتان أنشأتا المجموعة الاقتصادية الأوربية C.E.E. أو السوق الأوربية المشتركة، و المجموعة الأوربية للطاقة الذرية Euratom. إضافةً لعدد من البروتوكولات و الإعلانات المختلفة، و عدد من المعاهدات التعديلية، و خصوصاً ما يعرف بالقانون الأساسي (الدستور) للمجموعة (A.U.E.)Acte unique européen لعام 1986[5] و معاهدة ماستريشت Maastricht في 7 شباط 1992 (التي دخلت حيز النفاذ في الأول من كانون الأول عام 1993). هذه المعاهدة الأخيرة تهدف إلى قيام الوحدة السياسية الأوربية، التي أصبحت تسمى منذ ذلك الوقت بالاتحاد الأوربي. و يضم هذا الاتحاد الآن الأعضاء المؤسسين و هم : ألمانيا و بلجيكا و فرنسا و إيطاليا و اللوكسمبورغ و هولندا، و انضم إليهم الدانمارك و ايرلندا و المملكة المتحدة في العام 1972، و اليونان في العام 1979، و إسبانيا و البرتغال في العام 1985، و النمسا و فنلندا و السويد في العام 1995، إضافةً لعدد من الدول المرشحة للدخول في عضوية الاتحاد في الوقت القريب. و يتكون الاتحاد الأوربي حالياً من عدة هيئات أو مؤسسات تجعل عملية اتخاذ القرارات معقده إلى حد ما، مما دفع الحكومات الأوربية لعقد اجتماع في مدينة توران Turin في إيطاليا للنظر في إعادة تنظيم بناء هيئات الاتحاد بشكل عقلاني يسهل معه اتخاذ القرارات. و حتى تاريخه فإن الاتحاد الأوربي يضم الهيئات الرئيسية التالية :
v تنفيذية الاتحاد (الهيئة التنفيذية) تتألف تنفيذية الاتحاد من المؤسسات الثلاثة التالية :
- المجلس Le Conseil : يتكون المجلس من عدد من الوزراء مساو لعدد الدول الأعضاء، كل دولة عضو تفوض الوزير الذي تراه مختصاً لمعالجة المسائل المعروضة على جدول اجتماع المجلس. هذا المجلس يشكل هيئة ذات طابع كونفدرالي، بحيث أن كل الدول الأعضاء ممثلة بشخصيات تتلقى تعليمات محددة من قبل حكوماتها. و معظم القرارات الداخلة في اختصاص المجلس لا تتخذ بالإجماع، و إنما بالأغلبية الموصوفة /62/ صوت على /87/، حيث كل دولة تملك عدداً من الأصوات بحسب أهميتها : فرنسا و ألمانيا و بريطانية و إيطاليا تملك كل منها /10/ أصوات، إسبانيا تملك /8/ أصوات، بلجيكا و هولندا و اليونان و البرتغال تملك كل منها /5/ أصوات، النمسا و السويد تملك كل منهما /4/ أصوات، الدنمرك و فنلندا و ايرلندا تملك كل منها /3/ أصوات، و اللوكسمبورغ تملك صوتين فقط.
- المجلس الأوربي européen Le Conseil : المجلس الأوربي هو عبارة عن اجتماع رؤساء دول و حكومات الدول الأعضاء، إضافةً لرئيس اللجنة. و ينعقد المجلس مرتين في السنة على الأقل. هذه الهيئة كان وجودها بدايةً بشكل عرفي، و أصبح مكتوباً بعد النص على ذلك في القانون الأساسي للمجموعة L'Acte unique européen لعام 1986. هذه الهيئة تعمل على تحقيق التقدم في بناء الاتحاد الأوربي، و قد كلفتها معاهدة ماستريشت Maastricht بإعطاء الاتحاد الإمكانات الضرورية لتطويره، إضافة لتحديد التوجهات السياسية للاتحاد. هذه الهيئة لا تتخذ قراراتها إلا بالإجماع، و تؤمن رئاسته بشكل دوري كل /6/ أشهر من إحدى الدول الأعضاء.
- لجنة المجموعة La Commission de la Communauté : تتألف لجنة المجموعة الأوربية من /20/ عضواً أو مفوضاً، يعينون لمدة /5/ سنوات قابلة للتجديد، من قبل حكومات الدول الأعضاء وفقاً لإجراءات معقدة : الدول الأعضاء تتفق، بعد استشارة البرلمان الأوربي على الشخصية التي ترشحها لشغل منصب رئيس اللجنة. ثّم تتفق الدول الأعضاء بالتعاون مع رئيس اللجنة المرشح على تسمية بقية أعضاء اللجنة. و بعد ذلك تطرح أسماء اللجنة كهيئة للتصديق من البرلمان، ثّم تعين من قبل الدول الأعضاء. و اللجنة مسؤولة أمام البرلمان فقط، و ليس أمام الدول الأعضاء أو المجلس، حيث تتمتع باستقلالية كاملة تجاههم. و كل مفوضCommissaire يختص بقطاع معين من النشاط (كما هو حال الوزير في الحكومة). و لكن قرارات اللجنة تتخذ بشكل جماعي Collégial[6].
v البرلمان الأوربي (الهيئة التشريعية) Le Parlement européen : بمواجهة الهيئة التنفيذية للاتحاد المتعددة الرؤوس أو المؤسسات، يوجد البرلمان الأوربي. و أنشئ هذا البرلمان عام 1957، و كان يتألف بدايةً من ممثلين عن البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء. و أصبح منذ 1979ينتخب بالاقتراع العام المباشر من قبل شعوب الدول الأعضاء. و يتألف البرلمان حالياً من /626/ مقعداً موزعة على الدول الأعضاء بمقتضى صيغة توافقية تؤمن مبدأ المساواة بين عدد السكان و التمثيل المعبر للدول الأعضاء : مثلاً اللوكسمبورغ تملك مقعداً واحداً عن كل /63000/ مواطن، في حين فرنسا تملك مقعداً واحداً عن كل /650000/ مواطن و ألمانيا تملك مقعداً واحداً عن كل /800000/ مواطن. و لا يقوم تجمع الكتل البرلمانية في البرلمان الأوربي على أساس رابط الوطنية أو الجنسية، و إنما على أساس الإيديولوجية التي يدافعون عنها. فالبرلمان الأوربي لا يمثل الدول و الحكومات الأوربية، و إنما الشعوب الأوربية. و اختصاصات البرلمان محدودة، و يمكن إجمالها في أربعة نواح : 1-يساهم في إعداد التشريعات الأوربية، 2-يراقب عمل اللجنة فيمكنه سحب الثقة منها بأغلبية ثلثي أعضاء البرلمان مما يرغم اللجنة على الاستقالة، 3-يقر ميزانية الاتحاد، 4-موافقته ضرورية لتعديل المعاهدات المتعلقة بالاتحاد، 5- قبول انضمام أعضاء جدد إلى الاتحاد.
v محكمة العدل الأوربية (الهيئة القضائية) La Cour de Justice des comminautés européennes : تتكون محكمة العدل الأوربية C.J.C.E. من /15/ قاضياً، يساعدهم /9/ محامين عامين، جميعهم معينون لمدة /6/ سنوات باتفاق حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد، و يجدد نصفهم كل /3/ سنوات. هؤلاء القضاة مستقلون عن دولهم، و يختارون من بينهم رئيساً للمحكمة.
و تختص هذه المحكمة بالرقابة على مشروعية قرارات هيئات الاتحاد التنفيذية (المجلس و اللجنة) و إلغائها بسبب تجاوز السلطة، و إلغاء قرارات الدول الأعضاء فيما يتعلق بأحكام المعاهدات الناظمة للاتحاد. و يمكن اللجوء إلى المحكمة من قبل جميع هيئات الاتحاد، و الدول الأعضاء، و الأفراد أصحاب المصلحة. و يمكن أن تلجأ إليها الدول الأعضاء من أجل تقديم تفسير للتشريعات الأوربية، و يمكن أن تلجأ إليها المحاكم الوطنية لطلب تفسير. و بموجب معاهدة ماستريشت Maastricht تملك المحكمة الحق في أن تدين أو تحكم بغرامات مالية على الدول الأعضاء في حالة عدم احترامها للالتزامات الناجمة عن المعاهدات الناظمة للاتحاد، بناء على طلب اللجنة الأوربية أو أحد الأفراد[7]. هذا الاتحاد الذي لا يزال حتى الآن تجمعاً أو اتحاد دول، أخذ في التطور بشكل متسارع، و خاصةً بعد معاهدة ماستريشت Maastricht، نحو وحدة سياسية و اقتصادية و نقدية أوربية، قد تؤدي إلى وحدة اجتماعية أو مواطنية أوربية، أي باختصار نحو فيدرالية أوربية، و ذلك لمواجهة التحديات العلمية المتسارعة و المتعاظمة. لذلك نعتقد بأن هذا الاتحاد النموذج يمكن أن يحتذى به كنموذج لإنشاء اتحاد بين الدول العربية، لمواجهة التحديات و الصعوبات أمام الوطن العربي كدول متفرقة، و خاصةً تحديات العولمة، التي لا يمكن الدخول إليها مشتتين بل متحدين، و ليكن هذا الاتحاد نوعاً من “العوربة[8]” في مواجهة العولمة.
ثالثا- الاتحاد الحقيقي أو الفعلي : - يتكون الاتحاد الحقيقي أو الفعلي من انضمام دولتين أو أكثر، تخضع جميعها لرئيس دولة واحد ، وتندمج في شخصية دولية جديدة ، مع استقلال كل دولة من الدول الأعضاء بنظامها السياسي الداخلي الخاص .
ويرجع ذلك إلى إن الاتحاد الحقيقي أو الفعلي لا يكتفي بوحدة شخص رئيس الدولة كما هو الحال في الاتحاد الشخصي ، وإنما يقيم رباطا قويا بين الأعضاء عن طريق شخصية الاتحاد التي تعتبر الدولة الوحيدة على الصعيد الدولي ، وتتولى الشؤون الخارجية وإدارة شؤونها الدولية والدبلوماسية ، والدفاع ، وقيادة العمليات العسكرية . ويترتب على اندماج الدول الأعضاء في الاتحاد ، أن تتوحد السياسة الخارجية ، وكذلك التمثيل الدبلوماسي ، وأن يتقيد الأعضاء بما يعقده الاتحاد من معاهدات واتفاقات دولية.
ويترتب على ما تقدم عدة نتائج :
أ-تتركز مظاهر الاتحاد الحقيقي بالنسبة لرئيس الدولة الذي له حق رئاسة جميع الدول الأعضاء . وكذلك بالنسبة للناحية الخارجية ، إذ تفقد كل دولة من الدول الداخلة في الاتحاد شخصيتها الخارجية وتندمج جميعها في شخصية دولية واحدة هي الشخصية الدولية للإتحاد نفسه التي يكون وحدها مظاهر السيادة الخارجية .
ب-ينتج عن الوحدة الخارجية سالفة الذكر التي تعمل على زوال الشخصية الدولية المستقلة للدول الأعضاء واندماجها جميعا في شخصية خارجية واحدة تثبت للإتحاد : وحدة التمثيل الخارجي لجميع أعضاء الاتحاد ، وتقيد الأعضاء جميعا بكافة التصرفات الخارجية التي يمارسها الاتحاد وتحمل مسؤولية نتائجها بأن تتقيد الأعضاء جميعهم مثلا بالمعاهدات التي يعقدها الاتحاد .
ومن أمثلة الاتحاد الحقيقي أو الفعلي : الاتحاد بين السويد والنرويج إبتداءا من عام 1815 تحت حكم ملك السويد ، الذي استمر حتى عام 1905 عندما انفصلت الدولتان بمعاهدة استكهولم .
وكذلك الاتحاد الذي تم بين التمسا والمجر في الفترة بين عام 1867 وعام 1918 .
---------
[1] - –كثيرا ما يتطلب اتفاق التعاهد الإجماع ، أو أغلبية خاصة ، لصدور القرارات ، وإذا لم يرد نص ، فالقاعدة أن تصدر القرارات بالأغلبية المطلقة .
[2]- تجدر الإشارة هنا إلى أنه تم في المؤتمر الطارئ للقمة العربية المنعقد في 21-22/10/2000 في القاهرة، إضافة ملحق لميثاق الجامعة ينص على الانعقاد الدوري و بشكل سنوي لمؤتمر القمة خلال شهر آذار من كل عام، مما يشكل خطوة إيجابية، و لو محدودة، نحو تفعيل العمل العربي المؤسسي المشترك.
[3]- انظر بهذا الخصوص، محمد وفاء حجازي : “الجامعة العربية و مستقبل العمل العربي المشترك”، مجلة الفكر السياسي، اتحاد الكتاب العرب-دمشق، العدد الثاني، 1998، ص76 و ما بعدها.
[4]- انظر بهذا الخصوص، زايد عبيد الله مصباح : “اتحاد المغرب العربي : الطموح و الواقع”، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 236، 1998، ص27 و ما بعدها.
[5]- المعاهدة الأوربية الوحيدة هي معاهدة موقعة في 17 و 28 شباط من قبل الدول الأعضاء (كان عددهم /12/ في ذلك الوقت)، تعدل المعاهدات المتتالية و العديدة للمجموعة الأوربية.
[6]- تملك اللجنة حالياً حوالي /15000/ موظف، بينهم حوالي /2700/ مترجم.
[7]- انظر تفصيل أعمق حول الاتحاد الأوربي :
B. CHANTEBOUT ”Droit Constitutionnel et Science Politique“‚op.cit, P77 et suivants.
[8]- العوربة من العروبة.



