منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب
السلام عليكم ورحمة الله وبركـاتـه

أهلا وسهلا في منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب نحن سعداء جدا في منتداك بأن تكون واحداً من أسرتنا و نتمنى لك الأستمرار و الاستمتاع بالإقامة معنا و تفيدنا وتستفيد منا ونأمل منك التواصل معنا بإستمرار في منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب و شكرا.

تحياتي

ادارة المنتدي

http://www.ouargla30.com


 
الرئيسيةالرئيسية  البوابة*البوابة*  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى ، فيرجى التكرم بزيارةصفحة التعليمـات، بالضغط هنا .كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيعو الإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب .

نشأة اللغة العربية وتطورها 1

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
فقدت كلمة المرور
البحث فى المنتدى
Loading



هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل .

و يسعدنا كثيرا انضمامك لنا ...

للتسجيل اضغط هـنـا


منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب :: °ღ°╣●╠°ღ°.. منتديات الثقافة والأدب ..°ღ°╣●╠°ღ° :: منتدى اللّغة العربيّة

شاطر
الأربعاء 23 أكتوبر - 15:37
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67718
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: نشأة اللغة العربية وتطورها 1



نشأة اللغة العربية وتطورها 1


نشأة اللغة العربية وتطورها 1

اللغة نظام يتلقاه الفرد عن مجتمعه بطريق التعليم والتقليد، كما يتلقى عنه سائر النظم الاجتماعية الأخرى، ويصب أصواته في قوالبه، ويحتذ به في تفاهمه وتعبيره، وهي تقوم على عناصر ثلاثة "الأصوات، الألفاظ، الجمل".
واللغة ليست من الأمور التي يضعها فرد معين أو أفراد معينون، وإنما تخلقها طبيعة الاجتماع، وتنبعث على الحياة الجمعية، وما تقتضيه هذه الحياة من تعبير عن الخواطر وتبادل للأفكار، وهكذا فإنها ليست غاية مقصودة لذاتها، وإنما هي وسيلة ضرورية للتفاهم والثقافة والعلم، وهي القالب الذي يصب فيه التفكير، فكلما ضاق هذا القالب واضطربت أوضاعه ضاق نطاق الفكر واختل إنتاجه، وهي ظاهرة بسيكولوجية اجتماعية ثقافية مكتسبة، لا صفة بيولوجية ملازمة للفرد، تتألف من مجموعة رموز صوتية لغوية اكتسبت عن طريق الاختبار معاني مقررة في الذهن، وبهذا النظام الرمزي الصوتي تستطيع جماعة ما أن تتفاهم وتتفاعل، وباللغة فقط صار الإنسان إنساناً، وباللغة فقط تطورت الحضارة وتقدم العمران وبلغ العقل الإنساني ذروته(1).
يقول الدكتور إبراهيم السامرائي(2) "إن اللغة وثيقة الصلة بالإنسان وبيئته فهي تظهر المجتمع الإنساني على حقيقته، وليست اللغة رابطة بين أعضاء مجتمع واحد بعينه، وإنما هي عامل مهم للترابط بين جيل وجيل، وانتقال الثقافات عبر العصور لا يتأتى إلا بهذه الوسيلة العجيبة".
ويشير فخته(3) إليها بقوله: "اللغة تجعل من الأمة الناطقة بها كُلاًّ متراصاً خاضعاً لقوانين. إنها الرابطة الوحيدة الحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان". بينما يرى فوسلر(4) أن اللغة القومية وطن روحي يؤدي من حرم وطنه على الأرض. ويعتبر مصطفى صادق الرافعي(5) أن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة كيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها.
إن الفكر لا ينفصل عن اللغة التي هي عين عينه، ومن هنا توسَّدَتْ دورها الخطير في بناء شخصية الإنسان، فرداً ومجتمعاً، ومن هنا بالتالي ظهر أثرها في إيقاظ الشعور القومي أو الوعي القومي فهي من أهم عوامل القومية، بل إنها العامل الأول لترسيخ الانتماء القومي.
واللغة ليست وسيلة من وسائل التفاهم والثقافة فحسب، وإنما هي أساس كل نشاط ثقافي، ووظيفتها هي الدلالة والإيحاء، وترتقي اللغة بارتقاء الفكر وهي أشبه بكائن حي تنعكس فيه جميع مزايا المجتمع إنها المستودع الأكبر، والأمين للتراث الاجتماعي والعقيدة، وهي العامل الأوحد لنشر هذا التراث بصورة مشتركة بين مختلف صنوف الشعب، بها يتسلم الجيل الطالع من الجيل المتواري نظرته في الإنسان، والمادة، والخالق فتكون همزة وصل الأجيال بعضها ببعض.
وفي الاعتبار التربوي أن الطالب الذي يتدرب على صحة التعبير يتدرب أيضاً على صحة التفكير فالتعبير والتفكير جوهر واحد(6).
ويظهر أن العرب القدماء في العصور الجاهلية وصدر الإسلام لم يكونوا يعبرون عما نسميه نحن "باللغة" إلا بكلمة "اللغة العربية" وقد يستأنس لهذا الرأي بما جاء في القرآن الكريم من استعمال كلمة "اللسان" وحدها في معنى اللغة نحو ثماني مرات(7).
وتبرز اللغة العربية كإحدى اللغات العظيمة التي تُعَدُ مرآة حضارة أمة عريقة لتكون بالكتاب المقدس والذي أنزل على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- باللسان العربي المبين، لغة الكتاب المعجز، ومثلاً رائعاً في الصياغة اللغوية، بل مثلاً فريداً في الإعجاز اللغوي، والمواطن الصالح هو الذي يعتز بلغة أمته وما أجدر اللغة العربية بهذا الاعتزاز!
اللحن:
يعرف الدكتور رمضان عبد التواب اللحن بقوله: "هو مخالفة العربية الفصحى في الأصوات، أو في الصيغ، أو في تركيب الجملة وحركات الإعراب، أو في دلالة الألفاظ، وهذا هو ما كان يعنيه كل من ألف في لحن العامة من القدامى والمحدثين، ويظهر ذلك بوضوح من الأمثلة التي عالجوها في كتبهم(Cool.
وتطلق كلمة "اللحن" في اللغة العربية على عدة معان جمعها "ابن بري" في قوله: "للحن ستة معان: الخطأ في الإعراب، واللغة، والغناء، والفطنة، والتعريض، والمعنى".
أما "اللحن" بالمعنى الأول وهو الخطأ في الإعراب، فالظاهر أنه كان يقصد به مخالفة الفصحى بوجه من الوجوه السابقة، وإن ظفرت حركات الإعراب باهتمام السابقين من اللغويين والنحويين، وليس هذا المعنى أقدم معاني كلمة "اللحن" عالمي العربية إذ لا نملك له نصوصاً قبل العصر الأموي.
وكان اللحن من أول مظاهر ابتعاد العامية عن الفصحى، وهو أول أدواء العامية قيل: إنه ظهر في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد روي أن رجلاً لحن بحضرته فقال: "أرشدوا أخاكم فقد ضل"، كما رويت أخبار كثيرة عن شيوع اللحن منذ القرن الأول في عصر الدولة الأموية واستهجان خلفائها وولاتها وأدبائها له.
وقد روي أنه جاء قوم إلى زياد فقالوا: أصلح الله الأمير: "توفي أبانا وترك بنون" فَصُعِقَ، زياد لهذه الأخطاء الفاضحة، وطلب أبا الأسود الدؤلي فقال: ضع للناس العربية، هم يلحنون في القرآن، فلو رسمت لهم رسماً، إن المراضع من الموالي قد أفسدوا ألْسِنَةَ الذين أرضعنهم من العرب.
ويحكى أيضاً أن أبا الأسود الدؤلي دخل يوماً إلى منزله فقالت له بعض بناته: ما أَحْسَنُ السماءِ! فقال: أي بنية نجومها فقالت: إني لم أرد أي شيء منه أحسن، وإنما تعجبت من حسنها. فقال إذاً فقولي: ما أَحْسَنَ السَّمَاءَ وحينئذ وضع باب التعجب في علم النحو، وكان هذا بعض ما حدا العرب على وضع النحو(9).
وقد روي أن عبد الملك بن مروان كان يحذر أبناءه من اللحن لأنه كان يرى أن اللحن في منطق الشريف أقبح من آثار الجدري في الوجه، وأقبح من الشق في ثوب نفيس، وروي أيضاً أنه لم يكن يستعمل صيغاً ملحونة حتى في المزاح وأنه كان يقدر الدقائق اللغوية حق قدرها.
ونلاحظ أن اللغة العربية لم تسلم من اللحن على لسان بعض الناطقين بها، ولقد حاولت أن تفلت من قيود الإعراب في جميع العصور التي تعاقبت عليها بعد أن سُنَّتْ شريعة النحو لم يستفحل الهجوم على النحو إلا في الآونة الأخيرة.
وإنما الجديد هو معاندة الحق والإصرار على الخطأ، كما أشار إلى أن وضع علم النحو وقواعد اللغة كانا بسبب انتشار اللحن وشيوع الخطأ(10).
اللهجة
لقد بحث الدكتور إبراهيم أنيس(11) "اللهجة" بإسهاب، وقال في مطلع كتابه: اللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث هي مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة، وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات، لكل منها خصائصها ولكنها تشترك جميعاً في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث فهماً يتوقف على قدر الرابطة التي تربط بين هذه اللهجات وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات هي التي اصطلح على تسميتها باللغة، فالعلاقة بين اللغة واللهجة هي العلاقة بين العام والخاص، فاللغة تشتمل على عدة لهجات لكل منها ما يميزها، وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية والعادات الكلامية التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات.
وقد كان القدماء من علماء العربية يعبرون عما نسميه الآن باللهجة بكلمة "اللغة" حيناً "وباللحن" حيناً آخر، نرى هذا واضحاً جلياً في المعاجم العربية القديمة وفي بعض الروايات الأدبية، فيقولون مثلاً: الصقر بالصاد من الطيور الجارحة، وبالزاي لغة (بضم اللازم وكسرها).
يروى أن أعرابياً كان يقول في معرض الحديث عن مسألة نحوية: "ليس هذا لحني ولا لحن قومي" وكثيراً ما يشير أصحاب المعاجم إلى لغة تميم ولغة طي ولغة هذيل، ولا يريدون بمثل هذا التعبير سوى ما نعنيه نحن الآن بكلمة "اللهجة".
ويعتبر الدكتور علي عبد الواحد وافي(12) أن السبب الرئيسي في تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات يرجع إلى انتشار اللغة في مناطق مختلفة واسعة واستخدامها لدى جماعات كثيرة العدد وطوائف مختلفة من الناس، فانعزال بيئات الشعب الواحد والصراع اللغوي نتيجة غزو أو هجرات سببان كافيان لِتَكَوُّنِ اللهجات، وقد شهد التاريخ نشوء عدة لهجات مستقلة للغة الواحدة نتيجة هذين العاملين أو كليهما معاً.
أما الصفات التي تتميز بها اللهجة فتكاد تنحصر في الأصوات وطبيعتها وكيفية صدورها، فالذي يفرق بين لهجة وأخرى هو بعض الاختلاف الصوتي في غالب الأحيان فيروى مثلاً أن قبيلة تميم كانوا يقولون في "فزت"، "فزد" كما كانوا ينطقون بالهمزة عيناً، كما يروى أن "الأجلح" وهو الأصلع ينطق بها "الأجله" عند بني سعد، وتتميز بيئة اللهجة بصفات صوتية خاصة تخالف كل المخالفة أو بعضها صفات اللهجات الأخرى في اللغة الواحدة، غير أن اللهجة قد تتميز أيضاً بقليل من صفات ترجع في "سكرى" سكرانة، وأن بعضاً من تميم كانوا يقولون "مديون" بدلاً من "مدين" كما تذكر المعاجم أن كلمة "الهجرس" تعني القرد عند الحجازيين، وتعني الثعلب عند تميم ولكن يجب أن تكون هذه الصفات الخاصة التي مرجعها بنية الكلمات ودلالتها من القلة بحيث لا تجعل اللهجة غريبة على أخواتها، فلا تلبث أن تستقل وتصبح لغة قائمة بذاتها. ويجدر بالذكر أن لهجات القرى – في مواطن القبائل العربية ومنذ قرون السنين – أفصح من لهجات المدن وأقل منها في الكلمات الدخيلة، وأدنى منها إلى العربية الفصحى، ويرجع السبب في ذلك إلى ميل سكان القرى إلى المحافظة وقلة احتكاكهم بالأجانب، وكانت لهجات القبائل والعشائر تنتقل على ألسنة الناس وكل شكل منها يدعى لغة، أما أم القوارن فهي ظاهرة الإعراب.
