منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب
السلام عليكم ورحمة الله وبركـاتـه

أهلا وسهلا في منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب نحن سعداء جدا في منتداك بأن تكون واحداً من أسرتنا و نتمنى لك الأستمرار و الاستمتاع بالإقامة معنا و تفيدنا وتستفيد منا ونأمل منك التواصل معنا بإستمرار في منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب و شكرا.

تحياتي

ادارة المنتدي

http://www.ouargla30.com


 
الرئيسيةالرئيسية  البوابة*البوابة*  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى ، فيرجى التكرم بزيارةصفحة التعليمـات، بالضغط هنا .كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيعو الإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب .

القانون الدستوري - الجزء الثالث

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
فقدت كلمة المرور
البحث فى المنتدى
Loading



هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل .

و يسعدنا كثيرا انضمامك لنا ...

للتسجيل اضغط هـنـا


منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب :: °ღ°╣●╠°ღ°.. منتديات التعليم العالي والبحث العلمي ..°ღ°╣●╠°ღ° :: منتدى القانون و الحقوق و الاستشارات القانونية

شاطر
الإثنين 13 مايو - 4:35
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67720
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: القانون الدستوري - الجزء الثالث



القانون الدستوري - الجزء الثالث

القانون الدستوري - الجزء الثالث






[center]النظرية العامة للدساتير
الفصل الاول: نشأة الدساتير ومسارها
مفهوم القانون بوجه عام :
تعـريف القانـون :
للقانون مدلولات عديدة ومتنوعة فقد يقصد بالقانون كل قاعدة مطردة مستقرة ،
يفهم منها نتائج معينة وهذا هو المقصود العام للقانون، وهو لفظ يستعمل في
المجالات المختلفة ، العلمية والرياضية ، والاقتصادية ، والاجتماعية كأن
يقال قانون (الطفو) أو قانون (الجاذبية) أو قانون (العرض والطلب) …إلخ.وقد
يقصد بالقانون بمجموعة القواعد القانونية التي تصدرها السلطة التشريعية،
يقصد تنظيم مسألة معينة مثالها ، قانون الوظيفة العامة ، الذي يين كيفية
تعيين الموظف وترقيته ، وعزله وإحالته إلى التقاعد ، أو قانون تنظيم
الجامعات أو المحاماة . وقد يقصد بالقانون كذلك لتدليل على فرع معين من
فروع القانون، فيقال على سبيل المثال القانون المدني ،أو القانون التجاري
،أو قانون تنظيم الجامعات ، أو المحاماة.و قد يقصد بالقانون أخيرا ، بأنه
مجموعة القواعد القانونية التي تحكم سلوك الأفراد في المجتمع ، و التي
يتعين عليهم الخضوع لها و لو جبرا اذا اقتضى لأمر ذلك.في الواقع أننا لا
يمكن إعتماد المدلول الأول للقانون ، على أساس أن هذا المدلول لا ينطبق إلا
على الظواهر الطبيعية كما رأينا عند وضعه ، و الأمر كذلك ، بالنسبة
للمدلول الثاني على أساس أن التشريع الذي تضعه السلطة التشريعية لتنظيم
مسألة معينة ليس إلا مصدر من مصادر القانون ، مع أن للقانون مصادر عديدة
كما و أن لا يعرف بمصادره التي يستقي منها قواعده.


المبحث الأول مفهوم القانون الدستوري وتحديد نطاقه:
أولا : غرض القانون الدستوري و مدلوله
α- غرض القانون الدستوري
يمكن
تحديد غرض القانون الدستوري بشكل بسيط، كما يبينه الفقه[1]، بأنه “الإحاطة
القانونية بالظواهر السياسية”. و لكي نفهم هذا التحديد فهماً جيداً لا بد
من معرفة ماذا نقصد “بالظواهر السياسية”، و ماذا نعني “بالإحاطة
القانونية”.
1- : مفهوم الظواهر السياسية: يقصد
بالسياسة Politique حسب اللغة اليونانية القديمة التي تعتبر أصل هذه
الكلمة بأنها فن إدارة المدينة[2]. و هذه الكلمة التي تستخدم في وقتنا
الحالي في مجالات متعددة تبقى صعبة التحديد[3]. فمن خلال مفهوم ضيق لهذه
الكلمة نقول : سياسة اقتصادية، سياسة اجتماعية، سياسة يسارية و سياسة
يمينية، سياسة حرة، سياسة مالية، سياسة ضريبية، و نتكلم عن سياسة
دولية….الخ. فتعبير سياسة… يقصد به الأسلوب المتبع لإدارة مجال معين
(اقتصادي، اجتماعي، مالي، ضريبي….) أو الصفة التي يمكن إسنادها إلى نظام ما
(يميني، يساري، حر…). فبهذا المفهوم الضيق، ترتبط السياسة بالنشاط أو
السلوك أو البرنامج الذي يقوم به فرد، أو حزب، أو حكومة، أو دولة،… .
أما
إذا أخذنا هذه الكلمة من خلال مفهوم واسع، فإنّ السياسة تخرج عن النطاق
السابق المحدد في مجال أو سلوك أو إيديولوجية محددة، بحيث تشكل السياسة
مجالاً بلا حدود و لا قيود. بمعنى أوضح فإن كل ما يتعلق بالإنسانية هو
سياسي و كل ما هو سياسي هو إنساني، فالسياسة هي التي تميز الإنسان عن
الحيوان، بحيث يمكننا تأكيد ما قاله Emmanuel MOUNIER: “إذا لم تكن
السياسة كل شيء فإنها في كل شيء”.
انطلاقاً من ذلك يمكننا القول : إنّ
السياسة أو علم السياسة هو العلم الذي يدعونا للتفكير بالظواهر السياسية
التي يثيرها تجمع الكائنات البشرية في المدينة[4]، أو الدولة بالمفهوم
الحديث. و لكن هذا العلم يتناول الظواهر السياسية دون أي اهتمام معياري،
فهو يعبر عما هو كائن لا عما يجب أن يكون. أما القانون الدستوري فإنه يدرس
الظواهر السياسية العامة من خلال تحديد العلاقات بين الفرد و المجتمع، بين
الحكام و المحكومين، بين الحرية التي يتمتع بها الفرد و السلطة التي
يمارسها الحاكم، و يغذيها الفرد، و يخضع لها باعتباره محكوم.
2- : مفهوم الإحاطة القانونية بالظواهر السياسية :
القانون هو طريقة لتنظيم المجتمع. و هكذا اتفق على تعريف القانون على
الشكل التالي: “مجموعة من القواعد الإلزامية التي تحدد سلوك الناس الذين
يعيشون في مجتمع، هدفها تحقيق النظام و العدالة في العلاقات الاجتماعية”.
من ذلك نرى أنّ القانون ليس سوى وسيلة للإحاطة بالعلاقات أو الظواهر
الإنسانية المختلفة من أجل إقامة النظام فيها و تحقيق العدالة فيما بينها. و
كما نعلم إنّ القانون يتألف من فروع متعددة، كل منها يتناول أو يحيط بفئة
معينة من العلاقات أو الظواهر الإنسانية. فالقانون المدني مثلاً غرضه
الإحاطة بالتصرفات الإنسانية في مجال حياة العائلة و العلاقات المالية من
بيع و شراء و إيجار …الخ. و قانون العمل هدفه الإحاطة بالعلاقات بين أرباب
العمل و العمال، و هكذا كل فرع من فروع القانون يكون غرضه الإحاطة بفئة
معينة من العلاقات أو الظواهر الإنسانية.
و في الدراسات القانونية
التقليدية نميز عادةً بين فرعين من فروع القانون : القانون الخاص و القانون
العام. فالقانون الخاص هو مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم العلاقة
بين الأفراد و الجماعات الخاصة بما فيها الدول باعتبارها شخصاً عادياً (أو
شخصاً من أشخاص القانون الخاص). أما القانون العام فهو مجموعة من القواعد
القانونية التي تنظم العلاقات بين الدولة (السلطة العامة) و الأفراد. ومن
هذا التمييز التقليدي نستنتج -
أولاً : إنّ أشخاص القانون العام
هم الدولة و بقية الهيئات العامة المتفرعة عنها، بينما يشكل الأفراد و
الجماعات الخاصة أشخاص القانون الخاص.
-ثانياً : إنّ المصلحة
التي ينظمها القانون العام هي مصلحة جماعية و عامة، في حين إنّ المصلحة
التي ينظمها القانون الخاص هي مصلحة فردية و خاصة. يضاف إلى ذلك استنتاج
ثالث ناجم عن الاستنتاجين السابقين و مضمونه بأن المساواة تسود الأشخاص
الذين ينطبق عليهم القانون الخاص[5]، في حين يسود عدم المساواة العلاقة بين
الدولة (السلطات العامة) و الأفراد.
و يعتبر القانون الدستوري فرع من
فروع القانون العام، الذي ينظم العلاقات بين الدولة و المواطنين أو بين
الحكام و المحكومين. أي أنه القانون الذي يهدف إلى تنظيم الظواهر السياسية
في المجتمع. و يبدو أن التنظيم القانوني للظواهر السياسية أمر صعب، إذا ما
أخذنا خاصةً بعين الاعتبار أن العنف أمر ملازم للنشاط الإنساني، و أن
مخالفة القواعد الدستورية لا تخضع للعقاب الذي يخضع له مخالفة القواعد
القانونية المتعلقة ببقية فروع القانون. ففي القانون المدني مثلاً لو أن
مديناً اقترض مبلغاً مقابل رهن عقار يملكه، و لم يقم بإيفاء دينه في الوقت
المحدد، فإن العقار موضوع الرهن يمكن أن يباع على يد القضاء لصالح الدائن، و
إذا حاول المدين معارضة البيع فإنه يمكن للسلطة أو القوة العامة أن تتدخل.
أي أن القاعدة القانونية التي توجب على المدين الالتزام بتعهداته تجد
المؤيد الإكراهي لها. كذلك الأمر في القانون الجزائي و التجاري …الخ.
فالقضاء و القوة العامة يشكلان الضمان لتطبيق القواعد القانونية في هذه
الفروع من القانون. أما في القانون العام و بالأخص في القانون الدستوري فإن
الأمر على خلاف ذلك. فالحكام الذين هم المكلفون بإظهار إرادة الدولة و
التصرف باسمها من خلال تطبيق القواعد الدستورية، يصعب إكراههم (أو إكراه
أنفسهم) باسم الدولة على احترام هذه القواعد. هذا الأمر أثار جدلاً في
الفقه الدستوري حول اعتبار القانون الدستوري جزءاً من القانون أم لا؟ فكما
أشرنا سابقاً أن القانون “مجموعة من القواعد الإلزامية”، و هذه الصفة
الإلزامية للقاعدة القانونية يمكن ضمانها عند الضرورة عن طريق الإكراه
باللجوء إلى القضاء و القوة العامة. و هذا الأمر هو الذي يميز القواعد
القانونية عن القواعد الأخلاقية. و الحكام، الذين لديهم اتجاه دائم لتجاوز
السلطة[6]، لا يخضعون للقواعد القانونية إلا مرغمين أو مضطرين. لا شك أن
قواعد القانون الدستوري لا تخضع في تأمين صفتها الإلزامية في حال مخالفتها
لنفس الطريقة التي تؤمن إلزامية بقية القواعد القانونية، أي عن طريق اللجوء
للقضاء و القوة العامة، و لكن لا تفلت من أي عقاب يضمن لها الصفة
الإلزامية. فالحاكم الذي يتجاوز صلاحياته المحددة بالدستور، يمكن أن يوقف
عند حده عن طريق بقية السلطات العامة الأخرى، و ذلك تحت رقابة المواطنين أو
الرأي العام. فكما يقول مونتسكيو “السلطة توقف أو تحد السلطة [7]”Le
pouvoir arrête le pouvoir. فالطبيعة الخاصة للقانون الدستوري تقتضي تأمين
إلزامية قواعده في حال مخالفتها بطريقة مختلفة عن بقية القواعد القانونية
الأخرى. فالمؤيد الإكراهي لضمان تطبيق القواعد القانونية الأخرى هو إكراه
سلطوي (القضاء و القوة العامة)، أما المؤيد الإكراهي لضمان تطبيق القواعد
الدستورية هو إكراه سياسي (سلطة أخرى أو الرأي العام) في الأساس، و هذا أمر
طبيعي بالنظر إلى ما أشرنا إليه بدايةً و هو أن غرض القانون الدستوري هو
الإحاطة القانونية بالظواهر السياسية.و يضاف إلى ذلك ضمان آخر، كما سنرى
فيما بعد، يؤمنه القضاء الدستوري بوجه خاص من خلال الرقابة على دستورية
القوانين، و القضاء بشكل عام في الدولة تطبيقاً لمبدأ المشروعية الذي يعتبر
جوهر دولة القانون L'Etat de droit، و الذي يقوم في الأساس على مبدأ آخر
يسمى مبدأ التدرج بين القواعد القانونية La hiérarchie des normes، و التي
يأتي في قمة هرمها القواعد الدستورية. انطلاقاً من ذلك يمكننا القول : إنه
إذا كان القانون هو دعامة و أساس المجتمع، فإن القانون الدستوري يشكل دون
أدنى شك نواة القانون.
3- : القانون الدستوري و المؤسسات السياسية : كما
أشرنا سابقاً أضيف إلى تعليم مادة القانون الدستوري Droit
Constitutionnel، عبارة مؤسسات سياسية Institutions Politiques. لذلك فإنه
من الضروري الوقوف عند هذه العبارة لفهم مدلولها.
أ- المؤسسات السياسية :
المؤسسات كما جاء في المعجم الفرنسي المعجم Robert “هي مجموعة الأشكال و
البنى الأساسية للتنظيم الاجتماعي المتجسدة في القانون و العرف لجمع إنساني
ما”. انطلاقاً من ذلك نرى أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين المؤسسات و
القانون بشكل عام. و المؤسسات السياسية التي هي إحدى هذه الأشكال و البنى
ترتبط بشكل وثيق بالقانون الدستوري الذي يهدف للإحاطة بالظواهر السياسية. و
لذلك نجد أن الأستاذ موريس دوفرجية M. DUVERGER يقول ليس القانون الدستوري
سوى المظهر القانوني للمؤسسات السياسية[8]. فالدولة التي هي مؤسسة
المؤسسات السياسية، و البرلمان و رئيس الدولة و مجلس الوزراء …الخ، يشكلون
مؤسسات سياسية يعمل القانون الدستوري على إعطائها الشكل أو الصبغة
القانونية. و مجموع هذه المؤسسات التي تتوزع بينها آلية التقرير السياسي
تشكل ما نسميه بالنظام السياسي[9].
هذا الربط بين القانون الدستوري و المؤسسات السياسية طبقاً للمنهجية الفرنسية في التحليل يضع القانون الدستوري في محيط علم السياسة.
ب - علم السياسة :
إن القانون الدستوري ليس هو العلم الوحيد الذي يهدف إلى فهم الظواهر
السياسية، فعلم السياسة يهتم بدراسة هذه الظواهر و إن بطريقة مختلفة.
I-غرض علم السياسة :
إن علم السياسة و القانون الدستوري، يهتمان بدراسة الظواهر السياسية، و
لكن الاختلاف بينهما ينصب على الطريقة التي يتناول بها كل منهما هذه
الظواهر السياسية.
فعلم السياسة، كما أشرنا سابقاً، يتناول الظواهر
السياسية دون أي اهتمام معياري، فهو يعبر عما هو كائن لا عما يجب أن يكون،
أي أنه يتناول هذه الظواهر بطريقة وصفية بحتة. أما القانون الدستوري فإنه
يدرس الظواهر السياسية العامة بطريقة معيارية من خلال تحديد العلاقات بين
الفرد و المجتمع، و بين الحكام و المحكومين، و بين الحرية التي يتمتع بها
الفرد و السلطة التي يمارسها الحاكم، و يغذيها الفرد، و يخضع لها باعتباره
محكوم. أي علم السياسة يبحث فيما هو كائن، أما القانون الدستوري فيبحث فيما
يجب أن يكون.
II-علاقة علم السياسة بالقانون الدستوري :
رغم الاختلاف في منهجية القانون الدستوري الذي يشكل علماً معيارياً يتناول
القواعد التي تحكم علاقة الحكام بالمحكومين، و منهجية علم السياسة الذي
يشكل علماً وصفياً يهتم بكل الظواهر السياسية التافهة و المهمة، العارضة و
الدائمة، أي يهتم بهذه الظواهر بذاتها و لذاتها، فإن دراسة علم السياسة
يعطينا بعداً أوسع لفهم القانون الدستوري و المؤسسات السياسية. فإذا كان
علم القانون الدستوري و المؤسسات السياسية يتناول القواعد المتعلقة
بالسلطة، و كيفية ممارستها، وعلاقة المؤسسات السياسية بعضها مع بعض،
والعلاقة التي تحكم السلطة بالحرية، فإن علم السياسة يبقى أوسع في مداه و
نطاقه من القانون الدستوري والمؤسسات السياسية : فهو يتناول كل ما يتعلق
بالسلطة و المؤسسات السياسية بكل أبعادها سواء تعلق بالبنى التنظيمية
للسلطة و المؤسسات أم تعلق بغيرها. فعلم السياسة يتناول بالدراسة، كما حدد
من قبل نخبة من علماء السياسة سنة 1948 : النظرية السياسية (النظرية
السياسية، و تاريخ الأفكار السياسية)، و المؤسسات السياسية (الدستور، و
الحكومة المركزية، و الحكومة الإقليمية، و الإدارة العامة، و وظائف الحكومة
الاقتصادية و الاجتماعية، و المؤسسات السياسية المقارنة)، و الأحزاب و
الفئات و الرأي العام (الأحزاب السياسية، و الفئات أو الجمعيات، و مشاركة
المواطن في الحكومة و الإدارة، و الرأي العام)، و العلاقات الدولية
(السياسة الدولية، و التنظيمات و الإدارات الدولية، و القانون الدولي)[10].
فعلم السياسة باهتمامه الواسع بهذه الموضوعات، و خاصةً ما يتعلق بالنظرية
السياسية و المؤسسات السياسية و الأحزاب و الرأي العام، يعطينا فهماً أعمق و
أوضح للقانون الدستوري و المؤسسات السياسية ببعدها التنظيمي.
لذلك سوف
نأخذ كل هذه المعطيات التي يرشدنا إليها علم السياسة، لكي نفهم بشكل معمق
مضمون و مدلول القانون الدستوري و المؤسسات السياسية.


β- مدلول القانون الدستوري
من
وجهة نظر محددة، وكما ذكرنا سابقاً، فإن القانون الدستوري يحدد العلاقة
بين الفرد و المجتمع، بين الحكام و المحكومين، بين الحرية و السلطة : بين
الحرية التي يتمتع بها الفرد و السلطة التي يمارسها الحاكم باسم المجتمع، و
يغذيها الفرد، و يخضع لها باعتباره محكوماً. بتعبير آخر فإن القانون
الدستوري يشكل تنظيماً للتعايش السلمي بين السلطة و الحرية في إطار مؤسسة
المؤسسات : الدولة. و في إطار هذا المفهوم المحدد للقانون الدستوري فقد نشأ
تساؤل، إن لم نقل نشأ خلاف، في الفقه التقليدي للقانون الدستوري حول ما
إذا كان القانون الدستوري أداة لضمان الحرية، أم أن القانون الدستوري هو
وسيلة لتنظيم السلطة. و قد ظهر في الفقه الدستوري الحديث اتجاه يحاول
التوفيق بين الرأيين السابقين، و مفاده أن القانون الدستوري هو وسيلة
للتوفيق بين الحرية و السلطة.
1- : القانون الدستوري أداة لضمان الحرية :
ربط جانب من الفقه التقليدي بين القانون الدستوري و بين النظام الديمقراطي
الحر. و قد تزعم هذا الاتجاه الأستاذ بوريس مركين-غتزفيتش Boris
MIRIKIN-GUETZEVTCH، عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نيويورك، ففي كتاب
له ظهر بين الحربين العالميتين بعنوان “الاتجاهات الحديثة في القانون
الدستوري” عرف القانون الدستوري بأنه فن أو آلية تنظيم الحرية Une
technique de liberté. و لا يقر أصحاب هذا الاتجاه بوجود الدستور إلا في
النظم الديمقراطية التي تكفل الحقوق و الحريات الفردية. و هذا الربط بين
ضمان الحقوق و الحريات الفردية و وجود الدستور لم يأت من فراغ، و إنما
يستند في أساسه إلى موجة الحركات الدستورية التي انتشرت في بدايات القرن
الثامن عشر و القائمة على أسس فلسفية تمجد حقوق الإنسان و حرياته، وخاصةً
منها نظريتي العقد الاجتماعي و القانون الطبيعي. و يستند هذا الفقه أيضاً
إلى الدستور الأمريكي الصادر سنة 1787، الذي قام على فلسفة مفادها أن أفضل
ضمان للحريات الفردية يتم عن طريق تقييد السلطة، كذلك على ما جاء في إعلان
حقوق الإنسان و المواطن الصادر عن الثورة الفرنسية في 26 آب 1789، و خاصة
المادة السادسة عشرة منه و هي التي تنص على ما يلي : “كل مجتمع لا يكفل
ضمانات الحقوق، و لا يسود فيه مبدأ الفصل بين السلطات، هو مجتمع ليس له
دستور”. و قد ساد هذا المفهوم للقانون الدستوري طوال القرن التاسع عشر و
أوائل القرن العشرين. و يظهر هذا الأمر جلياً في تعريف الفقيه موريس هوريو
Maurice HAURIOU للدستور عام 1929 حيث قال بأن الدستور لا يكون جديراً بهذا
الاسم إلا إذا كان صادراً باسم الأمة، و معبراً عن سيادتها، و ذلك عن طريق
سلطة تأسيسية منتخبة وفقاً لإجراءات خاصة[11].
2- : القانون الدستوري وسيلة لتنظيم السلطة :
على خلاف الاتجاه الأول الذي لا يقيم حساباً في تحديده لمدلول القانون
الدستوري إلا لعنصر الحرية، ظهر اتجاه مقابل في الفقه لا يقيم حساباً إلا
لعنصر السلطة في تحديده لمدلول القانون الدستوري. و قد تزعم هذا الاتجاه
الأستاذ مرسيل برلو Marcel PRELO الذي عرف القانون الدستوري بأنه “أداة أو
تقنية السلطة ”Le technique de l'autorité[12]. و يرى هذا الجانب من الفقه
أن موضوع القانون الدستوري هو ظاهرة السلطة العامة، بذاتها، في مظاهرها
القانونية. فكل دولة لها دستور يحدد نظام الحكم فيها[13]. و بهذا يوجد
الدستور في دول النظام الديمقراطي الحر، و دول الحكم المطلق على حد
سواء[14].
3- : القانون الدستوري و التوفيق بين الحرية و السلطة :
بين هذين الاتجاهين المختلفين في تحديد مدلول القانون الدستوري، ظهر اتجاه
ثالث تزعمه الأستاذ أندريه هوريو André HAURIOU الذي يرى أنّ القانون
الدستوري في جوهره هو “فن التوفيق بين السلطة و الحرية[15]”. و قد رفض
الأستاذ هوريو HAURIOU ما توصل إليه أصحاب الاتجاهين السابقين : فلا يمكن
التسليم بأن مهمة القانون الدستوري هي فقط تنظيم الحرية، أو هي فقط تنظيم
للسلطة. فالحرية ليست مطلقة بدون حدود، بل لا بد من ضوابط لها تتحقق بواسطة
سلطة، حتى لا تنقلب الحرية إلى فوضى. و ممارسة السلطة ليست غاية في حد
ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق المصلحة العامة، و بالتالي مصلحة جميع
المحكومين. لذلك فإن مهمة القانون الدستوري هي إيجاد الحل التوافقي بين
ضرورة ضمان الحريات الفردية، و ضرورة وجود السلطة.


Ω- تعريف القانون الدستوري و المسائل التي ينظمها
1- تعريف القانون الدستوري :
هو مجموعة القواعد التي تحدد طبيعة نظام الحكم في الدولة ، و تبين السلطات
العامة فيها و اختصاص كل منها و علاقاتها مع بعضها البعض، كما تبين حقوق
الأفراد السياسية و ما يجب لحرياتهم من ضمانات .
و يعتبر القانون
الدستوري في طليعة فروع القانون العام الداخلي فهو أساس كل تنظيم في الدولة
، حيث يضع الأسس التي تقوم عليها الدولة ، وعلى هذا فإنه لا يجوز مخالفة
هذا القانون بقانون آخر يصدر داخل الدولة ، لأن كل القوانين الأخرى أقل منه
في المرتبة
2- المسائل التي ينظمها القانون الدستوري : من التعريف السابق للقانون الدستوري ، يتبين أن المسائل التي ينظمها و يعتني في تحديد أحكامها هي :-
أولا:- يبين نظام الدولة السياسي ، ملكية أم جمهورية ، ديمقراطية أم دكتاتورية نيابية أم غير نيابية ، بسيطة أم اتحادية إلخ
ثانيا :-
يبين السلطات العامة في الدولة السلطة القضائية السلطة التشريعية و السلطة
التنفيذية و يبين الهيئات التي تباشرها فالسلطة القضائية تقوم بها المحاكم
و المجالس القضائية على نطاق الولايات في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية
الشعبية ، و المجلس الأعلى الذي يقوم مقام محكمة النقض و مركزه الجزائر
العاصمة أما السلطة التشريعية فيقوم بها البرلمان (المجلس الوطني الشعبي
ومجلس الأمة )، أما السلطة التنفيذية فيقوم بها رئيس الجمهورية و يعاونه في
ذلك الوزراء، كما يبين القانون الدستوري في هذا الخصوص علاقات السلطة
العامة بعضها مع بعض ، و يبين ما إذا كانت هذه السلطات منفصلة عن بعضها أم
أن لكل سلطة منها الحق بالتدخل في نشاط السلطات الأخرى و ما حدود هذا
التدخل .
ثالثا : - و يحدد القانون الدستوري حقوق الأفراد في
الدولة و كما يقرر الحريات التي يتمتع بها كل فرد، و ترجع هذه الحقوق و هذه
الحريات إلى حقين جوهريين الحرية و المساواة فالحرية تشمل الحرية في
التملك ، الدين و العقيدة ، السكن، و الحرية الشخصية، و التعليم ، أما
المساواة فهي تتضمن المساواة في الحقوق و الواجبات ، أي المساواة في ما
تخوله الدولة من مزايا و تكاليف كالمساواة في تولي الوظائف العامة وواجب
أداء الخدمة الوطنية أو أداء الضرائب .


