منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب
السلام عليكم ورحمة الله وبركـاتـه

أهلا وسهلا في منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب نحن سعداء جدا في منتداك بأن تكون واحداً من أسرتنا و نتمنى لك الأستمرار و الاستمتاع بالإقامة معنا و تفيدنا وتستفيد منا ونأمل منك التواصل معنا بإستمرار في منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب و شكرا.

تحياتي

ادارة المنتدي

http://www.ouargla30.com


 
الرئيسيةالرئيسية  البوابة*البوابة*  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى ، فيرجى التكرم بزيارةصفحة التعليمـات، بالضغط هنا .كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيعو الإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب .

تعلم كيف تكون مثقفًا

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
فقدت كلمة المرور
البحث فى المنتدى
Loading



هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل .

و يسعدنا كثيرا انضمامك لنا ...

للتسجيل اضغط هـنـا


منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب :: °ღ°╣●╠°ღ°.. منتديات الثقافة والأدب ..°ღ°╣●╠°ღ° :: منتدى اللّغة العربيّة

شاطر
الخميس 16 أغسطس - 6:41
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

1
2
تعلم كيف تكون مثقفًا

( وموضوعات أخرى )

3
مقدمة 5

تعلم كيف تنتفض .. وتعلم كيف تثور 8
تعلم كيف تكون مثقفا 13
تعلم كيف تفكر .. وكتعلم كيف تتفكر 33
تعلم كيف تمسك بالقلم 41
تعلم كيف تنشأ .. وكيف تدين بمبدأ 48
تعلم كيف تعترض .. وتعلم كيف تعارض 53
تعلم كيف تنظر فى المرآة 60
تعلم كيف تواجه .. وتعلم كيف تناظر 87
تعلم كيف وى .. وتعلم كيف تكره 112
تعلم كيف تعود إلى الله 120
تعلم كيف تُربي .. وتعلم كيف تُنشئ 137
تعلم كيفية الثبات فى زمن المتغيرات 170
سيرة ذاتية 229
4
_____ د ا _ ___ *
ى ) ! ت أ $_%__ ( و ً____ ن ___ ___ ____ *
( ظ____ *_+_ ق ا __- *
2012 __._/ 0_ و1 ا (__+_ * ا
ن 5$6 وا (/$___ ___ ا (__ و 78_ * ا
ر _7$ _=__ ا __$ _- س / أ _8:_ ا
ن 5$6 وا (/$___ ___ ا (__ و _8__ اف ا 76 * ا
2012 / اع 5328 _/6 ا _= * ر
: ___ را ___
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
/[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] : ___ ا _ و__ ا
/[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] : __ دو __ ا






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 6:44
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