.../... يتبع







بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 4:30
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67721
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري- الجزء الثاني



القانون الدستوري- الجزء الثاني


رابعا - الاتحاد الفيدرالي :
أ-تعريف الاتحاد الفيدرالي :
وهو اتحاد يضم عدة دول تندمج جميعها في دول اتحادية واحدة تتولى جميع
الاختصاصات الخارجية ,باسم جميع الأعضاء , وتتولى كذلك أدارة جانب من
الشؤون الداخلية لدويلات الاتحاد أو ولاياته . وبذلك لايعتبر الاتحاد
الفيدرالي بعد قيامة اتحادا بين دول مستقلة وانما هو دولة واحدة مركبة تضم
دويلات أو ولايات ,أي انه دولة عليا فوق الدول الداخلة في الاتحاد الذي
ذابت شخصيتها في الشخصية الدولية للدولة الاتحادية . وعلى هذا الأساس فان
الدويلات الأعضاء في الدولة الاتحادية لا تملك الحق في الانفصال كما هو شأن
الدول الأعضاء في الاتحاد الكونفدرالي ([1]).
ويقوم الاتحاد الفيدرالي
على أساس ازدواج النظام الدستوري في الدولة . فإلى جانب الدستور الاتحادي
الذي ينظم سلطات الدولة الاتحادية . توجد دساتير الدويلات أو الولايات التي
ترتب لكل ولاية سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وبذلك يوجد تعدد
في السلطات الدستورية الثلاث في داخل الدولة , يشكل نوعا من اللامركزية
يطلق علية اللامركزية السياسية , تفرق عن اللامركزية الإدارية التي يقتصر
التعدد فيها على أحد جوانب السطة التنفيذية فحسب وهو الجانب الإداري .
(ب) – كيفية نشأة الاتحاد المركزي وانتهاوه :
ينشأ الاتحاد المركزي بإحدى طريقتين : تتمثل الطريقة الأولى قي اندماج
عدد من الدول المستقلة في دولة واحدة .وهذه هي الطريقة الأكثر شيوعا والتي
نشأت بها ، الولايات المتحدة الأمريكية ,وسويسرا ,واستراليا ,وكندا . أما
الطريقة الثانية ,فتحدث عند تفكك دولة موحدة إلى عدة دويلات صغيرة يجمعها
الاتحاد المركزي , وبهذه الطريقة نشأ الاتحاد المركزي في البرازيل ,
والأرجنتين , والمكسيك .
فيما ينتهي الاتحاد المركزي بأحد أسلوبين :
ويتمثل الأسلوب الأول في تحول الاتحاد المركزي إلى اتحاد كونفدرالي أو
اتحاد حقيقي . ويتجسد الاسلووب الثاني في ان يتحول الاتحاد المركزي إلى
دولة موحدة بسيطة , حيث تغدو الدويلات إلى مجرد أقسام إدارية أو محافظات .