نشأة اللغة العربية وأقسامها
يطلق اسم اللغات السامية على لغات الشعوب الآرامية والفينقية والعبرية والعربية واليمنية والبابلية والأشورية وما انحدر منها، وعلى بعض اللغات الأخرى التي ظهر لهم انتماؤها إلى الفصيلة نفسها التي تنتمي إليها هذه اللغات فمدلولها يشمل اللغات الأكادية (الأشورية – البابلية) والآرامية والكنعانية (الفينقية والعبرية) والعربية واليمنية القديمة والحبشية.
ويرى الدكتور علي عبد الواحد وافي أنه من الخطأ النظر إلى واحدة من اللغات السامية على أنها أول لغة تكلم بها الشعب السامي(13)، وعلى الرغم من أن اللغة العربية قد نشأت في أقدم مواطن الساميين (بلاد الحجاز ونجد وما إليها) فإن ما وصل إلينا من آثارها يعد من أحدث الآثار السامية، فبينما يرجع أقدم ما وصل إلينا من آثار الأكادية إلى ما قبل القرن العشرين ق.م، ومن آثار الآرامية إلى القرن التاسع ق.م نجد أن أقدم ما وصل إلينا من آثار العربية البائدة لا يتجاوز القرن الأول ق.م، وأقدم ما وصل إلينا آثار العربية الباقية لا يكاد يتجاوز القرن الخامس بعد الميلاد، ولذلك لا نعلم شيئاً عن طفولة اللغة العربية وما اجتازته من مراحل في عصورها الأولى(14)، ولكن اللغة لم تكن وليدة ليلة وضحاها ولابد أن يكون وراءها تاريخ مديد غامض لندرة المصادر والوثائق السابقة لعصر التدوين، ولهذا فلا يبقى لدى المؤرخ إلا أن يعتمد اللغة كما انحدرت إلينا منذ القرن السابع الميلادي.
وعلى ضوء ما وصل إلينا من آثارها يمكن تقسيمها قسمين: العربية البائدة، والعربية الباقية:
1 – أما العربية البائدة: أو "عربية النقوش" فتطلق على لهجات كانت تتكلم بها عشائر عربية تسكن شمال الحجاز على مقربة من حدود الآراميين وفي داخل هذه الحدود ولتطرف هذه اللهجات في الشمال، وشدة احتكاكها باللغات الآرامية وبعدها عن المراكز العربية الأصلية بنجد والحجاز فقدت كثيراً من مقوماتها وصبغت بالصبغة الآرامية، وقد بادت هذه اللهجات قبل الإسلام ولم يصل إلينا منها إلا بعض نقوش عثر عليها أخيراً في المناطق السابق ذكرها، ومن أجل ذلك سمي أحياناً "عربية النقوش".
2 – وأما "العربية الباقية" فهي التي تنصرف إليها كلمة العربية عند إطلاقها والتي لا تزال تستخدم عندنا وعند الأمة العربية الأخرى لغة أدب وكتابة وتأليف، وقد نشأت هذه اللغة ببلاد نجد والحجاز، ثم انتشرت في كثير من المناطق التي كانت تشغلها من قبل أخواتها السامية والحامية، وأشبعت منها اللهجات التي تتكلم بها في العصر الحاضر في بلاد الحجاز ونجد واليمن وما يتاخمها ويتصل بها من محميات وإمارات مستقلة وفي فلسطين والأردن ولبنان والعراق والكويت ومصر والسودان وبلاد المغرب العربي ومالطة.
وقد وصلت إلينا اللغة العربية الباقية عن طريق آثار العصر الجاهلي والقرآن والحديث وآثار العصور الإسلامية المختلفة(15).
ومن الأهمية بمكان ونحن نبحث نشأة اللغة العربية – أن نستعرض رأي أنستاس ماري الكرملي حيث يقول: "اللغويون على فريقين متعادلين: فريق يذهب إلى أنه الكلمة وضعت في أول نشوئها على حرفين، ثم زيد فيها حرف أو أكثر في الصدر أو القلب أو الطرف، فتصرف بها المتكلمون تصرفاً يختلف باختلاف البلاد والقبائل والبيئات والأهوية، فكان لكل زيادة أو حذف أو قلب أو إبدال أو صبغة، أو غاية، أو فكرة دون أختها، ثم جاء الاستعمال مع الزمن فأرساها على ما أوصته إليهم الطبيعة أو ساقهم إليه الاستقراء والتتبع الدقيق.
وفريق يقول: إن الكلمة وضعت في أول نشوئها على ثلاثة أحرف بهجاء واحد أو بهجاءين، ثم جرى عليها المتكلمون بها على حد ما تقدمت الإشارة إليه قبيل هذا فاتسعت لهم الآفاق المتنوعة وظهرت الفروق وكثرت اللغات واختلفت اللغات إلى آخر ما كان من هذا القبيل(16).
ولمجرد الإشارة إلى ترتيب نشوء المفردات في أول وضعها نقول: عرفنا أن الفريق الأول يرى أن ما نشأ من المفردات كان موضوعاً على هجاء واحد، ثم جاء المضاعف من ثلاثي ورباعي فيكون ثلاثياً إذا لم نتخيل الحركة في الشيء، الحرف الأخير من الكلمة التي ينطق بها لئلا يختلط مخرج حرف بمخرج حرف آخر يقاربه ويدانيه صوتاً، ولا يكون ذلك إلا بالشد على الحرف الأخير وإبرازه متحركاً لكي لا يقع أدنى، ثم نشأ في وقت واحد الأجوف والناقص، وبعد ذلك نشأ المهموز، وفي الآخر ظهر المثال الواوي واليائي.
نشأت تلك التحولات شيئاً بعد شيء، والطائفة الأولى من الأفعال ساقت الناطقين فدفعتهم إلى ما بعدها من غير أن نعين زمناً ولا نحدد وقتاُ، فهذا كله موكول إلى الغرائز والبيئات والمتكلمين بلغة يعرب، وقحطان، وإسماعيل.
1) تطور اللغة:
تتأثر اللغة في تطورها بعوامل كثيرة يرجع أهمها إلى ست طوائف:
إحداها: عوامل اجتماعية خالصة تتمثل في بحضارة الأمة ونظمها وعاداتها وتقاليدها وعقائدها ومظاهر نشاطها العملي والعقلي وثقافتها العامة واتجاهاتها الفكرية ومناحي وجدانها ونزوعها... إلخ.
وثانيتها: تأثر اللغة بلغات أخرى.
وثالثتها: عوامل أدبية تتمثل فيما تنتجه قرائح الناطقين باللغة، وما تبذله معاهد التعليم والمجامع اللغوية وما إليها في سبيل حمايتها والارتقاء بها.
ورابعتها: انتقال اللغة من السلف إلى الخلف.
وخامستها: عوامل طبيعية تتمثل في الظواهر الجغرافية والفيزيولوجية وما إليها.
وسادستها: عوامل لغوية ترجع إلى طبيعة اللغة نفسها وطبيعة أصواتها وقواعدها ومتنها.. الخ، وذلك أن عناصر اللغة نفسها قد تنطوي على بعض نواح تؤثر في تطورها.
1 – أثر العوامل الاجتماعية في خصائص اللغة وتطورها:
تتأثر اللغة أيما تأثر بحضارة الأمة، ونظمها وتقاليدها وعقائدها واتجاهاتها العقلية ودرجة ثقافتها ونظرتها إلى الحياة، وشؤونها الاجتماعية العاملة، وما إلى ذلك، فكل تطور يحدث في ناحية من هذه النواحي يتردد صداه في أداة التعبير، ولذلك تعد اللغات أصدق سجل لتاريخ الشعوب، فكلما اتسعت حضارة الأمة وكثرت حاجاتها ومرافق حياتها ورقي تفكيرها وتهذبت اتجاهاتها النفسية نهضت لغتها وسمت أساليبها وتعددت فيها فنون القول ودقت معاني مفرداتها القديمة ودخلت فيها مفردات أخرى عن طريق الوضع والاشتقاق والاقتباس للتعبير عن المسميات والأفكار الجديدة.. الخ، واللغة العربية أصدق شاهد على ما نقول، فقد كان لانتقال العرب من حياة الجاهلية إلى حضارة الإسلام، ومن النطاق العربي الضيق الذي امتازت به مدينتهم في عصر بني أمية إلى الأفق العالمي الواسع الذي تحولوا إليه في عصر بني العباس، كان لهذين الانتقاليين أجل أثر في نهضة لغتهم وفي أساليبها واتساعها لمختلف فنون الأدب وشتى مسائل العلوم.
وانتقال الأمة من البداوة إلى الحضارة يهذب لغتها، ويسمو بأساليبها ويوسع نطاقها ويزيل ما عسى أن يكون بها من خشونة ويكسبها مرونة في الدلالة والتعبير ومظاهر النشاط الاقتصادي تطبع اللغة كذلك بطابع خاص في مفرداتها ومعانيها وأساليبها وتراكيبها، واختلاف الطبقات في بعض الأمم وما يفصلها من فوارق في مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وما يكون عليه الأفراد من حشمة أو أدب في شؤونهم ومعاملاتهم وعلاقتهم بعضهم ببعض – فاللغة العربية بعد الإسلام تتلمس أحسن الحيل إلى الحشمة والأدب في التعبير عن هذه الشؤون فتلجأ إلى المجاز في اللفظ وتستبدل الكناية بصريح القول القبل الدبر، قارب النساء..الخ، وقد ورد نحو ذلك في القرآن الكريم، مثلاً "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم" (البقرة/187) كل ذلك قد انبعث صداه في العربية بألفاظها وتراكيبها.
وخصائص الأمة العقلية ومميزاتها في الإدراك والوجدان والنزوع ومدى ثقافتها ومستوى تفكيرها ومنهجه وتفسيرها ولظواهر الكون وفهمها لما وراء الطبيعة -كل ذلك ينبعث صداه في لغتها ويتطور مدلول الكلمة في لغة ما تبعاً لتطور الشؤون الاجتماعية المحيطة بهذا المدلول، فكلٌّ يتطور من هذا القبيل يته بمدلول الكلمة وجهة خاصة وينحرف به قليلاً أو كثيراً عن أوضاعه الأولى، والأمثلة على ذلك تجل عن الحصر في اللغة العربية وفي غيرها من اللغات، فكلمة "القطار" مثلاً كانت تطلق في الأصل على عدد من الإبل على نسق واحد تستخدم في السفر وفي النقل، ولكن تغير الآن مدلولها الأصلي تبعاً لتطور وسائل المواصلات فأصبحت تطلق على مجموعة عربات تقطرها قاطرة بخارية، وكلمة "البريد" كانت تطلق على الدابة التي تُحْمَلُ عليها الرسائل، ثم تغير الآن مدلولها تبعاً لتطور الطرق المستخدمة في إيصال الرسائل، فأصبحت تطلق على النظم والوسائل المتخذة لهذه الغاية في العصر الحاضر، وعبارة "بنى الرجل على امرأته" كانت تستخدم كناية عن دخوله بها؛ لأن الشاب البدوي كان إذا تزوج يبنى له ولأهله خباء جديداً، ولكنها فقدت الآن معناها الأصلي لانقراض هذا النظام، وإن كانت لا تزال تستخدم كناية عن الزفاف(17).
ويقول الدكتور مازن مبارك: "إن كلمة الصحيفة" تعني الصحيفة التي يكتب فيها وتجمع على صحائف وصُحْف وصُحُف، وفي التنزيل: ﴿إن هذا لفي الصّحُفِ الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾(18) يعني الكتب المنزلة عليهما.
وصحيفة الوجه بشرة جلده، والصحيفة الكتاب، ومنه صحيفة المتلمس وهي اليوم إذا أطلقت تعني إحدى صحف الأخبار، أي أنها تستعمل اليوم مرادفة لكلمة (الجريدة) وليس في هذا الاستعمال الحديث خروج عن المعنى اللغوي الأصيل للكلمة، ولكنه تخصيص له.
وأما كلمة (الجريدة) فمِنْ "جَرَدَ الشيءَ وجَرَّدَهُ" إذا نزع ما عليه، ومنه جرده ثوبه، ومنه الرجل الأجرد الذي نزع شعره، وثوب جرد سقط عنه زئبره، والجريدة من الخيل جماعة من الخيل جردت من سائر الخيل لأمر ما، والجريدة سعفة طويلة وقيل: هي النخلة كالقضيب للشجرة، وفي لسان العرب "وذهب بعضهم إلى اشتقاق الجريدة فقال هي السعفة التي تُقْشَرُ من خوصها كما يقشر القضيب من ورقه، والجمع جريد وجرائد" وفي الحديث "كتب القرآن في جرائد".
فكلمة "الجريدة" إِذاً كانوا يستعملونها لورقة النخل وكانوا يتخذونها للكتابة عليها كما نستعمل الورق اليوم، وقد خصت اليوم بنوع معين من الورق تكتب عليه الأخبار، وتستعمل مرادفة لكلمة الصحيفة(19).