5
مقدمة ..
القارئ الكريم ..
هذه المجموعة من البحوث الثقافية والمقالات , والتى تحمل فيما بينها عنوانا مشتركا هو ( تعلم كيف ...؟ )
مجموعة من البحوث والمقالات التى تشرفت بكتابتها على شبكة الإنترنت من الفترة من عام 2006 م إلى
عام 2011 م ,
وهى 12 بحثا ومقالا , كلها كانت قبل أحداث الثورة المصرية فى 25 يناير 2011 م , فيما عدا بحث واحد
وهو الأخير من هذه السلسلة تحت عنوان ( تعلم كيفية الثبات فى زمن المتغيرات )
وتنوعت هذه البحوث لمعالجة العديد من الموضوعات الفكرية التى تخص المثقفين الشبان , ولا يكتبها
صاحب هذه السطور من مقعد المعلم بقدر ما يكتبها من مقعد المناقشة , وهى على الترتيب ..
* تعلم كيف تنتفض .. وتعلم كيف تثور
وهى قراءة سياسية لدور المثقفين الشباب على شبكة الإنترنت فى ضرورة المساهمة فى التغيير المطلوب
للمجتمعات العربية بصفة عامة , بشكل جديد من أشكال المعارضة السياسية الذى يرتفع فوق الأيديولوجيات
, ويطالب بحقوقه فى عالم متغير , لا سيما بعد أن ساهم التقدم العلمى والتقنى فى إبراز العديد من المواهب
الفكرية المؤهلة لقيادة صحوة جديدة فى المجتمعات العربية
* تعلم كيف تكون مثقفا
وهو بحث متكامل تم طرحه للإجابة على سؤال كيفية اكتساب الثقافة , واكتساب التمييز بين المعلومات
الصحيحة والمغلوطة فى شتى المناحى الفكرية والتاريخية , وكيفية التعامل مع الكم الهائل من المعلومات الذى
توفره الشبكة العنكبوتية لمرتاديها , ومحاولة لنشر ثقافة النقد والتحميص لتلك المعلومات ,
كما فى البحث بيان كامل لدور الثقافة المحورى فى هذه الأيام , وكيف أن الثقافة كانت فرض كفاية فى
القديم والآن أصبحت فرض عين على كل شاب يطمح أن يكون له دور فى محيط أسرته أولا , ثم محيط
مجتمعه
6
* تعلم كيف تفكر .. وكتعلم كيف تتفكر
بحث يلقي الضوء على كيفية التفرقة بين التفكير والتفكر , وكيف ينظر المثقف المسلم لحياته وللكون الذى
يعيش فيه , وكيف يستخدم عقله فى الجانب الروحى مثلما يستخدمه فى الجانب المادى , وما هو دور
العقيدة الإسلامية فى تنمية الفكر , وما هو الهدف الذى خلق الله لأجله العقول ,
* تعلم كيف تمسك بالقلم
بحث يلقي الضوء على طرق وعناصر البحث الثقافي والعلمى السليم , فى أى مسألة سياسية أو تاريخية أو
إجتماعية أو دينية , يحتاجها المثقف المسلم فى وسط هذا الصراع المتراكم للنظريات المختلفة والأقوال
المتباينة , وكيف يمكن للمثقف الشاب أن يتلقي المعارف المختلفة ويميز بين صحيحها وسقيمها , ثم كيف
يكتب فيها مؤسسا لثقافة مستقلة لا تحكمها الإنتماءات المذهبية ولكن يحمها المنهج العلمى السليم
* تعلم كيف تنشأ .. وكيف تدين بمبدأ
مقال مركز يبحث فى معنى المبدأ وهويته , وتعريفه , وكيف يمكن أن يزاوج المثقف المسلم بين المبادئ
العامة التى لا تخالف العقيدة وتلك التى تخالفها , ويبين المقال خطورة اعتناق المبادئ دون بحث كامل
خلفها وخلف أفكارها وكيفية التعامل الصحيح مع المبادئ المختلفة والقيم ,






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 6:47
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا


* تعلم كيف تعترض .. وتعلم كيف تعارض
بحث يلقي الضوء على هوية ثقافة الإختلاف , وآدابها , وما هى حدود الإختلاف المستساغ الذى لا يفسد
للود قضيا , والخلاف غير السائغ , كما يبحث فى الفرق بين أصول المعارضة والإعتراض وكيف تكون
المعارضة وكيف يكون الإعتراض سواء فى الممارسات السياسية أو غيرها
* تعلم كيف تنظر فى المرآة
بحث تاريخى سياسي فى الحالة الثقافية المصرية فى الفترة من سبيعينات القرن العشرين وحتى بداية عام
2000 م , وكيف كان الخلاف السياسي بين أجيال مثقفي الناصرية وعصر السادات له أثره السلبي الشديد
على ثقافة الأجيال الحالية , وكيف أدى هذا الصراع إلى الحالة الثقافية المزرية التى وصل إليها المجتمع
الثقافي المصري خلال عصر مبارك , بعد أن استغرقت الصراعات الأيديولوجية واستهلكت طاقات المبدعين ,
وكيف خرج فى بدايات عام 2000 م جيل ثقافي جديد يرفض ثقافة التناحر التاريخى ويقرأ التاريخ السياسي
ويسقطه على الحالة المعاصرة , ومن هم رموز هذا الجيل وأسباب صحوته ودوره
7
* تعلم كيف تواجه .. وتعلم كيف تناظر
بحث متكامل فى أصول وآداب المناظرات , وما هو الفرق بينها وبين الحوار , وما هى الضوابط التى شرعها
الإسلام لخوض المناظرات , وكيف حرم الإسلام المناظرات ابتداء ثم أباحها بشروط , وما هو دور المواجهة
فى المناظرات وأثرها فى نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة فى وسط معترك العقائد المختلفة للفرق المتعددة ,
وما هى أهمية الحوار وتعريفه والفروق الضخمة بين آداب الحوار وأصول المواجهة فى المناظرات , وكيف كان
الحوار طريقا للتكامل بينما المناظرة طريقا للتصادم ..
* تعلم كيف تهوى .. وتعلم كيف تكره
مقال فى الحب والكراهية , وكيف يمكن استخدامهما فى المجال الفكرى , وكيفية تربية العاطفة السليمة فى
مواجهة الآخر , والفارق بين العاطفة التى تقع على غير طوع الإنسان والعاطفة المكتسبة المتغيرة
* تعلم كيف تعود إلى الله
بحث فى طرق العودة إلى الله , بعد الرحيل عنه والتلهى عن الدنيا , وكيف يكون طريق الوصول , وما هى
أفضل الطرق للعودة إلى الله والتى تنفع المرء المسلم فى الدنيا والآخرة