A - مظاهر الوحدة في الاتحاد الفيدرالي :
يقوم الاتحاد المركزي على عدة أسس للوحدة تتمثل في عدد من المظاهر سواء على الصعيد الدولي الخارجي , أو في الميدان الداخلي .
1- مظاهر الوحدة في المجال الخارجي :
-احتكار التعامل الخارجي : ان
الدولة الاتحادية وحدها هي التي تتمتع – في الأصل –بحق التعامل الخارجي مع
الدول الأجنبية أو المنظمات الدولية , بإبرام المعاهدات , وإقامة التمثيل
الدبلوماسي , وإنشاء العلاقات التجارية والثقافية وغيرها من العلاقات
الدولية , وكذلك مع دولة أو دول أجنبية .
-وحدة جنسية الدولة :
فالجنسية التي يتمتع بها مواطنو دولة الاتحاد واحدة بصرف النضر عن الدويلات
التي ينتمون إليها . وذلك لتعلق الأمر بشعب دولة واحدة .
-وحدة إقليم
الدولة : يقوم الاتحاد المركزي على إقليم موحد يمثل الكيان الجغرافي ,
للدولة الاتحادية في مواجهة العالم الخارجي , ويتكون من مجموع أقاليم
الدويلات المكونة للاتحاد.
2-مظاهر الوحدة في المجال الداخلي : تتمثل المظاهر الأساسية لوحدة الدولة الفيدرالية فيما يأتي : الدستور الاتحادي والسلطات الاتحادية .
- ( الدستور الاتحادي ) :
يعد الدستور الاتحادي الأساس القانوني الذي تقوم علية الدولة الاتحادية
,ويوضع الدستور الاتحادي بنفس طريقة وضع دستور الدولة البسيطة إذا كانت
الدولة الاتحادية قد نشأت نتيجة تحول دولة بسيطة إلى دولة اتحادية . أما
أذا كانت الدولة الاتحادية قد نشأت عن اندماج عدد من الدول فإن إجراءات
إعداد الدستور تبدأ بعقد معاهدة بين هذه الدول ، تظهر فيها دعائم الاتحاد
المراد إقامته ، ويرفق بها مشروع الدستور الاتحادي . وبعد أن توافق الدول
على هذه المعاهدة طبقا لنظمها القانونية يعرض مشروع الدستور الاتحادي على
السلطات التأسيسية لهذه الدول ، فإذا وافقت عليه اكتسب قوته القانونية
وأصبح واجب التنفيذ بعد إصداره من السلطة الاتحادية المختصة التي أنشأها
الدستور . ويعتبر الدستور الاتحادي عملا تشريعيا صادرا عن السلطة التأسيسية
في دولة الاتحاد ، بصرف النظر عن الاتفاق الذي يتم بين الأطراف المعنية
قبل صدور الدستور . وبعد أن تقوم السلطة الاتحادية بإصدار الدستور الاتحادي
تصبح جميع السلطات والهيئات الاتحادية ، وسلطات الولايات وهيئاتها ملزمة
بهذا الدستور . ويتميز الدستور الاتحادي بأنه دستور مكتوب ، كما إنه دستور
جامد غير مرن ، إذ لا يجوز تعديل أحكامه بنفس إجراءات تعديل القانون
العادي وذلك نظرا لأهميته البالغة في تحديد اختصاصات السلطات الاتحادية
وسلطات الولايات ، وإقامة نوع من التوازن بينهما .
ويترتب على ذلك
وجوب تنظيم رقابة فعالة على دستورية القوانين الصادرة من هذه السلطات من
جانب هيئات قضائية عليا محايدة ، لا تؤثر فيها الاعتبارات السياسية .
وتختلف الدول الاتحادية بشأن الطريقة والشروط التي يجب مراعاتها في تعديل
الدستور الاتحادي . ويرجع ذلك إلى اختلاف الضمانات المقررة لتعديل الدستور
الاتحادي في كل منها . ويدور محور الاختلاف بين الدساتير الاتحادية حول
مدى مساهمة الولايات في تعديل الدستور ، فمنها ما يشرك الولايات في اقتراح
التعديل وفي إقراره ، حيث يشترط موافقة معظم الولايات بجانب موافقة
البرلمان الاتحادي ، كما هو الشأن بالنسبة للدستور الأمريكي . فيما تشترط
بعض الدساتير الاتحادية موافقة الأغلبية المطلقة لكل مجلس تشريعي على مشروع
الاتحاد ، وكذلك الأغلبية المطلقة للشعب نفسه في الاستفتاء على التعديل
الدستوري ، كما هو الشأن بالنسبة للدستور السويسري والدستور الأسترالي .
أما
الطائفة الثالثة في الدساتير الاتحادية فتكتفي بموافقة البرلمان الاتحادي
بأغلبية خاصة على التعديل نفسه ، كالدستور الأرجنتيني ، والدستور البرازيلي
.