وكثرة استخدام الكلمة في مدلول ما لحدوث ما يدعو إلى ذلك في شؤون الحياة الاجتماعية وما يتصل بها -يجردها مع مرور الزمن من مدلولها الأصلي، ويقصرها على الناحية التي كثر فيها استخدامها، فالصلاة مثلاً معناها في الأصل الدعاء، ثم شاع استعمالها في الإسلام في العبادة المعروفة لاشتمالها على مظاهر الدعاء، حتى أصبحت لا تنصرف عند إطلاقها إلى غير هذا المعنى.
إن دراسة معاني الألفاظ ورصد تلك المعاني في فترات زمنية متباعدة يدل على أن كثيراً من الألفاظ تتبدل دلالاتها فمنها ما تكون دلالته خاصة أو ضيقة ثم...
كلمة (البأس) كانت تعني في الأصل الشدة في الحرب، ثم عمت دلالتها واتسعت وأصبحت تعنى الشدة مطلقاً، وعكس ذلك ما أصاب دلالة كلمة (مأتم)، فقد كان هذا اللفظ يدل على اجتماع النساء في خير أو شر، ثم ضاقت دلالته وتحددت فأصبح يعني اجتماع النساء في الشر فقط(20).
وكثرة استخدام الكلمة في معنى ما في زي ما لسبب اجتماعي ما مثلاً يؤدي غالباً إلى انقراض معناها الحقيقي وحلول هذا المعنى المجازي محله، ومن ذلك كلمة "المجد" فمعناها في الأصل امتلاء بطن الدابة من العلف، ثم كثر استخدامه مجازاً في الامتلاء بالكرم، حتى انقرض معناه الأصلي وأصبح حقيقة في هذا المعنى المجازي.
وأشار الدكتور مازن مبارك إلى أن ابن فارس ذكر إلى جانب الألفاظ الإسلامية ألفاظاً عربية كانت مستعملة قبل الإسلام ثم زالت بمجيئه فقال: ومن الأسماء التي كانت فزالت بزوال معانيها قولهم "المرباع، والنشيطة، والفضول والنواتج، ومما ترك أيضاً الأتاوة والمكس والحلوان وكذلك قولهم: أنعِمْ صباحاُ وأنعِمْ ظلاماً؟؟(21).
ثم تابع الدكتور مازن قوله: "ويروون عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألفاظاً لم يقلها أحد قبله كقوله: "مات حتف أنفه"، "ولا ينتطح فيها عنزان"، "والآن حمي الوطيس"، و"إياكم وخضراء الدمن وغيرها".
كان للإسلام وما أتى به من تطور فكري واجتماعي آثار بعيدة في اللغة وتطوير معاني الكثير من ألفاظها التي لم تكن مستعملة من قبل، وألبس ألفاظاً قديمة معاني جديدة لم تكن تلبسها أو تدل عليها، وبعد أن استقرت هذه الآثار الإسلامية في اللغة العربية لم يعد لموضوع تطور دلالة الألفاظ في اللغة العربية تلك القيمة التي ما زال يتمتع بها في سائر اللغات، وذلك لأن أثر الإسلام في اللغة العربية كان أكبر أثر عرفته هذه اللغة(22).
ونلاحظ أن الألفاظ التي تطورت دلالتها هي ألفاظ قليلة نسبيّاً، كذلك فإنه بعد أن كان علماء اللغة مقتصرين في تعليل التطور الدلالي وبيان أسبابه على العام اللغوي الكامن في الألفاظ والتراكيب، فقد انطلقوا إلى التعليل بأسباب وعوامل خارجية كالعوامل النفسية والاجتماعية التي نراهم يعللون بها ظواهر تطور الدلالة.
ليست الصلة بين هذه الأحداث ومدلولاتها القديمة بالصلة العقلية المنطقية، وإنما مرجعها ظروف اجتماعية خاصة بررت اختصاص الأبوة بصوت والأمومة بآخر..إلخ.
وليس يغني عنا شيئاً ما نادى به بعضهم من أن الكلمة حيث وضعت أولاً وفي نشأتها كانت أصواتها وثيقة الصلة بمدلولها، ثم انحرفت عن هذا مع توالي الأيام، وأصبحنا نتتبع تطورها بوسائل أخرى.
2 – تأثر اللغة بلغات أخرى:
إن أي احتكاك يحدث بين لغتين أو بين لهجتين أيّاً كان سبب هذا الاحتكاك ومهما كانت درجته -يؤدي لا محالة إلى تأثر كل منهما بالأخرى، وإنه لمن المتعذر أن تظل لغة ما بمأمن من الاحتكاك بلغة أخرى، ولذلك كانت كل لغة من لغات العالم عرضة للتطور المطرد من هذا الطريق.
ويختلف ما تأخذه لغة عن أخرى باختلاف العلاقات التي تربط الشعبين وما يتاح لهما من فرص للاحتكاك المادي والثقافي، فكلما قويت العلاقات التي تربط أحدهما بالآخر، وكثرت فرص احتكاكهما نشطت بينهما حركة التبادل اللغوي، ولذلك تبلغ هذه الحركة أقصى شدتها حينما يسكن الشعبان منطقة واحدة أو منطقتين متجاورتين.
ولقد أتيح للغة العربية من قبل الإسلام ومن بعده فرص كثيرة للاحتكاك بلغات أخرى من فصيلتها ومن غير فصيلتها. فقد توثقت العلاقات المادية والثقافية منذ أقدم العصور بين العرب وجيرانهم الآراميين في الشمال فكان لزاماً إذن أن تتأثر اللغتان إحداهما بالأخرى وفقاً لنواميس علم اللغة. وقد ظهر للكثير من المحققين أن معظم الكلمات العربية الدالة على مظاهر الحياة الحضرية وما إليها من الأمور التي لم تكن مألوفة في البيئة العربية الأولى ومعظم الكلمات المتعلقة بمنتجات الصناعة وشؤون التفكير الفلسفي والمتصلة بما وراء الطبيعة ظهر لهم أن معظم هذه الكلمات وما إليها قد انتقلت إلى العربية من الآرامية (شيطان، سكين، سارية..إلخ) ويبدو هذا التأثر في أوضح صورة في اللهجات العربية البائدة(23).
ويرى الدكتور علي عبد الواحد وافي(24) في موقع آخر أن معظم المفردات التي تُقْتَبَسُ من لغة ما عن غيرها من اللغات يتصل بأمور قد اختص بها أهل تلك اللغات أو برزوا فيها أو امتازوا بإنتاجها أو كثرة استخدامها وأخذها منهم أو اعْتُمِدَ عليهم فيها أهل هذه اللغة فمعظم ما انتقل إلى العربية من المفردات الفارسية واليونانية يتصل بنواح مادية أو فكرية امتاز بها الفرس واليونان وأخذها عنهم العرب.
وتتنقل مع المنتجات الزراعية والصناعية أسماء أزياء وألوان الطعام الموجودة في لغة المناطق التي ظهرت فيها لأول مرة أو اشتهرت بإنتاجها أو تصدر منها في الغالب فتنتشر عن هذا الطريق في لغات البلاد الأخرى فكلمة "الشاي" مثلاً قد انتقلت إلى معظم لغات العالم من لغة جزر "ماليزيا" التي كانت المصدر الأول لهذه المادة، وعن هذا الطريق انتقل إلى اللغات الأوروبية كثير من الكلمات العربية الدالة على منتجات زراعية أو صناعية كالليمون والزعفران، والسكر، والكافور، والقهوة، والقطن.. إلخ.
وأهم ناحية يظهر فيها هذا التأثر هي الناحية المتعلقة بالمفردات ففي هذه الناحية على الأخص تنشط حركة التبادل بين اللغات ويكثر اقتباسُها بعضُها من بعض، وأما القواعد وأساليب الصوت فلا تنتقل في الغالب من لغة إلى أخرى إلا بعد صراع طويل بين اللغتين وكثيراً ما ينال معنى الكلمة نفسه تغيير أو تحريف عند انتقالها من لغة إلى أخرى.
3 – العوامل الأدبية:
تشمل هذه الطائفة جميع ما تجود به القرائح من وسائل ومنتجات تؤدي إلى حفظ اللغة وتعليلها وتوسيع نطاقها وتكملة نقصها وتهذيبها من وحي المفردات والقواعد والأساليب وتسجيل آثارها واستخدامها في مختلف فروع الترجمة والتأليف.. إلخ.
وتعتبر العوامل الأدبية الدعائم التي يعتمد عليها التطور اللغوي الناشئ عن العوامل المشار إليها أعلاه، وللعوامل الأدبية مظاهر كثيرة من أهمها الرسم، والتجديد في اللغة، والبحوث اللغوية وحركة التأليف والترجمة.
أولاً: الرسم: للرسم في حياة اللغة ونهضتها آثار تجل عن الحصر، وترجع أساليب الرسم التي استخدمت في مختلف اللغات إلى أسلوبين اثنين:
(أحدهما) أسلوب الرسم المعنوي، (وثانيهما) أسلوب الرسم الصوتي.
ثانياً: حركة التجديد في اللغة: تبدو حركة التجديد في مظاهر كثيرة من أكبرها أثراً في التطور اللغوي الأمور الآتية:
1 – تأثر الأدباء والكتاب بأساليب اللغات الأجنبية، واقتباسهم أو ترجمتهم لمفرداتها ومصطلحاتها، وانتفاعهم بأفكار أهلها، وإنتاجهم الأدبي والعلمي.
2 – إحياء الأدباء والعلماء لبعض المفردات القديمة المهجورة.
3 – خلق الأدباء والعلماء لألفاظ جديدة فكثيراً ما يلجؤون إلى ذلك للتعبير عن أمور لا يجدون في مفردات اللغة المستعملة ولا في مفرداتها الدائرة ما يعبر عنها تعبيراً دقيقاً.
ثالثاً: المؤلفات اللغوية وهي البحوث التي ترمي إلى حفظ اللغة وضبطها وسلامتها وتخليدها والوقوف على خواصها وتاريخها وآثارها.. وما إلى ذلك.
رابعاً: نشاط حركة التأليف والترجمة فمن الواضح أنه لا حياة للغة الكتابة بدون استخدامها في هذه الشؤون، وأنه بمقدار نشاط أهلها في هذه الميادين تتاح لها وسائل الانتشار والرقي والنهوض(25) ولا شك أن الاستعمال الأدبي للكلمة يوثق بين الأصوات والمدلولات ولاسيما في عبارات المشهورين من الأدباء.
4 – انتقال اللغة من السلف إلى الخلف وأثرها في التطور اللغوي:
تختلف لغة الخلف – في كل أمة – عن لغة السلف في كثير من المظاهر ويرجع بعض أسباب هذا التطور إلى أمور اجتماعية ولكن طائفةً غيرَ يسيرةٍ منها ترجع إلى أمور غير اجتماعية:
1 – أما العوامل الاجتماعية التي تؤثر في هذا التطور فيرجع أهمها إلى أمرين:
(أحدهما) النظم والتقاليد التي يسير عليها المجتمع في تلقين الأطفال اللغة في الأسرة وتعليمهم إياها في المدارس.
(وثانيهما) كثرة استخدام الكبار في جيل ما لبعض المفردات من غير ما وضعت له عن طريق التوسيع أو المجاز لدواع اجتماعية خاصة.
2 – وأما العوامل غير الاجتماعية فيرجع أهمها إلى أمرين أيضاً يؤثر كلاهما في تطور اللغة ولهجاتها.
(أحدهما) التطور الطبيعي المطرد لأعضاء النطق في الإنسان (قانون روسلو) فإن كل تطور يحدث في أعضاء النطق أو في استعدادها يتبعه تطور في أصوات الكلمات، فتنحرف هذه الأصوات عن الصورة التي كانت عليها إلى صورة أخرى أكثر منها ملاءمة مع الحالة التي انتهت إليها أعضاء النطق، ومن ذلك ما حدث في اللغة العربية بصدد أصوات منها الجيم والثاء، والصوت الأول (الجيم) الذي كان ينطق به معطشاً بعض التعطيش في العربية الفصحى قد تحول في معظم المناطق المصرية إلى جاف (جيم غير معطشة) وفي معظم المناطق السورية المغربية إلى جيم معطشة كل التعطش، والثاء قد تحولت إلى تاء في معظم المناطق المصرية وفي بلاد أخرى (فيقال توب، تلج بدلاً من ثوب، ثلج.. إلخ).
(وثانيهما) الأخطاء السمعية التي تنشأ عن ضعف بعض الأصوات والتي تؤدي إلى سقوط هذه الأصوات في أثناء انتقال اللغة من السلف إلى الخلف (قانون روسلو ومييه).
أما أصوات المد فقد لوحظ أن وقوعها في آخر الكلمة يجعلها في الغالب عرضة للسقوط، ويؤدي أحياناً إلى تحويلها إلى أصوات أخرى، وقد كان لهذا العامل الأثر الكبير في سقوط أصوات المد القصيرة المسماة بالحركات (فيقال مثلاً: رجع عمر للمدرسة بعد ما خَف مِنْ عَيَاه) بدلاً من (رجع عمر إلى المدرسة بعدما خف من إعيائه) ولعل هذا هو أكبر انقلاب حدث في اللغة العربية.
ومن هذا القبيل كذلك ما حدث في اللغة العربية بصدد أصوات المد الطويلة (الألف والواو والياء) فيقال في عامية المصريين ( سَامِ وعِيسَ ومصطفَ أَبُ حسين سَافْرُ يوم الخميس لِجِرْجَ) بدلاً من (سامي وعيسى ومصطفى أبو حسين سافروا يوم الخميس إلى جرجا(26)).
وفي معظم اللهجات العامية المتشعبة عن العربية قد نقرض كذلك في النطق من أواخر الكلمات التنوين ونون الأفعال الخمسة والهمزة والهاء المتطرفتين فيقال مثلاً في عامية المصريين "محمدْ وَلَدْ مُطِيعْ، الأولاد بيلْعَبُ، الهَوَ شْدِيد، انتظرت ساعَ كاملَ" بدلاً من " محمدٌ ولدٌ مطيعٌ، الأولاد يلعبونَ، الهواءُ شديدٌ، انتظرته ساعةً كاملةً).
 