ثانيا:- المعاني المختلفة للدستور :
يتفق
أغلب الفقه على أن القانون هو ذلك الموضوع الذي ينظم العلاقات الاجتماعية
بين الأفراد من أجل ضمان العدالة بينهم ، ومن المعروف أن القانون ينقسم إلى
قسمين : القانون الخاص privé والقانون العام أو العمومي public
.فالقانون الخاص ينظم العلاقات الخاصة بين الأفراد كعلاقات البائع مع
المشتري والمؤجر مع المستأجر ، أما القانون العام فهو الذي ينظم العلاقات
التي يمكن أن تقوم بين أحد الأشخاص المعنوية العمومية Personnes morales
publiques وأحد الأشخاص الخاصة الطبيعيين أو الأشخاص المعنوية العمومية
(شخص واحد أو أكثر) ومن الأمثلة على هذه التصرفات قيام الدولة بنزع ملكية
شخص من أجل تحقيق منفعة عامة أو تعاقدها مع مقاول للقيام بأشغال لصالحها،
أو توريد أشياء لها مقابل مبلغ معين، أو نقل ملكية من شخص إلى آخر كما هو
الشأن بالنسبة لنقل طريق مملوك للولاية أو البلدية إلى الدولة أو العكس.
والقانون الدستوري هو فرع من بين فروع القانون العام ،الذي يحدد شكل النظام
السياسي للدولة والذي يجد أهم قواعده في الدستور الذي يحمل معاني مختلفة
لغوية وسياسية وقانونية
1- المعنى اللغوي :
نعتقد مع جميع الفقهاء العرب أن عبارة " دستور" ليست عربية وأن معناها هو
القانون الأساسي، غير أن هذا الاصطلاح العربي اختلف بشأنه، فنجد بعض الدول
قد استعملته للدلالة على معنى الدستور كالعراق مثلا في دستور 1925 وإيران
في دستور 1979 في حين أن البعض الآخر يستعمله للدلالة على قوانين لا تصل
إلى مرتبة الدستور، ولكنها تعد أساسية بإعتبارها تتضمن مبادئ عامة تتناولها
بالشرح أو التفسير قوانين أخرى ومثل ذلك القوانين الأساسية في الجزائر
(القانون الأساسي العام للعامل مثلا)
والحقيقة أن مصطلح الدستور الآن في
معظم الدول العربية يقابله بالفرنسي والإنجليزي مصطلح Constituion الذي
يعني التأسيس أي النظام أو القانون الأساسي ونتيجة لهذا الإختلاف يفضل
استعمال اصطلاح الدستور لما يحمله من معاني السمو ومظاهر الاحترام.
فالدستور لغة هو اذن مجموعة القواعد الأساسية التي تبين كيفية تكوين وتنظيم
الجماعة، ولا يشترط فيه أن يكون مكتوبا أو عرفيا، لذلك فان الدستور بهذا
المعنى يوجد في كل جماعة، من الأسرة حتى الدولة ، وأن هذا المعنى الواسع
غير محدد وغير دقيق لكونه يحتوي على معاني يمكن أن تنصرف إلى كل تنظيم يمس
أية مجموعة بشرية، في حين أن المعنى الحقيقي للدستور هو الوثيقة المنظمة
للدولة وشؤون الحكم .
2- المعنى القانوني :([16])
من المعروف أن الأفراد في حاجة إلى قواعد قانونية تنظم العلاقات فيما
بينهم، وكذلك الحال بالنسبة للدولة، فهي في حاجة إلى قواعد قانونية تنظم
شؤونها وعلاقتها، وأن الحكام عندما يمارسون وظائفهم واختصاصاتهم لا يفعلون
ذلك باعتبارهم يمارسون حقوقا أو امتيازات شخصية، وإنما اختصاصات أو وظائف
منظمة ومحددة بقواعد دستورية تستمد منها القواعد القانونية الأخرى وجودها
وشرعيتها . ولمّـا كان المعنى الـلغوي للقانون الدستوري ـ الذي يعطي
مفهوماً واسعاً له ـ يتعارض مع الوضع العملي للدراسات الجامعية التي لا
تتعرض لدراسة القانون الدستوري طبقاً لهذا المعنى ؛ فإن البحث في تعريف
القانون الدستوري وتحديد معناه انحصر في الفقه الدستوري في معيارين اثنين :
المعيار الشكلي أو العضوي , والمعيار الموضوعي أو المادي .
وسنتناول
بالدراسة فيما يلي مدلول القانون الدستوري وفقاً للمعيارين السابقين
(الشكلي والموضوعي) , وذلك من خلال فرعين أساسيين وفقاً لما يلي :
أولا : المعيار الشكلي The Formal Criterion
لقد
كان لحركة تدوين الدساتير في العالم , والتي بدأت بالولايات المتحدة
الأمريكية سنة 1787 م , ثم في فرنسا بعد الثورة سنة 1791 م , وانتشرت بعد
ذلك إلى بقية دول العالم , أثر كبير في تعريف القانون الدستوري , حيث ارتبط
تعريفه بمصدر القاعدة القانونية والإجراءات التي تتبع في وضعها أو تعديلها
, وأصبح القانون الدستوري مرادفاً لمجموعة القواعد القانونية الواردة
بالوثيقة المسماة بالدستور . وعلى الرغم من أن هذا المعيار يتميز بالبساطة
والوضوح , إلا أنه وجه إليه الكثير من أوجه النقد التي أوضحت عدم كفايته
كمعيار محدد وثابت لتعريف القانون الدستوري .
وترتيباً على ما تقدم ,
سنتناول بالدراسة المعيار الشكلي في تعريف القانون الدستوري من خلال بيان
مضمون هذا المعيار ( أولاً ) ثم تقدير هذا المعيار ( ثانياً ) , وذلك وفق
الآتي :
1- : مضمون المعيار الشكلي :
ينصرف المعيار الشكلي في تعريف القانون الدستوري إلى الشكل أو المظهر
الخارجي الذي تتجسد فيه القاعدة القانونية , وكذلك شكل الجهة التي أصدرتها ,
والإجراءات التي اتبعت في وضعها أو تعديلها , وعلى ذلك يقصد بالقانون
الدستوري طبقاً لهذا المعيار " مجموعة القواعد القانونية التي تتضمنها
الوثيقة الدستورية ـ التي تضعها هيئة خاصة يختلف تكوينها باختلاف الدساتير
ويطلق عليها اسم السلطة التأسيسية أو المؤسِّسة ـ ويتبع في وضعها وتعديلها
إجراءات خاصة مشددة تختلف عن إجراءات القوانين العادية ". وعلى هذا النحو
يعني القانون الدستوري تبعاً للمعيار الشكلي الوثيقة الدستورية ذاتها بما
تتضمنه من أحكام وقواعد , ويترتب على ذلك وجوب إعتبار كل قاعدة منصوص عليها
في صلب هذه الوثيقة قاعدة دستورية , بينما لا تعتبر كذلك كل قاعدة لم
تتضمنها هذه الوثيقة حتى ولو كانت من حيث طبيعتها أو في جوهرها قاعدة
دستورية . ويخلص الفقه الدستوري تبعاً لما سبق إلى القول بأن الأخذ
بالمعيار الشكلي في تعريف القانون الدستوري من شأنه أن يؤدي إلى الخلط بين
مصطلح القانون الدستوري وبين اصطلاح قانون الدستور المطبق في دولة معينة
وزمن محدد , بحيث تنحصر دراسة القانون الدستوري حسب المعيار الشكلي في شرح
وتفسير القواعد الوضعية المدونة في وثيقة الدستور , أي أن معنى القانون
الدستوري يتطابق مع مفهوم الدستور أو قانون الدستور.
2- تقدير المعيار الشكلي :على
الرغم من وضوح المعيار الشكلي في تعريف القانون الدستوري , إلا أنه وجه
إليه الكثير من أوجه النقد التي أوضحت عدم كفايته في تحديد مدلول القانون
الدستوري ؛ ونعرض فيما يلي للمزايا التي يتمتع بها المعيار الشكلي , وما
وجه إليه من انتقادات :
α- مزايا المعيار الشكلي :
أ ـ يتسم المعيار الشكلي بالتحديد والوضوح في تعريف القانون الدستوري ,
حيث يُعَوّل هذا المعيار ـ كما أسلفنا ـ على مصدر القواعد الدستورية وشكلها
وطريقة وضعها وتعديلها , إذ يلزم أن تكون هذه القواعد ـ التي تتضمنها
الوثيقة الدستورية ـ صادرة عن سلطة مختصة هي السلطة التأسيسية , وبإجراءات
خاصة تختلف عن تلك التي تتبع بشأن القواعد العادية التي تصدر عن المشرع
العادي .
ب ـ يعتبر هذا المعيار بحق أساس فكرة جمود الدستور وسموّه على
غيره من القوانين العادية , مما يسهل التمييز بين القواعد الدستورية ـ وهي
القواعد المدونة في وثيقة الدستور ـ وغيرها من القواعد القانونية الأخرى ,
وهي غير المنصوص عليها في الوثيقة , ويفرض بالتالي على المشرع العادي عدم
مخالفة نصوص الدستور فيما يصدره من قوانين.
β- عيوب المعيار الشكلي : على
الرغم مما يتسم به المعيار الشكلي من مزايا إلا أنه لم يلقَ استحساناً لدى
غالبية الفقه الدستوري , وذلك لما تضمنه من عيوب كثيرة أدت إلى هجره ,
وتبني معيار آخر غيره هو المعيار الموضوعي ؛ وتكمن أوجه النقد التي ساقها
رجال الفقه لهذا المعيار فيما يلي:
أ ـ المعيار الشكلي يتنكر لوجود
دساتير في الدول ذات الدساتير العرفية : فقد رأينا أن المعيار الشكلي لا
يتصور وجوده إلا في الدول التي تأخذ بفكرة الدساتير المدونة أو المكتوبة ,
ونتيجة لذلك فإن الدول التي لا تعرف الدستور المدون أو المكتوب والتي
يحكمها قواعد دستورية عرفية ـ كإنجلترة مثلاً ـ لا يتصور أن يوجد بها قانون
دستوري , مع أن المسلم به أن لكل دولة دستوراً ـ عرفياً كان أم مكتوباً ـ
يبين كيفية ممارسة السلطات العامة لوظيفتها في الدولة .
ب ـ المعيار
الشكلي يعجز عن إعطاء تعريف صحيح وشامل للقانون الدستوري في دول الدساتير
المدونة أو المكتوبة , إذ إن نظام الحكم في أية دولة لا تحدده النصوص
المكتوبة في الوثيقة الدستورية فقط , وإنما تشترك في هذا التحديد قواعد
أساسية أخرى ذات طبيعة دستورية , ولكنها موجودة في قوانين عادية أو قواعد
عرفية غير مدونة . ومن ذلك على سبيل المثال ما جرى عليه العمل في لبنان من
أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً , ورئيس مجلس الوزراء مسلماً سنيّاً ,
ورئيس مجلس النواب مسلماً شيعيّاً , فهذه قاعدة عرفية استقر عليها العمل
رغم أنه لم ينص عليها لا في وثيقة الدستور ولا حتى في قانون عادي .
ج ـ
المعيار الشكلي يؤدي إلى تحديد موضوعات القانون الدستوري بصورة تجافي
الواقع وتخرج عن مقتضى الوضع السليم : فتارة يتحدد مضمون القانون الدستوري
بصورة أوسع مما ينبغي , وتارة يتحدد بصورة أضيق مما يجب .
♣ فمن
ناحية يؤدي هذا المعيار إلى تحديد نطاق القانون الدستوري بصورة توسّع من
مفهومه الحقيقي بإضفاء صفة الدستورية على موضوعات تنتفي عنها هذه الصفة ,
فكثيراً ما نجد أن وثيقة الدستور لا تقتصر نصوصها على المسائل الدستورية من
حيث موضوعها أو جوهرها فحسب , بل تشتمل كذلك على مسائل ليست دستورية من
حيث الموضوع أو الجوهر , وإنما تتعلق في الواقع بقوانين أخرى عادية (
كقانون العقوبات أو القانون الإداري أو المالي أو المدني مثلاً ) , ومن ذلك
مثلاً أننا نجد أن دستور سنة 1848 في فرنسا كان ينص في المادة الخامسة منه
على إلغاء عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية , وفي أمريكا نجد تعديلاً
دستورياً صدر عام 1920 بتحريم الخمور وبمعاقبة الاتجار فيها وكذلك تعاطيها ,
فهاتان الحالتان كان يجب النص عليهما في قانون العقوبات لا في الدستور,
لأنهما لا تتصلان بتنظيم السلطات العامة في الدولة أو بنظام الحكم , تلك
المسائل توصف عادة أنها " دستورية شكلاً لا موضوعاً ". ويُرْجِع الفقه حكمة
ميل المشرع الدستوري إلى إدراج مثل هذه الموضوعات العادية في صلب الوثيقة
الدستورية إلى مجرد الرغبة في أن تتمتع النصوص المنظمة لها بما تتمتع به
النصوص الدستورية من ثبات واستقرار وجمود .
♣ ومن ناحية أخرى يؤدي
هذا المعيار إلى تحديد نطاق القانون الدستوري بصورة تضيّق من مفهومه , وذلك
بنفي صفة الدستورية عن أحكام تعد دستورية بطبيعتها ؛ فالوثيقة الدستورية
وإن كانت تتضمن أغلب القواعد الدستورية من حيث موضوعها أو جوهرها إلا أنها
لا تتضمنها جميعاً , وبعبارة أخرى إن هناك مسائل دستورية من حيث الموضوع
نجدها خارج وثيقة الدستور أي أنها لا تشملها , وذلك مثلاً شأن قانون
الانتخاب في أغلب الدول , وكذلك القواعد الدستورية التي جرى بها العرف ( أي
لم ينص عليها لا في وثيقة الدستور ولا في أي تشريع عادي صادر من البرلمان
كحق رئيس الدولة في رئاسة مجلس الوزراء إذا شاء في ظل دستور سنة 1923 في
مصر ) .
د ـ المعيار الشكلي يتجاهل الفوارق بين النصوص الدستورية وبين
واقعها التطبيقي : فمن المعروف والمسلم به أن هناك دائماً فجوة واختلاف بين
النص والتطبيق , أي بين ما هو وارد في نصوص الدستور وما هو مطبق بالفعل في
الواقع العملي , ونتيجة لذلك يشير الفقه إلى أن تحليل الأنظمة الدستورية
لبلد ما يجب أن لا يقف عند حد تحليل النصوص تحليلاً نظرياً مجرداً, بل يلزم
فضلاً عن ذلك معرفة ما قد يجري عليه العمل فعلاً , والكيفية التي يتم بها
تفسير النصوص وتطبيقها . ومثال الاختلاف بين النص والتطبيق أو بين النظرية
والواقع , ما ينص عليه الدستور المصري الحالي لسنة 1971 في المادة الأولى
منه من أن " جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكي ... " , وفي المادة
الرابعة من أن " الأساس الاقتصادي لجمهورية مصر العربية هو النظام
الاشتراكي ... " , وفي المادة الثلاثين من أن " الملكية العامة هي ملكية
الشعب ، وتتأكد بالدعم المستمر للقطاع العام , ويقود القطاع العام التقدم
في جميع المجالات ويتحمل المسئولية الرئيسية في خطة التنمية " , في حين أن
القوانين التي صدرت منذ بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين تتجه نحو
اقتصاد السوق , أي الاقتصاد الحر الرأسمالي , وتشجيع القطاع الخاص
والخصخصة.
هـ ـ المعيار الشكلي يعجز عن وضع تعريف موحد للقانون الدستوري
: فنظراً للاعتماد على مضمون الوثيقة الدستورية في تعريف القانون الدستوري
طبقاً لهذا المعيار الشكلي , فإن موضوعات ذلك القانون تختلف من بلد إلى
آخر , وكذلك تختلف في نفس البلد من زمن لآخر , نظراً لاختلاف الظروف
السياسية والاقتصادية التي تحيط بوضع كل دستور ؛ ولا شك أن اختلاف تعريف
القانون الدستوري باختلاف الزمان والمكان أمر يتعارض مع طبيعة التعريف الذي
يجب أن يتضمن طبيعة المعرّف ومضمونه دون تأثر بالظروف العارضة المحيطة به
.ونخلص مما سبق إلى أن المعيار الشكلي بقصره مفهوم القانون الدستوري على ما
ورد في الوثيقة الدستورية من أحكام قد ساهم في تحديل مدلول هذا القانون
بصورة لا تتفق ومقتضى التحديد السليم , وبالتالي فهو لا يصلح أن يكون
أساساً سليماً يستند إليه في تعريف القانون الدستوري , وهو ما حمل غالبية
الفقه الدستوري إلى هجره , وتبني معيار آخر غيره هو المعيار الموضوعي , فهل
يصلح هذا الأخير لأن يكون أساساً سليماً يستند إليه في تعريف القانون
الدستوري أم لا ؟ هذا ما سنبينه في الفرع التالي :
ثانيا:- المعيار الموضوعي The Objective Criterion:
رأينا في الفرع السابق كيف أن الفقه الدستوري في غالبيته قد هجر المعيار
الشكلي في تعريف القانون الدستوري , نظراً لكثرة الانتقادات التي وجهت إليه
, كما بيّنا أيضاً أن الاعتماد على المعيار الشكلي لن يعطيناً تعريفاً
محدداً ودقيقاً وموحداً للقانون الدستوري , إذ سيختلف هذا التعريف من دولة
إلى أخرى , ومن وقت إلى آخر تبعاً لاختلاف الوثيقة الدستورية , بينما يحتاج
القانون الدستوري إلى تعريف ثابت ومنضبط وموضوعي , وهذا لا يتحقق إلا
بالأخذ بالمعيار المادي أو الموضوعي Material or Objective Criterion .
وترتيباً
على ما تقدم , سنتناول بالدراسة المعيار الموضوعي في تعريف القانون
الدستوري من خلال بيان مضمون هذا المعيار ( أولاً ) ثم تقدير هذا المعيار (
ثانياً ) , وذلك وفق الآتي :
α- مضمون المعيار الموضوعي :
يعتمد المعيار الموضوعي في تعريف القانون الدستوري على مضمون أو جوهر
القواعد القانونية , بصرف النظر عن الشكل أو الإجراءات المتبعة عند إصدارها
؛ وبناء على ذلك يتضمن القانون الدستوري جميع القواعد القانونية ذات
الطبيعة الدستورية أياً ما كان مصدرها , سواء تضمنتها الوثيقة الدستورية ,
أو نُظّمت بقوانين عادية , أو كان مصدرها العرف الدستوري.
β- تقدير المعيار الموضوعي :لا
شك أن تعريف القانون الدستوري تعريفاً موضوعياً يتميز بالعمومية , فهو لا
يربط القانون الدستوري بدستور دولة معينة , ولا يقتصر على ظروفها الخاصة ,
كما أنه يؤدي إلى أن يكون لكل الدول بغير استثناء قانون دستوري , لأنها
جميعها تقيم مجموعة من القواعد لتنظيم السلطة السياسية فيها أياً كان نوع
السلطة , وفضلاً عن ذلك فإنه يؤدي إلى استبعاد القواعد غير الدستورية من
دراسة القانون الدستوري حتى ولو نُص عليها في وثيقة الدستور , ويعتد لذلك
بجوهر وطبيعة المسائل التي تعالجها القاعدة الدستورية , سواء كانت واردة في
وثيقة الدستور أو لم ترد فيها. ورغم دقة المعيار الموضوعي واتساقه مع
طبائع الأمور , لدرجة أن معظم فقهاء القانون الدستوري يأخذون به في تعريف
القانون الدستوري ويرجّحونه على المعيار الشكلي , إلا أن الفقه لم يتفق حول
نطاق القانون الدستوري بطبيعته , فعلى الرغم من إتفاق الفقهاء تقريباً حول
اعتبار " نظام الحكم " و " تنظيم السلطة السياسية " حَجَرَا الزاوية في
تحديد مدلول هذا القانون , إلا أنهم قد اختلفوا بصدد الطبيعة الدستورية
لبعض الموضوعات , ويكاد ينحصر الخلاف بينهم في موضوعات ثلاثة نبينها بإيجاز
فيما يلي :
1- موضوع الدولة : اختلف الفقه
الدستوري حول طبيعة نظرية الدولة , وما إذا كانت تدخل ضمن نطاق موضوعات
القانون الدستوري أم لا ؟ وفي الإجابة على هذا التساؤل يمكن القول أن الفقه
قد انقسم في هذا الشأن إلى اتجاهين مختلفين أحدهما موسع لهذا النطاق
والآخر مضيق له :
أ ـ ذهب فريق كبير من شرّاح القانون الدستوري إلى
إدراج موضوع الدولة ضمن ما يعد دستورياً بطبيعته , واستند في ذلك إلى حجة
مفادها أن القانون الدستوري هو أحد فروع القانون العام الداخلي , ومن ثم
تبرز فيه الدولة بوصفها صاحبة السلطان العام.
ب ـ رفض البعض الآخر من
الفقه الدستوري الرأي السابق , ورأى فيه توسعة بغير مقتضى لنطاق القانون
الدستوري ؛ وخلص إلى القول بأن نظرية الدولة وأركان وجودها وأشكالها
واختلاف نظمها السياسية , ليست من قبيل الموضوعات ذات الطبيعة الدستورية ,
ومن ثم يجب ـ طبقاً لهذا الرأي الذي نؤيده ـ أن تستبعد من إطار الدراسات
التي يعنى بها القانون الدستوري , وذلك لأن دراسة الدولة تهم القانون العام
بكل فروعه وليست موضوعاً خاصاً بالقانون الدستوري , فضلاً عن أن دستور
الدولة ليس هو أداة وجود الدولة , بل وليس هو شرط هذا الوجود , بل على
العكس , فوجود الدولة هو شرط وجود الدستور , وهو نتاج هذا الوجود وثمرة من
ثماره. وينتهي أنصار هذا الاتجاه إلى تعريف القانون الدستوري بأنه : "
مجموعة القواعد القانونية الخاصة بنظام الحكم ( أي الحكومة ) في مجتمع
سياسي معين في وقت معين " , أو أنه " ذلك الفرع من القانون العام الداخلي
الذي يحدد نمط نظام الحكم وشكله العام ويبين الهيئات التي تتولى وظيفة
الحكم ويرسم الخطوط العامة لعلاقات هذه الهيئات فيما بينها من ناحية وفيما
بينها وبين المحكومين من ناحية أخرى " , أو بأنه " مجموعة القواعد
القانونية الخاصة بنظام الحكم في الدولة ( الحكومة ) من الناحية السياسية ,
والتي تنظم التعايش السلمي بين السلطة والحرية ".
2- الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يستند إليها نظام الحكم :
على الرغم من اتفاق أنصار المعيار الموضوعي على الاعتراف بالطبيعة
الدستورية للقواعد التي تتصل بتنظيم السلطات الحاكمة في الدولة وكيفية
ممارستها لوظائفها , إلا أنهم قد اختلفوا بشأن الطبيعة الدستورية للقواعد
المتعلقة بتحديد الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يستند
إليها نظام الحكم في الدولة ( ), وذلك ما بين مؤيد ومعارض لها
أ ـ ذهب
جانب من الفقه إلى القول بأن الأهداف والمبادىء والاتجاهات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية التي يوجهها المشرع الدستوري للسلطات العامة في
الدولة كي تسير على هديها في رسم السياسة العامة للدولة في وقت معين لا
تعتبر من قبيل الموضوعات الدستورية بطبيعتها , لأنها مجرد مبادىء لا تنتمي
بذاتها إلى أحكام القانون الوضعي, ومن ثم تتجرد من صفة الالزام الفوري ولا
تعتبر بالتالي قواعد ملزمة , ويقتصر دورها على توضيح معالم المجتمع وتوجيه
مناهج النظام فيه , كما أنها بالاضافة إلى ذلك لا علاقة لها بنظام الحكم في
الدولة , ولا تتصل بتنظيم السلطات العامة فيها . وعلى ذلك فإن مضمون
القواعد الدستورية يجب أن ينحصر في نطاق السلطة العامة , من حيث تأسيسها ,
وتنظيمها , وتحديد اختصاصاتها , وكيفية ممارستها لوظائفها , وألا يتعدى ذلك
إلى المذهب الفكري أو الفلسفي الذي تعتنقه الدولة.
ب ـ ذهب جانب آخر من
الفقه ـ بحق ـ إلى القول بأن النصوص التي تتضمنها الدساتير عادة وتجسد
الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسترشد بها السلطات
العامة عند مباشرتها لوظائفها , إنما هي نصوص دستورية مما يندرج في إطار
القانون الدستوري في معناه المادي أو الموضوعي , وذلك لأن قواعد القانون
الدستوري لا تقتصر على تنظيم السلطات العامة في الدولة وكيفية مباشرة كل
منها لاختصاصاتها فقط , وإنما تحدد أيضاً عناصر الأيديولوجية التي يدين بها
الدستور أو التي صدر في ظلها , سواء أكانت أيديولوجية إجتماعية أم سياسية
أم اقتصادية ؛ تلك الأيديولوجية تعد بمثابة الموجه أو المرشد لنشاط الدولة
ككل , كما تعد بمثابة الإطار القانوني الذي تُفَسّر ـ أو يجب أن تفسر ـ من
خلاله أو على هديه نصوص الدستور , ولهذا فإن السلطات العامة لا تستطيع أن
تحيد عنها , وإلا عُدّ ذلك انتهاكاً لنصوص الدستور ولروحه.
3- قضيتَيْ السلطة والحرية : وقد سبق التطرق اليه في معرض حديثنا عن مدلول القانون الدستوري
---------
[1]- انظر في هذا المجال :
Jean GICQUEL : ”Droit Constitutionnel et Institutions Politiques“,14éd., Paris, Montchrestien, 1995, R.3.
[2]-
إن كلمة سياسي Politique الفرنسية بالمفهوم الحديث تعود في أصلها إلى
الكلمات اليونانية التالية : polis و تعني الدولة أو المدينة أو الناحية
أو اجتماع المواطنين الذين تتألف منهم المدينة، polieteia و تعني الدولة و
الدستور و النظام السياسي و الجمهورية و المواطنة، Politica و جمعها
Politicos و تعني الأشياء السياسية، Politike و تعني الفن السياسي. أما
كلمة سياسة العربية فإنها لا تعبر عن المعنى الأصلي اليوناني لكلمة
Politique الفرنسية أو كلمة Politics الإنكليزية، و لكي نجد التعبير
الحقيقي للمعنى الأصلي لهذه الكلمة في اللغة العربية وجب استعمال تعبير
السياسة المدنية. (انظر في هذا الموضوع الدكتور حسن صعب : “ علم السياسة”،
دار العلم للملايين-بيروت، الطبعة الثامنة، ص 19-21).
[3]-عرف المعجم الفرنسي Littré السياسة بأنها “ علم حكم الدول”، و عرفها المعجم Robert بأنها “فن حكم المجتمعات الإنسانية”.
[4]- Edmond GOBLOT : ”Le système des sciences“ Paris,A. Collin,1922, R.10.
[5]- جاء في المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان و المواطن لعام 1789 “يولد الرجال أحراراً و يبقون أحراراً و متساوين في الحقوق”.
[6]-
يقول مونتسكيو في هذا المجال “من خلال التجربة الأبدية، يمكن القول بأن كل
إنسان لديه الاتجاه لإساءة استعمال السلطة، حتى يجد القيود لتجاوزه…
(يضيف)…الفضيلة نفسها بحاجة إلى قيود”. (انظر مؤلفه الرائع : روح القوانين
De l’esprit des lois، الكتاب XI، الفصل IV، طبعة GF-FLQMMQRION، 1979،
صفحة 293).
[7]- مونتسكيو : المؤلف السابق، الكتاب XI، الفصل IV، صفحة 293.
[8]- Maurice DUVERGER : ”Institutions politiques et droit constitutionnel“,14éd., Paris, P.U.F., 1990, R.5.
[9]- الدكتور حسن صعب : “ علم السياسة”







بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 4:41
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67720
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري - الجزء الثالث



القانون الدستوري - الجزء الثالث

[9]- الدكتور حسن صعب : “ علم السياسة”، مرجع سابق، ص58 و ما بعدها.
[10]- الدكتور حسن صعب : “ علم السياسة”، مرجع سابق، ص131-132.
[11]- Maurice HAURIOU : ”Précis de Droit Constitutionnel“,Paris, Sirey, 2éd. 1929, réédition 1965, R.249.
[12]- Marcel PRELO : ”Institutions polit


التفرقة بين القانون الدستوري وبعض الاصطلاحات الأخرى :
بجانب
اصطلاح القانون الدستوري مصطلحات أخرى تشبهه، وهي قريبة منه لكنها ليس لها
ذات المعنى، ونقصد بذلك الدستور والنظام الدستوري والمذهب الدستوري ،
ونظرا للتشابه اللغوي والاختلاف في المعنى بين هذه الاصطلاحات والقانون
الدستوري، يتوجب علينا التميز بين مفاهيم هذه التسميات
1- فالدستور بمفهومه الموضوعي
موجود في كل الدول ولو أنه شكلا غير موجود في بعضها، لأنه لا يتصور قيام
مجتمع سياسي دون دستور. وفضلا عن ذلك فإن المفهوم الشكلي للدستور يجعل منه
مصدرا من بين مصادر القانون الدستوري، وأن كان هو الذي يحتل المرتبة الأولى