B- ( السلطات العامة الاتحادية ) :
تتمثل السلطات العامة الاتحادية في ثلاث : السلطة التشريعية الاتحادية و السلطة التنفيذية الاتحادية و السلطة القضائية الاتحادية.
1- ( السلطة التشريعية الاتحادية ) : تتكون
السلطة التشريعية في الدولة الاتحادية من مجلسين : المجلس الأول هو ( مجلس
الشعب أو المجلس الأدنى ) الذي يمثل شعب الدولة في مجموعة , فلا يراعي في
انتخابه تمثيل الولايات بصفتها هذه , وانما يقوم بانتخابه جميع الأفراد في
دوائر انتخابه كما لو كانت الدولة موحدة , وعلى ذلك ينتخب من كل ولاية عدد
من النواب يتناسب مع عدد سكانها .
أما المجلس الثاني (مجلس الولايات
أو المجلس الأعلى ) فيمثل الولايات على قدم المساواة ,بأن يكون لكل ولاية
عدد متساو من الممثلين دون النظر إلى أهمية الولاية من ناحية المساحة أو
عدد السكان .
والواقع ان نظام المجلسين من مقتضيات الاتحاد الفيدرالي
لضرورة حفظ التوازن بين مصالح دولة ومصالح الولايات , فيوجد مجلسان احدهما
يمثل مظهرا من مظاهر الوحدة ,ويمثل الأخر مظهرا لاستقلال الولايات .
أما
عن سلطة المجلسين ,فإننا نجد انه في معظم الدولة الاتحادية المعاصرة
يتساوى مجلس الولايات ( المجلس الأعلى ) مع مجلس الشعب ( المجلس الأدنى )
في السلطة التشريعية بحيث يشترط موافقة كل منها على كل مشروعات القوانين
الاتحادية قبل إصدارها .وهذا هو الحال في دساتير الولايات المتحدة
الأمريكية ، والمكسيك ، والأرجنتين ، وفنزويلا ، وكندا . ومع ذلك فإن بعض
الدساتير الاتحادية تمنح المجلس الأعلى تفوقا بأن تشركه في جانب من
الاختصاصات التنفيذية كالتصديق على المعاهدات أو الموافقة على تعيين كبار
موظفي الدولة بالإضافة على دوره التشريعي المساوي لدور المجلس الأدنى . ومن
هذه الدساتير دستور الولايات المتحدة الأمريكية ، والأرجنتين ، والبرازيل .
ويختلف الوضع في بعض الدساتير الاتحادية حيث تساوي بين مجلسي البرلمان في
الاختصاصات . ومن أمثلة ذلك الدستور السويسري . وإن الدستور السويسري يعلي
من شأن المجلس الأدنى من الناحية العملية بالنسبة للاختصاصات التي يمارسها
البرلمان مجتمعا ، نظرا للكثرة العددية لمجلس النواب . وبخلاف ذلك ، نجد
بعض الدساتير الاتحادية تجعل المجلس الأعلى ( مجلس الولايات ) في مركز أدنى
في ممارسة الوظيفة التشريعية . وقد يكون ذلك بتقليل سلطاته بالنسبة
للمسائل المالية أو يجمعه مع المجلس الأعلى ( مجلس الشعب ) – وهو الأكثر
عددا – في مؤتمر برلماني في حال الخلاف بين المجلسين ، مما يرجح كفة ،
المجلس الأدنى ، كما هو الشأن في دساتير استراليا والهند وقد يكتفي الدستور
بموافقة المجلس الأدنى مرة ثانية على القانون الذي يرفضه المجلس الأعلى ،
وهو ما فعله الدستور الألماني . وأيا ما كان في الأمر في توزيع السلطات
التشريعية بين المجلسين ، فإن البرلمان الاتحادي يختص – بصفة عامة – بسلطة
التشريع في الشؤون الخارجية ، والدفاع ، والمسائل المالية كالكمارك والعملة
، والجنسية ، والمواصلات .. وغيرها من الأمور التي تهم الدولة الاتحادية
بأجمعها .
2- ( السلطة التنفيذية الاتحادية ) : تتكون السلطة التنفيذية في الدولة الاتحادية من فرعين هما : رئيس الدولة والحكومة الاتحادية :
-
أما رئيس الدولة فهو عادة رئيس جمهورية منتخب من الشعب , أما انتخابا
مباشرا من درجة واحدة ، كما في المكسيك . وأما انتخابا غير مباشر من درجتين
, كما في الولايات المتحدة الأمريكية .
- وأما الحكومة الاتحادية
فتتشكل من عدد من الوزراء , وتقوم بتنفيذ القوانين الاتحادية, وإصدار
وتنفيذ القرارات الاتحادية,وتشغيل المرافق العامة الاتحادية.
وتأخذ حكومة الاتحاد في تنفيذ القوانين والقرارات الاتحادية داخل أقاليم الولايات بأحد أساليب ثلاث :
- أسلوب الإدارة المباشرة : فيكون تنفيذ القوانين والقرارات الاتحادية
داخل الولايات عن طريق إدارات تنشؤها حكومة الاتحاد وتكون تابعة لها مباشرة
ومستقلة عن الولايات.
ويؤخذ على هذا الأسلوب انه مكلف يحتاج إلى
نفقات إضافية , ويجعل الجهاز الإداري في الدولة أكثر تعقيدا نتيجة ازدواج
الإدارة وتنوعها في كل ولاية إلى إدارة اتحادية وأخرى تابعة للولاية.
وقد تبنى هذا الأسلوب , دستور الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1787.
-أسلوب الإدارة غير المباشرة :
يتم تنفيذ القوانين والقرارات الاتحادية بواسطة الإدارات المختلفة المختصة
للولايات , نظرا لعدم إنشاء فروع للإدارات الاتحادية في الولايات.وفي ذلك
اقتصاد في النفقات وبساطة في الجهاز الإداري . لكن هذا الأسلوب قد يؤدي
إلى التاخير في تطبيق في القوانين والقرارات الاتحادية نتيجة لتراخي
الموظفين المحلين في التنفيذ . وبهذا الأسلوب أخذ الدستور الألماني لعام
1919 .
-أسلوب الإدارة المختلطة : ويقوم على أساس أنشاء بعض
الإدارات الاتحادية في الولايات لكي يقوم موظفو الدولة الاتحادية بتنفيذ
بعض القوانين والقرارات على ان تتولى الولايات الأعضاء في الاتحاد مهمة
تنفيذ القوانين والقرارات الأخرى .
وهذا هو الأسلوب الذي انتهجه الدستور السويسري لعام 1874, وكذلك الدستور السويسري لعام 1998 .
3- ( السلطة القضائية الاتحادية ) :
تتولاها محكمة عليا اتحادية ,وقد يعاونها بعض المحاكم الاتحادية التي
تتوزع في إنحاء الدولة الاتحادية, وتختص بالمسائل التي تهم الدولة بأسرها
كاختصاصها بالفصل في المنازعات التي تثور بين الاتحاد و الولايات بعضها بعض
، أو بين الإفراد التابعين لولايات مختلفة , ويمكن كذلك ان تعتبر جهة
استثنائية تستأنف أمامها بعض أحكام الولايات , لتلك الأحكام التي تتضمن
الفصل في نزاع يتعلق بتطبيق الدستور أو تفسيره . وهكذا تظهر أهمية السلطة
القضائية الاتحادية فهي سلطة لها دور فيدرالي يقوم على حل المنازعات بين
الولايات و الدولة المركزية وبين الولايات فيما بينها .


C- مظاهر استقلال الولايات :
تتمثل
مظاهر استقلال الولايات أو الدويلات المكونة للدولة الفيدرالية في : وجود
دستور خاص لكل ولاية .وسلطات عامة تشريعية وتنفيذية وقضائية .
1- دستور الولاية :
لكل ولاية دستورها الخاص بها المنظم لسلطاتها وحقوق مواطنيها ,تستقل بوضعه
وتعديله السلطة التأسيسية فيها , ولا يحد من حريتها في ذلك إلا القيود
التي يضعها الدستور الاتحادي ضمانا لوحدة الدولة ومصلحتها العامة . ومن
أمثلة هذه القيود استلزام وضع دساتير الولايات عن طريق الاستفتاء الشعبي ،
ووجوب تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات , وفرض النظام الجمهوري على كافة
الدويلات .
2- سلطات الولاية : لكل ولاية سلطاتها الدستورية الخاصة بها وهي : السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية و السلطة القضائية .
3- ( السلطة التشريعية للولاية ) :
تتمثل السلطة التشريعية في برلمان منتخب بواسطة ناخبي الولاية يتولى وضع
تشريعات الولاية ومراقبة سلطتها التنفيذية ، ورغم إن تشريعات كل ولاية
تتقيد بأحكام دستورها وبأحكام الدستور الاتحادي ، فإنها تمثل الطابع المميز
لكل ولاية ، إذ تضع القواعد القانونية التي تحدد أنماط السلوك فيها ، فيما
يعتبر مباحا في إحدى الولايات قد يكون محظورا في الأخرى .
4- ( السلطة التنفيذية للولاية ) :
تتكون السلطة التنفيذية للولاية من رئيس و مجلس وزراء في حالة اعتناق
الولاية للنظام البرلماني ، أو من رئيس و معاونين في حالة تطبيق النظام
الرئاسي . وقد يكون رئيس الولاية منتخبا من شعب ولايته ، وقد يكون معينا
بواسطة الحكومة الاتحادية . ويكون هذا التعيين أكثر مساسا بديمقراطية الحكم
في الولاية إذا دستورها يعتنق النظام الرئاسي بما يمنحه للحاكم من سلطات
واسعة ([2]).
وتمارس السلطة التنفيذية للولاية اختصاصاتها السياسية
والإدارية بما يتفق ومصالحها دون رقابة أو إشراف من جانب الحكومة الاتحادية
ما دامت تعمل في إطار أحكام دستور الاتحاد .
5- ( السلطة القضائية للولاية ) :
تنشئ كل ولاية محاكم خاصة بها ، تتولى تطبيق قوانينها ، الفصل في
المنازعات التي تحدث بين مواطنيها في النطاق الجغرافي لحدودها الإقليمية .