5 - العوامل الطبيعية:
ترجع أهم مظاهر – الطبيعة – إلى أمرين رئيسيين أحدهما البيئة الجغرافية، وثانيهما اختلاف الشعوب بعضها عن بعض في خواصها الوراثية المتعلقة بأعضاء النطق، ولا يخفى ما يترتب على اختلاف الشعوب بهذا الصدد من آثار خطيرة في التطور الصوتي في مختلف اللغات، وقد اتجهت اللغة العربية في تطورها الصوتي عند كل شعب من الشعوب الناطقة بها وجهة تختلف عن وجهتها عند غيره فلم تلبث أن تولد عنها من جراء ذلك عدة لهجات (عامية العراق، عامية نجد والحجاز، عامية اليمن، عامية مصر، عامية المغرب.. الخ).
والمشاهد أن مبلغ اختلاف اللهجات بعضها عن بعض في أصواتها يتبع إلى حد كبير مبلغ اختلاف الناطقين بها بعضهم عن بعض في أصواتهم الشعبية، فكلما كان هؤلاء متجانسين في أصولهم ضاقت مسافة الخلف بين لهجاتهم في ناحيتها الصوتية، وكلما تعددت الأصول الشعبية تعددت اللهجات واختلفت.
6 – العوامل اللغوية:
إن بنية اللغة ومتنها وأصواتها وعناصر كلماتها وقواعدها كل ذلك قد ينطوي على أمور ذاتية تعمل هي نفسها في صورة آلية على التطور اللغوي وعلى توجيهه وجهة خاصة، وتنقسم هذه العوامل من حيث الناحية اللغوية التي تنصب عليها آثارها إلى قسمين: عوامل تؤثر في تطور الأصوات، وعوامل تؤثر في تطور الدلالة.
العوامل اللغوية المؤثرة في تطور الأصوات:
فأما العوامل اللغوية التي تؤثر في تطور الأصوات فيرجع أهمها إلى ثلاثة أمور: أحدها تفاعل أصوات الكلمة بعضها مع بعض، وثانيها موقع الصوت في الكلمة، وثالثها تناوب الأصوات وحلول بعضها محل بعض.
أولاً: تفاعل أصوات الكلمة بعضها مع بعض:
يحدث بين الأصوات المتقاربة والمتجاورة في الكلمة من ظواهر التفاعل أنواع كثيرة يؤدي كل نوع منها إلى نتائج ذات بال في التطور الصوتي، ومن أهم ما سجله الباحثون بهذا الصدد الأمور التالية:
1 – التفاعل بين الأصوات الساكنة (وتعني بها ما يقابل أصوات اللين).
أ – فإذا تجاور صوتان مختلفان في مخارجهما أو تقاربا انجذب أحياناً كل منهما نحو الآخر، ومن ذلك ما حدث في الكلمة العربية "شمس" إذ تحولت في بعض اللهجات العامية إلى "سمس" وتحولت في بعض لهجات الصعيد إلى "شمش".
ب – وإذا تجاور صوتان متحدان أو تقاربا فإنهما يتنافران أحياناً فينتهي بهما الأمر إلى واحدة من النتائج الآتية:
فتارة يتحول صوت أحدهم إلى صوت مغاير للآخر كما حدث في الكلمة اللاتينية cribrum إذ تحولت في الفرنسية إلى crible وتارة يسقط أحدهما في النطق كما حدث في معظم الأصوات في العربية إذ تحولت في لهجات كثيرة من البلاد الشرقية إلى أصوات مخففة(27).
2 – التفاعل بين أصوات اللين:
وتجاور صَوْتَيْ لين أو تقاربهما في الكلمة يجعلهما كذلك عرضة للتغيير والانحراف، فتارة يلتصقان بعد تباعدهما، فتسقط الأصوات التي تفصلهما ويتكون منهما لين مركبdiphtongue كما حدث في الكلمة اللاتينية regina إذ تحولت في الفرنسية القديمة إلى reigne وتحولت في الفرنسية الحديثة إلى reine.
وتارة يتباعدان بعد التصاقهما فيقحم بينهما صوت ساكن لتسهيل النطق بهما، كما حدث في الكلمة الفرنسية القديمة poosiz إذ تحولت في الفرنسية الحديثة إلى [font:54c3=Times N