2- أما النظام الدستوري
فيقصد به ذلك النظام الحر أي الحكومة الدستورية في الدولة، ولكي تكون كذلك
يشترط الفقه الفرنسي لإضفاء صفة النظام السياسي على دولة معينة واعتباره
نظاما دستوريا أن تكون الحكومة خاضعة لقواعد قانونية دستورية أعلى منها، لا
يجوز لها التحلل منها والخروج عنها، وإنما عليها التقيد والالتزام بما هو
وارد فيها من قيود وفصل بين السلطات تكون الغلبة في هذا النظام للبرلمان
المنتخب من طرف الشعب.ومن هنا فإن الحكومة الاستبدادية والمطلقة والحكومة
الفعلية تتنافى وفقا لهذا الرأي مع قيام النظام السياسي لانتقاء الشروط
السابق ذكرها فيها، والحقيقة أن هذا الرأي لم يعد مقبولا في عصرنا الحاضر
لكونه يتنافى مع المفهوم الحديث للدستور الذي يقصد به الوثيقة المتضمنة
نظام الحكم في الدولة دون نظر إلى أساس هذا النظام وشكله كما أن التعريف
الشائع للقانون الدستوري باعتباره القواعد الخاصة بنظام الحكم لم يعد يهتم
بشكل النظام ولا أساسه أيضا .نخلص مما سبق إلى أن القانون الدستوري أوسع
من النظام الدستوري وبالتالي فإن انعدام هذا الأخير في الدولة إذا أخذناه
بمفهومه السابق لا يحول دون وجود القانون الدستوري، فالمرحلة الممتدة من 19
جوان 1965 إلى سنة 1976 تاريخ وضع الدستور الثاني (الدستور الأول كان في
سنة 1963) لا تعني أنها مرحلة إنعدم فيها وجود القانون الدستوري أنها مرحلة
تميزت بأسلوب حكم ونظام خاص معتمد على المشروعية الثورية واحترام النصوص
القانونية التي وضعها النظام سواء كانت بالمواضيع التي تدخل ضمن القانون
الدستوري أو غيره.
3- المذهب الدستوري :
لقد تضمن إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 شروطا معينة يجب توافرها
في الدستور وتتمثل في تضمينه لحقوق الإنسان وحرياته وضمانات ممارستها إلى
جانب ضرورة الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات حتى لا تتداخل اختصاصاتها و
تقتضي على السلطة المطلقة و ذلك تأثرا بالمذهب الدستوري Constitutionalism
الداعي إلى قرار التوفيق ين السلطة و الحرية .
و يقصد بالمذهب
الدستوري تلك الحركة التي ظهرت في عصر النهضة الأوربية وحلت محل الأعراف
السائدة آنذاك غير الواضحة و التي تركت مجالا واسعا للملك لممارسة السلطة
التقديرية ، فظهرت الدساتير المكتوبة للحد من إطلاق السلطة و استبدادية
الملوك ، و لذلك طالب الأحرار بتحديد أنماط إسناد ممارسة السلطة السياسية
بموجب نص واضح دفعا لأي إطلاقا للسلطة ، ومن ثمة فالدستور في مفهومه الشكلي
يتعارض مع التعسف ، لأنه يحدد دولة القانون التي يمكن أن يكون فيها سواء
ما هو مطابق للقواعد التي يضعها ذلك الدستور .
و المعلوم أن المذهب
الدستوري يجد مصدره في فكرة العقد المعارضة لإطلاق السلطة و التي ظهرت
بوادر لها في القرن 16 و سيطرت في القرن 18 والتي دفعت إلى إنشاء المجتمع
المدني في قالب عقد بين مختلف الأطراف بعيدا عن تأثير العوامل الدينية،
وأعتبر الدستور شكلا قيدا على السلطة المطلقة للملوك، وبالتطور أصبح لأغلب
الدول دستور في مفهومه الشكلي إلا أن الممارسة السياسية لم تكن في كل
الأحوال متماشية مع الدستور وهو ما تسبب في اختلال بين النصوص الدستورية
والممارسات السياسية، وإن كان هذا الاختلال ليس من ذات الطبيعة الواحدة
والدرجة والأثر في كل الأنظمة .ومن هنا فإن أي نظام لاسيما إذا كان رسميا،
مثلما هو في الدستور، كان دائما له معنى اجتماعي لكونه تعبيرا عن علاقات
قوى موجودة ضمن نظام سياسي في مرحلة معينة، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل
حول ما إذا كانت كل قاعدة دستورية تحمل في طياتها فكرتها المضادة بالمفهوم
الهيغلي أو الماركسي، ذلك أنه وإن كانت الحرية مقررة دستوريا إلا أنها
عمليا صعبة التحقيق وسهلة التقييد وحتى الإلغاء الوقتي لا سيما من حيث
تنظيمها قانونا، وعليه فإن التفسير التناقضي السالف الذكر يعني رفض النظرة
المنسجمة للمذهب الدستوري . والمؤكد أن الطبقة البورجوازية استعملت المذهب
الدستوري لتقييد السلطة المطلقة واعتبرت نفسها المعبر عن رأي واردة الشعب
في مواجهة تلك السلطة، وهي الفكرة التي تبنتها طبقات مختلفة كالمجاهدين،
والجيش والبورجوازية في الدول النامية حيث اعتبرت نفسها هي الشعب والمعبر
الحقيقي الوحيد عن الشعب ودفع بها ذلك الموقف إلى اعتبار أن كل ما يخالف
وجهة نظرها ومصلحتها، ولو كان ذلك واردا من الشعب يعتبر مرفوضا يجب محاربته
ورفضه، وهو ما يطرح تساؤلا في هذه الأنظمة حول ما إذا الدستور في النهاية
هو أداة للدعاية داخليا وخارجيا للنظام عما هو قائم، الأمر الذي قد يؤدي
إلى أن يصبح الدستور يحمل معنى شعاريا أكثر من كونه ذو معنى اجتماعي سياسي،
ومهما يكن من رأي حول المذهب الدستوري ونتائج الأخذ به فإن المعنى السياسي
للدستور رسميا ونظريا يقصد به تلك الوثيقة التي تتناول كيفية تنظيم السلطة
السياسية في الدولة على أساس الفصل بين السلطات، وتتضمن حقوق وحريات
الأفراد وضمانات ممارستها باعتبارها قيودا على سلطة الحكام عليهم احترامها
وعدم الاعتداء عليها .
علاقة القانون الدستوري بالقوانين الأخرى :
يمكن القول باختصار شديد أن العلاقة بين القانون الدستوري وفروع القانون العام الأخرى تتمثل في الآتي :
لعل
أهم القوانين اتصالا بالقانون الدستوري هو القانون الإداري لما لهما من
علاقة وطيدة، ومع ذلك فالقانون الدستوري أسمى من القانون الإداري من جهة،
حيث يقرر القواعد والمبادئ الأساسية لكل فروع القانون العام بما فيها
القانون الإداري الذي يقتصر دوره على وضع هذه المبادئ والقواعد موضوع
التنفيذ، ومن جهة ثانية فالقانون الدستوري يتناول نشاط الدولة السياسي، في
حين أن القانون الإداري يهتم بتحديد النشاط الإداري في الدولة .وإذا كان
القانون الدستوري ينظم السلطات العامة في الدولة ويحدد الحقوق والحريات
العامة للأفراد وضمانات حمايتها، فان القانون الإداري لا يهتم إلا بالوظيفة
الإدارية للسلطة التنفيذية، معتمدا في ذلك على مبادئ وقواعد الدستور .
وفيما يخص علاقة الدستور بعلم المالية، فإنها أيضا متينة بين الاثنين،
ولذلك فإن علم المالية يهتم بالتشريع المالي بقصد تنظيم وإدارة أملاك
الدولة، وأن كان البعض لا يسلم باستقلالية هذا العلم والقانون لاحتوائه على
مجالين الأول خاص بوضع التشريع المالي أي الميزانية وهو مجال يدخل في
ميدان التشريع، أما المجال الثاني فهو صرف هذه الأموال أو تحصيل الضرائب
والرسوم وهو عمل إداري، وبالتالي فلا وجود لقانون مالي منفصل عن التشريع أو
القانون الإداري .وللقانون الدستوري علاقة بالقانون الجنائي، الذي هو
الآخر يستمد ويستلهم أحكامه من القواعد والمبادئ الدستورية، وغايته هي
حماية نظام الحكم ككل من الاعتداء عليه من قبل الأفراد أو الحكام، فيحدد
الجرائم والعقوبات المقابلة لها، ولا أدل على ذلك من نص الدساتير على
العديد من القواعد العامة التي يتناولها القانون الجنائي بالتفاصيل مثل
قاعدة عدم جواز القبض على الأشخاص إلا طبقا لأحكام القوانين وحق الدفاع
وهناك أيضا علاقة بين القانون الدستوري والقانون الدولي العام، نظرا لأن
الأول هو الذي ينظم كيفية إبرام المعاهدات وإجراءات التمثيل في الخارج، كما
يبين مدى أخذه بمبادئ أحكام القانون الدولي كميثاق الأمم المتحدة، ولا أدل
على تلك العلاقة من ضمين الدساتير الحديثة أحكاما تتعلق بمدى القوة
القانونية للمعاهدات الدولية التي تبرمها الدول فيما بينها، واحترام الدول
وسيادتها وعدم التدخل في شؤونها واحترام حقوق الإنسان .


ثالثا :- طبيعة قواعد القانون الدستوري :
اختلف
الفقهاء وتباينت اتجاهاتهم بشأن طبيعة القواعد الدستورية ويمكننا تلخيص
آرائهم في هذا الصدد بالحديث عن الاتجاهات الأربعة التي اتخذها أساسا
لتحديد طبيعة قواعد الدستور , على النحو الآتي
1- انتفاء الصفة القانونية لقواعد القانون الدستوري (المدرسة الإنجليزية بزعامة Austin) : - وقد أيد هذا الاتجاه أصحاب المدرسة الشكلية في القانون وعلى رأسهم الفقيه الإنكليزي(أوستين Austin) .
وتعتمد
هذه المدرسة في تحديد مدى طبيعة القواعد القانونية والزاميتها على مدى
توافر عنصر الجزاء المتبدي في الإكراه الماديcontrainte matérielle الذي
تضمن السلطة العامة توقيعه بما لها من وسائل. فالجزاء بالنسبة لأصحاب هذه
المدرسة يعتبر عنصر جوهري من عناصر القاعدة القانونية وهذا الجزاء يجب أن
يكون محدداً ومنظماَ ويتمتع بطبيعة مادية وهناك سلطة عليا تستطيع أن تفرض
هذا الجزاء وبالتالي لا يمكن اعتبار القواعد الدستورية قواعد قانونية بسبب
افتقارها لعنصر الجزاء . ومن هنا يقول زعيم هذه النظرية الفقيه أستن أن
قواعد القانون الدستوري لا تعدو أن تكون مجرد قواعد آداب مرعية تحميها
جزاءات أدبية بحتة ذلك أن الحاكم لدى مخالفته لقاعدة دستورية يوصف عمله
بأنه غير دستوري لكنه لا يكون مخالفا للقاعدة بالمعنى الصحيح، مما يستتبع
عدم وصفه بأنه غير قانوني. وبالتالي فإن أنصار هذا الاتجاه يصلون إلى هذه
النتيجة من خلال اعتقادهم في عدم إمكانية تطبيق أي جزاء على الجهة التي
تخالف القواعد الدستورية ويرون أنه إذا كان عنصر الجزاء – وهو العنصر المهم
في القاعدة القانونية والذي يميزها عن غيرها من قواعد السلوك الاجتماعي –
يتمثل في احتمال تدخل القوه الجبرية عند الاقتضاء وما دامت الدولة التي
تحتكر وحدها في المجتمعات الحديثة هذه القوة الجبرية فإن معنى ذلك أن يختلط
القانون بإرادتها وبالتالي فلن تكون قواعد ملزمة لها لأنه لا يمكن أن تكون
هذه القواعد نافذة بحقها قسرا لعدم وجود سلطة أعلى موكل لها تنفيذ هذه
القواعد بحقها إذا ما اقتضى الأمر وعلية فليس من المعقول أن تكون الدولة
الخصم والحكم في الوقت ذاته، أو بمفهوم آخر فالدولة هي التي تحتكر القوة
المادية ، ومن غير المعقول أن يضعها موضع التنفيذ ضد نفسها .
واتفاقا مع هذا المنحنى من التحليل تفقد القواعد الدستورية خاصيتها الملزمة للدولة وهو الأمر الذي يزيل الصفة القانونية .
تقدير
الرأي : إذا كانت هذه المدرسة قد اعتمدت في التمييز بين قواعد القانون
الدستوري والقانون الدولي من جهة القانون العادي ومن جهة أخرى على المحاكم
الذي يضفي على الأخير الصفة الإلزامية بتوقيع الجزاء على مخالفيه لما يملك
من وسائل وهي المنعدمة في القانون الدستوري والقانون الدولي، فإن الذي غاب
على أنصار هذه المدرسة هو أن بعض القواعد القانونية العادية لا نجد لها
جزاءا ماديا يترتب على عدم احترامها، لكونها مفسرة أو أنها مجيزة لتصرف أو
تصرفات معينة، مثل حق المالك في الايصاء بأمواله، كما أن هذه المدرسة لا
تعير أي اهتمام للقواعد الدينية باعتبارها أساسا أو جزءا لا يتجزأ من
القواعد القانونية لبعض الدول كالدول الإسلامية
2- القواعد الدستورية ذات طبيعة قانونية : (المدرسة الفرنسية بزعامة Deguit)
:- ذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن القواعد الدستورية , هي قواعد ذات
طبيعة قانونية وهي لا تختلف من حيث الطبيعة عن غيرها من القواعد التي تحكم
الأنشطة المختلفة في الدول . واستند هذا الاتجاه إلى فكرة سمو الدستور ذلك
أن قانونية الدستور مرتبطة ارتباطا وثيقا بفكرة سمو وعلوية الدستور . وعليه
فإن الدستورية تتوج الهرم القانوني بحيث أن الدستور يعلو على جميع القواعد
القانونية في الدولة كما أن هذه القواعد تستمد قوتها الملزمة من الدستور.
وبناء علية فأن جميع القواعد القانونية في الدولة تكون معلقة على الدستور
بحيث يكون الدستور مصدر صحتها وقانونيتها وبما أنه هو الذي يعطيها هذه
الصفة القانونية فمنطقيا يتوجب أن يتمتع الدستور بنفس الصفة التي تتمتع بها
هذه القواعد ( وهي الصفة القانونية ) . فالدستور إذن هو مجموعة قواعد
قانونية لا تختلف في طبيعتها عن القواعد الأخرى بل هو مصدر قانونية هذه
القواعد . ومن هنا يجيء الربط ، بين سمو وعلوية الدستور مع طبيعته
القانونية : فالدستور يعلو على جميع القواعد القانونية في الدولة وهو
بالتالي مصدر قوتها إذ منه فقط ، تستمد صحتها أي قوتها الملزمة حين تكون
موافقة له من حيث طريقة إقامتها و من حيث مضمونها .
كما ترى هذه المدرسة
بأنه ينبغي الاعتداد بالجزء المعنوي، لأن كل قاعدة تحتوي على جزاء يتمثل
في رد الفعل الاجتماعي contrecoup social على حد قول زعيم المدرسة ديجي
Duguit ولا يشترط أن يكون الجزاء متمثلاً في الإكراه المادي الذي تقوم
السلطة العامة بتوقيعه، فالجزاء يختلف باختلاف نوع القاعدة ذاتها وتختلف
صوره وأنواعه بما يتناسب مع مضمون القاعدة القانونية والمصالح التي تحميها.
ولقد ذهب هذا الفريق من الفقهاء بناء على رأيهم في فكرة الجزاء إلى إن
القاعدة الدستورية يتوافر فيها عنصر الجزاء ويتحقق لها جميع عناصر القاعدة
القانونية وذلك من خلال نوعين من الجزاء: الجزاء المنظم والجزاء غير المنظم
.
- ويتمثل الجزاء المنظم في إيجاد نوع من الرقابة المتبادلة من
السلطات العامة بحيث إذا خرجت أحداها على مقتضى ما يقرره الدستور من إحكام
كان للسلطتين الاخريتين أن ترداها إلى جادة الصواب وألزمتها باحترام
القواعد الدستورية فالسلطة التنفيذية تستطيع اللجوء إلى حل البرلمان حلاً
رئاسيا أو وزاريا في حالة مخالفة للدستور كما أن البرلمان يستطيع هو الآخر
أن يسحب الثقة من الحكومة وفي اتهام أعضاءها ومحاكمتهم أما السلطة القضائية
فأنها تستطيع حماية قواعد الدستور من الانتهاك عن طريق مراقبة مدى تطابق
القوانين التي تسنها السلطة التشريعية مع الدستور والتي تؤدي إلى إلغاء
القانون المخالف للدستور أو الامتناع عن تطبيقه فهذه العملية تعتبر أيضاً
جزاء يفرضه القضاء على المشرع في حالة مخافة القواعد الدستورية.
- أما
الجزاء غير المنظم فيتخذ شكل رد الفعل الاجتماعي الذي يحدث مخالفة قاعدة
دستورية . ومن هذا المنطلق يمكن أن نتصور وجود جزاء على من يخالف القاعدة
الدستورية غير أن هذا الجزاء غير محدد وغير منظم ويصطلح على تسميته (الجزاء
المرسل ) ويأخذ إشكال مختلفة ومن هذه الأشكال: استياء الرأي العام
والاحتجاج ، والعصيان المدني والانتفاضة وقد يتطور هذا الجزاء ويصل إلى حد
الثورة والإجهاز على النظام القائم . وهكذا يجد الجزاء مكانه في قوة الرأي
العام ورقابته لحكامه ، واستعداده للذود عن دستوره ودرء أي اعتداء يقع علية
مستخدما مختلف الوسائل التي لا تخلو من عامل القهر والإجبار ويلاحظ من
استقراء التجارب الدستورية أن حماية الدستور تتوقف على وعي الشعب وصدق
إخلاص الإفراد حكاما ومحكومين ، كما تتوقف على درجة حرصهم على الدستور
ووفائهم له وهذا لا يتحقق إلا إذا جاء الدستور من وحي حياة الشعب وتاريخه
وأهدافه ومعبر عن آماله و أمانيه . ومما يؤكد أهمية هذا النوع من الجزاء هو
الظهور بمظهر الملتزم بالقواعد الدستورية من جانب السلطة العامة حينما
تخالف بعض القواعد الدستورية حيث أنها لا تعترف بتلك المخالفة. وإنما تحاول
أن تضع تبريرات وتفسيرات لتصرفها مما يظهرها أمام الرأي العام وكأنها لم
ترتكب مخالفة دستورية.
تقدير هذا الرأي : بالنظر إلى ما وصلت إليه
الأنظمة القانونية الحديثة وتطور الحكم الديمقراطي يمكن القول بأن القواعد
القانونية الدستورية ينبغي أن تحترم من قبل ممارسي السلطة إذا أريد لهم أن
ُيحترموا من قبل الشعب صاحب السيادة، فهذه القواعد تحدد كيفيات ممارسة
السلطة من قبل مؤسسات الدولة والتي يحق لكل منها ، اعتمادا على ما ورد في
الدستور ، أن توقف غيرها عند حدود اختصاصاتها و سلطاتها مما يعد جزاءا
يترتب على كل تجاوز للاختصاص و السلطات ، بل و قد يمتد عدم احترامها إلى حد
تدخل الشعب لإجبار مؤسسة أو مؤسسات على احترام أحكام الدستور ، و ذلك إما
ردعها بالوسائل المختلفة كالضغوط والمظاهرات أو التجمهر وإجبارها على
القيام بتصرف معين أو الامتناع عنه بما يثبت تراجعها والاعتراف بخطئها، بل
وقد يصل ذلك إلى حد الإطاحة بها مثلما لاحظنا في مصر سنة 1952 وليبيا سنة
1969 وإيران سنة 1979 ، وما يحدث الآن في بعض الدول العربية وخاصة تونس
ومصر وليبيا وسوريا واليمن ، وكذلك ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية
للرئيس السابق نكسون لدليل على دور الشعب في فرض احترام أحكام الدستور، فقد
استقال في 9 أوت 1974 نتيجة قيامة بأفعال مخالفة لأحكام الدستور، وعرفت
باسم فضيحة واترقايت Watergate .
3- القواعد الدستورية ذات طبيعة سياسية : - أبرز
جانب من الفقه أن القواعد الدستورية هي قواعد ذات طبيعة سياسية وأن هذه
الطبيعة تكمن في أن القواعد الدستورية تبين الطريقة التي تمارس بها السياسة
في الدولة إلا أن القواعد الدستورية لا يمكن أن تبين طريقة ممارسة السلطة
دون أن تحدد أو تكرس القابضين على هذه السلطة .
و تنظيم القواعد
الدستورية إشكال ممارسة السلطة السياسية وفق نظامين :نظام تركيز السلطة و
نظام توزيع السلطة . فبالنسبة إلى نظام تركيز السلطة : فأن الطبيعة
السياسية للدستور بوضوح أكثر ففي هذا النظام سيبقى الدستور متمتعا بميزته
الأولى كوسيلة لتكريس سلطة فرد أو فئة أو حزب أو طبقة .
وعلية فأن
الدستور في ظل هذا النظام سيبين طريقة تركيز السلطة بيد فرد بحيث يعود له
وحدة أمر ممارستها كما أن السلطة يمكن أن تتركز بيد جماعة قليلة من الإفراد
( لجنة ) كما يمكن أن تتركز بيد جماعات كبيرة من الإفراد تشكل مجلسا أو
جمعية ومن ثم فأن الدستور يعد وسيلة لتكريس القوه المهيمنة في الدولة أو
بعبارة أخرى وسيلة يتحدد بمقتضاها القابض على السلطة في الدولة . أما
بالنسبة لنظام توزيع السلطة : فأن الطبيعة السياسية للدستور تتضح من خلال
آلية ممارسة السلطة وفي هذا النظام نجد أن الهيئات الحاكمة تتعدد وتوزع
السلطة بينها. فهناك أذن أسهام مشترك بين هذه الهيئات الحاكمة في ممارسة
السلطة في الدولة .
وعليه فأن الدستور – في نظام توزيع السلطة – هو
وسيلة توازن سياسي فالسلطة لا تعود إلى قابض واحد بل هناك ، إسهام مشترك في
القبض عليها وفي ممارستها ومن ثم فأن القواعد الدستورية هي قواعد توازن
سياسي أي أنها قواعد سياسية تنظم العلاقة بين القابضين على السلطة . وهذه
الحقيقة أدركها الأستاذ ( جورج سلGeorges Seelle ) حين قال (( أن القواعد
الدستورية هي بالأحرى قواعد توازن سياسي أكثر من كونها أساساً للمشروعية
...)) وهذا يعني أن الدستور تبرز أهميته في نظام توزيع السلطة كوسيلة توازن
سياسي يبين مدى أسهام الحكام في ممارسة السلطة
4- القواعد الدستورية ذات طبيعة قانونية وسياسية:- يرى
جانب من الفقه أن القواعد الدستورية تحمل طبيعة مزدوجة فهي قواعد ذات
طبيعة قانونية وسياسية ذلك أن الدستور هو الوثيقة القانونية والسياسية
الأسمى في الدولة ، أو الإطار العام الذي يحدد نظام الدولة وينظم عمل
السلطات فيها ويكفل حقوق الأفراد والجماعات ويجسد تطلعات الشعب و لهذا فأن
أي تغيير أو تبديل يطرأ على البنية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية
للدولة يستتبع حتماً تبديل دستورها أو تعديله بما يتلائم مع الأوضاع أو
الظروف الطارئة أو المستجدة ولأن الدستور هو القانون الأعلى للدولة فإن
جميع التشريعات التي تصدر في الدولة يجب أن تخضع لأحكامه . والناحية المهمة
التي تسترعي إنتباهنا هي أن الدستور ليس فقط مجموعة من القواعد القانونية
المدونة في وثيقة مكتوبة تتعلق بنظام الحكم في الدولة وإنما هو عملية صياغة
قانونية للفكرة سياسية استطاعت في صراعها مع الأفكار الأخرى أن تؤكد
إنتصارها بوصولها إلى السلطة وفرض فلسفتها واتجاهاتها كقواعد قانونية ملزمة
. ومن هنا فأن الدستور حين يبني النظام القانوني لسلطة الدولة يؤكد كذلك
سيطرة القوة السياسية الصاعدة كما يرسي الأسس اللازمة لكفالة عنصر الشرعية
لهذه القوة وفي ضوء ذلك يمكننا القول بفكرة الحياد السياسي للدستور
والمقصود بها أن الدستور يقوم بدور في تنظيم الحكم ، أياً يكن النظام
السياسي القائم سواء كان ديمقراطياً أم غير ديمقراطي فكلما صعدت إلى سلطة
الدولة قوة سياسية جديدة حملت معها فلسفة سياسية جديدة و لا يكون الدستور
في هذه الحالة إلا صياغة قانونية لها لكل ما تقتضي به في شأن نظام الحكم
وسلطة الدولة وحقوق الأفراد وحرياتهم العامة . ولهذا قيل أن الدستور هو
الوثيقة القانونية الأسمى التي توضع في لحظة تاريخية معينة لتحدد طبيعة
النظام السياسي و هوية المجتمع والدولة وتعكس ميزان القوى السياسية
والاجتماعية والاقتصادية المؤثرة في تلك اللحظة .


.../... يتبع







بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 4:43
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67720
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري - الجزء الثالث



القانون الدستوري - الجزء الثالث


المبحث الثاني : مصادر القواعد الدستورية :
يميز
الفقه بين المصادر الرسمية التي تتمثل في التشريع والعرف والمصادر غير
الرسمية أو التفسيرية والتي تشمل القضاء والفقه. باعتبار أن النوع الأول
يعمل على إعلان القواعد الملزمة، إما عن طريق السلطة العامة من خلال
التشريع وإما نتيجة إلزاميتها في ضمائر الناس من خلال أطرادها واستقرارها
بالنسبة للعرف.
أما دور الفقه والقضاء فليس تشريع القواعد القانونية
وإنما يقتصر على مجرد شرح وتفسير القانون، ولكن هذا التقسيم قد يتغير
بالنسبة للمجتمعات التي تأخذ بنظام السوابق القضائية الملزمة مثل بريطانيا.
مادام
أغلب الفقه يقسم هذه المصادر إلى رسمية وتفسيرية فإننا سوف نتناول في
المطلب الأول المصادر الرسمية وفي المطلب الثاني المصادر التفسيرية.


α- المصادر الرسمية.
تشتمل المصادر الرسمية في معظم كتب الفقه على التشريع والعرف بالنسبة للدول التي تأخذ بالدساتير المكتوبة.


أولا- التشريع كمصدر رسمي للدستور:-
عند
دراسة التشريع كمصدر رسمي للقانون الدستوري، فإننا نأخذ بالمفهوم الموضوعي
لتعريف القانون الدستوري (المعيار المرجح لدى الفقه لتعريف القانون
الدستوري) يمكن أن يشمل التشريع كل القواعد والنصوص التي تتناول بالتنظيم
موضوعا من موضوعات القانون الدستوري، هذه القواعد سواء وردت في وثيقة
دستورية مكتوبة أو وردت في القوانين الأساسية الصادرة من البرلمان والتي
تنصب على موضوعات دستورية، أو إعلانات الحقوق وكذا مقدمات الدساتير.
1- الوثيقة الدستورية المكتوبة:
أهم ما يميز الدولة الدستورية الحديثة في نظر فقهاء القانون الدستوري هو
تدوين الأعمال المنظمة للسلطة في الدولة في وثيقة تسمى الدستور، وهي
القواعد التي كانت عرفية حتى القرن الثامن عشر، حيث كان الحكام يتمتعون
بسلطة مطلقة ولا يتقيدون بأي نظام قانوني يحد من سلطتهم. يعد الدستور الذي
أصدره كرومويل بعد استيلائه على السلطة في انجلترا عام 1653 أول وثيقة
دستورية مكتوبة ينطبق عليها هذا المعنى، والذي استوحى فيه أحكام ميثاق
الشعب والمبادئ التي صدرت من المجلس الحربي لكرومويل. فقد نص هذا الميثاق
على أن السيادة للشعب وهو صاحب الحق في إصدار الدستور. أما أول الدساتير
التي تجلت فيها الأغراض السياسية للدولة الحديثة هو دستور الولايات المتحدة
الأمريكية لعام 1787 والدستور الفرنسي لعام 1791. وفي أعقاب الحرب
العالمية الثانية عمت فكرة الدساتير المدونة وأصبحت هي البناء الأول الذي
تفكر فيه الحركات التحريرية بعد حصولها على الاستقلال.
محتوى الدستور :
الأحكام المتعلقة بتنظيم المجال السياسي :

1-
الأحكام التي تؤسس شرعية السلطة : وهنا نجد أن الدساتير تعمل على إبراز
وتكريس شرعية السلطة العامة في الدولة ومصدرها من الشعب الذي يعد هو صاحب
السيادة في المجتمع وأن الحكام يمارسون الحكم بتخويل منه باعتبارهم ممثليه
الشرعيين الذين يعبرون عن إرادته .
2- أحكام تتعلق بطبيعة الدولة وطبيعة
نظام الحكم فيها : مثل الشكل بسيطة كانت أو مركبة كما يحدد الدستور نوع
الحكومة في الدولة مثل الحكم الجمهوري أو الملكي أو رئاسي أو برلماني أو
غير ذلك
3- الأحكام المتعلقة بتنظيم السلطة والعلاقات بين السلطات :
تحدد الأحكام التي يخضع لها الحكام مثل مبدأ الفصل بين السلطات ومداه بين
المرونة والجمود وكذلك الحال بالنسبة لشكل الحكم وطبيعة البرلمان .
أحكام أخرى :
1- تكريس ثوابت المجتمع في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي : أي أن الدستور يقوم على خلفية اديولوجية معينة .
2- إقرار وضمان الحريات والحقوق الفردية: و ينص عليها عادة في بداية الدساتير مثل إعلانات حقوق الإنسان والمواطن.
3- أحكام مختلفة: وتختلف من دستور لآخر مثل الرقابة على دستورية القوانين وكيفية تنظيمها وقد يحتوي على أحكام انتقالية.