D- كيفية توزيع الاختصاصات بين الدول الاتحادية والدويلات الأعضاء :
يتكفل الدستور الاتحادي بتوزيع الاختصاصات بين السلطات الاتحادية
وسلطات الولايات . ويتأثر في ذلك بطرقة نشأة الإتحاد ، وبمدى رغبة أعضائه و
واضعي الدستور في تقوية سلطاته أو في صيانة استقلال الولايات . ولما كانت
حكومة الاتحاد تنفرد بممارسة مظاهر السيادة الخارجية ، فأن البحث في مشكلة
توزيع الاختصاص إنما يتعلق بدراسة كيفية توزيع مظاهر السيادة الداخلية .
وتتبع الدساتير في ذلك طرقاً ثلاث :
1- يحدد الدستور الاتحادي على سبيل الحصر ، اختصاصات كل من دولة الاتحاد و الولايات .
ويؤخذ
على هذه الطريقة إن تحديد المسائل التي تدخل ضمن اختصاص دولة الاتحاد و
تلك التي تكون ضمن اختصاص الولايات لا يمكن ان يكون شاملا لجميع المسائل
مهما كان الدستور مفصلا . ناهيك عما يمكن ان يستجد من مسائل مع تطور الحياة
وتغير الظروف دون ان يكون الدستور قد حددها سلفا . الأمر الذي يصعب معه
تحديد الجهة المختصة أهي السلطة الاتحادية أم سلطة الولاية .
2-
يحدد الدستور الاتحادي اختصاصات الولايات على سبيل الحصر ، ويترك ما عداها
لدولة الاتحاد ، فيكون اختصاص الاتحاد اختصاصا عاما يشمل كل ما لم يرد به
نص ، وكل ما يجد في المستقبل من أمور لا تدخل في المسائل المحددة حصرا
للولاية . وهذه الطريقة من شأنها توسيع اختصاص الاتحاد وتقويته .
ومن أمثلة الدساتير التي اتبعت هذه الطريقة دستور الهند لعام 1949 ودستور فنزويلا لعام 1953 .
3-
يحدد الدستور الاتحادي على سبيل الحصر الاختصاصات التي تثبت لسلطات الدولة
الاتحادية ، ويترك ما عداها لاختصاص الولايات . وفي هذه الحالة يكون
للدولة الاتحادية اختصاص محدد أو استثنائي ، مهما كان واسعا ، ويصبح
للولايات الاختصاص العام في كل ما لم ينص عليه .
وعلى ذلك يثبت لسلطات
الولايات الاختصاص في كل الأمور والمسائل التي لم ير بها النص عليها في
الدستور من ناحية ، وما يستجد من وظائف في المستقبل من ناحية أخرى ، وهذه
الطريقة تعكس حرص الولايات على استقلالها ، وهو ما يفسر شيوع هذه الطريقة
لأن معظم الاتحادات المركزية نشأت عن طريق انضمام دول كانت مستقلة ، فكانت
لذلك حريصة على الاحتفاظ بأكبر قدر من استقلالها الداخلي .
ومن أمثلة
الدساتير التي اتبعت هذه الطريقة ، الدستور الأمريكي لعام 1787 والدستور
السويسري لعام 1874 ، وكذلك الدستور السويسري لعام 1998 . هذه هي الطرق
الرئيسية لتوزيع الاختصاصات عموما بين دول الاتحاد الولايات . وإلى جانب
ذلك قد تنص الدساتير الاتحادية على اختصاص مشترك في بعض المسائل ، كالنص
مثلا على اختصاص السلطات الاتحادية بوضع الأسس العامة والمبادئ الرئيسية في
تلك المسائل ويترك للولايات ان تنظم كل منها فيما يخصها – وتبعا لظروفها
الخاصة – التفاصيل الجزئية وإجراءات التنفيذ . كما تنص الدساتير الاتحادية
على اختصاص اختياري يكون للولايات الحق في ممارسته إذا لم تمارسه السلطات
الاتحادية ، وقد يكون الاشتراك في الاختصاص راجعا إلى ما يتطلبه الدستور من
ضرورة موافقة إحدى الهيئات الاتحادية على قرارات الولايات في بعض الأمور ،
وذلك كفرض الضرائب غير المباشرة وعقد الاتفاقات مع الخارج .
أمثلة الاتحاد الفيدرالي : سوف نعرض لأهم تطبيقات الاتحاد المركزي الفيدرالي في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا .


أولا- الدولة الاتحادية الأمريكية القائمة على النظام الرئاسي :
لقد حدد دستور الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1787 هيئات الدولة وكيفية تكوينها و اختصاصاتها .
أ- الهيئات الاتحادية :-
للدولة الاتحادية هيئات خاصة بها تساهم في ممارسة السلطة الاتحادية ،
وتتمثل بما يأتي : البرلمان الاتحادي ، ورئاسة الدولة الاتحادية ، والقضاء
الاتحادي .
- البرلمان الاتحادي : يتألف البرلمان والذي يطلق
عليه اسم " الكونغرس " من مجلسين : مجلس النواب ومجلس الشيوخ . يتكون مجلس
النواب من ( 435 ) عضوا منتخبين لمدة سنتين على أساس التمثيل النسبي بحيث
تتمثل كل ولاية بعدد من النواب يتناسب وعدد سكانها . فيما يتألف مجلس
الشيوخ من ( 100 ) عضو ، على أن تتمثل كل ولاية من الولايات الخمسين بعضوين
، مهما كانت مساحتها ، وعدد سكانها ، ومدة العضوية في هذا المجلس ست سنوات
، ويتجدد ثلث الأعضاء كل سنتين . وبتمتع مجلس النواب باختصاصات تشريعية
بحته ، أما مجلس الشيوخ فقد تمتع إضافة إلى الاختصاص التشريعي بصلاحيات
تنفيذية ، إذ أنه يشترك مع رئيس الجمهورية في تعيين الوزراء والسفراء وبعض
كبار الموظفين وقضاة المحكمة الاتحادية العليا .
- رئاسة الدولة الاتحادية :
ستلزم الدستور أن يتولى رئيس الجمهورية السلطة عن طريق الانتخاب العام غير
المباشر ( أي على درجتين ) ، ولمدة أربع سنوات قابلة للتجديد ، كما أسند
الدستور إلى رئيس الجمهورية رئاستين في آن واحد : ( رئاسة الدولة ورئاسة
الحكومة ) ، وذلك بهدف أن تتاح له فرصة وضع السياسة العامة للدولة وفقا
لمتطلبات المصلحة القومية العامة . كما أقر الدستور لرئيس الجمهورية
بسلطات واسعة جدا . ففي مجال الاختصاصات التنفيذية ، يتولى رئيس الجمهورية
تعيين وعزل الموظفين الاتحاديين ، وللرئيس سلطات في ميدان السياسة الخارجية
فهو الذي يوجه هذه السياسة ويعين السفراء ويفاوض ويعقد المعاهدات
بالاشتراك مع مجلس الشيوخ . كما قرر الدستور أن يتمتع رئيس الجمهورية
بمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية ، ويتمتع رئيس الجمهورية
باختصاصات تشريعية تتمثل في حق اقتراح مشروعات القوانين ، وكذلك حق
الاعتراض على القوانين التي يصوت عليها كلا المجلسين .
- القضاء الاتحادي :
يقوم النظام القضائي في الولايات المتحدة الأمريكية على نوعين من المحاكم :
محاكم قضائية تابعة للولايات المختلفة ، ومحاكم اتحادية على رأسها المحكمة
العليا الاتحادية ، وتتألف المحكمة العليا الاتحادية من تسعة أعضاء يعينهم
رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الشيوخ . ويقوم الرئيس الأمريكي بتعيين
رئيس المحكمة العليا الاتحادية من بين الأعضاء التسعة . و للمحكمة العليا
الاتحادية عدة اختصاصات بعضها تختص به بصفة أصلية بمفردها أو بالاشتراك مع
المحاكم الاتحادية الأخرى ، طبقا لنص المادة الثالثة من الدستور ، والبعض
الآخر اختصاصات استئنافيه بصفتها محكمة استئناف . فبالنسبة للاختصاصات
الأصلية فتتمثل في الدعاوى التي تحدث بين ولايتين أو أكثر والدعاوى
المرفوعة ضد السفراء و وزراء الدول الأجنبية . وكذلك المنازعات التي تنشأ
بين الحكومة الاتحادية و إحدى الولايات . ومن ناحية أخرى تختص المحكمة
العليا الاتحادية بالنظر في الطعون المرفوعة أمامها ضد الأحكام الصادرة من
محاكم الاستئناف الاتحادية . كما تختص المحكمة العليا الاتحادية في الطعون
الخاصة بعدم دستورية القوانين الاتحادية ، أو قانون صادر من إحدى الولايات
لمخالفته للدستور الاتحادي .
ب- الولايات :
يطلق على المناطق المحلية اسم الولايات وعددها خمسون . وكل ولاية لها
دستورها وهيئاتها الخاصة . وتتمثل هذه الهيئات في مجلس تشريعي منتخب ،
وحاكم الولاية المنتخب من قبل سكان الولاية بالاقتراع المباشر ، وكذلك
الهيئة القضائية .
ج-العلاقة بين الدولة الاتحادية و الولايات :
اتبع الدستور الأمريكي في تحديد اختصاصات الدولة الاتحادية و الولايات
الطريقة التالية : لقد حدد الدستور الاختصاصات التي يعود أمر البت فيها
للدولة الاتحادية وترك ما عداها من اختصاصات للولايات وهذا ما ينص عليه
التعديل العاشر ( 1791 ) للدستور الأمريكي حيث يقرر : " إن السلطات التي لم
يفوضها الدستور إلى الولايات المتحدة أو التي لم يحظرها على الولايات
فتحفظ للولايات أو الشعب " .