الموضوع الأصلي : نشأة اللغة العربية وتطورها 1 // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع
ــــــــــــــــ


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]




( لا تنسونا من صالح دعائكم )

أحلى منتدى منتدى ورقلة لكل الجزائريين والعرب

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

***


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



===========



الأربعاء 23 أكتوبر - 15:43
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67718
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: نشأة اللغة العربية وتطورها 1



نشأة اللغة العربية وتطورها 1


2 – التفاعل بين أصوات اللين:
وتجاور صَوْتَيْ لين أو تقاربهما في الكلمة يجعلهما كذلك عرضة للتغيير والانحراف، فتارة يلتصقان بعد تباعدهما، فتسقط الأصوات التي تفصلهما ويتكون منهما لين مركبdiphtongue كما حدث في الكلمة اللاتينية regina إذ تحولت في الفرنسية القديمة إلى reigne وتحولت في الفرنسية الحديثة إلى reine.
وتارة يتباعدان بعد التصاقهما فيقحم بينهما صوت ساكن لتسهيل النطق بهما، كما حدث في الكلمة الفرنسية القديمة poosiz إذ تحولت في الفرنسية الحديثة إلى pouroir وتارة يتحول أحدهما إلى صوت لين آخر إذا كانا متحدين.
ثانياً: موقع الصوت في الكلمة:
وموقع الصوت في آخر الكلمة أو في وسطها أو في أولها يعرضه كذلك لكثير من صنوف التطور والانحراف.
1 – وأكثر ما يكون ذلك في الأصوات الواقعة في أواخر الكلمات سواء أكانت أصوات لين أم أصواتاً ساكنة (وأعني بالساكنة ما عدا أصوات اللين)
أ - أما أصوات اللين فقد لوحظ أن وقوعها في آخر الكلمة يجعلها في الغالب عرضة للسقوط، ويؤدي أحياناً إلى تحولها إلى أصوات أخرى.
فمن ذلك ما حدث في اللغة العربية بصدد أصوات اللين القصيرة (المسماة بالحركات وهي الفتحة والكسرة والضمة) التي تلحق أواخر الكلمات، ففي جميع اللهجات العامية المتشعبة من العربية (عاميات مصر والعراق والشام وفلسطين والحجاز واليمن والمغرب.. إلخ) قد انقرضت هذه الأصوات جميعاً سواء ما كان منها علامة إعراب وما كان منه حركة بناء فينطق الآن بهذه اللهجات بجميع الكلمات مسكنة الأواخر (فيقال مثلاً: "رجع عمر للمدرسة بعد ما خف من عياه" بدلاً من "رجع عمر إلى المدرسة بعد ما خف من إعيائه" ولعل هذا هو أكبر انقلاب حدث في اللغة العربية فقد نال من جميع الكلمات فانتقصها من أطرافها وجردها من العلامات الدالة على وظائفه في الجملة وقلب قواعدها القديمة رأساً على عقب.
ب – ووقوع الصوت الساكن (ونعني به ما يقابل صوت اللين) في آخر الكلمة يجعله كذلك عرضة للتحول أو السقوط.
فمن ذلك ما حدث في اللغة العربية بصدد التنوين ونون الأفعال الخمسة والهمزة والهاء المتطرفتين فقد انقرضت هذه الأصوات في معظم اللهجات العامية المتشعبة عن العربية، كما يظهر ذلك من الموازنة بين العبارات العربية المدونة في السطر الأول ونظائرها في عامية المصريين المدونة في السطر الثاني.
محمدٌ ولدٌ مطيعٌ، الأولاد يلعبون، الهواءُ شديدٌ، انتظرته ساعةً كاملةً
محمدْ ولدْ مطيعْ، الأولاد بِيِلْعَبُ، الهَوَا شديدْ، انتظرتْ ساعَ كَامْلَ.
2 – وقوع الصوت في وسط الكلمة يعرضه كذلك لكثير من صنوف التطور والانحراف، فمن ذلك ما حدث في اللغة العربية بصدد الهمزة الساكنة الواقعة في وسط الثلاثي فقد تحولت إلى ألِفٍ لينة في عامية المصريين وغيرهم (فيقال: راس، فاس، فال، ضان.. بدلاً من رأس، فأس، فأل، ضأن.. إلخ).
ومن ذلك تحريك الحرف الساكن إذا وقع في وسط كلمة ثلاثية في كثير من لهجات البلاد العربية فيقال مثلاً: اسِم، رسِم، مصر، بدِر، فجِل... إلخ، بدلاً من اسْم، رسْم، مصْر، بدْر، فجْل.. إلخ(28).
3 – ووقع الصوت في أول الكلمة يجعله كذلك عرضة للانحراف، فمن ذلك ما حدث في بعض المفردات العربية المفتتحة بالهمزة إذ تحولت همزتها في بعض اللهجات العامية إلى فاء أو واو مثل: "أُذُن" تحولت في عامية المصريين إلى "وِدْن" و "أَيْنَ" تحولت إلى "فِين".
"أدَىَّ" تحولت في بعض المواضع في عامية المصريين إلى "وَدَّى" فيقال مثلاً: "وَدَّاه المدرسة" بمعنى "أَدَّى به إلى المدرسة" أي أوصله إليها.
4 – وقد تتبادل الأصوات مواقعها في الكلمة ويحل بعضها محل بعض، فيتقدم المتأخر منها ويتأخر السابق وتسمى هذه الظاهرة "بالنقل المكاني"، ومن ذلك ما حدث مثلاً في كلمة "أرانب" إذ تحولت في عامية القاهرة وغيرها إلى "أنارب"(29).
ثالثاً: تناوب الأصوات وحلول بعضها محل بعض:
وفيما عدا الحالات السابقة قد لوحظ أن الأصوات المتحدة النوع تتناوب ويحل بعضها محل بعض، وقد سجل الباحثون ظواهر كثيرة بهذا الصدد بعضها خاص بأصوات اللين وبعضها يتعلق بالأصوات الساكنة.
1 – أما تناوب أصوات اللين فلم تكد تخلو منه لغة من اللغات الإنسانية، ففي اللغة العربية حدث تناوب واسع النطاق بين أصوات اللين القصيرة التي يرمز إليها بالفتحة والكسرة والضمة، ويمثل هذا التناوب انقلاباً من أهم الانقلابات التي اعتورت هذه اللغة، فالفتحة قد استبدل بها الضمة أحياناً والكسرة في كثير من الأحوال فبدلاً من أن: يقوم، يِسْجُد، تسمع، سكت، كبيرة.. إلخ، يقال في عامية المصريين يِقُوم، يِعُوم، يِسْجُد يِسْمَع، سِكِت أو سُكُت، كِبِير... إلخ، والكسرة قد استبدل بها الضمة أحياناً والفتحة في كَثير من الأحوال (فبدلاً من: يلطم، يضرب، يسرق... إلخ) يقال في عامية المصريين يِلْطُم، يِضْرُب، يِسْرَأ.. إلخ) والضمة قد استبدل بها الفتحة أحياناً والكسرة في معظم الحالات (فبدلاً من: مُحمد، ثُعبان، يذُم، ظُفر.. إلخ؛ يقال في عامية المصريين (مِحَمد، تِعبان، يزِمِ، ضِفر.. إلخ).
وحدث كذلك تناسخ في أصوات اللين الطويلة نفسها، وخاصة في الألف اللينة إذ أميلت في لغات بعض القبائل العربية القديمة، وتمال الآن في لهجات بعض القبائل العربية النازحة إلى مصر وفي بعض اللهجات في البلاد العربية الشرقية وغيرها.
2 – وأما تناسخ الأصوات الساكنة فقد حدث كذلك في جميع اللغات الإنسانية، فكثير من الأصوات الساكنة في اللغة العربية قد تناسخت في اللهجات العامية وحل بعضٌ محلَّ بعضٍ، فالسين قد تحولت إلى صاد في بعض المواطن ("ساخن" تحول إلى "صاخن" في عامية الشرقية وغيرها)، والصاد إلى سين في كثير من الألفاظ في عامية القاهرة وغيرها (فبدلاً من يصدق، مصير.. إلخ) يقال يسدق، مسير، والضاد إلى ظاء في عامية المغرب وخاصة طرابلس، وفي لهجات القبائل العربية النازحة إلى مصر (فبدلاً من: وضوء، يضيغ، يضم.. الخ، يقال وظوء، يظيع، يظم.. الخ) والعين إلى نون في بعض الكلمات في لهجة العراقيين (فيقال مثلاً "ينطي" بدلاً من "يعطي") واللام إلى ميم في بعض الكلمات في عامية المصريين (فيقال "فاطنة" بدلاً من "فاطمة") وهلم جرا.
العوامل اللغوية المؤثرة في تطور الدلالة
وأما العوامل اللغوية التي تؤثر في تطور الدلالة، فيرجع أهمها كذلك إلى ثلاثة أمور:
أحدهما: عوامل تتعلق بمبلغ ارتباط الكلمة بنصيلتها ومبلغ وضوح دلالتها في الذهن، وذلك أنه كلما كان مدلول الكلمة واضحاً في الأذهان قل تعرضه للتغير، وكلما كان مبهماً غامضاً مرناً كثر تقلب وضعفت مقاومته لعوامل الانحراف ويساعد على وضح مدلول الكلمة عوامل كثيرة من أهمها أن تكون مرتبطة بفصيلة من الكلمات معروفة الأصل ويعمل على إيهامها عوامل كثيرة، من أهمها ألا تكون لها أسرة معروفة الأصل متداولة الاستعمال.
هذا وإن انعزال الكلمة أي عدم اتصالها بأسرة معروفة لا يثنى أثره عند تعريض مدلولها للانحراف عن وضعه الأصلي على الوجه الذي سبق شرحه، بل كثير ما يعرِّضها هي نفسها للفناء.
وثانيها: عوامل تتعلق بأصوات الكلمة فثبات أصوات الكلمة يساعد على ثبات معناها وتغيرها يذلل أحياناً السبيل إلى تغيره، وذلك أن صلتها بالأسرة التي تنتمي إليها وبالأصل المشتقة منه تظل وثيقة وواضحة في الذهن ما دامت محتفظة بصورتها الصوتية، وقوة هذه الصلة تساعد على ثبات مدلولها، على حين أن تغير صورتها الصوتية يضعف صلتها في الأذهان بأصلها وأسرتها ويبعدها عنهما، وهذا يجعل معناها عرضة للتغير والانحراف، فالوصف اللاتيني rirus ظل محتفظاً بمعناه الأصلي (الحي، ضد الميت) طوال المدة التي احتفظ فيها بأصوات بنيته، وذلك لقوة ارتباطه عن طريق هذه البنية بأفراد أسرته، ولكنه لم يلبث بعد أن تغيرت صورته الصوتية في الفرنسية إلى vif أَنْ أخذ ينحرف شيئاً فشيئا عن مدلوله القديم حتى بعد عنه، وأصبح يدل الآن على الوصف بالقوة والحدة والنشاط، وذلك لأن تغير صورته الصوتية قد باعد ما بينه وبين أفراد أسرته (virre.viraut...etc) فعرض مدلوله لهذا الانحراف.
وثالثها: عوامل تتعلق بالقواعد فقد تذلل قواعد اللغة نفسها السبيل إلى تغير مدلول الكلمة وتساعد على توجيهه وجهة خاصة، فتذكير كلمة "ولد" مثلاً في العربية "ولد صغير" قد جعل معناها يرتبط في الذهن بالمذكر، ولذلك أخذ مدلولها يدنو شيئاً فشيئاً من هذا النوع حتى أصبحت لا تطلق في كثير من اللهجات العامية إلا على الولد من الذكور(30).
وسبق لنا أن أشرنا أنَّ الكلمة حين وضعت كانت أصواتها وثيقة الصلة بمدلولها ثم انحرفت عن هذا مع توالي الأيام وأصبحنا لا ندرك تلك الصلة أحياناً.
إن في اللغة العديد من المعاني التي تتطلب أصواتاً خاصة وأن هناك من المدلولات ما تسارع اللغة للتعبير عنه بألفاظ معينة (مثل القهقهة والشخير والتأوه.. إلخ) كما أن هناك الكثير منها قد تغيرت دلالته (مثل كلمات: المجد، القطار، البريد، الجريدة، الصحيفة، البأس، المأتم.. إلخ)(31) وقد تختلف المعاني في المئات من الكلمات تبعاً لاختلاف اللهجات.