أبواب الدستور
(( الهيكل العام في الدساتير ))
يمكن إن تكون أبواب الدستور في معظم دساتير العالم بحسب الشكل التالي :-



تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
2- القوانين الأساسية (العضوية) :
يقصد بالقوانين الأساسية أو التنظيمية (أو العضوية إذا أخذنا بالترجمة
الحرفية للتعبير الفرنسي La loi organique)، مجموعة القوانين الصادرة عن
السلطة التشريعية بتكليف من المشرع الدستوري (بنص الوثيقة الدستورية) أو
حتى من تلقاء نفسه و هي التي تتعلق بتنظيم السلطات العامة في الدولة، أي
تتعلق بموضوعات دستورية بحكم طبيعتها أو جوهرها كما حددناها سابقاً.
فالقوانين
الأساسية يمكن أن تصدر من المشرع العادي بتكليف من المشرع الدستوري :
فصدور هذا النوع من القوانين يكون بتكليف من المشرع الدستوري، و ذلك عن
طريق الإحالة بنصوص الوثيقة الدستورية في عدد من الموضوعات المتعلقة بتنظيم
السلطات العامة[1].
كما يمكن أن تصدر القوانين الأساسية عن المشرع
العادي من تلقاء نفسه : فصدور هذا النوع من القوانين لا يكون بتكليف من
المشرع الدستوري، و ذلك لعدم النص عليها بوثيقة الدستور، و لكن تأتي
لتنظيم عدد من الموضوعات المتعلقة بتنظيم السلطات العامة. و هذا ما نجده
غالباً في الدول ذات الدساتير المرنة أو ذات الدساتير العرفية، كما سنرى
لاحقاً. والقوانين الأساسية تتميز عن القوانين العادية شكلا ومضمونا. ومن
أهم هذه القوانين الأساسية، القوانين المتعلقة بالانتخابات، والنظام
الداخلي للبرلمان وقانون الأحزاب السياسية والقوانين المتعلقة بتنظيم
السلطات أو لها علاقة بالحكم وبالحقوق والحريات. ومن بين الأسباب التي دفعت
إلى ابتكار هذا النوع من التشريع (القوانين) هو تسهيل مهمة تعديلها
لمعالجة موضوعات دستورية لا يمكن إدراجها خلال الوثيقة الدستورية الجامدة.
كما قد تكون تكملة لنصوص ناقصة في الدستور. يعتمد الفقه في تحديد مدلول
القوانين الأساسية على معيارين أساسيين هما المعيار الشكلي والمعيار
الموضوعي.
- المعيار الشكلي:
يرتكز أنصار الاتجاه الشكلي في تعريف القوانين الأساسية على التفرقة التي
جاء بها الدستور الفرنسي لعام 1958 في مادته (46) بحيث تنص على أن القوانين
الأساسية هي القوانين التي ورد النص عليها في الوثيقة الدستورية ويتبع
بشأن إصدارها إجراءات خاصة تختلف عن الإجراءات المقررة للقوانين العادية.
وهو ما نص عليه الدستور الجزائري المعدل عام 1996 في المادة (123) منه.
- المعيار الموضوعي:
يعتمد هذا المعيار على جوهر ومضمون القاعدة القانونية دون النظر إلى الشكل
والإجراءات التي تتبع في وضعها، سواء تضمنتها الوثيقة الدستورية أو تم
النص عليها في قوانين صادرة عن البرلمان. أما فيما يخص قيمتها القانونية،
فالقوانين الأساسية أو العضوية فهي تأتي في المرتبة الثانية بعد القواعد
الدستورية، ولكن الدول تختلف في ترتيبها بحسب ما نصت عليه دساتيرها من حيث
إجراءات الإقرار أو التعديل فقد تكون مشابهة لإجراءات وضع القواعد
الدستورية وبالتالي تكون لها نفس القيمة وقد تكون بدرجة أخف وأكثر مرونة
مما يجعلها في المرتبة الثانية بعد القواعد الدستورية المدونة في الوثيقة
الدستورية.
*- الفرق بين القانون العادي والقانون العضوي :


القانون العضوي



القانون العادي


- جاء خصيصا لتسيير المؤسسات الدستورية و الهيئات الإستشارية في الدولة
- يخضع للرقابة القبلية الإلزاميـة
- حتى يصبح ساريا يتطلب نسبة مشددة من التصويت ( مثلا: أصوات ثلاثة أرباع نواب و أعضاء الغرفتين)
- أقل مرتبة من الدستور و من المعاهدات وفقط





- تنظيم الحياة الإجتماعية للأفراد
- تسري عليه صلاحيات الإخطار ، و الجهات المخولة بموجب الدستور
- حتى يصبح ساريا يخضع لقانون الأغلبية النسبية
- يأتي في المرتبة الثالثـة

القيمة القانونية لإعلانات الحقوق ومقدمات الدساتير :
توجد إلى جانب الوثيقة الدستورية المكتوبة وثائق أخرى تعلن فيها مبادئ
عامة وتوضح فيها فلسفة المجتمع وتسمى إعلانات الحقوق والحريات، كما يمكن أن
تدرج تلك الفلسفة والمبادئ في دساتيرها على شكل مقدمات أو ديباجات. ومن
أهم الأمثلة على ذلك إعلان الحقوق الأمريكي الصادر في عام 1776 وإعلان
الحقوق الفرنسي الصادر في عام1789 .
ان مسالة القيمة القانونية لاعلانات
الحقوق ومقدمات الدساتير كانت محل جدل واختلاف كبير بين الفقهاء، اذ لم
يكن هناك اتفاق حول ما اذا كانت تلك النصوص تملك قوة النصوص القانونية. ومن
ثم فان خرقها من قبل سلطات الدولة يؤدي الى بطلان هذا الاخير. وغالبا ما
تسجل الدولة، على اثر ثورة وقيام نظام جديد يختلف عن سابقه من حيث الاسس
والمبادئ، قيم المجتمع الجديد ونظمه في وثيقة رسمية يتعرف الشعب من خلالها
على فلسفة النظام الجديد وما يثبّت له من حقوق وما يفرضه عليه من واجبات،
وذلك لربط جسور الثقة والاستقرار بين السلطة الجديدة والشعب، ومع ذلك تظل
تلك الوثائق تثير هي الاخرى مسائل تتعلق بقيمتها وقوتها القانونية بين
مصادر المشروعية الاخرى. وعلى كل حال فانه يمكن تلخيص الاراء التي تناولت
هذه المسالة كما يلي :-
1- يرى جانب من الفقه- (المدرسة الموضوعية التي
تزعمها كل من Duguit و Hauriou مع إختلافهما في التأصيل ) - بان لمقدمات
الدساتير واعلانات الحقوق قيمة قانونية تسمو على النصوص الدستورية، بوصفها
تتضمن الاسس التي تشيد عليها هذه النصوص وبهذا فهي ملزمة للسلطة التأسيسية
التي تقوم بوضع الدستور، ومن باب أولى فهي ملزمة للسلطات المؤسسة
التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وانتقد هذا الرأي لسببين :-
- الأول لتعارضه مع مبدأ تدرج القوانين الذي لا يتضمن قواعد تعلو الدستور .
-
والثاني لتعارضه مع المنطق فالسلطة التأسيسية الأصلية هي التي وضعت
الدستور وضمنته مقدمة لا يمكن القول بان إرادتها عند وضع المقدمة أعلى من
إرادتها عند وضع المتن أو صلب الدستور .
2- بينما يساوي جانب اخر من
الفقه بين النصوص الدستورية وبين مقدمات الدساتير واعلانات الحقوق بسبب
ورودها عن ذات المنبع الا هو ادارة السلطة التاسيسية. فالسلطة التأسيسية
الأصلية عند وضعها الدستور عبرت عن إرادتها في شكلين :
- الشكل الأول هو المبادئ والمثل والأهداف وضمنتها مقدمة الدستور .
- الشكل الثاني هو القواعد القانونية المحددة التي تعالج على وجه الدقة حقوقا والتزامات واختصاصات .
ومن هنا فإن المقدمة وصلب الدستور لهما نفس القيمة القانونية باعتبارهما تعبيرا عن ارادة واحدة وصادرين في وثيقة واحدة .
3-
ويميز جانب ثالث ( منهم Jèze و Morange و Jean RIVERO و Georeges VEDEL
مع بعض الاختلاف بينهم ) بين القواعد القانونية التي تحتويها اعلانات
الحقوق ومقدمات الدساتير، ويميزون بين
نوعين من القواعد أو الأحكام
الواردة في النصوص المتعلقة بالحريات و الحقوق : الأحكام أو القواعد
التقريرية أو القانونية، و الأحكام أو القواعد التوجيهية أو البرامجية.
-
فالأحكام أو القواعد التقريرية أو القانونية (الأحكام الوضعية) Règle de
droit positif، هي الأحكام التي تتصف بالتحديد، و بالتالي هي الأحكام
القابلة للتطبيق الفوري : أي يستطيع الأفراد الاحتجاج بها أمام القضاء
العادي و الدستوري، دون حاجة لتدخل المشرع العادي. فهي تشكل قيداً على
المشرع العادي، الذي لا يملك مخالفتها تحت طائلة عدم الدستورية. و مثال ذلك
ما جاء من أحكام في المواد التالية من دستورنا الدائم لعام 1973 : المادة
/25/ المتعلقة بالمساواة بين المواطنين أمام القانون، و المادة /32/
المتعلقة بحرمة المسكن، و المادة /33/ المتعلقة بحرية التنقل..الخ.
-أما
الأحكام أو القواعد التوجيهية أو البرامجية Règle directive أوRègle de
programme، فهي أحكام غير محددة، لا يمكن تطبيقها بدون تدخل المشرع العادي.
فالمواطن لا يمكنه الاحتجاج بها أمام القضاء. و لذلك فهي تمثل مجرد قواعد
توجيهية أو مجرد برنامج سياسي أو اجتماعي للحكم.فهذه الأحكام تشكل برنامج
عمل تسعى الدولة أو نظام الحكم لتحقيقه، و لا يمكن للمواطن اللجوء للقضاء
للاحتجاج بهذه الأحكام إلا إذا تدخل المشرع ليضعها موضع التطبيق. فالمشرع
إذن وحده يمكنه جعل هذه الأحكام قابلة للتطبيق و يضع مبادئها موضع التطبيق
فيما يصدر من قوانين بحيث يتعين عليه احترامها عند قيامه بالتشريع فإذا
اصدر المشرع قانون يخالف هذه القواعد عُد هذا التشريع غير دستوري . و
بالتالي يتمكن المواطن على أثرها من الاحتجاج بها، و مثال ذلك ما نصت عليه
بعض الدساتير على أن التعليم حق لكل مواطن تكفله الدولة و هو مجاني في جميع
مراحله و إلزامي في مرحلته الابتدائية، فهذا النص أصبح يمكن تطبيقه، و
يمكن لأي مواطن الاحتجاج به أمام القضاء لأن المشرع تدخل بعدة قوانين، و
نظم عملية إلزامية التعليم و مجانيتها. فالتزام المشرع من هذه الناحية هو
التزام سياسي أو أدبي، بحيث يتمتع بسلطة تقديرية واسعة للتدخل في هذا
الإطار. و لكن المشرع رغم ذلك يلتزم بالقيمة القانونية الدستورية لهذه
الأحكام، فلا يمكنه إصدار تشريعات تخالفها. ويلتزم المشرع إزاء النصوص
التوجيهية أو المنهجية بالتزامين :
- الالتزام الأول : وجوب تدخل المشرع لإصدار القوانين اللازمة لتنفيذ هذه النصوص .
-
الالتزام الثاني : فيتمثل في وجوب إصدار المشرع لقوانين تتفق مع هذه
النصوص ولا تخالفها بشكل صريح أو ضمني . ومن أمثلة النصوص التوجيهية أن
تتضمن مقدمة الدستور نص يقرر إن ( الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين
والأخلاق ) وفي هذه الحالة لا يستطيع المشرع أن يصدر قانون يعترف فيه ببعض
الحقوق للابن غير الشرعي وسوف يكون هذا القانون – إن صدر – مخالفا
للدستور .
4- ومن الفقهاء ( وهم أنصار المدرسة الشكلية وعلى رأسهم كل
من Esmein و Laferrière ) من يجرد اعلانات الحقوق ومقدمات الدساتير من اي
قوة الزامية وينكر عليها ان تكون لها قيمة قانونية فهي برأيهم مجرد مبادئ
توجيهية و امال وطموحات لواضعي الدستور ولا تتضمن سوى مبادئ فلسفية و
سياسية اكثر منها قانونية محددة ، ومن ثم لا تعد قواعد قانونية منشئة
لمراكز قانونية واضحة المعالم، على المشرع أن يلتزم بها وان يدخل مضمونها
في نصوص قانونية عادية غير أن هذا الالتزام يظل التزاما أدبيا ، فإذا امتنع
المشرع عن ذلك أو خالف محتوى تلك المبادئ فانه لا يجوز التمسك بها قانونا
في مواجهة السلطة العامة .
- ونتساءل أي الآراء الفقهية السابقة الذكر
يعد الرأي الأرجح و الأوفق في تحديد القيمة القانونية لمقدمة الدستور ؟ .
هناك من يرى بأن الرأي الثاني كونه يمثل اتجاه توفيقي يعطي لمقدمة الدستور
قيمة قانونية تساوي قيمة النصوص التي يتضمنها الدستور ذاته ويستند هذا
الاتجاه إلى ثلاث حجج:
- حجة تاريخية : تشير إلى أن إعلانات الحقوق الواردة في المقدمة كانت تعتبر جزءا لا يتجزأ من الدستور
-
حجة واقعية : مستوحاة من الممارسة القضائية ، التي تساوي بين المقدمة
ومتن الدستور من ناحية القوة القانونية وتخضعها للرقابة على دستورية
القوانين .
- حجة قانونية : ترى في كل دستور نوعين من الدساتير :
دستورا سياسيا يحدد نظام الحكم ودستورا اجتماعيا يحدد أسس النظام الاجتماعي
وحقوق المواطن والجماعات
يعزز هذا الاتجاه ما ذهبت إليه الجهات المختصة
بالرقابة الدستورية حيث ذهب المجلس الدستوري في فرنسا في قرار صادر في
16/7/1991 إلى عدم دستورية القانون المعروض عليه لمخالفته لمقتضيات حرية
تكوين الجمعيات التي نصت عليها مقدمة دستور عام 1946 واقرها وأحال إليها
دستور عام 1958 وأكد المجلس الدستوري إن ديباجة الدستور الفرنسي ( تعتبر
جزءاً لا يتجزأ من الدستور ذاته ) وسار المجلس الدستوري في لبنان على ذات
النهج وأضفى على ديباجة الدستور اللبناني قيمة دستورية شأنها في ذلك شأن
أحكام الدستور نفسها. وقبل ذلك فقد خضع موقف مجلس الدولة الفرنسي من مسألة
القيمة القانونية لاعلانات ومقدمات الدساتير والمبادئ الواردة فيها الى
تطوير كبير، حيث لم يعط مجلس الدولة هذه المبادئ في البدء، قيمة النصوص
القانونية المكتوبة وان كان يعترف لها بنوع من الإلزام بوصفها إما قواعد
عرفية غير مكتوبة أو مبادئ قانونية عامة. إلا أن موقف مجلس الدولة ـ كما
يبدوـ قد تغير منذ قضية CANDAMINE في 7 جوان1957 حيث اعترف لاول مرة
بالقيمة القانونية للنصوص الواردة في إعلانات الحقوق ومقدمات الدساتير.
بوصفها مصدرا لقواعد قانونية مكتوبة لها بذاتها قوة الزامية قانونية،
ويترتب على مخالفتها من جانب الادارة بطلان ما تصدره من قرارات للمخالفة
لها.
ولكنه على الرغم من أنَّ مجلس الدولة قد وصل إلى إقرار القيمة
القانونية لإعلانات الحقوق و مقدمات الدساتير والزاميتها فقد كان هذا
التردد للمجلس السبب الذي دعا بعض فقهاء القانون العام إلى تحديد مرتبة هذه
النصوص.
---------
[1]- ففي فرنسا مثلاً أحال الدستور الحالي لعام
1958 ست عشرة مرة إلى المشرع العادي لإقرار قوانين أساسية: المادة /6/
المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية، المادة /13/ المتعلقة بالوظائف التي تملأ
بقرار في مجلس الوزراء، المادة /23/ المتعلقة بنظام أعضاء المجلسين،
المادة /27/ المتعلقة بتحديد مجال القانون، المادة /47/ المتعلقة بنظام
القوانين المالية، المادة /57/ المتعلقة بالأعمال التي لا تتوافق مع طبيعة
عمل أعضاء المجلس الدستوري، المادة /63/ المتعلقة بنظام المجلس الدستوري،
المادة /64/ المتعلقة بنظام القضاة، المادة /65/ المتعلقة بنظام مجلس
القضاء الأعلى، المادة /67/ المتعلقة بنظام محكمة العدل العليا، المادة
/71/ المتعلقة بنظام المجلس الاقتصادي و الاجتماعي، و المواد /82، 83، 84/
المتعلقة بالمجموعة (الأوربية طبعاً). و في مصر نجد مثلاً أن المادتين /87 و
88/ من الدستور المصري الحالي لجمهورية مصر العربية، أحالتا إلى القانون
تحديد عدد أعضاء مجلس الشعب و شروط العضوية و أحكام الانتخاب و الاستفتاء، و
قد صدر القانون رقم 38 لعلم 1972 تطبيقاً لهذه الإحالة. كذلك في لبنان فإن
المادة /24/ من الدستور اللبناني لعام 1923 أحالت إلى القانون تحديد عدد
أعضاء مجلس النواب و شروط العضوية و أحكام الانتخاب، و قد بين قانون
الانتخاب الصادر في 26 نيسان 1960 ما أحاله إليه الدستور. أما في سورية فقد
أحالت المادة /55/ من دستورنا الدائم لعام 1973 إلى القانون تنظيم أحكام
الانتخاب و الاستفتاء، و صدر تطبيق لهذه الإحالة القانون رقم 26 تاريخ
14/4/1973 المتضمن قانون الانتخابات العامة، و المرسوم التشريعي رقم 8 لعام
1973 الناظم لأحكام الاستفتاء. و أحالت المادة /68/ إلى القانون تحديد
الأعمال التي لا يجوز الجمع بينها و بين عضوية مجلس الشعب. و أحالت المواد
/135 و 136، 137، 138/ إلى القانون مسألة تنظيم (على التوالي) : القضاء
العادي، و النيابة العامة، و مجلس الدولة. كذلك أحالت المادة /140/ إلى
القانون تحديد الأعمال التي لا يجوز الجمع بينها و بين عضوية المحكمة
الدستورية العليا، و المادة /148/ لتنظيم المحكمة الدستورية العليا.

- مواد الدستور المتعلقة بالقانون العضوي في دستور 96 الجزائري :
المادة
89 ، المادة 92 ، المادة 103 ، المادة 108 ، المادة 112 ، المادة 115 ،
المادة 116 ، المادة 153 ، المادة 157 ، المادة 158 ، المادة 123


.../... يتبع







بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 4:46
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67720
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري - الجزء الثالث



القانون الدستوري - الجزء الثالث


ثانيا- العــرف الدستوري :
يعتبر
العرف الدستوري La coutume constitutionnelle من المصادر الرسمية و
المباشرة للقواعد الدستورية، سواء في الدول ذات الدساتير غير المدونة أو
العرفية -حيث يعتبر العرف أهم مصادرها- و في الدول ذات الدساتير المدونة أو
المكتوبة.
- التعريف بالعرف الدستوري:
يقصد بالعرف الدستوري تواتر العمل من قبل إحدى السلطات الحاكمة في موضوع
من المواضيع ذات الطبيعة الدستورية، وذلك أثناء ممارستها لاختصاصاتها، و
استقر في ضمير الجماعة، كقاعدة ملزمة. و في هذا الإطار يجب أن نميز بين
العرف الدستوري، كما حددناه أعلاه، و بين الدستور العرفي. فالعرف الدستوري
هو كما أشرنا قاعدة دستورية ناشئة عرفياً في ظل دستور مكتوب، و يكون هذا
العرف إما مفسراً أو مكملاً أو معدلاً للنصوص الواردة في الوثيقة
الدستورية، المدونة طبعاً. و العرف الدستوري مرتبط في وجوده بوجود الدساتير
المدونة أو المكتوبة. أما الدستور العرفي فهو مجموعة من القواعد القانونية
الناشئة، أيضاً، عرفياً، و هي التي تنظم السلطات العامة في الدول التي لا
تملك دستوراً مدوناً، كما هو الحال في إنكلترا.
- أركان العرف الدستوري :
من تعريفنا للعرف الدستوري بأنه عادة درجت عليها هيئة حاكمة في موضوع ذي
طبيعة دستورية، و استقرت في ضمير الجماعة كقاعدة ملزمة، نستنتج بأن للعرف
الدستوري ركنان : ركن مادي L'élement matériel و ركن معنوي L'élement
moral.
I-الركن المادي:
يقصد بالركن أو العنصر المادي للعرف التصرف الإيجابي أو السلبي[1]، لإحدى
الهيئات الحاكمة بصورة مطردة و ثابتة و واضحة، في شأن من الشؤون ذات
الطبيعة الدستورية.
1-التكرار La Répétition :
ذهب أغلب الفقهاء إلى القول إنّ العادة لا تنشأ من مجرد تصرف أو إجراء
وحيد، إذ يلزم أن يتوافر تكرار هذا التصرف أو الإجراء، حتى يعتبر دليلاً
على دخول هذه العادة في ضمير الجماعة و تصبح بالنسبة لهم قاعدة دستورية
ملزمة واجبة الاحترام. بينما ذهب قلة من الفقهاء إلى عدم ضرورة تكرار
التصرف، أو الإجراء لنشوء العرف الدستوري، فالعرف الدستوري يمكن أن ينشأ
بمجرد حدوث التصرف أو الإجراء مرة واحدة إذا كان يعبر عن ضمير الجماعة، و
قد لا ينشأ رغم تكرار التصرف أو الإجراء. و في الواقع لا يمكن القبول برأي
الفئة القليلة من الفقهاء، فالتكرار عنصر هام في نشوء الأعراف الدستورية، و
لا يكفي حدوث التكرار لمرة واحدة حتى يعبر عن ضمير الجماعة.
2-العمومية La Généralité :
يشترط في التصرف أو الإجراء الصادر من إحدى الهيئات الحاكمة و الذي تحول
إلى عادة، أن يكون هذا التصرف أو الإجراء عاماً. أي يجب أن تلتزم به بقية
الهيئات الحاكمة دون اعتراض من قبلها، بمعنى غير منازع فيه. و إذا كان
جانب من الفقه يكتفي بعدم اعتراض بقية الهيئات الحاكمة على الإجراء أو
التصرف، فإن قسماً أخر اشترط إضافةً لذلك عدم اعتراض أفراد الجماعة.
فالاعتراض الصادر عن أفراد الجماعة، شأنه شأن اعتراض إحدى الهيئات الحاكمة
يشكل مانعاً من نشوء العرف الدستوري. و هذا ما نؤيده نحن لأن العرف
الدستوري كما قلنا يقوم على أساس الضمير العام للجماعة و قبوله لهذا العرف
كقاعدة دستورية ملزمة، و لا شكّ أنّ تعبير الجماعة لا يقتصر على الهيئات
الحاكمة و الحكام فحسب، بل يتضمن الأفراد أو المحكومين.
3-الاطراد و الثبات La Constance :
هذا الشرط، في الحقيقة، ملازم لشرط التكرار، إذ ينبغي أن يتكرر التصرف أو
الإجراء بشكل ثابت و مطرد، أي بدون انقطاع. أي يجب أن يكون التصرف أو
الإجراء من قبل الهيئة الحاكمة مستمراً و منتظماً، و لا تلجأ إليه بشكل
متذبذب : أي يجب أن يشكل عادة ثابتة و مستقرة.
4-الوضوح La Clarté : يجب أن تكون العادة التي درجت عليها الهيئة الحاكمة على قدر من الوضوح، بحيث لا تكون عرضةً إلى تفسيرات مختلفة، توقعنا في الاضطراب.
5-القدم L'Ancienneté :
هذا الشرط مرتبط بعنصر الثبات و الاطراد، إذ يجب حتى تصبح العادة عرفاً أن
يتواتر العمل بها لمدة طويلة تدل على ثباتها و استقرارها. و لكن من
الصعوبة بمكان تحديد هذه المدة، فلكل حالة ظروفها الخاصة : فهناك أعراف
دستورية تكونت باتباعها مدة تقارب القرن أو تزيد، و هناك أعراف تشكلت في
غضون عشر سنوات أو أقل.
II-الركن المعنوي:
إضافةً للركن المادي الذي يكون العادة أو الاعتياد، يجب توافر صفة
الإلزام لهذه العادة، و هي التي تشكل الركن المعنوي. و الركن المعنوي يعني
بأنه يتوجب أن يستقر في ضمير الجماعة الشعور بأن هذه العادة ملزمة و واجبة
الاتباع. فإذا كان الاعتياد يتشكل من خلال تكرار و اطراد إحدى الهيئات
الحاكمة على تصرف أو إجراء معين، فإن الركن المعنوي يتشكل من خلال اقتناع
بقية الهيئات الحاكمة و الأفراد على حد سواء بإلزامية هذه القاعدة.
هل العرف ثابت أم قابل للتحوير والتطوير ؟ الأعراف
في هذا تشبه الكائنات الحية من حيث التعاقب، إذ يذهب الأفراد ويبقى النوع،
وهذا من مزايا الأعراف أيضا، إذ ما تكاد الجماعة أن فردا من أفراد العرف
قد أصبح يشل حركتها حتى تترك العمل به فيندثر تلقائيا، وتفرز الجماعة غيره
من الأعراف ما يكون أكثر استجابة لحاجتها وأقرب إلى روح عصرها. ويشترط في
العرف عموما الركن المادي المتمثل في التكرار والركن المعنوي المتمثل في
الشعور بالإلزامية وعدم مخالفة العرف للنظام العام والآداب العامة ويضاف
الى هذه الأركان بالنسبة للعرف الدستوري أن يكون مصدره إحدى السلطات العامة
المعروفة (رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة، رئيس الوزراء، البرلمان...)
وبذلك يختلف العرف الدستوري عن العادي في كون الأول عام لكل أرجاء الدولة
بينما العرف العادي يختلف من منطقة الى أخرى، كما يشترط في العرف الدستوري
أن لا يكون قد نشأ في ظرف استثنائي وأن لا يكون متناقضا أو مخالفا لنص
دستوري مكتوب.
العرف الدستورى والدستور العرفى:
من الثابت أن العرف الدستورى كمصدر منشئ للقاعدة القانونية يختلف دوره
باختلاف النظام الدستورى فى الدولة، فالدول ذات الدساتير المكتوبة يتضاءل
فيها دور العرف الدستورى إلى حد كبير. ويظل الاعتماد الأساسى والأول على
قواعد الوثيقة الدستورية المكتوبة. ويقوم العرف الدستورى La coutume
constittutionnelle فى هذه الحالة بدور المفسر لغموض القاعدة الدستورية
المكتوبة، أو المكمل لها إذا كان بها نقص. أما فى البلاد ذات الدساتير
العرفية La constitution coutumiere فإن العرف يصبح هو المصدر الأول
للقواعد الدستورية. فالدستور نفسه فى هذه الأنظمة يعد مكوناً من مجموعة من
القواعد القانونية، التى أنشأها العرف. ولا يقدح فى ذلك أن تكون هذه
القواعد العرفية مدونة فى مجموعات شبه رسمية. ذلك أن هذا التدوين يسهل
عملية الرجوع إليها ومعرفة أحكامها. على أنه لا يغير من طبيعتها بحسبانها
دساتير عرفية. ولعل المثال الوحيد لهذه الدساتير والذى يعيش فى عالم اليوم
هو الدستور البريطانى.



أما عن أنواع العرف الدستوري فتتمثل في :
أولا : العرف المفسر
1- ماهية العرف المفسر :
الدور المفسر للعرف يكون عندما يكتنف أحد نصوص وثيقة الدستور غموض أو
إبهام، فيكون عرضة للأخذ و الرد. فالعرف المفسر يأتي لإزالة هذا الغموض أو
الإبهام، و يوقف الأخذ و الرد في فهم هذا النص، بحيث يجري العمل على تفسيره
على نحو معين. فالعرف الدستوري المفسر لا يخرج عن دائرة النصوص المكتوبة و
إنما يعمل في نطاقها : فهو لا ينشئ قاعدة دستورية جديدة بل يقتصر دوره على
تفسير قاعدة دستورية مكتوبة و مبهمة. ومن المتفق عليه أنه لا مجال للتفسير
إلا إذا كان هناك غموض في النص الدستوري، أما إذا كان النص واضحا وجليا
وبدون أية شبهة فلا مجال عندئذ للتفسير .
كذلك لا يجوز عن طريق ادعاء
التفسير الخروج بالنص عن معناه الأصلي لأن ذلك يتعدى حدود التفسير إلى صور
أخرى. ويعتبر بعض الكتّاب العرف السابق على صدور الدستور وسيلة من وسائل
تفسير نصوصه، وذلك ما لم يكن هذا العرف منافيا للمبادئ العامة التي قام على
أساسها الدستور الجديد وما لم ينص الدستور على ما يناقض ذلك العرف. ومن
أدق الأمثلة التي يقدمها الفقه الفرنسي على العرف المفسر ، ما جرى عليه
العمل في ظل دستور عام 1875 : حيث جاء في المادة الثالثة منه على أن رئيس
الجمهورية يكفل تنفيذ القوانين، و قد فسر هذا النص بإعطاء رئيس الجمهورية
سلطة إصدار اللوائح التنفيذية، رغم أن نص الدستور لم يذكر شيئاً من هذا
القبيل، و ذلك لأن ضمان تنفيذ القوانين لا يكون إلا عن طريق إصدار اللوائح
اللازمة لتنفيذها.
2- القيمة القانونية للعرف المفسر :
أما ما يتعلق بالقيمة القانونية للعرف الدستوري المفسر، فقد ذهب معظم
الفقهاء على إعطائه نفس القيمة القانونية للنصوص الدستورية، بحيث يصبح
جزءاً منها، سواء كان الدستور مرناً (يتم تعديله بنفس الإجراءات اللازمة
لتعديل التشريعات العادية) أم جامداً (يحتاج تعديله لإجراءات خاصة).