ثانيا - الدولة الاتحادية السويسرية القائمة على النظام المجلسي :
انتقلت
سويسرا من مرحلة الاتحاد الكونفدرالي إلى مرحلة الاتحاد الفيدرالي بمقتضى
دستور عام 1848 ، ثم عدل هذا الدستور تعديلا جذريا ، مما أدى إلى إصدار
دستور جديد هو دستور عام 1874 . وقد طرأت على هذا الدستور تعديلات جزئية
كثيرة ، انتهت بمراجعة شاملة تضمنها الدستور الحالي الصادر عام 1998
،والمعمول به منذ الأول من كانون الثاني ، عام 2000 .
هذا وقد تبنى
الدستور السويسري النظام ألمجلسي ( نظام حكومة الجمعية النيابية ) . وأودع
ممارسة السلطة السياسية في مؤسسات دستورية ، تتألف من هيئات اتحادية ، ومن
هيئات على مستوى الولايات .
أ- الهيئات الاتحادية : تتمثل الهيئات الاتحادية في ثلاث هي : الجمعية الاتحادية ، و المجلس الاتحادي ، والمحكمة الاتحادية .
1 - الجمعية الاتحادية :
تعتبر الجمعية الاتحادية أعلى سلطة في الدولة ، وتمثل هذه الجمعية السلطة
التشريعية في الاتحاد السويسري . واستنادا إلى مبدأ ازدواجية المجالس
التشريعية في الدولة الفيدرالية ، نجد إن الجمعية الاتحادية تتكون من
مجلسين تشريعيين هما : مجلس الشعب ، ومجلس المقاطعات .
ويتكون مجلس
الشعب من مائتي عضو من ممثلي الشعب ، ويتم انتخابهم من قبل الشعب مباشرة
طبقا لنظام التمثيل النسبي . و توزع المقاعد على المقاطعات تبعا لعدد
سكانها ، وكل مقاطعة مقعد واحد على الأقل . ومدة العضوية في المجلس هي أربع
سنوات . أما مجلس المقاطعات فيتكون من ستة وأربعين عضوا من ممثلي
المقاطعات . وتوزع المقاعد على المقاطعات بشكل متساوي ، فكل مقاطعة تمثل
بعضوين ، بغض النظر عن عدد سكانها ومساحة أراضيها و أهميتها . وينتخب كل من
مجلس الشعب و مجلس المقاطعات ، من بين أعضائه رئيسا له أو رئيسة ، لمدة
عام ، وكذلك نائبيهما الأول والثاني ، ولا يجوز انتخابهم في العام التالي .
ويجتمع مجلس الشعب و مجلس المقاطعات في جلسات دورية ، ويحدد القانون نظام
الدعوة إليها .
ويحق لربع أعضاء أي من المجلسين ، كما يحق للمجلس الاتحادي الدعوة إلى جلسة غير عادية .
ويكون المجلسان على قدم المساواة ، في أعمالهما التشريعية بحيث أن اقتراح
القوانين يعود لكل عضو من أعضاء المجلسين ، كما إن القانون لا يتم صنعه إلا
بموافقة المجلسين عليه . وتبت الجمعية الاتحادية بمجلسيها (مجلس الشعب و
مجلس المقاطعات ) في كل الأمور التي جعلها الدستور من اختصاص الدولة
الفيدرالية والتي لم تعط لهيئة فيدرالية أخرى ، وأهمها ، الاختصاص التشريعي
إذ تختص الجمعية الاتحادية بتشريع القوانين الفيدرالية . وكل قانون لا
يمكن أن يكون نافذا إلا بعد موافقة كلا مجلسي الجمعية الاتحادية .
كما
منح الدستور الفيدرالي ، الجمعية الاتحادية كذلك الحق في ان تصدر المراسيم
الملزمة قانونيا في صورة قانون اتحادي . وتختص الجمعية الاتحادية بمجلسيها
، بتعديل الدستور الفيدرالي ، ولكن تعديل الدستور لا يجري دون موافقة
الشعب عليه . هذا وتمارس الجمعية الاتحادية إضافة إلى الاختصاص التشريعي ،
اختصاصات أخرى ، تتمثل بما يأتي :
1- انتخاب أعضاء المجلس الاتحادي ، والمستشار أو المستشارة الاتحادية ، والقائد الأعلى للجيش
2- المشاركة في وضع السياسة الخارجية ، والإشراف على العلاقات مع الخارج .
3- تصديق المعاهدات الدولية ما عدا المعاهدات التي تقع بحكم القانون أو بنص معاهدات دولية ضمن اختصاصات المجلس الاتحادي .
4- تقرير مصروفات الاتحاد وتحديد ميزانيته واعتماد حساباته .
5- الإشراف الأعلى على المجلس الاتحادي والإدارة الاتحادية والمحاكم
التابعة للإتحاد والهيئات والأشخاص الآخرين الموكول إليهم في الاتحاد .
6- اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الأمن الخارجي والأمن الداخلي .
7- اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القوانين الاتحادية .
2- المجلس الاتحادي :
يعتبر المجلس الاتحادي ، أعلى سلطة قيادية وتنفيذية في الاتحاد . ويتكون
المجلس الاتحادي من سبعة أعضاء ، ينتخبهم مجلسا الجمعية الاتحادية ( في
اجتماع مشترك ) لمدة أربع سنوات .
ويتم اختيار أعضاء المجلس الاتحادي من بين المواطنين والمواطنات الذين يحق ترشيحهم لمجلس الشعب .
و للمجلس الاتحادي ، رئيس ( هو رئيس الإتحاد السويسري ) وله نائب ، وتنتخب
الجمعية الاتحادية ، الرئيس ونائبه من بين أعضاء المجلس الاتحادي ، لمدة
سنة .
ولا يجوز إعادة الانتخاب لمدة سنة أخرى ، كما لا يجوز انتخاب
رئيس المجلس الاتحادي كنائب للمجلس للسنة التالية . هذا ، ويأخذ المجلس
الاتحادي قراراته جماعيا , وتوزع أعمال المجلس الاتحادي على أعضاء المجلس
تبعا للوزارة المختصة ، وذلك بهدف إعداد وتنفيذ القرارات .
ويمارس المجلس الاتحادي اختصاصات عديدة فيما يلي بعضا منها :
1- تحديد أهداف و وسائل سياسته الحكومية ، وتخطيط وتنسيق أعمال الدولة .
2- إصدار قواعد قانونية ملزمة في صورة أوامر ، بشرط أن يكون ذلك في إطار اختصاصاته طبقا للدستور والقانون .
3- تنفيذ القوانين وقرارات الجمعية الاتحادية ، وأحكام السلطات القضائية الاتحادية .
4- العمل على تطبيق الدستور السويسري الاتحادي وكذلك دساتير المقاطعات .
5- تقديم مشاريع إلى الجمعية الاتحادية بخصوص مراسيمها .
6- إعداد الخطة المالية ، واقتراح مشروع الخطة ، وإعداد الميزانية .
7- إدارة الشؤون الخارجية مع احترام حق الجمعية الاتحادية في المشاركة في ذلك ، كما يمثل المجلس الاتحادي ، سويسرا في الخارج .
8- التوقيع والتصديق على المعاهدات ، وتقديمها للجمعية الاتحادية لاعتمادها .
9- اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الأمن الخارجي ، والأمن الداخلي .
10- إصدار أوامر واتخاذ قرارات لمواجهة قلاقل حدثت أو تحدث مهددة للنظام العام أو للأمن الداخلي أو الخارجي .
3- المحكمة الاتحادية :
تعتبر المحكمة الاتحادية ، أعلى سلطة قضائية في الاتحاد ، ويحدد القانون
تنظيم المحكمة الاتحادية وإجراءاتها ، وتقوم المحكمة الاتحادية ، بإدارة
ذاتها بذاتها .
وتتكون المحكمة الاتحادية من ( 26 ) قاضي أصلي و ( 9 )
قضاة مساعدين ، يتم انتخابهم لمدة ( 6 ) سنوات ، من قبل الجمعية الاتحادية
في اجتماع مشترك يضم أعضاء مجلسيها .
وقد حدد الدستور اختصاصات المحكمة الاتحادية كما يلي :
1- تقضي المحكمة الاتحادية في الآتي :
-الدعاوى الخاصة بخرق القانون الاتحادي .
-الدعاوى الخاصة بخرق القانون الدولي .
-الدعاوى الخاصة بخرق القانون الذي يحكم علاقة المقاطعات مع بعضها .
-الدعاوى الخاصة بدساتير المقاطعات .
-الدعاوى الخاصة بخرق قوانين الاتحاد و المقاطعات ، المتعلقة بالحقوق السياسية .
2- تقضي المحكمة الاتحادية في الخلافات بين الاتحاد والمقاطعات أو فيما بين المقاطعات :
- تنفيذ القوانين والقرارات الصادرة عن الجمعية الاتحادية .
- إعداد مقترحات القوانين وإبداء الرأي بشأنها .
- إعداد الميزانية العامة للدولة الاتحادية .
وينتخب أعضائها من قبل الجمعية التشريعية الاتحادية ، وتختص بالنظر في المنازعات الإدارية المتعلقة بالموضوعات الاتحادية .
ب-الولايات :
يطلق على المناطق المحلية اسم ( الكانتونات Les Cantons ) ويراد بها
المقاطعات أو الولايات ، وعددها ( ثلاث وعشرون ) . ولكل مقاطعة دستورها
وهيئاتها الخاصة . فيوجد في كل مقاطعة مجلس تشريعي منتخب ، وكذلك مجلس
الدولة يمثل الهيئة التنفيذية ، وهيئة قضائية .
ج-العلاقة بين الدولة الاتحادية و الولايات :-
إن توزيع الاختصاصات التي يعود البت فيها لكل من الدولة الاتحادية و
المقاطعات يتم على أساس إن كل الشؤون التي لم يذكر الدستور الاتحادي على
أنها من اختصاص الدولة الاتحادية فهي تكون من اختصاص المقاطعات . وهذا ما
نصت عليه المادة الثالثة من الدستور السويسري : " تتمتع المقاطعات بسيادة ،
طالما إن دستور الاتحاد لم يحد من هذه السيادة ، كما تمارس هذه المقاطعات ،
كافة الحقوق التي لم تفوض إلى الاتحاد " .