الموضوع الأصلي : نشأة اللغة العربية وتطورها 1 // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع
ــــــــــــــــ


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]




( لا تنسونا من صالح دعائكم )

أحلى منتدى منتدى ورقلة لكل الجزائريين والعرب

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

***


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



===========



الأربعاء 23 أكتوبر - 15:44
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67718
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: نشأة اللغة العربية وتطورها 1



نشأة اللغة العربية وتطورها 1


صراع اللغات
يحدث بين اللغات ما يحدث بين أفراد الكائنات الحية وجماعاتها من احتكاك وصراع وتنازع على البقاء وسعي وراء الغلب والسيطرة وتختلف نتائج هذا الصراع باختلاف الأحوال فتارة ترجح كفة أحد المتنازعين فيسارع إلى القضاء على الآخر مستخدماً في ذلك وسائل القسوة والعنف، ويتعقب فلوله فلا يكاد يبقى على أثر من آثاره، وتارة ترجح كفة أحدهما كذلك ولكنه يمهل الآخر ينتقص بالتدريج من قوته ونفوذه ويعمل على إضعاف شوكته شيئاً فشيئا حتى يتم له النصر، وأحياناً تتكافأ قواهما أو تكاد فتظل الحرب بينهما سجالاً ويظل كل منهما في أثنائها محتفظاً بشخصيته ومميزاته.
وينشأ هذا الصراع عن عوامل كثيرة أهمها عاملان: أحدهما أن ينزح إلى البلد عناصر أجنبية تنطق بلغة غير لغة أهله، وثانيها أن يتجاور شعبان مختلفا اللغة فيتبادلان المنافع ويتاح لأفرادهما فرص للاحتكاك المادي والثقافي.
 