ثانيا: العرف المكمل
1- ماهية العرف المكمل:
أما العرف المكمل فيفترض وجود قصور أو نقص في الأحكام الواردة في وثيقة
الدستور، فيأتي العرف الدستوري المكمل ليكمل النقص و يسد العجز، عن طريق
تنظيم الموضوع الذي أغفل المشرع الدستوري تنظيمه. فالعرف المكمل، و على
خلاف العرف المفسر، لا ينحصر دوره في نطاق النصوص المكتوبة بحيث يعمل على
توضيحها، فهو عرف منشئ : ينشئ حكماً جديدا دون الاستناد إلى نص مكتوب. إذن
العرف المكمل يملأ الفراغ الذي تركه المشرع الدستوري في أمر من الأمور،
وينظم المسائل الدستورية التي أغفل المشرع الدستوري تنظيمها، ومن ثم يكون
العرف المكمل منشئا لقواعد قانونية جديدة.
وعلى ذلك فالعرف المكمل يختلف
عن العرف المفسر، فإذا كان العرف خلاف ذلك ينشئ حكما جديدا ويعالج موضوعا
لم يعالجه المشرع الدستوري فيسد النقص في الأحكام الواردة في الدستور ومن
ثم لا يستند إلى نص غامض . ومن الأمثلة الواضحة على العرف المكمل هي
القواعد الدائمة للبرلمان، فصلاحيات التشريع تضفي على مجلسين ،ولكن الطريقة
التي تمارس بها هذه الصلاحيات تحددها القواعد الدائمة، وهكذا فإن نظام
اللجنة للبرلمان الفرنسي في ظل الجمهورية الرابعة لم يؤسس في الدستور بل في
القواعد الدائمة للمجلسين – كما كان عليه حال سابقيهما، مجلس النواب ومجلس
الشيوخ في ظل الجمهورية الثالثة، وكان نظام اللجنة هذا على أكبر جانب من
الأهمية في الحكومة الفرنسية- فقد أثر في صلاحيات مجلس الوزراء، وذهب أبعد
من ذلك، بحيث كان سببا في ضعف الوزارات الفرنسية النسبي، وكانت القاعدة
القاضية بأن لائحة ما يجب أن تنظر فيها لجنة قبل موافقة الجمعية الوطنية
عليها قد وضعت بشكل خاص الحكومة في موقف ضعيف، إذا كان من اليسير على لجنة
من اللجان أن تقترح أي تغييرات في اللائحة كانت تعتقد أنها ملائمة. إن
أهمية هذه الأنساق والترتيبات في فرنسا يمكن الحكم فيها إذا نظرنا إلى
النظام المختلف في أنظمة الكومنويلث البريطانية هي الأنظمة المصوغة على
غرار برلمان بريطانيا. وهذا النظام يعمل هو الآخر بموجب أعراف مجسدة في شكل
قواعد دائمة. وتنص هذه القواعد على أن أي لائحة لا تنظر فيها أية لجنة ما
لم يكن المجلس قد أجازها في قراءة ثانية، وبهذه الطريقة يمكن أن يحصر عمل
اللجنة بمحاولات تعديل اللائحة من حيث المبدأ، لأن المبدأ سبق أن قبله
المجلس ، ومزايا هذين النظامين محل نقاش، ولكن ما يهمنا هو أن توازن القوى
أو الصلاحيات في العملية التشريعية في دولة ما يمكن أن يتأثر برمته بالعرف.
إن قانون الدستور تكملة أعراف تعطيه معنى جديدا . ولا يمكن فهم العملية
التشريعية في هذه الأقطار بدون أن تؤخذ في الحسبان هذه الأعراف علاوة على
القانون . إن تركيب الوزارة ( الحكومة) في بعض الدول تنظمه أو تؤثر فيه
العادات أو الأعراف، فعندما يعين رئيس الجمهورية الأمريكي أعضاء في حكومته
فهو يملك من الناحية القانونية صلاحية غير مقيدة لتعيين من يشاء من الأشخاص
. ولكنه بموجب عادة في الأقل، يحاول أن يضمن ألا يكون جميع المعينين من
الولايات الشرقية أو ولايات الغرب الأوسط، مثلا فقط. أنه يسعى إلى توزيع
التعيينات بحيث تمثل بشكل ما المناطق الرئيسية التي يعلق أهمية سياسية
عليها . ومن الصعب التعبير عن هذا بقاعدة ما، ولكن ربما من الصحيح القول
بأنه بموجب عرف يحاول أن يدخل على وزارته شيئا من التمثيل الفيدرالي.
2- القيمة القانونية للعرف المكمل :
اختلف الفقهاء بشأن القيمة القانونية لهذا النوع من العرف ، فبعض الفقهاء
ومنهم ( ديجي ودوفرجي و عبد الحميد متولي) يلحقون العرف المكمل بالعرف
المفسر ، ويرون أن هناك علاقة وثيقة بين العرف المفسر والعرف المكمل
ويخضعونهما لنفس الأحكام من حيث الاعتراف لكل منهما بقوة قانونية معادلة
للقوة القانونية التي لنصوص الدستور المكتوبة، وحجتهم أن العرف المكمل ليس
إلا نوعا من العرف التفسيري إذ أنه يفسر من الواقع سكوت المشرع الدستوري عن
المسائل التي يقوم ذلك العرف بتفسيرها. ولكن بعض الفقهاء ومنهم (لافريير)
لا يقر لغير العرف المفسر بأية قيمة قانونية في دول الدساتير الجامدة، فلا
يعترف بشرعية العرف المكمل بحجة أنه يعتبر في الحقيقة عرفا معدلا للدستور،
وأن التعديل قد يكون بالإضافة أو الحذف فالعرف المكمل يعتبر عرفا معدلا
بالإضافة ولا يجوز تعديل الدستور الجامد إلا بالطريقة والأوضاع التي نص
عليها ذلك الدستور. وقد اختلفت الآراء بين عدد كبير من الفقهاء فيما يجب
اعتباره عرفا مكملا ففيما يختص بانتخاب مجلس النواب الفرنسي، نصت المادة
الأولى من التشريع الدستوري الصادر في 1875 على أن يكون الانتخاب عاما، أي
أن الانتخاب غير مقيد بنصاب مالي أو كفاءة علمية خاصة، وقد أحالت هذه
المادة على قوانين الانتخاب في كل ما يتصل بموضوع الانتخاب العام، وكانت
هذه القوانين تشترط أن يكون الانتخاب مباشرة أي أن يتم على درجة واحدة –
وقد درج على اتباع هذا الشرط في هذه القوانين منذ عام 1848. وقد ذهب بعض
الفقهاء بصدد هذه الحالة إلى القول بنشوء قاعدة دستورية أساسها عرف مكمل
يقضي بأن يكون الانتخاب العام مباشرة، ولكن فريقا آخر من الكتاب لم يسلم
هنا بفكرة العرف المكمل على اعتبار أن هذا النوع من العرف لا يوجد إلا حيث
يسكت الدستور عن تنظيم مسألة ما.
ويقول الدكتور كامل ليلة (وفي حالتنا
نجد أن الدستور نظم موضوع الانتخاب، هذا التنظيم من جانب المشرع الدستوري
يمنع وصف هذا العرف بأنه مكمل ،وإنما يوصف بأنه معدل على اعتبار أنه أضاف
جديدا إلى حكم الدستور). واعتقد أن هذا العرف يمكن اعتباره عرفا مفسرا على
أساس أن نص الدستور جاء عاما وهذا العرف وضحه وحدد معناه ويمكن اعتباره
عرفا مكملا على أساس أنه أضاف إلى نص الدستور شرطا جديدا ليس فيه، وهو بهذه
الإضافة سد نقصا موجودا، فالدستور وإن كان قد نظم موضوع الانتخاب كما ذكر
الأستاذ (لافريير) إلا أنه لم ينظمه تنظيما كاملا وإنما أغفل بعض جوانبه،
وفي هذه الدائرة التي أغفل المشرع تنظيمها يعتبر العرف الناشئ بصددها عرفا
مكملا، وهذا الاتجاه الذي نذهب إليه لا يتعارض في الواقع مع الرأي الذي
يعتنقه (لافريير) بخصوص العرف المكمل. وقول الفقيه (ديجي) بنشوء قاعدة
دستورية مردها إلى عرف مكمل يقضي بضرورة أن يكون الانتخاب العام انتخابا
مباشرا في جميع الأحوال. كما أن الفقهاء الفرنسيين اختلفوا في تكييف العرف
الخاص بسلطة رئيس الجمهورية في إصدار اللوائح المستقلة على أنه عرف مكمل
للدستور لأن المشرع لم ينظمه بالذات ومنهم من اعتبره عرفا معدلا على أساس
أنه أضاف أحكاما تعدل ما أورده المشرع في هذا المجال. أما الدكتور فؤاد
العطار فيقول: ( ونحن نتفق مع الرأي الذي يعتبر العرف المكمل له نفس
المرتبة التي للنصوص الدستورية ،ولكننا لا نتفق مع القائلين بهذا الرأي على
أساس اعتباره تفسيرا لنصوص الدستور ،بل على أساس أنه ما دام أن الدستور لم
يمنع صراحة سلطة معينة من مباشرة هذا الاختصاص ،فيكون للعرف الدستوري أن
يكمل هذا النقص عند سكوت المشرع الدستوري وذلك لأنه لا يجوز أن يفسر هذا
السكوت على أنه منع من جانب المشرع الدستوري).



ثالثا: العرف المعدل
1- ماهية العرف المعدل :
لا يقتصر دور العرف الدستوري على تفسير أو إكمال القواعد الدستورية
المكتوبة، و إنما قد يصل إلى حد تعديل هذه النصوص. فالعرف الدستوري المعدل
هو ذلك العرف الذي يعدل حكماً من أحكام الوثيقة الدستورية، سواء بإضافة حكم
جديد إليها، أو بحذف حكم من أحكامها. فالعرف المعدل إذن نوعان : عرف معدل
بالإضافة (إيجابي) ، و عرف معدل بالحذف (سلبي).
أ- العرف المعدل بالإضافة :
في هذه الحالة يفترض أن الدستور قد نظم موضوعا معينا إلا أن دور العرف
المعدل هنا يكون بإضافة أحكام عرفية تعدل من هذا التنظيم الذي أورده
الدستور. ويختلف العرف المعدل بالإضافة عن العرف المكمل في أن الأول يقوم
في ظل نص دستوري قائم ويستهدف بهذه الإضافة تعديل الحكم الدستوري، في حين
أن العرف المكمل لا يقوم إلا في حالة سكوت الدستور عن تنظيم أمر معين فهو
بذلك يفسر سكوت الدستور ويكمل ما في نصوصه من نقص. ومن الأمثلة على العرف
المعدل بالإضافة، ذلك العرف الذي كان يقضي بمنح الحكومة في مصر – في ظل
دستور 1923 – حق إصدار لوائح البوليس (والتي كانت لا تستند في صدورها إلى
قانون) لتنظيم الشؤون المتعلقة بالأمن العام أو الصحة العامة أو السكينة
العامة. ولكن المساس بالحريات أو تنفيذها لا يصح إلا أن يكون بناء على
قانون فإن بعض الفقهاء المصريين يعطون الحكومة الحق في إصدار لوائح بوليس
مؤسسين هذا الحق على عرف دستوري نشأ واستقر في هذا المجال ،خاصة وأن مثل
هذا العرف قد نشأ في فرنسا في ظل دستور (1875) وترتب عليه حق الحكومة في
إصدار هذا النوع من اللوائح. ولكن هؤلاء الفقهاء و أن اتفقوا على أن لوائح
البوليس لا تعتمد على نص في الدستور و إنما على عرف دستوري، إلا أنهم
اختلفوا في تحديد هذا العرف، فالدكتور (عبد الحميد متولي) يقول بأن لوائح
البوليس تستند إلى عرف دستوري معدل بالإضافة، ولكن الدكتور (عثمان خليل
عثمان) يرى أن هذه اللوائح تستند في أساسها إلى عرف دستوري مكمل، أما
الدكتور ( السيد صبري ) فإنه لم يحدد نوع هذا العرف صراحة ولكنه يميل إلى
فكرة العرف المكمل، ويقول الدكتور (كامل ليلة): "الواقع أن الخلاف بين
الفقهاء المصريين نظري وشكلي محض لا تترتب عليه أية نتيجة، إذ أن العرف
المكمل والعرف المعدل بالإضافة يختلطان ويتفقان في معنييهما، ولا يوجد
بينهما خلاف جوهري ،والمسألة لا تتجاوز في حقيقتها مجرد الخلاف في
التسميات". وقد حسم هذا الخلاف بصدور الدستور عام ( 1956) حيث نصت المادة (
138) على مايلي: (يصدر رئيس الجمهورية لوائح الضبط واللوائح اللازمة
لتنفيذ القوانين...).
من أمثلة العرف المعدل بالإضافة، ما يتعلق
بظاهرة مراسيم القوانين Décret-lois التي نشأت في ظل دستور 1875 للجمهورية
الفرنسية الثالثة، و دستور 1946 للجمهورية الرابعة. حيث إن الدستور يقضي
بالاختصاص المطلق للبرلمان في مجال التشريع (المادة الأولى من دستور1975
والمادة 13 من دستور 1946)، و الاختصاص من النظام العام لا يمكن التنازل
عنه إلا إذا سمح النص بالتفويض، و رغم عدم وجود نص يسمح بتفويض سلطة
التشريع للحكومة فقد جرى العرف من جانب البرلمان الفرنسي على تفويض السلطة
التنفيذية سلطة التشريع عن طريق ما يسمى بمراسيم القوانين.
- العرف المعدل بالحذف :
يهدف العرف المعدل بالحذف إلى إسقاط حق من الحقوق أو اختصاص من الاختصاصات
التي يقررها الدستور لهيئة من الهيئات، وصورة ذلك أن يجري العمل على عدم
استعمال هيئة من الهيئات لحق من حقوقها المقررة في الدستور.
يقول الفقيه
(وير): ( أن العرف يؤثر في قانون الدستور بإبطال نص من نصوصه وهو يشل ذراع
القانون... ولا بد من التأكيد انه لا يعدل القانون ولا يلغيه وهو لا يبتر
الطرف بل يجعل استعماله مستحيلا فقط ...).
إننا نعتقد أنه ما دام هذا
الشلل دائما وهناك استحالة مطلقة في تطبيقه فهو لا يختلف في مضمونه عن
الحذف ( أو الإلغاء ) بطرقة التعديل الرسمي. ومن الأمثلة الشهيرة على هذا
التأثير هو أن الصلاحية القانونية لرئيس الدولة لاستخدام حق النقص أو
الامتناع عن الموافقة على القوانين التي يجيزها البرلمان تبطل بالعرف وذلك
في العديد من الدساتير. ففي دساتير الدانمرك والنرويج والسويد، للملك
صلاحيات معينة لرفض الموافقة على اللوائح التي يجيزها البرلمان، ولكن
المتفق عليه أنه لا يجوز له أن يمارس هذه الصلاحيات ،وكانت المناسبة
الأخيرة التي رفض فيها ملك الدانمرك الموافقة على إحدى اللوائح هي في عام
(1865)، وبالرغم من أن ملك السويد استخدم حق الفيتو ضد لائحة في عام (1912)
فهو لم يتصرف إلا وفق نصيحة الوزراء. وفي هولندا وبلجيكا كانت صلاحيات
الملك في وقف مشروع القانون قد أبطلت بعرف.
ومن الأمثلة المهمة على
الطريقة التي يمكن أن تبطل بها صلاحية قانونية بعرف ما، هو المثل الذي
يقدمه لنا تطبيق دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة. فقد احتوى الأخير على
نص مفاده أن لرئس الجمهورية، بموافقة مجلس الشيوخ، أن يحل مجلس النواب
،ولكن هذه الصلاحية لم تستخدم إلا مرة واحدة في عام ( 1877) أي بعد
سنتين من تأسيس الجمهورية ،من قبل الرئيس (مكماهون)، ولم تستخدم ثانية
البتة، ولم يكن هناك تفكير في أن من الملائم استخدامها ثانية ،وكانت الظروف
التي حل فيها (ماكمهون) المجلس والخلاف الذي أعقب الحل قد جعلت الأمر يبدو
وكان أية محاولة من الرئيس لحل المجلس ستؤلف هجوما على النظام الجمهوري
،وعن طريق العرف أيضا، سرعان ما أصبح الرئيس يحتل مكانا في الدستور مماثلا
لمكان الملك في مملكة ديمقراطية، وأصبحت صلاحيته لاقتراح إجراءات من هذا
النوع مبطلة وبعد ذلك لم يباشر حق الحل حتى عام (1940) عندما احتلت القوات
النازية فرنسا.
ويذهب غالبية الفقهاء الفرنسيين إلى أن عرفا معدلا
للدستور أسقط النص الذي يعطي رئيس الجمهورية حق الحل. إلا أن العميد
(هوريو) يخالف هذه الغالبية في رأيهم ،وحجته في ذلك أنه لا يوجد عرف معدل
للدستور في هذه الحالة، وأنه لا يعدو أن يكون نوعا من عدم الاستعمال فقط،
لأن حق الحل أساسي في الأنظمة البرلمانية ،ولا يمكن للعرف أيا كانت قوته أن
يصل إلى إسقاط هذا النص الذي يستند إلى ما يسميه (هوريو) (القانون
المشترك) في الأنظمة الدستورية البرلمانية، لذا فإن هوريو برى أنه لا مانع
يمنع (وكان يكتب ذلك في ظل دستور 1875) من أحياء هذا الحق واستعماله وأن
النص الذي هجر يمكن أن يستيقظ من جديد.
كذلك يقول الدكتور عبد الفتاح
حسن: " غير انه لا يخفى أن عدم استعمال نص معين في دستور جامد مدة طويلة
يجعل من العسير بعد ذلك العودة إلى استعماله بيد أنها صعوبة عملية وليست
صعوبة قانونية"، فلم يكن هناك ما يمنع قانونا رئيس الجمهورية في فرنسا
الإقدام على حل مجلس النواب طوال العمل بدستور (1875) حتى عام ( 1940)
ولكن على أن يواجه الرأي العام الذي اعتاد عدم استعمال مثل هذا الحق .
وفي
انجلترا لم يمارس الملك سلطته في رفض التصديق على القوانين منذ عام
(1707)، ويرى الفقهاء أن سلطة الملك في رفض التصديق على القوانين قد ألغيت
بناء على عرف دستوري نشأ واستقر بخصوص هذا الموضوع. ويذهب بعض الفقهاء
الإنجليز إلى أن استخدام الملك الآن هذا الامتياز ليس دستوريا .
إن
الجمهورية الفرنسية الثالثة والولايات المتحدة قدمتا مثلا مهما على ما كان
يبدو (إبطالا للصلاحيات القانونية الممنوحة)، أو التي هي على أية حال غير
منكرة أو ممنوعة في الدستور ،التي يمكن أن يكون شيئا من الجدل بشأنها.
وكانت هذه الصلاحيات هي القيود المزعومة المفروضة بعرف على إعادة الانتخاب
لمنصب الرئيس، ففي دستور الجمهورية الثالثة كان هناك نص على أن رئيس
الجمهورية ينتخب بأغلبية مطلقة في اجتماع مشترك لمجلس الشيوخ ومجلس النواب
وانه يحق إعادة انتخابه. وفي الدستور الأمريكي،كان يبدو أنه لا يوجد قيد
على حق الرئيس ليرشح نفسه لإعادة انتخابه. فما الذي حدث في الواقع؟ حتى عام
(1939) بدا وكان غرفا استقر في فرنسا مفاده أن الرئيس لا ينبغي له أن يرش ح
نفسه لإعادة انتخابه ،وإنما يجب أن يكتفي بفترة واحدة لمنصبه ( سبع سنوات)
.
وفي فرنسا ، بدا أن هناك عرفا يفيد بأن الرئيس لا ينبغي له أن يرشح
نفسه لإعادة انتخابه أكثر من مرة واحدة. ولكن في عام (1939) أعيد انتخاب
السيد (ليبرن) رئيس الجمهورية الفرنسية لفترة ثانية عند انتهاء فترة
السنوات السبع الأولى، وفي عام (1940) انتخب (فرانكلين روزفلت) لفترة ثالثة
رئيسا للولايات المتحدة، وفي عام (1944) لفترة رابعة، فما مغزى أو أهمية
هذه الأحداث؟ هل يعني أن ما ظهر في فرنسا حتى عام (1939) وفي الولايات
المتحدة حتى عام (1940) وكأنه عرف كان في الحقيقة مجرد عادة؟ أم أن الأدق
أن العرف وجد حتى ذلك التاريخ وكان قد عدل أو ألغي بل خرق بالإجراء الذي
اتخذ في عام (1939) في فرنسا وفي عام (1940) في الولايات المتحدة؟ أم أن
التفسير الحقيقي هو أن العرف قد نص على مجرد إعادة الانتخاب فترة ثانية في
فرنسا وفترة ثالثة في الولايات المتحدة يجب، كقاعدة عامة وفي الظروف
العادية، ألا يقع ،على اعتبار أن من المفهوم أن الظروف الاستثنائية تجيز
وتسوغ الاستثناءات في القاعدة العامة؟ إن هذا التفسير الأخير يلقى الدعم من
حقيقة مفادها أن أولئك الذين اقترحوا في فرنسا في عام (1939) إعادة انتخاب
(ليبرن) سوغوا الإعادة على أساس الحالة المتأزمة للشؤون الأوربية، بينما
سوغ ترشيح الرئيس (روزفلت) في الولايات المتحدة عام (1940) لفترة ثالثة
بسبب الحاجة إلى الاستمرار على توجيه شؤون الولايات المتحدة حينما كان خطر
الحرب على وشك الوقوع، وهي حجة كانت أقوى عام (1944) لان الولايات المتحدة
كانت في ذلك العام تشارك في الحرب مشاركة كاملة .
ويبدو أن من الصحيح
الاستنتاج إذن أن عرفا نشأ في فرنسا والولايات المتحدة معا هو ضد إعادة
الانتخاب لفترة ثانية وثالثة على التوالي .واعترف الرؤساء الفرنسيون عادة
بهذا العرف وذلك بإعلانهم عند الانتخاب أنهم لن يرشحوا أنفسهم لإعادة
انتخابهم .وفي الولايات المتحدة كان هناك دائما من الشك بشأن ما إذا كان
نائب الرئيس الذي ورث منصب الرئاسة عند وفاة الرئيس، واستطاع الإدعاء إذن
بأنه لم ينتخب كرئيس بوصفه رئيسا وبأنه لم يمض فترة كاملة في منصب الرئيس،
يستطيع ترشيح نفسه للانتخاب لفترتين بحكم حقه الشخصي. ولكن بغض النظر عن
هذا الغموض،لا يوجد شك يذكر بأنه كان هناك عرف يمنع الفترة الثالثة. والوا
قع أن إعادة انتخاب الرئيس ( روزفلت) فترة ثالثة ومن ثم رابعة أكدت
الاعتقاد السائد بين الساسة في الولايات المتحدة بأن القاعدة المجسدة في
هذا العرف كانت صحيحة وأن خطوات اتخذت، لتحويل هذا العرف إلى قانون ،وفي
الجمهورية الفرنسية الخامسة ينبغي أن نلاحظ أن الدستور ساكت عن مسالة إعادة
انتخاب الرئيس، ومن الأمثلة أن نرى ما إذا كان سينمو اعتياد أو عرف يحددان
الرئيس بفترة واحدة ويلغيان حقه في ترشيح نفسه لفترة أخرى.
2- القيمة القانونية للعرف المعدل: لم يتفق الفقهاء بصدد مشروعية العرف المعدل وتحديد قيمته القانونية حيث تنازع الإجابة عن ذلك ثلاثة آراء متمايزة:
الرأي الأول:
الإقرار بمشروعية العرف المعدل: يؤيد بعض الفقهاء مشروعية العرف المعدل
،وحجتهم في ذلك أن العرف في حقيقته هو التعبير المباشر عن إرادة الأمة،
وبما أن الأمة هي صاحبة السيادة فيجب أن تكون هي السلطة التأسيسية العليا،
ولما كانت القاعدة العرفية تستمد قوتها من هذه السلطة فيجوز لها أن تلغي
نصا دستوريا أو تعدله. أما عن مدى قوة هذا العرف فذهب بعض الفقهاء إلى
القول أن للعرف المعدل قوة النصوص الدستورية، بينما يذهب البعض الآخر إلى
القول بان للعرف المعدل قوة أقل من قوة النصوص الدستورية ،أي أن له قوة
التشريعات العادية فقط. وذلك على أساس أن القوانين العادية والعرف يمثلان
إقرار المشرع العادي بالتشريع بوصفه تعبيرا عن إقراره الصريح بالعرف بوصفة
تعبيرا عن إقراره الضمني، ويضيف هؤلاء أن الإقرار للعرف المعدل بقوة النصوص
الدستورية المكتوبة يتعارض مع المقصود من جعل الدستور جامدا والذي يستوجب
إجراءات خاصة لتعديله.
الرأي الثاني: عدم
الإقرار بمشروعية العرف المعدل : يقول بعض الفقهاء بعدم مشروعية العرف
المعدل بحجة أن العرف المعدل إذ ينصرف أثره إلى إنشاء قواعد تتعارض مع ما
أورده المشرع من أحكام يتعارض مع فكرة الدستور المدون،وخاصة النوع الجامد
الذي يتطلب إجراءات خاصة لتعديله تقوم بها سلطة محددة ،وعلى ذلك فإن هؤلاء
الفقهاء يرون أن القول بإنشاء عرف معدل لأحكام الدستور يعد انتهاكا للنصوص
الدستورية وخرقا للحصانة التي أعطاها المشرع للدساتير الجامدة وإعلاء
لإرادة السلطات الحاكمة على إرادة الشعب التي يمثلها الدستور وما ينص عليه
من إجراءات وشروط خاصة لإجراء التعديل .
ويضيف أصحاب هذا الرأي ،في ردهم
على خصومهم ،بأن العرف الدستوري هو تصرف صادر عن هيئة حاكمة وليس صادرا عن
الأمة ،وأن الأمة صاحبة السيادة لا تباشر هذه السيادة في ظل الديمقراطيات
النيابية إلا وفق الإجراءات الخاصة والمقررة لذلك وعن طريق الهيئات ذات
الإختصاص المقرر لها في الدستور، ويضيف هؤلاء أيضا أن العرف في انكلترا لا
يستطيع أن يعدل أو يلغي إلا قاعدة عرفية دون القانون الصادر من البرلمان.
الرأي الثالث: التفرقة
بين العرف المعدل بالإضافة والعرف المعدل بالحذف: يقول أصحاب هذا الرأي
بوجوب التفرقة بين العرف المعدل بالإضافة والعرف المعدل بالحذف ،فبالنسبة
للعرف المعدل بالإضافة يعترف بعض الفقهاء بوجود هذا العرف كحقيقة واقعة ليس
من السهل إنكارها في الكثير من الأنظمة الدستورية ويعطونه قوة النصوص
الدستورية حتى يكون له أثره المنتج في التعديل. أما بالنسبة للعرف المعدل
بالحذف فيرى أنصار هذا الرأي عدم مشروعيته وعدم التسليم بوجوده.
يقول
الدكتور (كامل ليلة) وإذا كنت ممن يقرون للعرف المعدل – على فرض وجوده-
بقوة النصوص الدستورية، لأن هذا هو الاتجاه المنطقي في اعتقادي، إلا أنني
أقف عند حد العرف المعدل بالإضافة، أما العرف المعدل بالحذف فلا أسلم
بوجوده. وإذا افترضنا جدلا أن عرفا من هذا القبيل وجد فلا يمكن التسليم له
بأية قيمة قانونية، ولا يصح إطلاقا أن يؤدي إلى إلغاء أي نص دستوري لأن
النصوص الدستورية مهما طال عليها الأمد دون استعمال فإن ذلك لا يؤدي إلى
إلغائها، فعدم الاستعمال لا يمكن أن يستفاد منه معنى الإلغاء في هذا
المجال).
ذلك يقول الدكتور ثروت بدوي: أما العرف المعدل بالحف ،أي
بإسقاط نص من نصوص الدستور أو عدم العمل به فنرى مع غالبية الفقه عدم جواز
الأخذ به لأنه يكون مخالفة صريحة لنص صريح من نصوص الدستور. فعلى خلاف ما
يسمونه العرف المعدل بالإضافة الذي لا يعدو أن يسد فراغا تركه الدستور، أو
يكمل نقصا في نصوصه أو يضيف اختصاصا جديدا لإحدى الهيئات دون أن يعارض نصا
صريحا من نصوص الدستور.