ثالثا- كيفية تنظيم الاتحاد في دولة الإمارات العربية المتحدة
للإمارات
العربية المتحدة خصوصية معينة، لأنها إحدى الدول الفيدرالية الفريدة من
نوعها[3]، و إحدى المحاولات الوحدوية أو الاتحادية الوحيدة الناجحة و
المستمرة في الوطن العربي[4]. و لذلك كان لزاماً علينا أن نقدم هذا الاتحاد
كنموذج يحتذى به نحو اتحاد أو وحدة عربية كبرى، خصوصاً أنه في عالم اليوم
لا وجود فاعل إلا للتكتلات السياسية و الاقتصادية و العسكرية و الثقافية
الكبرى.
أعلن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة كدولة فيدرالية في
اجتماع لممثلي هذه الإمارات في 18 تموز 1971، في مدينة دبي، حيث أقر
الدستور المؤقت لهذه الدولة الجديدة. هذا الدستور المؤقت أصبح دائماً منذ
20 أيار 1996، حيث قرر المجلس الأعلى حذف كلمة المؤقت من الدستور. هذه
الدولة الفيدرالية تضم سبع إمارات : أبو ظبي، و دبي، و الشارقة، و رأس
الخيمة، و أم القيوين، و الفجيرة و عجمان[5]. و في هذا الإطار سوف ندرس هذه
الظاهرة الاتحادية الوحيدة المستمرة في وطننا العربي من خلال النقطتين
التاليتين :


I-تنظيم السلطات الاتحادية
أنشأ
الدستور الاتحادي خمس سلطات اتحادية رئيسية و هي : المجلس الأعلى للاتحاد،
رئيس الاتحاد و نائبه، مجلس وزراء الاتحاد، المجلس الوطني الاتحادي، و
المحكمة الاتحادية العليا.
1-المجلس الأعلى للاتحاد : حددت
المواد /46-50/ من الدستور كيفية تشكيل و اختصاصات المجلس الأعلى للاتحاد.
هذا المجلس يتألف من جميع حكام الإمارات المكونة للاتحاد، و يعتبر السلطة
العليا للاتحاد، و هو الذي يرسم السياسة العامة للاتحاد، و يختص بالتصديق
على القوانين الاتحادية و المراسيم و المعاهدات الدولية، و تعيين رئيس مجلس
الوزراء و إعفائه من منصبه، و تعيين رئيس و أعضاء المحكمة الاتحادية
العليا، و الرقابة العليا على شؤون الاتحاد العليا. و يتخذ قراراته في
المسائل الموضوعية بأغلبية خمسة أعضاء من أعضائه على أن تشمل هذه الأغلبية
إمارتي أبو ظبي و دبي، أما في المسائل الإجرائية فيتخذ قراراته بأغلبية
الأصوات.
2-رئيس الاتحاد و نائبه :
نظمت المواد /51-54/ كيفية تسمية رئيس الاتحاد و نائبه و اختصاصاتهم.
فالمجلس الأعلى للاتحاد ينتخب من بين أعضائه رئيساً للاتحاد و نائباً له،
لمدة خمس سنوات، قابلة للتجديد بدون تحديد مدة. و يمارس رئيس الاتحاد
صلاحيات كثيرة : من رئاسة جلسات المجلس الأعلى للاتحاد، و التوقيع على
القوانين و المراسيم الاتحادية، و تعيين و اعتماد السفراء، و حق العفو
…الخ.
3-مجلس وزراء الاتحاد :
حددت المواد /55-67/ من الدستور كيفية تشكيل و اختصاصات مجلس وزراء
الاتحاد. هذا المجلس يتكون من رئيس للمجلس و نائب له و عدد من الوزراء،
يعينهم و يعفيهم من مناصبهم رئيس الاتحاد، و هم مسؤولون سياسياً فقط أمام
رئيس الاتحاد و المجلس الأعلى للاتحاد. و يختص مجلس الوزراء بتصريف جميع
الشؤون المتعلقة بالاتحاد داخلياً و خارجياً.
4-المجلس الوطني الاتحادي ك
حددت المواد /68-93 / من الدستور كيفية تشكيل المجلس الوطني الاتحادي و
اختصاصاته. هذا المجلس يتكون من /40/ عضواً، تتقاسم الإمارات السبع
الأعضاء في الاتحاد هذه المقاعد الأربعين بحسب نسبة عدد سكانها و أهميتها
على النحو التالي : /8/ مقاعد لكل من إمارتي أبو ظبي و دبي، /6/ مقاعد لكل
من إمارتي الشارقة و رأس الخيمة، /4/ مقاعد لكل من إمارات عجمان، أم
القيوين و الفجيرة. و يختص هذا المجلس بمهمة التشريع للاتحاد بشرط موافقة
المجلس الأعلى للاتحاد : فمشروعات القوانين الاتحادية بما فيها مشروعات
القوانين المالية تعرض على المجلس الوطني الاتحادي الذي يناقشها و له في
ذلك الموافقة عليها أو تعديلها أو رفضها، و ذلك قبل رفعها للمجلس الأعلى
للاتحاد للتصديق عليها.
فالمجلس الوطني الاتحادي يعتبر، إذا جاز القول،
بمثابة برلمان الاتحاد، و هو بهذا يختلف عن البرلمان الموجود في معظم الدول
الفيدرالية الذي يتكون من مجلسين. إلا إذا أمكننا اعتبار المجلس الأعلى
للاتحاد بمثابة مجلس تشريعي أعلى، باعتبار أن القوانين التي يناقشها المجلس
الوطني الاتحادي لا تكون نافذة إلا بعد تصديقها من قبل المجلس الأعلى
للاتحاد و إصداره من قبل رئيس الاتحاد /المادة 110 من الدستور/.
5-المحكمة الاتحادية العليا :
نظمت المواد /94-109/ من الدستور القضاء في الاتحاد و الإمارات. حيث تتكون
السلطة القضائية الاتحادية من المحكمة الاتحادية العليا و المحاكم
الاتحادية الابتدائية. و تختص المحكمة الاتحادية بالفصل في المنازعات بين
الإمارات الأعضاء أو بين إحدى الإمارات و الاتحاد، و الرقابة على دستورية
القوانين الاتحادية و تشريعات الإمارات، و تفسير أحكام الدستور، و مساءلة
الوزراء و كبار الموظفين، و النظر في الجرائم التي تمس مصالح الاتحاد، و
الفصل في التنازع القضائي بين محاكم الاتحاد و محاكم الإمارات. و يكون
للاتحاد محكمة اتحادية ابتدائية أو أكثر تختص بالمنازعات المدنية و
التجارية و الإدارية بين الأفراد و الاتحاد، و الجرائم المرتكبة في حدود
العاصمة الاتحادية، و قضايا الأحوال الشخصية و القضايا المدنية و التجارية و
غيرها التي تنشأ بين الأفراد في العاصمة الاتحادية الدائمة.