1-      العامل الأول من عوامل الصراع اللغوي
نزوح عناصر أجنبية إلى البلد:
قد يحدث على أثر فتح أو استعمار أو حرب أو هجرة أن ينزح إلى البلد عنصر أجنبي ينطق بلغة غير لغة أهله، فتشتبك اللغتان في صراع ينتهي إلى إحدى نتيجتين فأحياناً تنتصر لغة منهما على الأخرى فتصبح لغة جميع السكان: قديمهم وحديثهم أصيلهم ودخيلهم، وأحياناً لا تقوى واحدة منهما على الأخرى فتعيشان معاً جنباً لجنب.
أ – بعض الحالات التي يحدث فيها تغلب إحدى اللغتين وتحدث النتيجة الأولى وهي أن تتغلب إحدى اللغتين على الأخرى فتصبح لغة جميع السكان أصيلهم ودخيلهم، في الحالتين:
الحالة الأولى: أن يكون كلا الشعبين همجياً قليل الحضارة منحطَّ الثقافة، ويزيد عدد أفراد أحدهما عن عدد أفراد الآخر زيادة كبيرة، ففي هذه الحالة تتغلب لغة أكثرها عدداً سواءً أكانت لغة الغالب أم المغلوب، لغة الأصل أم الدخيل، وذلك أنه عند انعدام النوع يتحكم الكم في مصير الأمور، ولكن هذه النتيجة لا تحدث إلا إذا كانت اللغتان المتصارعتان من شعبة لغوية واحدة أو من شعبتين متقاربتين.
الحالية الثانية: أن يكون الشعب الغالب أرقى من الشعب المغلوب في حضارته وثقافته وآداب لغته، وأشد منه بأساً وأوسع نفوذاً، ففي هذه الحالة يكتب النصر للغته فتصبح لغة جميع السكان وإن قل عدد أفراده عن أفراد الشعب.
2 – العامل الثاني من عوامل الصراع اللغوي:
تجاور شعبين مختلفي اللغة:
لابد أن يحصل احتكاك بين لغتي شعبين متجاورين، بل لابد أن تدخل اللغتان في صراع يؤدي إلى إحدى نتيجتين من النتائج السابق ذكرها في العامل الأول: فإما أن تنتصر إحداهما وتصبح لغة مشتركة للشعبين، وإما ألاّ تقوى إحداهما على الأخرى فتعيشا جنباً لجنب.
أ – وتنتصر لغة أحد الشعبين على الأخرى في حالات منها: إذا كان أحد الشعبين أقوى من الآخر وأكثر نفوذاً ولا يقل عنه حضارة وثقافة، وإذا كانت كثافة سكان أحد الشعبين أعلى منها في البلد المجاور مما يؤدي إلى ضغط تزايد السكان لهذا البلد على الشعب المجاور فيؤدي احتكاك الشعبين بل اللغتين إلى تغلب لغة الشعب الكثيف شريطة ألا يقل عن ذلك حضارة وثقافة وآدابَ لغةٍ، وقد يستغرق هذا الانتصار عدة قرون تماماً كالذي حصل لدى انتصار لغة قريش على اللغات المضرية الأخرى، غير أن اللغة المنتصرة (كلغة قريش هنا) تتأثر في بعض مظاهرها وبخاصة في مفرداتها بلغة الآخرين، كما أن الكلمات الدخيلة إلى لغة قريش ينالها بعض التحريف في حروفها ومعانيها وأساليب نطقها فتختلف بذلك عن شكلها القديم.
 ب – وقد لا تقوى إحدى اللغتين على الأخرى فتعيشان سويّاً فيما عدا الحالتين السابق ذكرهما، ورغم ذلك فإنهما تتأثران ببعضهما وتتبادلان المنافع، ويحصل الاحتكاك بين اللغتين في حالات أخرى منها: إذا دخل الشعبان المتحاربان في حروب طويلة، أو إذا كانت العلاقات التجارية بينهما جيدة فتنقل كلمات كثيرة بانتقال المنتجات بينهما، كما يتم هذا الاحتكاك إذا قامت بين الشعبين علاقات ثقافية فتنتقل إلى لغة الكتابة آثار كثيرة فيها انتقال الأساليب.
وقد انتقل إلى لغة الكتابة العربية في العصر العباسي الكثير من آثار اللغتين اليونانية والفارسية، وقد انتقل أيضاً الكثير من آثار اللغات الأوروبية في العصر الحاضر إلى اللغة العربية.
وإن هذا البحث أقرب إلى العطور اللغوي منه إلى الصراع بين اللغات(32)، وأدت فتوحات العرب بعد الإسلام إلى امتزاج العرب واحتكاكهم بكثير من الشعوب وقضت قوانين الصراع اللغوي أن تصرع العربية اللغات الثلاث (الآرامية، والقبطية، والبربرية) وبلغ الآن عدد المتكلمين بالعربية ما يزيد على مائة مليون شخص، ولكن العربية قد تأثرت بغيرها كالسريانية، وتأثرت بالقبطية والبربرية ولا سيما باللهجات العامية، كذلك فقد أثرت كل من العربية والفارسية في الأخرى سواءً في المفردات أو في الأساليب، ولكن أثر العربية في الفارسية كان أوسع نطاقاً من أثر الفارسية في العربية، وقد حصل احتكاك بين العربية والأوروبية سواءً كان ذلك إبان الحروب الصليبية، أو في الوقت الحاضر بسبب انتشار الثقافة الأوروبية، ونشأت فنون جديدة كالفن التمثيلي وما إليه، وانتقل إلى العربية الكثير من المفردات الأوروبية في مصطلحات العلوم والفنون وغيرها فازدادت بذلك ثروة العربية.
اختلاف اللهجات في البلد الواحد
(اللهجات المحلية والاجتماعية)
تختلف اللهجات في الأمة الواحدة تبعاً لاختلاف أقاليمها وما يحيط بكل إقليم منها من ظروف وما يمتاز به من خصائص، وقد جرت عادة علماء اللغة أن يطلقوا على هذا النوع من اللهجات اسم اللهجات المحلية، وتختلف هذه اللهجات بعضها عن بعض اختلافاً كبيراً في المساحة التي يشغلها كل منها، فمنها ما يشغل مقاطعة كاملة من مقاطعات الدولة، ومنها ما تضيق منطقته فلا تشمل إلا بضع قرى متقاربة، ومنها ما يكون وسطاً بين هذا وذاك، وكثيراً ما تخلف هذه المناطق اللغوية في حدودها عن المناطق المصطلح عليها في التقسيم الإداري والسياسي.
وحول اللهجات المحلية يقول الدكتور علي وافي: "تتشعب أحياناً لغة المحادثة في البلد الواحد أو المنطقة الواحدة إلى لهجات مختلفة تبعاً لاختلاف طبقا الناس وفئاتهم فيكون ثمة مثلاً لهجة للطبقة الاريستوقراطية، وأخرى للجنود، وثالثة للبحارة، ورابعة للرياضيين، وخامسة للنجارين.. إلخ، ويطلق المحدثون من علماء اللغة على هذا النوع من اللهجات "اللهجات الاجتماعية" تميزاً لها عن اللهجات المحلية أعلاه، ويؤدي إلى نشأة هذه اللهجات ما يوجد بين طبقات الناس وفئاتهم من فروق في الثقافة والتربية، ومناحي التفكير والوجدان، ومستوى المعيشة وحياة الأسرة، والبيئة الاجتماعية، والتقاليد والعادات، وما تزاوله كل طبقة من أعمال تضطلع به من وظائف والآثار العميقة التي تتركها كل وظيفة ومهنة في عقلية المشتغلين بها.
ومن الواضح أن هذه الفوارق وما إليها من شأنها أن توجه اللهجة في كل طبقة وجهة تختلف عن وجهتها عند غيرها، فلا تليق أن تتشعب اللهجة العامة إلى لهجات تختلف كل منها عن أخواتها في المفردات وأساليب التعبير وتكوين الجمل ودلالة الألفاظ.. وما إلى ذلك.
ويزداد في العادة انحراف اللهجة الاجتماعية عن أخواتها كلما كثرت الفوارق وبين الطبقة الناطقة بها وبقية الطبقات أو كانت حياة أهلها قائمة على مبدأ العزلة عن المجتمع أو على أساس الخروج على نظمه وقوانينه، ولا تظل اللهجات جامدة على حالة واحدة بل تسير في السبيل الارتقائي نفسه الذي تسير فيه اللهجات المحلية.
وتؤثر اللهجات المحلية في لغة المحادثة العادية، فتستعير منها هذه اللغة كثيراً من التراكيب والمفردات، وأهم أنواع اللهجات الاجتماعية ما يسمونه "باللهجات الحرفية" وهي التي يتكلم بها أهل الحرف المختلفة كالنجارين والنقاشين والصيادين والبحارة.. إلخ، وتتميز اللهجات الحرفية بعضها عن بعض تمييزاً كبيراً في المناطق التي يسود فيها ونظام الطوائف حيث تختص كل طبقة بحرفة أو وظيفة خاصة كما هو الحال في بلاد الهند(33).
اختلاف لهجة الرجال عن لهجة النساء:
تختلف لهجة الرجال عن لهجة النساء اختلافاً كبيراً أو بسيطاً في بعض الشعوب التي يقل فيها اختلاط الرجال بالنساء، أو يعيش فيها كل من الجنسين بمعزل عن الجنس الآخر تحت تأثير النظم الدينية أو التقاليد الاجتماعية، ويزداد هذا الانفصال اللغوي كلما ازداد الانفصال بين الجنسين.






الموضوع الأصلي : نشأة اللغة العربية وتطورها 1 // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع
ــــــــــــــــ


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]




( لا تنسونا من صالح دعائكم )

أحلى منتدى منتدى ورقلة لكل الجزائريين والعرب

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

***


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



===========



الأربعاء 23 أكتوبر - 15:47
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67718
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: نشأة اللغة العربية وتطورها 1