رابعا: العرف المناقض
1- ماهية العرف المناقض :
إلى جانب العرف المعدل بالإضافة والعرف المعدل بالحذف ،يرى الدكتور (ثروت
بدوي) أنه يوجد نوع آخر يتضمن مخالفة إيجابية لنصوص الدستور أسماه (العرف
المناقض)، كما لو نص الدستور على أن يكون الانتخاب مباشرا ثم جرت العادة
على أن يكون الانتخاب غير مباشر ،أو إذا نص الدستور على سرية التصويت ثم
جرت العادة على علانية التصويت ،ففي مثل هاتين الحالتين نكون أمام عرف معدل
بطريقة إيجابية لنصوص الدستور . ويرى الدكتور (ثروت بدوي) أن العرف
المناقض يتفق مع العرف المعدل بالإضافة في أن كلا منهما إيجابي ،غير أن
العرف المعدل بالإضافة لا يخالف نصا صريحا في الدستور بينما يخالف العرف
المناقض نصا صريحا من نصوص الدستور وان العرف المناقض يتفق مع العرف المعدل
بالحذف في كونهما يخالفان نصوصا صريحة في الدستور ولكن العرف المعدل
بالحذف يخالفهما بطريقة سلبية أما العرف المناقض فإنه يخالفها بطريقة
إيجابية ..
2- القيمة القانونية للعرف المناقض:
يرى الدكتور (ثروت بدوي) أن هذا النوع من العرف المعدل غير مشروع هو الآخر
لأنه لا يجوز للعرف أن يخالف النصوص الصريحة في الدستور. ولكننا لا نعتقد
أن هناك أي مبرر للتفريق بين ما هو سلبي وما هو إيجابي ما دامت الحالتان
تعتبر أن بحد ذاتهما مخالفة للنصوص، وبالتالي يأخذان حكما واحدا.



β - المصادر التفسيرية: -
وهي موجودة في كل الدول سواء ذات الدساتير العرفية أو المكتوبة، وتتمثل في مصدرين هما القضاء والفقه.
أولا- القضاء كمصدر من مصادر القانون الدستوري:-
يقصد
بالقضاء كمصدر للقانون بوجه عام ( مجموعة الأحكام التي تصدر عن المحاكم في
صدد تطبيقها للقانون على المنازعات التي تعرض عليها) وهذا يعني أن الأحكام
التي تصدر من المحاكم والمتضمنة مبادئ لم ينص عليها، ولها حجج قانونية
عامة تعتبر من مصادر القانون.
وبما أن الموضوع هو القضاء كمصدر للقانون
الدستوري، والذي يعني مجموعة القواعد المستنبطة من أحكام المحاكم في المجال
الدستوري، وقد تنشأ بعض القواعد منة خلال ما يعرف بالرقابة على دستورية
القوانين، فعندما تقضي المحاكم الدستورية بدستورية أو عدم دستورية قانون
ما، فإن هذه الأحكام قد تتضمن نصوص مفسرة أو مكملة لما يعتري النصوص من
غموض أو نقص. كما قد تنشأ قواعد دستورية من خلال الأحكام الصادرة عن
المحاكم الإدارية عند فحصها لمشروعية أعمال الإدارة المتصلة بالحقوق
والحريات العامة للأفراد.
ثانيا- الفقه كمصدر من مصادر القانون الدستوري:-
يقصد
بمصطلح الفقه كمصدر للقانون (مجموعة البحوث والآراء والدراسات المتخصصة في
القانون). فعندما يقوم الفقهاء بتحليل الأحكام وإجراء مقارنات ونقد وتقييم
الأعمال فهم بذلك يسهمون في إبراز النقائص والعيوب في التشريع والقضاء.
ومنه فالفقه له دور في شرح القواعد الدستورية الوضعية، وله كذلك دور هام
كمصدر مادي في التأثير على السلطة التشريعية عند وضعها للقوانين والقضاء
عند تطبيقه لها.
وينقسم الفقه من حيث دوره إلى قسمين هما:
ـ الفقه الموجه:
عندما يقوم بدور إنشائي من خلال دراسة ومعالجة المسائل الدستورية، ومن
الأمثلة على ذلك مبدأ سيادة الأمة عند (روسو) ومبدأ الفصل بين السلطات عند
(مونتيسكيو).
ـ الفقه المفسر: وهو يقوم بتحليل وشرح القوانين الدستورية فيبرز ما بها من نقص أو غموض أو إبهام ويسترشد بآرائه التشريع والقضاء على حد سواء.

جدول يبين التقسيم الفقهي لمصادر القانون الدستوري.





البلدان ذات الدساتير العرفية

البلدان ذات الدساتير المكتوبة

المصادرالرسمية

<table border="1"><tr><td align="center">
مصادر أصلية
</td><td>
ـ العرف
ـ القضاء

</td></tr><tr><td align="right">
مصادر احتياطية

</td><td align="right">
ـ القواعد
المكتوبة

</td></tr></table>
<table border="1"><tr><td>
ـ الدساتير المكتوبة


</td></tr><tr align="right"><td>
ـ العرف الدستوري

</td></tr></table>

المصادر التفسيرية


الفقه


ـ القضاء
ـ الفقه



--------
[1]-
لا يشترط بأن يكون التصرف أو الإجراء عملاً إيجابياً صادراً عن الهيئة
الحاكمة، فقد يكون عملاً سلبياً بامتناع هذه السلطات عن استعمال حق من
الحقوق الدستورية، شريطة أن لا تكون هذه العادة مخالفة لنص ورد في الدستور.



.../... يتبع
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]







بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 4:48
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67720
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري - الجزء الثالث



القانون الدستوري - الجزء الثالث


المبحث الثالث :- أنواع الدساتير وأساليب نشأتها
α :- أنواع الدساتير
تنقسم
الدساتير من ناحية تدوينها إلى دساتير مدونة أو مكتوبة Ecrites و دساتير
غير مكتوبة Non écrites أو عرفية Coutumières ، و من ناحية كيفية تعديلها
إلى دساتير مرنة Souples و دساتير جامدة Rigides، ومن ناحية تفصيل
محتواها الى دساتير مفصلة ودساتير موجزة ، ومن ناحية مدة سريانها الى
دساتير مؤقتة ودساتير دائمة.
أولا - الدساتير المكتوبة والدساتير غير المكتوبة
1- الدساتير المدونة ( المكتوبة ) :
يعتبر الدستور مدوناً أو مكتوباً، إذا كانت غالبية أحكامه في صورة نصوص
مدونة في وثيقة أو عدة وثائق متفرقة. فالدستور المدون بهذا المعنى، لا يقصد
منه مجرد تدوين القواعد الدستورية في وثيقة مكتوبة واحدة، و إنما يمكن أن
تدون في عدة وثائق دستورية. كما لا يقصد منه مجرد تدوين هذه القواعد في
وثيقة أو وثائق رسمية، و إنما يجب أن يكون التدوين قد جرى من قبل سلطة
مختصة و وفقاً لإجراءات معينة. كذلك لا يشترط تدوين جميع القواعد الدستورية
في الوثيقة أو الوثائق الدستورية لكي يكون الدستور مدوناً، و إنما يكفي أن
تكون غالبية هذه القواعد مدونة، و إن بقيت قواعد أخرى ينظمها العرف
الدستوري، كما أشرنا إليه سابقاً. في الحقيقة إنّ أغلب دساتير دول العالم
في عصرنا الحالي هي دساتير مدونة. و حركة تدوين الدساتير حديثة نسبياً، فقد
بدأت هذه الحركة في أمريكا : ففي أعقاب انتصار ثورات المستعمرات
الإنكليزية في أمريكا و رفضها للسيطرة الإنكليزية، ظهر دستور ولاية فرجينيا
في عام 1776، و من ثم تتالى صدور الدساتير المكتوبة لبقية الولايات
المستقلة، حتى صدور الدستور الاتحادي للولايات المتحدة الأمريكية عام 1787،
الذي يعتبر أقدم الدساتير المكتوبة في العالم. و من ثم انتقلت موجة انتشار
الدساتير المكتوبة إلى فرنسا مع دستور 1791 (الذي يعتبر أول دستور مكتوب
في فرنسا)، و بقية الدول الأوربية. و يعود الفضل في انتشار موجة تدوين
الدساتير إلى المذاهب السياسية و الفكرية التي شهدها القرن الثامن عشر، حيث
نادى المفكرون و الفلاسفة بضرورة تدوين القواعد الأساسية المتعلقة بنظام
الحكم. و ذلك لما تتميز به عملية الكتابة من الوضوح و الثبات من ناحية، و
تجديد للعقد الاجتماعي Le Pacte social من جهة ثانية. إضافةً لما يقدمه
الدستور المدون من فائدة كوسيلة لتثقيف الشعوب من الناحية المعنوية و
السياسية. فتدوين الدساتير إذاً لا يقتصر مغزاه على الناحية القانونية
البحتة بل ينطوي على مغزى سياسي أيضاً. و عليه فإن أغلب فقهاء القانون
الدستوري الذين يفضلون الدساتير المدونة على الدساتير العرفية يذكرون مزايا
التدوين، و التي يمكن إجمالها بالتالي :
1- إن الدساتير المدونة تتسم
أحكامها بالوضوح و الثبات، و ذلك بخلاف أحكام الدساتير العرفية التي قد
يكتنفها الغموض و عدم التحديد، و بالتالي تكون عرضة للتهرب من تطبيقها من
قبل الحكام، و ذلك من خلال تفسيرها.
2- إن الدساتير المدونة تشكل ضماناً قوياً لحماية الحقوق و الحريات العامة، لسهولة تناول و معرفة أحكامها من قبل المحكومين.
3-
إن الدساتير المدونة تتسم بالتجاوب السريع مع المتغيرات السياسية و
الاقتصادية و الاجتماعية التي قد تطرأ في الدولة، سواء ما يتعلق بإضافة
قواعد جديدة و ما يتعلق بتعديل القواعد الموجودة بما يتناسب مع هذه
المتغيرات.
4- إن الدساتير المدونة تعتبر ضرورة لبعض الدول، كتلك التي
تأخذ بالشكل الاتحادي أو الفيدرالي في تكوينها، خاصةً لجهة توزيع
الاختصاصات بين الحكومة المركزية و حكومات الدويلات. كذلك تعد ضرورية
للدولة الحديثة التكوين، أو الدول التي تمر في تغيرات جذرية في نظامها
السياسي.
5- إن الدساتير المدونة تفيد في قيام رقابة على دستورية
القوانين من خلال القضاء، في حين أن هذه الرقابة لا معنى لها في الدول التي
تكون دساتيرها عرفية أو غير مكتوبة كإنكلترا.
2- الدساتير غير المدونة ( العرفية ) :
يقصد بالدساتير غير المدونة تلك التي تكون أغلب قواعدها غير مدونة في
وثيقة أو في وثائق رسمية، أو ما نسميه بالقوانين الدستورية. و يطلق بعض
الفقه على الدساتير غير المدونة اصطلاح الدساتير العرفية. و بهذا المعنى لا
يشترط لكي نعتبر أن الدستور غير مدون أن تكون جميع القواعد الدستورية غير
مكتوبة، و إنما يكفي أن تكون غالبية هذه القواعد غير مكتوبة. فالدستور
الإنكليزي الذي يقدمه الفقه كمثال تقليدي للدساتير غير المدونة، يحوي بعض
الوثائق التي تضم مجموعة من القواعد الدستورية. ومن الناحية التاريخية فإن
الدساتير غير المكتوبة أسبق من الدساتير المكتوبة ،إلا أنه بعد انتشار حركة
التدوين تقلصت الدساتير غير المكتوبة و أصبحت الدساتير المكتوبة هي
الغالبة ،و لم يبق من الدساتير العرفية في الوقت الحاضر سوى الدستور
الإنجليزي. إن تقسيم الدساتير إلى مكتوبة و عرفية هو تقسيم نسبي و غير مطلق
، فالدول التي تأخذ بالدستور العرفي قد أوجدت إلى جانبه وثائق مكتوبة ،
كما هو الحال في إنجلترا حيث يحكمها دستور عرفي تكونت قواعده بالعادة
والسوابق الدستورية المتكررة ، و إلى جانب الدستور العرفي فإنها تأخذ بعدد
من الوثائق المكتوبة ، كالعهد الأعظم الصادر سنة 1215 ووثيقة ملتمس الحقوق
الصادرة سنة 1629 ، ووثيقة إعلان الحقوق الصادرة سنة 1688 ، و وثيقة
الانضمام بين إنجلترا و ايرلندا سنة 1800 ، و وثيقة البرلمان سنة 1911 و
وثيقة تنظيم الوصاية على العرش سنة 1937. و بالعكس فإن الدول التي تأخذ
بالدستور المكتوب لا تنكر إن للقواعد العرفية دوراً إلى جانب الوثائق
الدستورية المكتوبة.
تقدير التفرقة بين الدساتير المدونة و الدساتير غير
المدونة : إن التمييز بين الدساتير المكتوبة والدساتير غير المكتوبة يقوم
على أساس العنصر الغالب أو الأعم ، حيث يرى بعض فقهاء القانون الدستوري إن
الدستور يعتبر مكتوباً إذا كان في اغلبه صادر في شكل وثيقة أو عدة وثائق
رسمية من المشرع الدستوري ، ويعتبر غير مكتوب إذا كان في أغلبه مستمدا من
العرف والقضاء أي من غير طريق التشريع . و هناك خلاف بين فقهاء القانون
الدستوري حول مسألة أي النوعين أفضل، الدساتير العرفية أم الدساتير
المكتوبة ، حيث يرى بعض الفقهاء بأن النوع الأول أفضل على أساس إنها تتسم
بالمرونة و عدم التعقيد على عكس الدساتير المكتوبة والتي تتسم بالجمود ، في
حين يرى البعض الآخر بأن الدساتير المكتوبة أفضل ، لأنها:
- تؤدي إلى
ضمان حقوق الأفراد وحرياتهم كونها تتسم بالوضوح و الدقة والتحديد و سهولة
الإطلاع عليها ومعرفة ما تحتويها من نصوص منظمة لنظام الحكم وللحقوق
والحريات مما يسهّل على أفراد الشعب معرفة ما لهم من حقوق وما عليهم من
واجبات ، على عكس القواعد العرفية التي يشوبها الغموض وعدم التحديد.
- يمكن وضع القواعد الدستورية في وقت قصير بالمقارنة بالقواعد العرفية التي تستغرق وقتاً أطول حتى يتم تكوينها.
- يتجاوب الدستور المكتوب مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة .
ثانيا - الدساتير المرنة والدساتير الجامدة : - إن معيار التمييز بين الدساتير المرنة و الدساتير الجامدة يعتمد على كيفية تعديل الدستور.
1 - الدساتير المرنة: هي
التي يمكن تعديلها بنفس الإجراءات التي يتم بها تعديل القوانين العادية أي
تكون الجهة المناط بها سلطة التعديل أو الإلغاء هي السلطة التشريعية وفقاً
لأحكام الدستور ، و تعتبر الدساتير العرفية دساتير مرنة وأبرز مثال لها هو
الدستور الإنجليزي ، إذ إن سلطة التعديل ممنوحة للبرلمان حيث يستطيع أن
يعدل الدستور بالطريقة التي يعدل بها أي قانون عادي آخر ، كما يمكن أن تتسم
الدساتير المكتوبة بالمرونة إذا لم تشترط إجراءات معقدة لتعديلها ، مثل
دستور إيطاليا لسنة 1848 و دستور الاتحاد السوفيتي السابق لسنة 1918.
2 - الدساتير الجامدة:
هي الدساتير التي لا تعدل أو تلغى بنفس الإجراءات التي تعدل بها القوانين
العادية ، بل يستلزم تعديلها إجراءات أشد من تلك التي تم بها تعديل
القوانين العادية ، ويهدف واضعو الدستور الجامد إلى كفالة نوع من الثبات
لأحكامه وذلك باشتراط إجراءات خاصة تجعل تعديل الدستور صعباً ، و يتلاءم
الجمود مع طبيعة الدساتير باعتبارها أعلى مرتبة بين القوانين العادية، إذ
يجب إلا تتساوى إجراءات تعديلها مع إجراءات تعديل هذه القوانين، بل يجب أن
تكون أصعب و أشد منها، و يتميز الدستور الجامد بالثبات و الاستقرار ،
وتحقيق الاحترام للدستور سواء لدى أفراد الشعب أو الهيئات الحاكمة ، و من
أمثلة الدساتير الجامدة هو دستور أمريكا سنة 1787 و الدساتير الفرنسية و
المصرية 1923 - 1956 - 1971 .
إن معظم الدساتير النافذة في الوقت الحاضر
هي دساتير جامدة بالنظر لاختلاف إجراءات تعديلها عن إجراءات تعديل
القوانين العادية ، حيث تشترط إجراءات صعبة لغرض تعديل الدستور ، و يتراوح
جمود الدستور بين حظر تعديل الدستور ، و بين جواز التعديل بشروط خاصة أو
مشددة ، فبالنسبة لحظر تعديل الدستور فإن واضعي الدساتير المحظور تعديلها
لا يوردون فيها عادة نصا بالحظر المطلق من كل قيد ، بل يلجأ ون إلى نوعين
من الحظر ، الحظر الزمني حيث يتم تحديد فترة زمنية كافية لتثبيت أحكام
الدستور قبل السماح باقتراح تعديلها، أو الحظر ا لموضوعي وذلك لحماية أحكام
معينة في الدستور بطريقة تحول دون تعديلها أصلا، حيث يتقرر هذا الحظر
بالنسبة لأحكام معينة في الدستور تعتبر جوهرية وخاصة ما يتعلق منها بنظام
الحكم المقرر، و من أمثلة الدساتير التي أخذت بالحظر الموضوعي هو دستور
البرتغال لسنة 1991 الذي يحظر تعديل شكل الحكومة الجمهورية . أما بالنسبة
لجواز التعديل بشروط خاصة ، فإن الدساتير تختلف اختلافا كبيراً فيما تورده
من أحكام بشأن كيفية تعديلها
ثالثا - الدساتير المفصّلة والدساتير الموجزة : - إن
أغلب دساتير العالم هي مفصّلة ، و قد تكون بعض الدساتير موجزة كما هو
الحال في الدستور الأمريكي ، و النوع الأول من الدساتير هي الأفضل لأنها لا
تحتاج إلى كثرة التعديل، كما أنها تنظم الأمور الدستورية تنظيماً واضحاً
وصريحاً.
رابعا - الدساتير الدائمة والدساتير المؤقتة : - الأصل
في الدساتير أن تكون دائمة ، غير أنه يمكن أن تكون هناك ضرورة لإصدار
دستور مؤقت ، كما هو الحال عند حدوث ثورة أو انقلاب أو أن يحدث تغيير سياسي
في إحدى الدول .
فقد يحدث أن يصدر الحكام الجدد الذين قبضوا على
السلطة إعلان دستوري مؤقت يسري تطبيقه إلى أن يتم وضع دستور دائم من قبل
الهيئة المخولة بذلك، ثم إقراره من قبل الشعب في استفتاء عام، وهدف ذل ك هو
تحقيق نوع من الضبط لأداء وممارسة السلطة القائمة ، ويعتبر هذا الترتيب
جزء من ترتيبات المرحلة الانتقالية ، غير أن بعض الأنظمة وخاصة الدكتاتورية
التي تخضع إلى دستور مؤقت تبقي على دستورها المؤقت ولا تحترم ما وعدت به
في أول يوم وصلت فيه إلى السلطة بوضع دستور دائم في أقرب وقت ممكن.
ومن
امثلة الدساتير المؤقتة : النظام الأساسي للحكم في فترة الانتقال الذي صدر
في الكويت بالقانون رقم 1 لسنة 1962، ودستور جمهورية مصر العربية لعام 1964
. وبالمقابل فإن الدستور الدائم لا يعني أن أحكامه ومواده غير قابلة
للتعديل بل تعدل عندما تظهر الحاجة إلى ذلك ولكن المقصود بالديمومة هو أن
الوثيقة الدستورية بأكملها لا تستبدل بأخرى ولا يوضع لها اجالا معينة
لانتهائها.



β - أساليب نشأة الدساتير
تتنوع
الأساليب التي تنشأ بها الدساتير بتنوع أنظمة الحكم في العالم. وذلك لأن
كل دستور هو نتاج للأوضاع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية
المحيطة به، وعلى وجه الخصوص مستوى التطور الذي بلغه النظام السياسي وتبعا
لدرجة التطور الديمقراطي في كل دولة من هذه الدول، وكذا لتقاليدها وخبراتها
السياسية ، وهى تتطور بتطور أنظمة الحكم في كل دولة من الدول، ففي ظل
الأنظمة السياسية القديمة القائمة على الحكم المطلق حيث لا حدود ولا قيود
على سلطات الحكام لم تنشأ الدساتير المكتوبة، لأن هذه الدساتير ما نشأت إلا
لتقييد سلطات الحكام والحد منها، ولكن مع انتشار الأفكار الديمقراطية،
والرغبة في الحد من الحكم المطلق، ظهرت الحاجة إلى تدوين الدساتير، من أجل
تحديد الواجبات والحقوق لكل من الحكام والمحكومين. بإتباع طرق تختلف
باختلاف الدولة ودرجة النضج السياسي لدى الرأي العام فيها. وقد يلعب
الأسلوب الذي يتبع في وضع الدستور دوراً هاما في كشف المذهب السياسي الذي
ينطوي عليه. فما هي هذه الأساليب المتبعة التي تنشأ بواسطتها الدساتير؟
يجمع
فقهاء القانون الدستوري على أن أساليب نشأة الدساتير تصنف إلى نوعين
رئيسيين هما الأساليب غير الديمقراطية و الأساليب الديمقراطية ، غير ان
هناك من اضاف نوعا آخر نادر الحدوث وهو الدستور المنبثق من معاهدة دولية
وسنتطرق لهذه الاصناف بعد أن نعرج قليلا على تاريخ ظهور الدساتير.
اولا : ظهور الدساتير :-
تنشأ الدساتير بأساليب مختلفة ومتعددة، وقبل التعرض لأساليب نشأتها يتوجب
علينا بحث تاريخ، مكان وأسباب ظهورها والتطور الذي عرفته بفعل تزايد مهام
الدولة.
1- تاريخ ومكان ظهور أول دستور:
إذا رجعنا لتاريخ العالم الإسلامي نجد أن أول دستور عرف بالمفهوم الفني
الحديث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ويعرف "بالصحيفة"، تلك الوثيقة
التي أعدها رسول الإسلام لتنظيم أحوال دولة المدينة بعد أن انتقل إليها من
مكة. البعض يرى بأن الحركة الدستورية أو أول بداية لظهور الدستور تعود إلى
القرن الثالث عشر وبالتحديد سنة 1215 عندما منح الملك جان ستير الميثاق
الأعظم للنبلاء الانجليز الثائرين عليه. والبعض الآخر يؤكدون بأن تاريخ
ظهور الحركة الدستورية الأولى بدأت تظهر معالمها في القرن السابع عشر عندما
وضع الجناح المؤيد لكرومويل في المجلس العسكري دستورا، وان كان البرلمان
وكرومويل ذاته لم يساندا ذلك المشروع فبقي كذلك بحيث لم يعرض على الشعب،
وان كانت بعض نصوصه اعتمدت فيما بعد لتنظيم السلطة وعادت فيما بعد مصدرا
لتنظيم السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية. أما أول الدساتير المكتوبة
ظهرت في المستعمرات البريطانية بأمريكا الشمالية كرد فعل للانفصال عن
إنكلترا، فأول دستور عرفه العالم الغربي في ولاية فرجينيا دستور جوان 1776،
وقد سابقه الإعلان للحقوق الذي يعتبر القاعدة الأساسية لأي حكومة في
فرجينيا، ثم تلى ذلك في عام 1781 صدور دستور الاتحاد التعاهدي، وفي عام
1787 صدر الدستور الاتحادي للولايات المتحدة الأمريكية. فالمثل الأمريكي
كان سببا لاقتداء العديد من الدول به كفرنسا مثلا، عرفت أول دستور مكتوب
عام 1791، وقد سبقها قبل ذلك إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي صدقت عليه
الجمعية الوطنية في أوت 1789. فقد أصبحت الدساتير المكتوبة من خصائص الدول
الحديثة، نتيجة لرواج الأفكار الديمقراطية والحركات السياسية التي نادت
بمبدأ السيادة الشعبية، وبلورة فكرة العقد الاجتماعي، ومبدأ الفصل بين
السلطات...أمام هذه المزايا العديدة انتقات فكرة الدساتير المكتوبة الى
العديد من الدول الأوروبية، فصدر دستور السويد سنة 1809، والنرويج وبلجيكا
سنة 1831، وعلى إثر الحرب العالمية الأولى، زاد انتشار الدساتير المكتوبة
كنتيجة منطقية للحد من التعسف في استعمال السلطة فصدر دستور روسيا يوم 10
يوليو 1918، فدستور تركيا 1924 ودستور النمسا 1 أكتوبر 1920.
2- أسباب ودوافع وضع الدساتير:
إن انهيار الحكم الملكي المطلق بعد الثورات الأوربية وسيطرة البرجوازية
على السلطة إلى جانب ظهور فكرة القومية وانحسار الاستعمار كانت من الأسباب
والدوافع الرئيسية في دسترة أنظمة الحكم، وكان غرض شعوب تلك الأنظمة إثبات
سيادتها الداخلية واستقلاليتها، وذلك بواسطة تنظيم الحياة السياسية بوضع
دستور يبين السلطات وعلاقاتها في الدولة الجديدة وعلاقاتها بالمحكومين
والدول الأخرى. وأن هذه الدول بوضع الدستور تؤهل نفسها لإقامة حوار بين
السلطة والحرية فكأنها تعلن للغير بأنها وصلت إلى مرحلة النضج السياسي،
ولها الحق في الانضمام للمجتمع الدولي. وكما أشرنا سابقا على إثر الحرب
العالمية الأولى، زاد انتشار الدساتير المكتوبة كنتيجة منطقية، بحيث حددت
اختصاصات الحكام ومدى السلطات التي تحت أيديهم والواجبات المفروضة عليهم
حتى لا تتكرر نفس التجربة (التعسف في استعمال السلطة)، كما أن حركة التحرر،
ساهمت بشكل فعال في انتشار هذه الظاهرة، بالأخص إذا علمنا أن أغلب هذه
الدول تفتقر إلى رصيد دستوري، كانعدام حياة دستورية سابقة..أو عدم وجود
أعراف سابقة..كل هذا كان سببا مباشرا لوضع دستور مكتوب الى جانب ضرورة
اقتناء وتدوين وثيقة دستورية للإنضمام في المجتمع الدولي مثل غينيا قد اعلن
عن استقلالها يوم 02 أكتوبر 1958، وفي ذلك الوقت كانت الجمعية العامة
للأمم المتحدة منعقدة، ولكي يضمن الرئيس سيكوتوري الحصول على الموافقة،
أصدر دستور في 10 نوفمبر 1958، واعلنت الأمم المتحدة عن قبولها كعضو في 12
نوفمبر 1958. وفي الكويت دستور 1962 إذ كانت قد قبلت في جامعة الدول
العربية في 30 يوليو 1961 بمجرد اعلان استقلالها في 19 يونيو 1961، فإنها
لم تقبل في المم المتحدة ولم تنظم الى المجتمع الدولي إلا في 14 مايو 1963
أي بعد صدور دستورها في 11 نوفمبر 1962، وإذا كانت حركة الدساتير المكتوبة
قد سادت الدول العربية، إلا أن بعض دول الخليج تفتقر إلى دستور مكتوب ولا
يوجد فيها دستور مدون على نسق الدساتير المعاصرة.
ثانيا - الأساليب غير الديمقراطية لنشأة الدساتير
1 – أسلوب المنحة :
يصدر الدستور في شكل منحة إذا تنازل الحاكم بإرادته المنفردة عن بعض
سلطاته للشعب، أو أن يحددها ببعض القيود، بواسطة قواعد قانونية يمن بها على
شعبه في صورة دستور. والأصل في هذه الدساتير أن الحاكم هو مصدر السلطات،
ومنبع الحقوق والحريات، يجمع بين يديه الوظائف والاختصاصات، ومن بينها
الاختصاص التأسيسي. غير أن انتشار الأفكار الديمقراطية، ونضج وعي الشعوب
بحقوقها، والدعوة إلى الحد من من السلطان المطلق، دفع الحكام إلى منح
شعوبهم دساتير، تنازلوا بموجبها عن جزء من سيادتهم، ليظهروا بمظهر
المتفضلين على شعوبهم، قبل أن تجبرهم الأوضاع على التنازل عن جٌل سيادتهم،
وبالتالي يفقدون هيبتهم وكرامتهم. وهكذا؛ وعلى الرغم من أن الشكل الخارجي
للدستور الصادر بطريق المنحة يظهر على أنه عمل قانوني صادر بالإرادة
المنفردة للحاكم، فإن الدستور لم يكن ليصدر إلا نتيجة لضغط الشعوب على
حكامها، ووعيها بحقوقها، وخوف الحاكم من ثورتها وتمردها. ويسجل لنا التاريخ
أمثلة كثيرة لدساتير صدرت بطريق المنحة، ومنها الدستور الفرنسي لعام 1814
الذي أصدره لويس الثامن عشر للأمة الفرنسية ، وجدير بالذكر إن معظم دساتير
الولايات الألمانية في القرن التاسع عشر صدرت بهذه الطريقة. ومن أمثلة
الدساتير الممنوحة كذلك: الدستور الإيطالي لعام 1848 والدستور الياباني
لعام 1889، ودستور روسيا لسنة 1906، وإمارة موناكو لعام 1911، وكذلك
الدستور المصري لعام 1923، ودستور إثيوبيا لعام 1931، والقانون الأساسي
لشرقي الأردن لعام 1926، ودستور الإمارات العربية المتحدة لسنة 1971 وكذلك
الدستور القطري لسنة 1971. ونتيجة لصدور الدستور بطريقة المنحة يثور تساؤل
هام، حول قدرة الحاكم الذي منح الدستور هل له الحق في سحبه أو إلغائه ؟
وللإجابة على هذا السؤال انقسم الفقه إلى اتجاهين :-
* يذهب أولهما إلى
قدرة الحاكم على استرداد دستوره طالما كان هذا الدستور قد صدر بإرادته
المنفردة، عل شكل منحة، لأن من يملك المنح يملك الاسترداد. يساند هذا الرأي
أمثلة حدثت فعلاً، حيث أصدر شارل العاشر
ملك فرنسا قراراً ملكياً عام
1830 بإلغاء دستور عام 1814، تحت حجة أن المنحة أو الهبة في الحقوق العامة
تشبه الهبة في الحقوق الخاصة، وكما يحق للواهب الرجوع عن الهبة. يحق للملك
الرجوع عن دستوره، إذا صدر عن الشعب جحود للمنحة ونكران للجميل.
*ويذكر ثانيهما على
الحاكم حق استرداد دستوره، ما دام هذا الدستور قد صدر، حيث تترتب عليه
حقوق للأمة، فلا يحق للحاكم - عندها - المساس به إلا بالاستناد إلى الطرق
القانونية المقررة بالدستور نفسه، حتى التسليم بأن صدور الدستور كان وليداً
للإرادة المنفرد للحاكم، لأن هذه الإرادة تصلح أن تكون مصدراً للالتزامات،
متى ما صادفت قبولاً من ذوي الشأن. وجدير بالإشارة أن الدستور الصادر
بطريقة المنحة يدرس على اعتبار أنه مرحلة تاريخية، تمثلت بالانتقال من
الملكيات المطلقة إلى الملكيات المقيدة، وقد انقضت وانتهت هذه المرحلة منذ
زمن، نتيجة لزوال الحكم الفردي، واستعادة معظم الشعوب لكامل حقوقها في
السيادة والسلطة. ومع تقدم الديمقراطية في العصر الحديث فقد تراجع الأخذ
بهذا الأسلوب في إصدار الدساتير ، حيث اندثرت في الوقت الحاضر جميع
الدساتير الصادرة بها الأسلوب باستثناء دستور إمارة موناكو 1911.
و يمكن
القول بأن الدستور المؤقت الذي تصدره حكومة معينة يعتبر من قبيل المنحة ،
فقد يحدث أن يصدر إعلان دستوري مؤقت يسري تطبيقه إلى أن يتم وضع دستور دائم
من قبل الهيئة المخولة بذلك، ثم إقراره من قبل الشعب في استفتاء عام، وهدف
ذلك هو تحقيق نوع من الضبط لأداء وممارسة السلطة القائمة، ويعتبر هذا
الترتيب جزء من ترتيبات مرحلة انتقالية.
2 – أسلوب العقد :
وهي الطريقة الثانية من الطرق التي اندثرت و عفى عليها الزمن في وضع
الدساتير ، حيث ينشأ الدستور في هذه الحالة بناء على اتفاق بين الحاكم
والشعب واشتراك إرادتهما على قبول الدستور ، فالشعب يدخل في الأمر كطرف
أصيل في هذا العقد، ويترتب على هذه الطريقة عدم استطاعة أي منهما( الحاكم
أو الشعب ) إلغاء الدستور أو سحبه أو تعديله إلا بناء على اتفاق الطرفين ،
وبذلك يضمن الشعب عدم إقدام الحاكم على إلغائه أو تعديله، فالدستور هو
نتيجة لاتفاق إرادتين في صورة عقد، و وفقاً للقاعدة القانونية - العقد
شريعة المتعاقدين - فلا يجوز نقضه أو إلغاؤه أو تعديله إلا بإرادة طرفيه.
وهذه
الطريقة تفترض حدوث نوع من أنواع التطور على طريق التقدم الديمقراطي حيث
يمثل هذا الأسلوب خطوة إلى الأمام في الطريق نحو الحرية والديمقراطية ، إلا
أنه لا يعتبر أسلوبا ديمقراطيا، وهذا الأسلوب فرضته الظروف الجديدة التي
ظهرت بعد فترة من نضال الشعوب من أجل الحقوق والحريات العامة، وكسر شوكة
الحكم المطلق و محاربة استبداد السلطة المطلقة المتمثلة في استبداد الملوك
والأمراء وقادة الانقلابات العسكرية . إن ظهور هذا الأسلوب - لأول مرة -
كان نتيجة لنشوب ثورات، في كل من انجلترا وفرنسا. ففي إنجلترا ثار الأشراف
ضد الملك جون، فأجبروه على توقيع العهد الأعظم في عام 1215، الذي يتعبر
مصدراً أساسياُ للحقوق والحريات. وبنفس الطريقة؛ تم وضع وثيقة الحقوق
لعام1689 بعد اندلاع ثورة ضد الملك جيمس الثاني، حيث اجتمع ممثلون عن
الشعب، ووضعوا هذه الوثيقة، التي قيدت سلطات الملك، وكفلت الحقوق والحريات
الأساسية للأفراد. وتمت دعوة الأمير وليم الأورنجي لتولي العرش، على أساس
الالتزام بالقيود الواردة بالوثيقة. وتشكل هاتان الوثيقتان جزءاً هاماً من
الدستور الإنجليزي الذي يتكون معظمه من القواعد العرفية. أما في فرنسا فقدر
صدر أول دستور فيها بطريقة العقد إثر ثورة سنة 1830 ضد الملك شارل العاشر،
ووضع مشروع دستور جديد من قبل جمعية منتخبة من قبل الشعب، ومن ثم دعوة
الأمير لويس فيليب لتولي العرش، إذا قبل بالشروط الواردة بالدستور الجديد.
وبعد قبول الأمير بهذه الشروط نودي به ملكاً على فرنسا. ويشار كذلك؛ إلى أن
جميع الدساتير التي صدرت بطريقة العقد كانت من عمل جمعيات منتخبة،
والأمثلة على هذا النوع من الدساتير عديدة نذكر منها الميثاق الأعظم في
انجلتلرا سنة 1215 الذي هو جزء من دستور انجلترا، وكذلك قانون الحقوق
الصادر سنة 1688 في نفس البلد، ودساتير كل من اليونان لسنة1844، ورومانيا
لسنة 1864، وبلغاريا لسنة 1979، والقانون الأساسي العراقي لعام 1925،
والدستورين الكويتي لسنة 1962 والبحريني لسنة 1973. حيث وضعت المجالس
التشريعية في هذه الدول الدساتير المذكورة، ثم دعت أمراء أجانب لتولي العرش
على أساس الالتزام بأحكامها. وعلى الرغم من أن أسلوب العقد يعد أسلوبا
تقدمياً أكثر من أسلوب المنحة، فإنه لا يعد أسلوبا ديمقراطيا خالصاً، لأنه
يضع إرادة الحاكم على قدم المساواة مع إرادة الشعب، بينما تفترض
الديمقراطية أن يكون الشعب هو صاحب السيادة، لا يشاركه فيها ملك ولا أمير.