II- توزيع الاختصاصات بين الاتحاد و الإمارات
تتمتع
الإمارات الأعضاء في الاتحاد بقدر لا بأس به من الاستقلالية، فكل إمارة
تملك سلطات تشريعية و تنفيذية و قضائية خاصة بها. بل إننا نجد أنّ المادة
/3/ من الدستور تنص على أن الإمارات الأعضاء تمارس السيادة على أراضيها و
مياهها الإقليمية في جميع الشؤون التي لا يختص بها الاتحاد بمقتضى أحكام
الدستور. فالإمارات تتولى جميع السلطات التي لم يعهد بها الدستور للاتحاد، و
خاصةً في مجال الأمن و النظام على أراضيها و توفير المرافق العامة وتوفير
المستوى الاجتماعي و الاقتصادي فيها (المادتان 16 و 17 من الدستور). و يجوز
لإمارتين أو أكثر، بعد مصادقة المجلس الأعلى للاتحاد، التكتل في وحدة
سياسية أو إدارية (المادة 118 من الدستور)[6]. بل إنّ المادة /123/ من
دستور الاتحاد سمح للإمارات الأعضاء بعقد اتفاقات محدودة ذات طبيعة إدارية
محلية مع الدول المجاورة لها بشرط إخطار المجلس الأعلى للاتحاد مسبقاً، كما
سمح للإمارات الاحتفاظ بعضويتها في منظمة الأوبك و منظمة الدول العربية
المصدرة للنفط أو الانضمام إليهما. أما بالنسبة للطريقة التي اتبعت في
توزيع الاختصاصات بين السلطة الاتحادية و بين الإمارات، فقد حدد الدستور
الاتحادي اختصاص السلطة الاتحادية على سبيل الحصر، و ترك ما عداها من
اختصاصات للإمارات. أي إنّ الإمارات هي صاحبة الاختصاص العام، في حين سلطات
الاتحاد هي صاحبة الاختصاص المحدد أو الاستثنائي. فالمادة /122/ من
الدستور على أن “تختص الإمارات بكل ما لا تنفرد به السلطات الاتحادية بموجب
أحكام المادتين السابقتين”، و قد حددت المادتان السابقتان أي /120 و 121/
اختصاص سلطات الاتحاد في : الشؤون الخارجية، و الدفاع و القوات المسلحة، و
الشؤون المالية الاتحادية و النقد و العملة، و التعليم، و الصحة العامة،
والجنسية …الخ.
من ذلك نرى أنّ دولة الإمارات العربية المتحدة، تمثل
نوعاً فريداً من الدول الفيدرالية في تنظيم الهيئات الاتحادية أو في توزيع
الاختصاصات بين الاتحاد و الإمارات : فالثنائية المجلسية للبرلمان المألوفة
في الدول الفيدرالية غير موجودة في دولة الإمارات العربية المتحدة، كذلك
فالإمارات الأعضاء في الاتحاد تتمتع بالسيادة على أراضيها و مياهها
الإقليمية و هذا غير مألوف في الدول الفيدرالية التقليدية.
في كل الأحول
و على الرغم من الصعوبات الخارجية[7] و بعض المنغصات الداخلية[8] فإن هذا
الاتحاد الفيدرالي الفريد بتنظيمه، و الوحيد في الوطن العربي، لا يزال
مستمراً، و لحسن الحظ لا يزال قوياً.
------------
[1] - يستثنى من
هذه القاعدة الاتحاد السوفيتي السابق الذي نص دستوره لعام 1977 على عكس هذه
القاعدة ،إذ منح الجمهوريات الداخلة في الاتحاد الحق في الانفصال . غير إن
هذا الحق أعتبر حقا نظريا بحتا ‘ إذ إنه لم يستعمل من قبل أية جمهورية من
جمهوريات الإتحاد السوفيتي قبل انهياره .
[2] - قد يتولى رئاسة الولاية
وسلطتها التنفيذية حاكم أو أمير آلت إليه الولاية بالوراثة من الأسرة
الحاكمة كما هو الشأن في الإمارات الأعضاء في دولة الإمارات العربية
المتحدة .
أنظر : د. ماجد راغب الحلو ، أنظمة الحكم ودستور الإمارات ، مكتبة العين الوطنية ، 1991 .
[3]- Olivier DUHAMAL et Yves MENY : ”Dictionnaire Constitutionnel“,P.U.F.,1996, R.126.
[4]- الدكتور أحمد سرحال : “النظم السياسية في لبنان و الدول العربية”، مرجع سابق، ص333.
[5]-انسحب
من هذا الاتحاد إمارة البحرين في 14 آب 1971، و إمارة قطر في الأول من
أيلول من نفس العام، في حين أن إمارة رأس الخيمة لم تنضم إلى الاتحاد إلا
في 10 شباط 1972.
[6]- في الحقيقة نجد تطبيقاً لهذا النوع من التكتلات
بين عدد من الولايات بدأ يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية منذ مطلع
الثمانينات عندما بدأ الرئيس ريغن Reagan سياسته بالحد من تدخل السلطة
الفيدرالية، انظر بهذا الخصوص : B. CHANTEBOUT ”Droit Constitutionnel et
Science Politique“‚op.cit., P.75.
[7]- خاصةً النزاع مع إيران حول بعض الجزر : احتلت إيران جزر طنب الكبرى والصغرى و أبو موسى.
[8]-
مثال ذلك الخلاف الذي وقع بين إمارتي الشارقة و أم القيوين حول رسم الحدود
البحرية، و أزمة الحكم في الشارقة و المحاولة الانقلابية عام 1987 و التي
أدت إلى توتر الوضع بين هذه الإمارة و إمارة دبي.


=======

البقية في الجزء الثالث






بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الكلمات الدليلية (Tags)
القانون الدستوري- الجزء الثاني, القانون الدستوري- الجزء الثاني, القانون الدستوري- الجزء الثاني,

الإشارات المرجعية

التعليق على الموضوع بواسطة الفيس بوك

الــرد الســـريـع
..
آلردودآلسريعة :





تعليمات المشاركة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

اختر منتداك من هنا



المواضيع المتشابهه