نشأة اللغة العربية وتطورها 1


المشكلة اللغوية:
لا شك أن اللغة العربية تعيش في هذه الحياة بوصفها عنصراً إنسانيّاً، وتحاول اللغة أن تماشي الزمن وتراعي ارتباطها بقواعد الصرف والنحو، وهو ارتباط أساسي وقديم.
وإذا كانت الأمم تُعنى بلغاتها وتعمل على ترقيتها فإن الأمة العربية لا تقل شأناً أو عناية بلغتها عن غيرها، غير أننا نواجه مشكلة طالما تناولها المفكرون بالبحث، وتتضح المشكلة في أن العرب في هذا العصر لا يتكلمون بالفصيح من العربية، فالعامي الدارج هو المستعمل، كما أنّ في العامي بحد ذاته مشكلة أيضاً فهناك لهجات مختلفة باختلاف البلاد، ثم إن البلد الواحد يشتمل على لهجات وطرق في التعبير مختلفة أيضاً، وربما صعب على العربي من شمال العراق أن يفهم من قروي سكن الأهوار في جنوب العراق.
ويرى الدكتور أنيس فريحة أن مشكلتنا اللغوية هي مشكلة كل شعب مزدوج اللغة، فإننا نفكر ونتكلم ونغني ونتمتم في صلواتنا ونناغي أطفالنا ونهمس في آذان من نحبهم ونتفاهم مع من نرغب في التفاهم معهم بلغة محكية سلسة سيالة لا تعوق الفكر ولا تتطلب منا جهداً ولكن عندما نقف مواقف رسمية - كأن يكون أحدنا معلماً أو واعظاً أو محامياً أو محدِّثا في الإذاعة أو محاضراً في قاعة الدرس – علينا أن نتلبس شخصية لغوية ثانية، علينا أن نتكلم لغة غريبة عن لغة الحياة، معقدة، شديدة الإحكام في التركيب والتعبير، إذا فكرنا... وإذا تصورنا، وإذا فكرنا فإننا نفكر بوساطة اللغة – وفي مثل هذه الحال، عوضاً عن أن ينصرف الجهد العقلي إلى الفكر ينصرف إلى الشكل الذي نعبر فيه عن الفكر – أي تصبح اللغة مخدومة لا خادمة.
ولا تظن أننا الشعب الوحيد الذي قرَّ في هذا الطور، طور ازدواج اللغة فإن هناك أمماً حية معاصرة وأمماً من الماضي البعيد قرت في هذا الطور وعانت ما نعانيه مثل الإغريق، الرومان، الهنود وغيرهم كثير، ولكن الغلبة في هذا الصراع بين لغة الحياة ولغة الكتاب كانت أبداً للشعب، ولكن الفارق بيننا وبين هذه الشعوب المزدوجة اللسان ينحصر في أمرين:
أولاً: أنهم حلوا المشكلة باعترافهم أن لغة الحياة هي اللغة الصحيحة الفصحى، واعترافهم هذا رفع اللهجة المحكية إلى مرتبة اللغة الرسمية.
ثانياً: لم تكن مشاكلهم عويصة معقدة مرتبطة بقضايا الدين والأدب كما هي الحال عندنا، وتنحصر مشاكل اللغة العربية الأساسية في أربعة أمور:
أ – وجود لغتين مختلفين عامية، وفصحى.
ب – تقييد الفصحى بأحكام شديدة (يقصد النحو) ولهذا فإننا بحاجة إلى كتب لتيسير النحو وتقريبه إلى أفهام الناس.
ج – الخط العربي الخالي من الحروف المصوته (الحركات) وهذا يجعل عملية القراءة أمراً عسيرا،ً وإننا الشعب الوحيد الذي يجب أن يفهم ليقرأ بينما جميع شعوب الأرض تقرأ فتفهم.
د – عجز العربية عن اللحاق بالعلم والفنون وذلك لأن معظم هذه التعابير الجديدة والمصطلحات المحددة لم تكن يوماً عن المعجم العربي، وها هي ذي جامعاتنا تعلم العلوم والفنون بلغة أجنبية لأن تعليمها بالعربية أمر عسير(34).
وإذا كان من المفيد والضروري تسهيل الفصحى وتقريب العامة والارتفاع بها نحو الفصحى فإن مشروعاً كهذا متعلق بالزمن ويرتبط بنشر العمل والثقافة بين أبناء الشعب الواحد حتى يتيسر لجميع أبناء الشعب قسط من العلم والمعرفة، وذلك يعمل على رفع مستوى اللغة المستعملة (المحكية) والتي هي بوجه عام قريبة من الفصحى.
يقول الدكتور إبراهيم السامرائي: "ونستطيع أن ندلل على قربها من الفصيحة إذا نظرنا إلى اللغة التي يستعملها المثقفون اليوم في محادثاتهم وفي استعمالاتهم اليومية فهي لغة في مجموعها تكاد تخلو من اللفظ العامي الدخيل، فمجموعة ألفاظها على العموم فصيحة ويبدو قربها من الفصيح إذا وازنا بين هذه اللغة التي يستعملها المثقف واللغة التي يستخدمها سائر أفراد أسرته والتي هي موغلة في العامية الدارجة، ولابد من التأكيد بأن اللغة العربية الفصيحة احتفظت بظاهرة الإعراب وهي من صفات العربية الموغلة في القدم، في حين أن سائر اللغات السامية – عدا الأكدية – قد فقدت الإعراب منذ أقدم العصور.
وما استطاعت لغة القرآن والحديث أن تأتي على اللهجات الدارجة المحلية أو قل: على العربية المستعملة السهلة والتي تتخفف من قيد الضوابط الثقيل، ومن هنا فالعربية غنية التعبير منذ أن كانت كذلك، أي بأن فيها لغة فصيحة يتوخاها الكاتب في كتابته ملتزمة بضوابط الإعراب، ولغة أخرى يقولها الناس ويستعملونها دون أن يلزموا أنفسهم بعناء هذه الضوابط وربما تعدى الأمر مسألة الإعراب إلى الألفاظ نفسها. فقد يكون في ألفاظ الثانية ما هو بعيد عن العربية وأنه قد دخل فيها نتيجة اتصال العرب أنفسهم بغيرهم من الأقوام والاتصال حاصل في كل عصر، فالعرب في أطراف الجزيرة قد تهيأ لهم أن يتاخموا أقواماً غيرهم فلم تسل بذلك سليقتهم، ومن أجل ذلك حرص عمر على الأخذ بقراءة تعتمد على لغة قريش، وإلى مثل هذا كان يرمي عثمان من جمعه القرآن ليكون المسلمون مجتمعين على قراءة واحدة فينبذوا ما كان عندهم مما هو مغاير لما اتفقوا عليه، وإن شيوع اللحن لم تسلم منه طبقة المثقفين ولا العلية من القوم ولا العلماء، وكان عبد الملك بن مروان يحذر أبناءه من اللحن، وكان يقول لهم: "إن اللحن في منطق الشريف أقبح من آثار الجدري في الوجه، وأقبح من الشق في ثوب نفيس" وشيوع اللحن في زمان عمر بن الخطاب معروف، فقد روي أن عمر سمع أعرابياً يقرأ قوله تعالى: "أن الله بريء من المشركين ورسوله(35)" بجر رسوله فنبهه على الخطأ وكان ذلك سبباً في وضع النحو إن صحت الأخبار، وقد ذكر أبو هلال العسكري أن العامي إذا كلمته بكلام العلية سخر منك وزرى عليك، كما روي عن بعضهم أنه قال لبعض العامة: بم كنتم تنتقلون البارحة فقال "بالحمالين" ولو قال له "ايش كان نقلكم بنى من سخريته، فينبغي أن يخاطب كل فريق بما يعرفون(36).
ومن الممكن أن يقل الخلاف بين الفصحى والعامية إذا استمر رقي التعليم وشمول الثقافة وأملنا أن تقترب كل منهما من الأخرى في عصرنا. يقول الأستاذ محمود تيمور: "ولتحقيق هذا الهدف الجليل يجب أن نعين العربية على أن تبسط سلطانها وتستوفي حيويتها في ميدان الحياة العامة وإننا لمجملون ما نراه لذلك فيما يلي:
أولاً: تزويد اللغة بالمفردات تبعاً لتقدم الحضارة والاختراع، وكلمة تشطير أفضل من كلمة سندوتش مثلاً:
ثانياً: تبسيط اللغة بالاقتصار من الألفاظ الكتابية على المألوف المأنوس.
ثالثاً: تيسير اللغة حتى تتقارب لغة الكتابة والكلام ويقتصر على قدر ضئيل من نحو العربية.
ويقول محمود تيمور: "ولما ازداد التعاون والتبادل بين لغتي الكلام والكتابة تضاءلت الفوارق ودنت كل منهما إلى الأخرى، ومتى كملت للعربية هذه المطالب كان لها أن تطمئن إلى حياة مديدة موصولة تُجَارِي الزمنَ، وتتطور معه وتتجدد به، فكما كانت العربية لغة الماضي وكما بقيت لغة الحاضر ستظل لغة المستقبل(37).
إن الازدواجية في اللغة هي ذاتها امتداد الازدواجية في الوجدان، وهي دليل من دلال تحضُّر الإنسان، ويعتبر بعضهم أن الهمج وحدهم لا يزاولون الازدواجية في لغتهم لأنهم محرومون إطلالات غيبية على الوجدان، وعامة العرب لا يدركون أن ازدواج اللغة مشكلة فكرية تربوية لها أثر عظيم في حياتنا، إذ إن لهم من مشاكلهم الاقتصادية والسياسية ما يصرفهم حالياً عن مشكلة ازدواج اللغة لكن الأفضل وطيد بأن ينهض الأدباء والمفكرون وسائر المثقفين بهذه الأمة لتساير ركب الحضارة وتكون لغتها المتداولة سليمة صحيحة، ولا تعد أمة من الأمم في مستوى راق من الحضارة إلا إذا نهضت بلغة القول والكتابة معاً إلى درجة عالية من الرقي إلى درجة الفصحى، ولكما تحضر الإنسان احتاج إلى نمط خاص من التعبير يختلف عن النمط الذي يستعمله في وجوده اليومي إنه يحتاج إلى كلمات جديدة يعبر بها عن معان تقصر اللغة العامية عنها، لذا يلتجئ إلى الفصحى طالباً الرؤية في التعبير، والنظام النحوي الذي لا يتبدل في جميع العمليات عكس نظام الحاجة اليومية القائم على التغيير حتى إننا سنقع في حيرة بأية لغة عامية نكتب، أما لغة العقل فواحدة وهي التي تصلنا بتراثنا القديم وبكتابنا المقدس، كما تصلنا بالمستقبل وتصل اللاحقين بالسابقين، وهي خير لغة توحد هذه الأمة وتصلح وتتسع لحديثها وشعرها وخطابتها ومدارسها وبحوثها وعلومها وفكرها وتراثها.
***********
الحواشي
*) أستاذ اللغة العربية في الكليات الجامعية بلبنان.
(1) أنيس فريحه: نحو عربية ميسرة، بيروت: 1955م، ص38.
(2) فقه اللغة المقارن، بيروت: 1968م ص169.
(3) مازن مبارك: نحو وعي لغوي، دمشق 1390هـ/1970م، ص20.
(4) المرجع نفسه.
(5) المرجع نفسه.
(6) مجلة الآداب، مجلد 1956م، العدد الثالث، صفحة 22،اللغة القومية بقلم كمال يوسف الحاج، بيروت 1953م.
(7) إبراهيم أنيس: في اللهجات العربية، طبعة ثالثة، القاهرة، 1965م، ص17
(Cool لحن العامة والتطور اللغوي، طبعة أولى، القاهرة: 1967م، ص9
(9) كمـال يوسف الحاج: فلسفة اللغة، بيروت: 1956م، ص220.
(10) مازن مبارك: نحو وعي لغوي، ص193
(11) في اللهجات العربية، ص16
(12) اللغة والمجتمع، طبعة ثانية، القاهرة 1370هـ /1951م، ص123.
(13) علي عبد الواحد وافي: نشأة اللغة عند الإنسان والطفل، طبعة ثانية، القاهرة 1382هـ/1962م، ص24.
(14) المرجع السابق، ص93.
(15) دراسات في اللغة واللهجات والأساليب، ترجمة عبد الحليم نجار، القاهرة: 1370هـ/1951م، ص21
(16) أنستاس ماري الكرملي: نشوة اللغة العربية ونموها واكتمالها، القاهرة 1938م، ص1
(17) علي عبد الواحد وافي: اللغة والمجتمع، ص19
(18) سورة الأعلى، الآية 18
(19) مازن مبارك: نحو وعي لغوي، ص123
(20) المرجع السابق ـ ص110
(21) المرجع السابق، ص120، واللغة والمجتمع للدكتور علي وافي، ص23
(22) مازن مبارك: نحو وعي لغوي، ص121.
(23) علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة، ص123
(24) علي عبد الواحد وافي: اللغة والمجتمع، ص26
(25) المرجع السابق، ص31-51.
(26) علي عبد الواحد وافي، فقه اللغة، ص133.
(27) المرجع السابق، ص69-72.
(28) المرجع السابق، ص74-79.
(29) المرجع السابق، ص81-82
(30) المرجع السابق، ص88-89.
(31) انظر ذلك في الصفحات 12-16 من هذا البحث.
(32) المرجع السابق، ص109-119
(33) علي عبد الواحد وافي: اللغة والمجتمع، ص146-150
(34) أنيس فريحة: نحو عربية ميسرة، ص16-29، يقصد بكلمة (تنتقلون) تأكلون النقل كاللوز والجوز والفستق.
(35) سورة التوبة، الآية رقم 3.
(36) إبراهيم السامرائي: فقه اللغة المقارن، ص13-29.
(37) محمود تيمور: مشكلات اللغة العربية، طبعة أولى، القاهرة، 1956م، ص10- 24.

















===






الموضوع الأصلي : نشأة اللغة العربية وتطورها 1 // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع
ــــــــــــــــ


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]




( لا تنسونا من صالح دعائكم )

أحلى منتدى منتدى ورقلة لكل الجزائريين والعرب

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

***


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



===========



الكلمات الدليلية (Tags)
نشأة اللغة العربية وتطورها 1, نشأة اللغة العربية وتطورها 1, نشأة اللغة العربية وتطورها 1,

الإشارات المرجعية

التعليق على الموضوع بواسطة الفيس بوك

الــرد الســـريـع
..
آلردودآلسريعة :





تعليمات المشاركة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

اختر منتداك من هنا



المواضيع المتشابهه