ثالثا - الأساليب الديمقراطية لنشأة الدساتير ([1])
تعبّر
هذه الأساليب عن انتصار إرادة الشعوب وانتقال السيادة من الحاكم إلى الأمة
أو الشعب الذي أصبح وحده صاحب السيادة في الدولة, ولهذا فإن دساتير هذه
المرحلة تتميز بطابعها الديمقراطي, نظراً لانفراد الشعب بممارسة السلطة
التأسيسية الأصلية, حيث يتولى بمفرده - ودون تدخّلٍ أو مشاركةٍ من جانب
الحكَّام - وضع تنظيمه الدستوري الذي يرتضيه, ويلتزم بقواعده أفراد
الجماعة حكَّاماً ومحكومين على السواء .
وقد جرى العمل على إتباع أحد
أسلوبين لوضع الدساتير في ضوء احتكار الأمة أو الشعب للسلطة التأسيسية،
فإما أن يتم وضع الدستور من قبل هيئة منتخبة من الشعب يطلق عليها اسم
الجمعية التأسيسية، وإما أن يتم طرح مشروع الدستور على الشعب في استفتاء
عام لأخذ موافقته عليه، وهو ما يطلق عليه اسم الاستفتاء التأسيسي.
1- أسلوب الجمعية التأسيسية :
يعتبر أسلوب الجمعية التأسيسية هو أحد الأساليب الديمقراطية المتبعة في
وضع وانشاء الدساتير، من خلال بيان مضمون هذا الأسلوب، والأسس الفكرية التي
يستند إليها، وانتشار هذا الأسلوب، وأنواع الجمعيات التأسيسية، وأخيراً
تقدير هذا الأسلوب، وذلك وفق الآتي:
مضمون أسلوب الجمعية التأسيسية :
تعود أصول فكرة الجمعية التأسيسية L'assemblée constituante إلى مبدأ
سيادة الأمة Le principe de la souveraineté nationale، الذي ينكر أن تكون
السيادة في الدولة لغير الأمة، وتعتبر هذه الفكرة في جوهرها تطبيقاً
حقيقياً لنظام الديمقراطية التمثيلية أو النيابية La démocratie
représentative. ومن مقتضى هذا الأسلوب الديمقراطي في وضع الدساتير أن تقوم
الأمة صاحبة السيادة ومصدر كل السلطات, بتفويض ممارسة سيادتها لممثّلين
عنها ( وهؤلاء يشكِّلون هيئةً يُطلق عليها اسم المجلس التأسيسي أو الجمعية
التأسيسية أو المؤتمر الدستوري ) يتولون باسمها ونيابةً عنها وضع قواعد
نظام الحكم في البلاد, بحيث يُعدّ الدستور الذي يصدر عن هذه الهيئة
المنتخَبة الممثِّلة للأمة وكأنه صادرٌ عن الأمة بمجملها, وعلى ذلك يكتمل
الدستور ويصبح نافذاً بمجرد وضعه وإقراره من قبل هذه الهيئة، ما دامت الأمة
قد فوَّضتها بذلك, مما لا يتطلب بعد ذلك عرض وثيقة الدستور على الشعب
لاستفتائه فيها أو أخذ موافقته عليها, إذ أنه بمجرد إقرار الهيئة المذكورة
للوثيقة الدستورية في صيغتها النهائية, تصبح هذه الوثيقة نافذةً ودون أن
يتوقف ذلك على إقرارٍ من أي جهةٍ كانت.
الأسس الفكرية التي يستند إليها أسلوب الجمعية التأسيسية : كان
لفلاسفة القانون الطبيعي وكتَّاب القرن الثامن عشر فضل الدعوة إلى هذا
الأسلوب الديمقراطي في وضع الدساتير, فقد اعتبروا الدستور بمثابة تحقيقٍ
لفكرة العقد الاجتماعي la Contrat social الذي ينشئ الجماعة السياسية
ويؤسِّس السلطة العامة فيها, ومن ثم لا يمكن أن يكون الدستور إلا من وضع
جميع أفراد الجماعة, أي من صنع الشعب في مجموعه, لا من صنع فئة معينة منه .
كما أنهم نادوا بالأخذ بهذا الأسلوب وضرورة جعل الدستور من صنع الشعب بحجة
أن الدستور هو مصدر السلطات العامة جميعاً بما فيها السلطة التشريعية .
ويترتب على ذلك عدم إمكان إصدار الدستور بواسطة السلطة التشريعية, لأن هذه
الأخيرة تستمد سلطتها ووجودها من الدستور, ومن ثم لا يجوز لها أن تضع
الدستور أو أن تعدله, فهل يعقل أن تقوم هذه السلطة التي يؤسِّسها الدستور
ويهبها الحياة, أن تقوم هي بوضعه ؟! ومن ذلك يخلص هؤلاء الكُتَّاب
والفلاسفة إلى ضرورة إتباع وسيلة الجمعية التأسيسية التي تختارها الأمة
خصيصاً لوضع الدستور.
انتشار أسلوب الجمعية التأسيسية : تُعدّ
المستعمرات الأمريكية الشمالية الثائرة ضد الاستعمار الإنجليزي أول من أخذ
بهذا الأسلوب في وضع دساتيرها عقب استقلالها عن التاج البريطاني في عام
1776, حيث قامت معظم هذه الولايات بانتخاب جمعية نيابية عُرفت باسم
Convention ( أي المؤتمر ) من أجل وضع الدستور الخاص بها, ثم صدر بعد ذلك
دستور الاتحاد الفيدرالي عام 1787 بنفس الأسلوب, أي بواسطة جمعية نيابية
منتخبة من الشعب الأمريكي اجتمعت في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا وأصدرت
الدستور الحالي للولايات المتحدة الذي جاء في مقدمته: ﴿ نحن شعب الولايات
المتحدة, رغبةً منا في إنشاء اتحادٍ أكثرَ كمالاً، وفي إقامة العدالة،
وضمان الاستقرار الداخلي، وتوفير سبل الدفاع المشترك، وتعزيز الخير العام
وتأمين نِعَم الحرية لنا ولأجيالنا القادمة، نرسم ونضع هذا الدستور
للولايات المتحدة الأمريكية ﴾, وقد أطلق على الجمعية النيابية التي تولت
وضع الدستور الاتحادي اسم ﴿ مؤتمـر فيلادلفيا الدستوري ﴾ Philadelphia
Constitutional Convention . وقد انتقل هذا الأسلوب من الولايات المتحدة
الأمريكية إلى فرنسا بعد قيام الثورة الفرنسية في عام 1789, وذلك عند وضع
أول دساتير الثورة في عام 1791, ثم أخذت به أيضاً في وضع دستورَيْ سنة 1848
وسنة 1875, غير أن الجمعيات المنتخبة التي كانت تمارس نيابةً عن الشعب
الفرنسي صلاحية السلطة التأسيسية ( أي مهمة وضع أو تعديل الدستور) كانت
تعرف اصطلاحاً باسم "الجمعية التأسيسية" Assemblée constituante بدلاً من
اسم "المؤتمر" Convention الذي كانت تستخدمه الولايات الأمريكية.
كما
شاع استخدام أسلوب الجمعية التأسيسية خارج فرنسا, فطبقته بلاد كثيرة عقب
الحربين العالميتين الأولى والثانية, فأخذ به دستور فيمار الألماني في سنة
1919, والدستور النمساوي في سنة 1920, والدستور الاسباني في سنة 1931,
والدستور الياباني في سنة 1947، والدستور الإيطالي في سنة 1947، والدستور
الهندي في سنة 1949 . ومن دساتير الدول العربية التي صدرت وفقاً لأسلوب
الجمعية التأسيسية نذكر على سبيل المثال : دستور الجمهورية السورية الصادر
في سنة 1950, وكذلك الدستور الحالي للجمهورية التونسية الصادر في سنة 1959.
أنواع الجمعيات التأسيسية : الجمعيات التأسيسية ليست كلها على نمط واحد, إذ يمكن التمييز ـ من زاوية المهمة الموكلة إليها ـ بين نوعين رئيسيين لهذه الجمعيات:
- الجمعيات التأسيسية على النمط الأمريكي :
الجمعيات التأسيسية على النمط الأمريكي L'assemblées constituante de type
américain ، وهي الجمعيات التي ينحصر عملها في وضع الدستور فقط, دون أن
تملك الحق في مباشرة أي صلاحيات أخرى, وبوجه خاص صلاحيات السلطة التشريعية,
وبمعنى آخر, فهي ﴿جمعيات تأسيسية مخصَّصة ﴾ Assemblées constituante ad
hoc , يتم إنشاؤها لغرض محدّد بالذات ألا وهو وضع الدستور, وينتهي دورها
وتزول من الوجود بمجرد انتهاء عملها وإنجاز المهمة الموكلة إليها, ومثالها
مؤتمر فيلادلفيا la convention de Philadelphie الذي تولى وضع الدستور
الفيدرالي للولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1787. ولاشك أن هذا النوع من
الجمعيات التأسيسية له فوائدٌ تُحْمَد, فمن ناحية أولى يتيح هذا التخصص
للجمعية التأسيسية فرصة التركيز في عملها, مما يوفّر لمشروع الدستور الذي
تقوم بإعداده ما يستحقه من تأمّلٍ, وما يحتاجه من بحثٍ ودراسة, كما أنَّ
اقتصار عمل الجمعية التأسيسية على وضع الدستور يجنبنا مخاطر الاستبداد الذي
ينجم عن تركيز السلطات la concentration des pouvoirs بيد أعضاء الجمعية,
وتركهم يفعلون ما يشاؤون تحت شعار كونهم نواباً عن الأمة.
- الجمعيات التأسيسية على النمط الفرنسي :
الجمعيات التأسيسية على النمط الفرنسي L'assemblées constituante de type
français، وهي تلك الجمعيات التي لا ينحصر عملها في مجرد وضع الدستور, بل
يكون لها وظيفة مضاعفة, حيث تتولى من ناحية أولى مهمة وضع دستور البلاد,
وتقوم من ناحية أخرى بمباشرة اختصاصات السلطة التشريعية من سن القوانين
ومراقبة عمل الحكومة . ونقابل مثل هذا النوع من الجمعيات ـ بصورة أساسية ـ
في أعقاب قيام الحركات الثورية,حيث يسند للجمعية التأسيسية ـ بسبب التغيير
الجذري الشامل الذي تحدثه الثورة في بنية المجتمع ـ ليس فقط وضع الدستور
للبلاد, وإنما أيضاً مباشرة اختصاصات السلطتين التشريعية والتنفيذية ريثما
يتم تشكيل السلطات المختلفة في الدولة بعد وضع الدستور الجديد, ولذا توصف
مثل هذه الجمعيات بأنها ﴿جمعيات تأسيسية عامة ﴾, وهو الأسلوب التقليدي
المتبع في فرنسا. وجدير بالذكر أن هذا النوع من الجمعيات التأسيسية التي
تمارس وظيفة مزدوجة, له مضارٌ لا تُحمد عقباه, فمن ناحية أولى, يمكن أن
يشتّت الدور الإضافي الذي تنهض به الجمعية التأسيسية جهودها ويؤخّر بالتالي
انجازها لعملها الأساسي المتمثل في وضع الدستور وإقراره, ومن ناحية أخرى
فإن تركيز السلطات التشريعية والتأسيسية بين أيدي نفس الأشخاص قد يؤدي إلى
ديكتاتورية الجمعية la dictature d'une assemblée. وهذه الحقيقة غير خافيةٍ
على أحد, فطبيعة النفس البشرية أثبتت عبر القرون, ومن خلال التجارب
المستمرة, أن الاستبداد قرين الاستئثار بالسلطة, فليس أخطر على الحرية,
وأقرب إلى الطغيان والاستبداد من جمع السلطات وتركيزها في يدٍ واحدة, ولو
كانت هذه اليد هي قبضة الشعب نفسه, أو مجلس منبثق عنه. وقد أثبت التاريخ
جديَّة هذه المخاوف, وحسبنا هنا أن نشير إلى تلك الجمعية التأسيسية التي
انتخبت في فرنسا في عصر الثورة وعرفت باسم شهير La Convention Nationale,
وقد جمعت في قبضة يدها فضلاً عن السلطة التأسيسية ( سلطة وضع الدستور )
السلطتين التشريعية والتنفيذية, وقد اتخذت من الإجراءات الاستبدادية ما لا
يُعرف له مثيل في تاريخ الملوك والقياصرة المستبدين, وكذلك كان شأن الجمعية
التأسيسية التي انتخبت في فرنسا عام 1848 إذ كانت بيدها أيضاً سلطة
دكتاتورية, من أجل ذلك كان بعض أساتذة الفقه الدستوري الفرنسي يحاربون فكرة
انتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور الجديد ( وهو دستور الجمهورية الفرنسية
الرابعة لعام 1946 ) بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
تقدير أسلوب الجمعية التأسيسية :
أن هذا الأسلوب على الرغم من أنه يعدّ تطبيقاً سليماً للديمقراطية
النيابية, إلا أنه يؤخذ عليه أنه يؤدي إلى تحجيم دور الشعب وحصره في إطارٍ
ضيق يقتصر على المساهمة السلبية التي لا تتجاوز اختيار أعضاء الجمعية
التأسيسية دون أن يتدخل الشعب في تحديد اتجاهات الجمعية أو التأثير
بالإيجاب في مضمون الدستور الذي يتحدد مصيره بالكامل من قبل أعضاء الجمعية
النيابية المنتخبة .
ولا يقلّل من هذه المخاوف أن انتخاب الشعب لأعضاء
الجمعية إنما يتم على أساس اتجاهاتهم المعلنة بالنسبة للمبادئ التي تحكم
التنظيم الدستوري, لأن هذه الاتجاهات فضلاً عن كونها التزاماً أدبياً
واهياً, فإنها تنصب على العموميات دون النظر إلى التفصيلات؛ وهو ما يؤكّد
أن الدستور يتم وضعه بعيداً عن رقابة الشعب الذي يعطي الجمعية تفويضاً على
بياض . ومما يزيد الأمر خطورةً, أن انتخاب الجمعية التأسيسية خاصةً في
الدول الحزبية سوف تحكمه ذات الأسس التي تسيطر على الانتخابات التشريعية,
مما قد يؤدي إلى تحويل الجمعية التأسيسية من هيئة يُفترض فيها الحياد
وغَلَبة الطابع الفني إلى جماعةٍ تسيطر عليها النزعات السياسية, ويحكم سير
العمل فيها الاتفاقات الحزبية التي تستهدف تحقيق مصالحٍ وأهدافٍ ذات طابعٍ
حزبيّ ضيّق.
وتجدر الإشارة إلى أن الفقه الدستوري يتطلب توافر شروط
معينة لعدّ الدستور الذي تضعه الجمعية التأسيسية ديمقراطياً, وهذه الشروط
تتمثل في الآتي:
1 - يجب أن تكون الجمعية التأسيسية منتخبة بواسطة الشعب, لا أن يُعيَّن أعضاؤها من قبل الحكومة أو قادة الانقلاب .
2
- يجب أن يكون الانتخاب ديمقراطياً, وبمعنى آخر يجب أن يتم انتخاب أعضاء
الجمعية التأسيسية وفقاً لمبادئ الاقتراع العام, الحُرّ, المتساوي, السري,
المباشر ( أي على درجة واحدة ), كما يجب أن يتم فرز وإحصاء الأصوات
الانتخابية المدلى بها في صناديق الاقتراع تحت إشراف ورقابة القضاء. ولهذا
قيل بأن سلامة هذا الأسلوب ( أسلوب الجمعية التأسيسية ) تتوقف على صحة
العملية الانتخابية ودقة التمثيل النيابي .
3 - ولكي يكون الانتخاب
حراً بالمعنى الصحيح, فإنه من الضروري أن يكون هنالك خيارات متعددة أمام
الناخبين . وهذا ما توفّره الأحزاب السياسية les partis politiques في
الدول الديمقراطية. وهو ما يعني إتاحة الفرصة أمام جميع الأحزاب السياسية
القائمة ـ دون استثناء ـ للمشاركة في عملية انتخاب الجمعية التأسيسية .
4
- يجب أن تكون الحريات العامةles libertés publiques في الدولة مصانة
ومكفولة, وإلاَّ فإنَّ اشتراك الأحزاب السياسية المختلفة في الانتخابات
سيكون بلا معنى, لأن هذه الانتخابات ستجرى في جوٍ من القمع والكَبْت
للحريات .
5 - وبالإضافة إلى ما سبق, ينبغي على الجمعية التأسيسية -
التي تتوافر فيها الشروط التي ذكرناها آنفاً - أن تمارس عملها بحريّةٍ
وحيادٍ تامّين, أي أن تكون بمنأى عن كل الضغوطات السياسية les pressions
politiques التي قد تؤثر في عملها .
-----------
[1] - القانون
الدستوري, دمشق, طبعة 2009, تأليف الدكتور حسن مصطفى البحري أستاذ القانون
الدستوري بجامعة دمشق/كلية الحقوق. رابط الموضوع :
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



.../... يتبع







بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الإثنين 13 مايو - 4:51
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67720
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: القانون الدستوري - الجزء الثالث



القانون الدستوري - الجزء الثالث



2- أسلوب الاستفتاء التأسيسي
إنَّ
الديمقراطية في معناها الحرفي تعني "حكم أو سلطة الشعب"؛ ولهذا فقد
عرَّفها البعض بأنها « حكم الشعب بالشعب وللشعب », وهو ما يعني أن الشعب في
الحكومات الديمقراطية هو صاحب السيادة ومصدر كل السلطات فيها, وهذا يستلزم
بطبيعة الحال أن يباشر الشعب بنفسه وبشكلٍ مباشرٍ جميع مظاهر السيادة.
ولمَّا
كانت هنالك صعوبات تقنية أو فنية des difficultés techniques تحول دون
تطبيق نظام « الديمقراطية المباشرة » في دول عالمنا المعاصر, فكان لا بد
من الالتجاء إلى نظام آخر بديل, فكان نظام « الديمقراطية النيابية », الذي
من مقتضاه أن يقوم الشعب صاحب السيادة بإلقاء عبء الحكم ومباشرة السلطة
على هيئات يختارها, ويترك لها مباشرة تلك السلطة, فالشعب هنا لا يُقرّر
بنفسه, وإنما يقتصر دوره على اختيار نوابه الذين سيقرّرون باسمه ونيابةً
عنه . وقد كان أسلوب الجمعية التأسيسية ــ السابق دراسته ــ تطبيقاً
حقيقياً للنظام النيابي « الديمقراطية النيابية », غير أن هذا النظام
الأخير تعرَّض لانتقاداتٍ كثيرةٍ, نظراً لأنه يبتعد كثيراً عن ﴿ المَثَل
الأعلى للديمقراطية التي تفترض ممارسة الشعب لسيادته بنفسه ﴾ « l'idée
démocratique exige que le peuple exerce lui-même sa souveraineté ».
ولذلك
تلجأ بعض الأنظمة الديمقراطية الحديثة إلى إشراك الشعب إشراكاً فعلياً في
ممارسة السلطة . وتحقيقاً لهذه الغاية, تقوم هذه الأنظمة أساساً على الأخذ
بالنظام النيابي (الديمقراطية النيابية) مع الرجوع إلى الشعب في بعض الأمور
المهمة كي يمارسها بنفسه مباشرة, فتُبقي على الهيئات النيابية المنتخبة من
الشعب والتي تمارس السلطة باسم الشعب, مع الأخذ ببعض مظاهر (الديمقراطية
المباشرة) التي تجعل السلطة في يد الشعب يمارسها بنفسه؛ وهذا هو النظام
الوسط الذي يجمع بين الديمقراطية النيابية والديمقراطية المباشرة, ولذلك
يسمى بنظام « الديمقراطية شبه المباشرة » . وحاصل القول, أنه نتيجةَ
استحالة تطبيق الديمقراطية المباشرة, وبسبب العيوب التي شابت الديمقراطية
النيابية, برزت فكرة « الديمقراطية شبه المباشرة » التي تُشرك الشعب في
ممارسة السلطة بجوار الهيئة النيابية المنتخبة, وتجعله رقيباً عليها, وعلى
السلطة التنفيذية عن طريق مظاهر معينة. ومن أهم مظاهر الديمقراطية شبه
المباشرة « الاستفتاء الشعبي », الذي يتنوع من حيث الموضوع المعروض على
التصويت الشعبي إلى ثلاثة أنواع هي: ( الاستفتاء الدستوري Constitutional
Referendum, والاستفتاء التشريعي Legislative Referendum, والاستفتاء
السياسي Political Referendum ). ويتضح من التعريف السابق أن الاستفتاء
الدستوري ينقسم إلى قسمين : « استفتاء تأسيسي » يتعلق بوضع دستور جديد
للدولة, و « استفتاء تعديلي » يتصل بتعديل الدستور القائم, سواء بالتغيير
في بعض مواده أو بالإضافة أو الحذف . ولمَّا كان النوع الثاني (الاستفتاء
التعديلي) يتصل بموضوع تعديل الدساتير, فإننا سنقصر حديثنا هنا على
(الاستفتاء التأسيسي), وذلك من خلال بيان مضمون هذا الأسلوب, وانتشاره,
وتقديره كواحد من الأساليب الديمقراطية المتبعة في وضع الدساتير .
مضمون
أسلوب الاستفتاء التأسيسي : يجمع الفقه الدستوري على أن الاستفتاء
التأسيسي Le referendum constituent يُعدّ من أكثــــر الأساليب
الديمقراطيــة التي تتبعها الدول المعــاصرة في وضع دساتيرهــا وقواعد نظام
الحكم فيها؛ وتعود أصول فكـرة الاستفتاء التــأسيسي إلى « مبدأ السيادة
الشعبية » Le principe de la souveraineté populaire . وتعتبر فكرة
الاستفتاء التأسيسي من أهـم مظـاهر أو تطبيقات نظام « الديمقـراطية شبه
المباشرة ». وقد ثبت من خلال التجربة أن أسلوب الاستفتاء التأسيسي قد
استُخدم بهدف أخذ رأي الشعب إما في مسألة جوهرية يتوقف عليها وضع الدستور,
كما حدث في إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية فيها بالنسبة للاستفتاء
العام الذي جرى في آذار سنة 1979 بخصوص تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية, أو
في إقرار مشروع دستور تضعه جمعية تأسيسية منتخبة (كما حدث بالنسبة لدستور
الجمهورية الفرنسية الرابعة لعام 1946)أو لجنة حكومية (كما حدث بالنسبة
لدستور الجمهورية الفرنسية الخامسة لعام 1958). ويمكن تعريف الاستفتاء
التأسيسي بأنه ﴿ ذاك الاستفتاء الذي ينصبّ على مشروع دستور معين لحكم
الدولة, فيأخذ المشروع صفته القانونية ويصدر إذا وافق عليه الشعب, وإذا
رفضه زال ما كان له من اعتبار بصرف النظر عمَّن قام بوضعه ولو تعلَّق الأمر
بجمعية تأسيسية منتخبة من الشعب ﴾.
وعلى ذلك, يمكن القول بأن أسلوب
الاستفتاء التأسيسي يمرّ بمرحلتين :المرحلة الأولى, هي مرحلة إعداد مشروع
الدستور, ويتولى القيام بهذه المهمة إما جمعية تأسيسية ينتخبها الشعب أو
لجنة فنية تعيّن الحكومة أعضاءها. ويعدّ ما تضعه هذه الجمعية أو تلك اللجنة
من قواعد نظام الحكم في الدولة مجرد مشروع للدستور يفتقر إلى صفَتَيْ
النهائية والنفاذ. والمرحلة الثانية, هي مرحلة سريان ونفاذ الدستور , وتبدأ
هذه المرحلة بمجرد اقتران مشروع الدستور بموافقة الشعب بعد عرضه عليه في
استفتاء عام . وبذلك يكمن الفرق بين أسلوب الجمعية التأسيسية وأسلوب
الاستفتاء الدستوري التأسيسي : فإذا كان الشعب بموجب الأسلوب الأول لا
يُقرّر بنفسه دستوره, وإنما يقتصر دوره على اختيار نوابه الذين سيقرّرون
باسمه ونيابةً عنه دستور البلاد؛ فإن الشعب بموجب الأسلوب الثاني هو الذي
يقرر دستوره بنفسه من خلال الموافقة أو عدم الموافقة على مشروع الدستور
المعروض عليه؛ ويترتب على ذلك نتيجة مهمة مفادها أن الدستور - الذي يوضع
وفقاً لأسلوب الجمعية التأسيسية - يستكمل وجوده قانوناً ويصبح نافذاً
بمجرد إقراره في صيغته النهائية من قبل الهيئة المنتخبة الممثِّلة للأمة,
ودون أن يتوقف ذلك على إقرارٍ من أي جهةٍ كانت, في حين أن الدستور - الذي
يوضع وفقاً لأسلوب الاستفتاء التأسيسي - لا يستكمل وجوده قانوناً ولا
يصبح نافذاً إلا إذا أقرَّه الشعب في استفتاءٍ عام .
انتشار أسلوب الاستفتاء التأسيسي :
بدأت فكرة الاستفتاء التأسيسي بالظهور مع حركة تدوين الدساتير في بعض
المستعمرات الأمريكية الشمالية عقب استقلالها عن بريطانيا العظمى في عام
1776, ولم يكن يُنظر آنذاك إلى الاستفتاء الشعبي على أنه مجرد وسيلة فنية
ممكنة لوضع الدساتير, وإنما كتعبير مباشر عن ممارسة فكرة السيادة الشعبية.
ففي عام 1778, قام المجلس التشريعي المحلي Provincial Assembly لولاية
ماساشوستس State of Massachusetts - تحت ضغط المزارعين والبلدات الواقعة
غرب الولاية - بإعداد دستورٍ عرضه على التصويت الشعبي لإبداء الرأي فيه,
فرفضه الشعب, لأن المجلس التشريعي هو من قام بإعداد وثيقة الدستور, وكان من
المفترض أن يقوم بهذه المهمة مؤتمر خاص Special Convention يُنتخب خصيصاً
لهذا الغرض, وليس المجلس التشريعي, ولهذا سُحِبَ مشروع الدستور, وقام الشعب
بانتخاب مؤتمر دستوري Constitutional Convention تولى وضع دستور جديد,
وافق عليه الشعب في استفتاء عام جرى في حزيران 1780. وتأكَّد ظهور
الاستفتاء التأسيسي كوسيلة من الوسائل الديمقراطية لوضع الدساتير بصورة
واضحة في الإعلان الذي أصدرته الجمعية التأسيسية الفرنسية المعروفة باسم La
Convention Nationale في أولى جلساتها بتاريخ 21 أيلول عام 1792, وقرَّرت
فيه أن « لا وجود لأي دستور إلا ذلك الذي يقبله الشعب », وتنفيذاً لهذا
الإعلان خضع للاستفتاء الشعبي دستور 24 حزيران لسنة 1793, ودستور رقم 5
فريكْتدور للسنة الثالثة لإعلان الجمهورية, ودستور 22 فريمير للسنة
الثامنة, ثم تحول الاستفتاء بعد ذلك من حيث الواقع - خلال
الإمبراطوريتَيْن الأولى والثانية, وفي ظل دستور سنة 1870 - إلى استفتاء
شخصي أو استرآس Plébiscite يُطلب فيه من الشعب التعبير عن ثقته في شخص رئيس
الدولة وفي النظام السياسي الذي يقترحه . ثم عاد الاستفتاء إلى الظهور في
صورته الحقيقية في دستورَيْ الجمهوريَّتَيْن الرابعة لعام 1946 والخامسة
لعام 1958. ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 والاستفتاء التأسيسي
آخذ في الانتشار في بلاد العالم المتقدِّم والمتخلِّف على السَّواء, خاصة
تلك التي نشأت من تفكّك إمبراطوريات ما قبل هذه الحرب, فقد قام على أساسه
دستور جمهورية فيمار Weimar Republic الألماني لسنة 1919, ودستور اسبانيا
لسنة 1920, ودستور النمسا لسنة 1920, ودستور ايرلندا الحرة لسنة 1937,
وكافة الدساتير الجمهوريَّة في مصر وآخرها الدستور الحالي لسنة 1971 الذي
نص في المادة رقم/193/ منه على أن : « يُعمل بهذا الدستور من تاريخ إعلان
موافقة الشعب عليه في الاستفتاء ».
ومن الدساتير الحديثة التي صدرت
وفقاً لأسلوب الاستفتاء الدستوري, دستور الاتحاد الروسي (روسيا الاتحادية)
الذي وافق عليه الشعب في استفتاء عام جرى في كانون الأول سنة 1993, وقد جاء
في القِسم الثاني من هذا الدستور ( بعنوان الأحكام الختامية والانتقالية,
أن « دستور الاتحاد الروسي سيدخل حيز التنفيذ لحظة نشره بصورة رسمية عقب
إعلان نتائج الاستفتاء العام, كما أن اليوم الذي سيجري فيه الاستفتاء في
عموم البلاد - وهو 12 كانون الأول 1993 - سيكون هو تاريخ تبني دستور
الاتحاد الروسي ».
وكذلك أيضاً دستور الاتحاد السويسري لسنة 1999 ( وهو
الذي حلَّ محل الدستور الاتحادي الصادر في 29/5/1874 ), الذي أقرَّ مسودته
البرلمان الاتحادي في 18 كانون الأول عام 1998, ثم وافق عليه الشعب
السويسري ( بأغلبية 59% "نعم" مقابل 41% "لا" ) في استفتاء عام جرى بتاريخ
18 نيسان سنة 1999, ودخل حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني سنة 2000 ؛
كما أن دستور جمهورية العراق الدائم لسنة 2005 صدر وفقاً لهذا الأسلوب, حيث
نص في المادة /143/ منه على أن « يُعدّ هذا الدستور نافذاً, بعد موافقة
الشعب عليه بالاستفتاء العام, ونشره في الجريدة الرسمية, وتشكيل الحكومة
بموجبه » .
تقدير أسلوب الاستفتاء التأسيسي : لا
شك أن الاستفتاء الدستوري التأسيسي يعد أكثر الوسائل ديمقراطيةً في وضع
الدساتير, فهو أصدق الأساليب تعبيراً عن الرأي الحقيقي للشعب, وبالتالي
يفضل على أسلوب الجمعية التأسيسية, لأن النواب في هذه الحالة قد يحلون
إرادتهم محل إرادة الجماهير الشعبية, وقد لا يحسنون التعبير عن الإرادة
الحقيقية للشعب . غير أننا نعتقد أن الاستفتاء الذي يرى فيه بعض الساسة
ورجال الفقه الدستوري - إنْ صدقاً أو نفاقاً - أنه قمَّّة الديمقراطية,
هو في حقيقة الأمر سلاح خطير ذو حدين؛ ففي الدول المتقدمة التي تمارَس فيها
الديمقراطية ممارسةً جادّة, وتتعدد فيها الأحزاب السياسية ذات الجذور
الشعبية, وتتمتع فيها الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى بالقدر الكافي من
الحرية, يعتبر الرجوع إلى الشعب لاستفتائه في أمر من الأمور تأكيداً لمفهوم
الديمقراطية وإعمالاً لها . أما في الدول المتخلفة, أو التي مازالت تفتقد
الوعي السياسي لسببٍ أو لآخر كانتشار الأمية فيها, أو لعدم تمرُّسها على
الحكم الديمقراطي, أو لحرمانها منه طويلاً, وحيث تحتكر الدولة فيها الصحافة
وسائر وسائل الإعلام وتملك توجيهها كيفما تشاء, فإن الالتجاء إلى
الاستفتاء في مثل هذه الدول كثيراً ما يكون هو السبيل إلى مزيد من الحكم
المطلق أو إلى مزيد من الانتقاص من الحريات العامة باسم الديمقراطية
والإرادة الشعبية المزعومة!!
والواقع أن غرابة نتائج الاستفتاءات التي
تجري في دول العالم الثالث عموماً, تثير التساؤل عن جدوى هذه الاستفتاءات,
وتدعو إلى الدهشة إذ كانت تربو في معظم الأحيان على نسبة 95 % ؛ ومن هنا,
فإننا نعتقد أن وسيلة الاستفتاء الشعبي في هذه الدول لا تعتبر وسيلة
معبِّرة بصدق عن رأي الشعب؛ فتاريخ الاستفتاء في هذه الدول يؤكّد أنه كان
يطبَّق كمظهرٍ بلا جوهر لإضفاء نوعٍ من الشرعية الصوريَّة على موضوعه.
ولهذا يطلق بعض الفقهاء الفرنسيين على هذا النوع من الاستفتاءات اصطلاحLe
Plébiscite Constituent أي « الاستفتاء السياسي » تمييزاً له عن «
الاستفتاء التأسيسي » Le Referendum Constituent؛ فالاستفتاء السياسي إذن
يستخدم لاستفتاء الشعب في مسألة تتصل بوضع الدستور بصورة تجعل من المحتَّم
على الشعب أن يُقرّ ما يُسْتَفتى فيه, فالسيادة الشعبية هنا لا تلعب دوراً
إيجابياً, بل سلبياً, وهي لا تقرّر شيئاً, بل تقبل ما يُعرض عليها في ظروفٍ
كثيراً ما يتعذَّر عليها فيها أن تتصرف على نحوٍ آخر, ولهذا يطلق عليه
البعض اسم « التصديق الشعبي ». وعلى ذلك, فإن المعيار الحاسم للقول بأن
دستوراً ما قد وضِعَ بأسلوب الاستفتاء الدستوري أو التأسيسي وليس بأسلوب
التصديق الشعبي أو الاستفتاء السياسي، لا يعتمد على التسمية التي تعطيها له
السلطة الحاكمة, إذ قد تعمد هذه السلطة إلى تجنّب استخدام اصطلاح
الاستفتاء السياسي رغم انطباقه على مضمون الاستفتاء المراد اللجوء إليه,
كما أنه لا يعتمد أيضاً على الجهة أو الهيئة التي تولت وضع مشروع الدستور
المطروح على التصويت الشعبي ( هل هي جمعية تأسيسية منتخبة، أو لجنة حكومية،
أو حتى الحاكم نفسه ), وإنما يعتمد بشكل أساسي على الظروف الواقعية التي
جرت فيها عملية الاستفتاء, فنقول إن هناك استفتاء دستوري أو تأسيسي إذا
كانت إرادة الشعب حرة في الموافقة أو عدم الموافقة على مشروع الدستور
المعروض عليه، ونكون أمام استفتاء سياسي أو تصديق شعبي إذا كانت إرادة
الشعب مسلوبةً أو غير حرةٍ، بحيث يوضع الدستور في ظروف تُحتّم على الشعب
الموافقة شبه التلقائية . ولهذا , فإن الفقه الدستوري في غالبيته متفقٌ على
أن الاستفتاء حتى يكون - بحقّ - الأسلوب الديمقراطي الأمثل لوضع
الدساتير, فإنه من الضروري أن تتوافر له المقومات أو الضمانات التي تحقق له
هذه الأفضلية على غيره من الأساليب المتبعة في وضع وإنشاء الدساتير, وهذه
المقومات أو تلك الضمانات تتمثل في الآتي:
1- أن يجري الاستفتاء في
مجتمع سياسي يكون فيه الأفراد على درجة مناسبة من الوعي والنضج السياسي
تسمح لهم بتفهم شؤونهم العامة, والاشتراك الجدي في مباشرة السلطة
التأسيسية, والمساهمة الفعَّالة والإيجابية في وضع قواعد نظام الحكم في
الدولة. فليس من المقبول استفتاء شعب أُمّي لا يعرف حتى القراءة والكتابة
وهي مفاتيح العلم المعتادة بين الناس, إذ إن الاستفتاء هو طلب الفتوى, ولا
يتصوَّر أن تُطلَب الفتوى من جاهلٍ لا علم له.
2- يجب أن يكون
الاستفتاء مسبوقاً بمناقشات كافية لكل وجهات النظر من مختلف فئات الشعب
وقطاعاته, وهذا يستلزم بطبيعة الحال أن لا يُطلب من الشعب المشاركة في
عملية الاستفتاء إلا بعد انقضاء فترة كافية على إعلان مشروع الدستور
المقترح على الرأي العام بواسطة أجهزة الإعلام المختلفة (كالصحف والمجلات
والإذاعة والتلفزيون والانترنت ... الخ), حتى تتاح الفرصة الكافية أمام
المواطنين للإطلاع على مشروع الدستور المقترح للوقوف على ما ينطوي عليه من
المزايا والعيوب .
3- يجب أن يُجرى الاستفتاء في جوً من الديمقراطية
السليمة, بحيث يتمتع فيه المواطنون بالقدر الكافي من الحريات العامة, خاصةً
حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة وحرية الاجتماع . وهذا يستلزم بطبيعة
الحال إتاحة الفرصة أمام الجميع أفراداً وأحزاباً من الموالاة أو المعارضة
للتعبير عن آرائهم بحرية تامة, بعيداً عن أجواء الخوف والقمع . ولذلك لا
يجوز استبعاد الاتجاهات المعارضة أو اضطهادها أو حرمانها من حرية التعبير
عن آرائها.
ولكي يستطيع الفرد أن يُكَوِّن رأياً مستنيراً يتعيَّن أن
تكون وسائل الإعلام حرةً ومستقلة ومحايدة, حتى يستطيع أن يزن الأمور بناءً
على حقائق, أمَّا وضع رقابة على وسائل الإعلام أو جعلها تكتسي طابع الإرشاد
والتوجيه والإقناع برأي واحد دون سواه, فمن شأنه أن يحول دون الارتقاء
بمستوى تفكير المواطنين, وتنمية الوعي السياسي لديهم, وزيادة قدرتهم على
تحمّل المسؤولية, والاهتمام بالشؤون العامة .
4 - وأخيراً, يجب لضمان
نزاهة عملية الاستفتاء ذاتها, من حيث استعمال وسائل الدعاية والإعلام,
وحرية وسرية التصويت, وأمانة فرز وحساب الأصوات المعبَّر عنها في الاستفتاء
لمعرفة نتيجته النهائية, أن يجري الاستفتاء تحت إشراف ورقابة الهيئات
القضائية في البلاد, أو على الأقل تحت إشراف جهات أو هيئات أخرى - محلية
أو غير محلية - تكون مستقلة ومحايدة . فمِمَّا لا شك فيه أن تزييف نتائج
الاستفتاء يُفقده كلَّ قيمةٍ حقيقية .





رابعا - طريقة المعاهدات الدولية :
أضاف
جانب من الفقه إلى أساليب نشأة الدستور – والتي اشرنا إليها – أسلوبا آخر :
وضع الدستور بواسطة المعاهدات الدولية . ورأى الفقه أن قواعد القانون
الدولي ساهمت في تكوين القواعد الدستورية من خلال إقامة عدد من الدساتير
بموجب أحكام معاهدة بين عدد من الدول أو على اثر معاهدة من بينها وعلى سبيل
المثال الدستور السويسري الصادر عام 1848 والذي يرجع أساسه إلى معاهدة
عقدت بين عدد من المقاطعات اتحدت للدفاع عن مصالحها المشتركة ، وفي ألمانيا
كان الدستور الصادر عام 1867 ( والنافذ حتى عام 1918) يجد أصول قواعده في
المعاهدة المعقودة بين (39) دولة ألمانية عام 1815 وفي الوثيقة التي اقرها
مندبوا هذه الدول عام 1820 . ويسري هذا التأصيل على جميع الدساتير
الفيدرالية والكونفدرالية حيث أن أحكامها تجد أصولها في معاهدات و مواثيق
دولية . وقد ساهمت قواعد القانون الدولي في إقامة دستور النمسا الاتحادي
عام 1920 ووضع الدستور اليوغسلافي عام 1946 وفي تكوين قواعد الدستور
السوفيتي الصادر عام 1924 كما تأثرت دساتير دول أمريكا اللاتينية في تكوين
قواعدها بالمعاهدات الدولية التي عقدت بين الدول المكونة لها ومن أمثلة ذلك
الدستور الأرجنتيني لعام 1853 والدستور المكسيكي لعام 1850 والدستور
البرازيلي لعام 1889 و كذلك دستور عام 1946 . ومن أمثلة الدساتير العربية
التي تأسست بمقتضى اتفاق دولي الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة
لعام 1958 و الذي صدر بموجب اتفاق المعقود بين سوريا ومصر بعد إجراء
استفتاء عام عليه . لقد امتد دور القانون الدولي في إقامة الدساتير الوطنية
من خلال عهد العصبة و ميثاق الأمم المتحدة في ضوء نظامي الانتداب و
الوصاية واستغلال ذلك في إقامة دساتير الدول التي وضعت تحت نظام الحماية أو
الانتداب بما يحفظ مصالح الدول الكبرى القائمة على أمرها و من ذلك الدستور
الأردني عام 1928 الذي وضع بناء على قرار دولي تمثل في صك الانتداب و كذلك
إقامة الدستور الليبي الاتحادي الصادر عام 1956 تحت تأثير الأمم المتحدة و
إقامة دستور الحبشة عام 1952 بمقتضى قرار الأمم المتحدة الصادر عام 1950 .
ونجد الأصل الاتفاقي : أيضاً في الدستور العراقي لعام 1925 إذ كان
للمعاهدة المعقودة بين بريطانيا والعراق عام 1922 دورا رئيسيا و مباشرا في
تكوين القواعد الأساسية التي حددت سمات الدستور العراقي وذلك بما وضعته هذه
المعاهدة في مادتها الثالثة من التزامات فرضت على العراق تنفيذها من خلال
صياغتها في قواعد دستورية . وقد جسدت نصوص الدستور العراقي الصادر في 21
آذار 1925 مضمون هذه المادة تجسيدا كاملا ويتضح هذا بجلاء في النصوص الخاصة
بالحقوق والحريات العامة .
وأخيراً يجدر التذكر أن دستور قبرص الصادر
عام 1960 كان ثمرة معاهدة الضمان التي عقدت بين اليونان و تركيا و بريطانيا
عام 1960 وهو جزء منها. وهكذا قامت الطريقة على أساس نشأة الدستور نتيجة
اتفاق أو معاهدة دولية معقودة بين دولتين أو أكثر و الأخذ بهذا الأسلوب
يعني أن المعاهدة الدولية تكون واجبة النفاذ من تلقاء نفسها أي لا يتوقف
هذا النفاذ على إقرارها من قبل السلطات المختصة داخل الدولة. غير أن هذا
الاتجاه لم يلق تأييداً من جانب آخر من الفقه حيث لا يقر بالمعاهدة كأسلوب
مستقل من أساليب نشأة الدستور ذلك لأن مضمون المعاهدة يرمي إلى تنظيم
العلاقات بين الدول على عكس مضمون الدستور الذي يهدف إلى تنظيم سلطات
الدولة و العلاقات بينها وبين الأفراد ومن ثم فأن الدستور يجب أن يكون
صادرا عن سلطة تأسيسية داخل الدولة فإذا تم وضع الدستور عن طريق معاهدة
دولية فأن إقرار هذه المعاهدة ونفاذها يعود إلى السلطة الحاكمة وهذا يعني
أن صدوره يبقى من صلاحيات السلطة الداخلية.
وصفوة القول أنه في الحالات
التي يثبت فيها أن وثيقة الدستور قد نشأت نتيجة معاهدة دولية ينبغي – لكي
يمكن تحديد الأسلوب الذي نشأت به – أن نبحث عن السلطة التي تملك داخل
الدولة إقرار تلك المعاهدة وأن نعتبر وثيقة الدستور صادره عنها.






تكبير الصورة معاينة الأبعاد الأصلية.
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]





طرق وظروف وضع الدساتير الجزائرية
عرفت
الجزائر منذ الاستقلال والى يومنا هذا حياة دستورية مضطربة بين المشروعية
والشرعية ازدادت تأزما بعد الثمانينات، فقد عرفت دستورين برامج مشحونين
بالإيديولوجية الاشتراكية سنة (1963 – 1976) ودستور قانون سنة (1989)
وتعديل لهذا الأخير سنة (1996)، ويرجع ذلك إلى تباين الأوضاع السياسية
والاقتصادية والقانونية لكل مرحلة من مراحل التجربة الدستورية الجزائرية،
وخاصة في الفترة الممتدة بعد أحداث أكتوبر 1989.
1- دستور 08 سبتمبر 1963:
دستور 1963 كان دستور برنامج، أي ذلك الدستور الذي يغلب عليه الطابع
الإيديولوجي على الجانب القانوني، ويعرف في الأنظمة الاشتراكية، فالدستور
في هذه الحالة يكرس الاشتراكية ويحددها هدفا ينبغي تحقيقه، كما يحدد وسائل
تحقيقها ويكرس أيضا هيمنة الحزب الحاكم، ومع ذلك كله فإنه يتناول الجوانب
القانونية المتعلقة بتنظيم السلطة كما يبين حقوق وحريات الأفراد ومجالاتها.
وضع
دستور 1963 كان من اختصاصات المجلس التأسيسي المنشئ بحكم اتفاقية افيان،
إلا أن الرئيس "أحمد بن بلة" تملص عن هدا المبدأ بإعطاء الضوء الأخضر
للمكتب السياسي في مناقشة وتقويم مشروع دستور في جويلية 1963، وعرضه على
المجلس التأسيسي للتصويت عليه، ثم تقديمه للاستفتاء الشعبي في سبتمبر 1963،
وإصداره في 08 سبتمبر 1963، فرغم أن المشرع الجزائري أخذ بالطريقة
الديمقراطية (الجمعية التأسيسية والاستفتاء) إلا أن هذه الطريقة يشوبها
العديد من المخالفات، كمناقشة الدستور على المستوى الحزبي، مما تبعه سلسلة
من الاستقالات على مستوى المجلس التأسيسي (فرحات عباس، حسين آيت أحمد...).
2- دستور 22 نوفمبر 1976: حاولت
جماعة 19 جوان 1965 تأسيس نظام سياسي مدستر، فأصدرت نصين، إحداهما ذو طابع
سياسي إيديولوجي هو "الميثاق الوطني"-أعتبر بمثابة عقد بين الحاكم
والمحكومين، إذ تضمن المحاور الكبرى لبناء المجتمع الاشتراكي وحدد الحزب
الواحد، ووحدة القيادة السياسية للحزب والدولة- والثاني يعتبر تكريسا
قانونيا للأول وهو "الدستور". وضع دستور 1976 جاء بعد إصدار القيادة في
الجريدة الرسمية –المرقمة 58 والمؤرخة في 13 جويلية 1965- عزمها على
استصدار دستور فتشكلت لجنة حكومية لصياغة نص الدستور وتقديمه للاستفتاء
الدستوري يوم 19 نوفمبر 1976، وتمت الموافقة عليه و أصدر في 22 نوفمبر
1976. وكان إقرار الميثاق الوطني سابق له، فقد تم إعداد المشروع التمهيدي
على مستوى مجلس الثورة والحكومة، وفتحت المناقشة العامة خلال شهري ماي
وجوان.
3- دستور 23 فيفري 1989:
بالنسبة لهذا الدستور فإنه لم يكن وليد ظروف عادية، وإنما لتلبية مطالب
عديدة جسدتها أحداث أكتوبر التي جاءت كرد فعل لأوضاع سياسية واقتصادية
واجتماعية مزرية، أدت فقد أغلبية الشعب الثقة في السلطة ولأجل ذلك وحفاظا
على مؤسسات الدولة فقام رئيس الجمهورية بفتح باب الحوار وطرح القضايا
الأساسية على الشعب للفصل بكل ديمقراطية كما وعد بالقيام بإصلاحات سياسية
ودستورية، ومنها دستور 23 فيفري 1989 الذي كرس مبدأ التعددية الحزبية،
واقتصر على ذكر الجوانب القانونية المتعلقة بتنظيم السلطة وتحديد صلاحياتها
وتكريس نظام الحريات وحقوق الأفراد. تم الإعلان عن المشروع الدستوري، مما
تبعته مناقشات على مستوى الإعلام المكتوب والمرئي، وتحضير العديد من
الموائد المستديرة بمشاركة مختلف الاتجاهات (الإسلاميين، الأحرار،
الديمقراطيين، أعضاء جبهة التحرير الوطني)، وقد تم إقرار الدستور من خلال
استفتاء دستوري يوم 23 فيفري 1989 وكانت النتائج نعم 78.98% ، وهكذا فإن
الدستور أقر عن طريق الاستفتاء.
4- دستور 28 فيفري 1996: إن
هذا الدستور الأخير ما هو إلا نتيجة للظروف الاستثنائية التي تعيشها
البلاد و الأوضاع المزرية على كل الأصعدة، خاصة منذ استقالة رئيس الجمهورية
الشادلي بن جديد وتعطيل المسار الانتخابي وما ترتب عن ذلك من أعمال هددت
الأمن العام والاستقرار السياسي والمؤسساتي للبلاد، وهذا مما دفع إلى إنشاء
بعض المؤسسات وصفت بالمؤسسات الانتقالية منها المجلس الأعلى للدولة انتهت
مهامه بتنظيم ندوة الوفاق الوطني في جانفي 1994. ثم أول انتخابات رئاسية
تعددية شهدتها الجزائر، وذلك في 16 أفريل 1995، كما تم إنشاء المجلس الوطني
الانتقالي والذي تولى مهام السلطة التشريعية منذ 18 ماي 1994 إلى غاية
تنظيم الانتخابات التشريعية في جوان 1997، حيث ضم هذا المجلس ممثلي بعض
الأحزاب بالإضافة إلى أغلبية ممثلي الحركة الجمعوية وبعض المنظمات الوطنية
والنقابات التي لها ثقل على المستوى الوطني. كما كان هذا الهدف من هذا
الدستور سد مجموعة من الثغرات التي تضمنها دستور 1989 وخاصة فيما يخص حالة
تزامن شغور منصب رئيس الجمهورية مع حل المجلس الشعبي الوطني كما كان الحال
في جانفي 1992. ونظرا للأسباب السالفة الذكر تم اقتراح تعديل الدستور
بمشاركة مجموع الطبقة السياسية بمختلف تياراتها وخاصة في مرحلة إعداد
الوثيقة المعدلة للدستور التي تمت المصادقة عليها من طرف الأمة في استفتاء
28 نوفمبر 1996. وقد جاء هذا الدستور بعدة تعديلات كإنشاء مجموعة من
المؤسسات الدستورية منها مجلس الأمة والمحكمة العليا للدولة، ومجلس الدولة،
كما كرس الرقابة الدستورية وذلك من خلال الدور الفعال للمجلس الدستوري،
هذا الأخير الذي ارتفع عدد أعضائه إلى تسعة كما جاء في نص المادة 164 من
دستور 1996.










===================

البقية في الجزء الرابع


===================







بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الكلمات الدليلية (Tags)
القانون الدستوري - الجزء الثالث, القانون الدستوري - الجزء الثالث, القانون الدستوري - الجزء الثالث,

الإشارات المرجعية

التعليق على الموضوع بواسطة الفيس بوك

الــرد الســـريـع
..
آلردودآلسريعة :





تعليمات المشاركة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

اختر منتداك من هنا



المواضيع المتشابهه