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 6:48
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا


* تعلم كيف تُربي .. وتعلم كيف تُنشئ
بحث متكامل فى أصول وطرق تربية النشئ المسلم , والمراحل العمرية المتخلفة للطفل وكيفية التجاوب معها
, وأصول وواجبات الوالدين فى ظل هذا العالم المتغير , وهذا كله فى ضوء آداب التربية الواردة فى القرآن
والسنة , وكيفية التربية الثقافية السليمة للطفل وحتى مرحلة الشباب وكيفية توجيهه للمشارب الثقافية السليمة
وتدريبه عليها
* تعلم كيفية الثبات فى زمن المتغيرات
وهو بحث متكامل مكتوب فى إثر تفجر أحداث الثورة المصرية فى 25 يناير 2011 م , وكيف كانت هذه
الثورة إيذانا بجيل جديد هو الذى تحدثنا عنه قبل الثورة فى فصل ( تعلم كيف تنظر فى المرآة ) وكيف
كانت صحوة هذا الجيل هى القيادة الطبيعية للتغيير السياسي الهائل الذى شهدته مصر والمنطقة العربية ..
كذلك يختص البحث فى آثار الثورة المصرية الإيجابية كيف أن الآثار الإيجابية تمحو إلى جوارها أى سلبيات
يمكن احتمالها فى المراحل الإنتقالية للشعوب ..
8
تعلم كيف تنتفض .. وتعلم كيف تثور
(تمت كتابة هذا الفصل فى نوفمبر 2006 م )
9
تعلم كيف تنتفض .. وتعلم كيف تثور
ما رأيك ..
لو صحبتنى للحظات بسيطة إلى رحلة داخل نفسك نتأمل سويا ..
ولن تضيرك تلك الدقائق التى ستضيع .. فكم ضيعنا نحن العرب أياما وشهورا
أخبرنى ..
من أنت .. ؟!
مواطن عربي من ضمن عشرات الملايين عبر أرجاء الوطن العربي المتفق لغة ومنهاجا وعقيدة .. المتفرق شعبا
وحكما ..
ترسخ تحت حكم ملك أو أمير أو رئيس .. لا فارق
فالمسميات مختلفة لنظام واحد .. والأوطان مختزلة فى شخص واحد
شخص واحد .. لكنه بالتأكيد ليس أنت ..
والسؤال .. أيها العالم .. ما الذى صنعته بعلمك .. ؟! وأنت أيها المثقف ما الذى غيرته بثقافتك ؟!
وأنت أيها المقاتل فى جيش لا يتحرك ..وفى انتظار معركة لن تأتى ..!! ما الذى فعلته بتدريبك ؟!






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 6:50
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا


وأنت أيها الشرطى .. ما الذى فعلته بما تعلمته .. هل حميت النظام والقانون ؟ أم رقصت مع الراقصين على
أنغام القانون ؟!
وتأمل حياتك وأخبرنى ..
كم مرة وجهت فيها سلاحك حماية للجالس على السلطة .. وكم مرة وجهته لحماية المستضعفين ؟!
قارن ولا تخبرنى .. فقط أخبر نفسك ..
منذ أكثر من نصف قرن من الزمان .. ونحن نتغنى والعالم من حولنا يتحرك .. حتى ألفنا مكاننا فى ذيل كل
ركب .
واليأس هو الشيئ الوحيد الذى يوحد بين أهل العروبة .. الخنوع هو الشيئ الوحيد الذى جمع بينهم ..
ربما جالبخاطرك .. أن تسألنى بدورك .. وماذا فعلت أنت أيها الناصح ..؟!
وهذا حقك بالطبع .. بيد أنك أخطأت الاتجاه .. أتعرف لماذا ؟! لأننى على الأقل تكلمت ..
فربما أسمعت كلماتى فردا ما فأيقظت حميته لحريته فانتفض ..
10
وما أسهل على حملة الأقلام من أن يؤدوا رسالتهم كحملة العلم وحملة السلاح .
فقط لو بدأت بنفسك .. والأمر بالغ البساطة لو تعلمون ..
الحرية حق مكفول بالرعاية الإلهية للإنسان منذ ولادته .. فَلمَ تتخل عنها ؟!
ولن أثقل عليك بذكر أمجاد القرون الماضية .. فقط .. تأمل أجدادنا فى القرن الماضي أثناء قيام العزيمة بحثا
عن الحرية .. كانوا وهُم راسخون تحت أنياب الاستعمار .. أشد شعورا بالحرية منا ألف مرة لأن المقهور إذا
تحرك دفاعا عن نفسه فما هو بذليل بل مجاهد
أما من هم مثلي ومثلك , الراكعون الساجدون المسبحون بحمد السلاطين ..
فليسوا بمثقال ذرة منهم ..
ستقول وماذا نفعل .. وكيف نتحرر وكيف نواجه وكيف ننتفض ؟!!
وهذه أيادى البطش على أيدى المواطنين لا تريد فكاكا ..
سأقول لك ببساطة ..
دع عنك كل أفكار الثورات التى رأيناها فى الجيل الماضي البائس الذى ختم جهاد المجاهدين بأسوأ أنواع
القهر مما لم يلاقوه من المحتل نفسه .. فثورتهم تلك لم تكن لوطن .. ولم تكن لأجل حرية ..
بل لأجل منصب ..
وكما يُقال .. إذا أردت أن تعرف الرجل .. فأعطه سلطة ..
فأعطيناها إياهم وعرفناهم لكننا صمتنا طيلة هذه السنوات ونحن نورث بأنكى ما كنا نورث أيام الاحتلال ..
دع عنك تلك الثورات .. فما هى إلا انقلابات عسكرية فاشية
فالثورة الحقيقية .. أن تنتفض أنت بذاتك سعيا لحرية ذاتك ..






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 6:56
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

مقهور .. نعم .. وما الضير فى ذلك .. ؟!
لكن الفارق ضخم يا صاحبي بين من يتقبل الظلم وهو راكع ومن يقيم ظهره فلا يحنيه إلا مع إكراه
اجعل الحرية تتشرب إلى داخل نفسك .. وآمن بها .. ودافع عن حقك بيدك ولسانك ..
لا تنتظر مناصرا أو زعيما .. ابدأ بنفسك ولو ظللت وحدك فى ميدان البائسين ..
فلن يضيرك أن تكون الرجل الوحيد فى عالم من النساء ..
آمن بحريتك وحقك فى نيلها ثم تأمل حولك .. إن صادفت زعيما يقودك إلى ثورة بيضاء فافعل
وان وجدت مناصرا فاتبعه ودعك من الثورات الحمراء التى عرفناها فى التاريخ كله فلم تنجب إلا الحكم
العسكري ورجالا ظنوا أنهم أصحاب فضل على الوطن بما فعلوه
11
نحن بحاجة إلى ثورة بيضاء .. ثورة شعوب لا ثورة جيوش
وليست غريبة ..
حدثت ولا زالت تحدث .. ومهما طال اشتعالها فهى آتية بنتيجة ..
فعلها الانجليز فى القرن الثامن عشر وثار النبلاء على الملك واقتنصوا منه " العهد الأعظم " أو " الماجنا كارتا
" والذى أنجب الديمقراطية البريطانية العريقة التى سمحت لبريطانيا المتهالكة فى الوقوف أمام هتلر وجيوشه
وقوته الرهيبة وواجهت حربه الديكتاتورية بالديمقراطية قبل أن تواجههبالأسلحة ..
ففي قلب الحرب حكمت إحدى المحاكم البريطانية بنقل مطار حربي من منطقة مأهولة بالسكان إلى منطقة
أخرى فامتثل رئيس الوزراء البريطانى لحكم المحكمة وقال " خير لبريطانيا أن تخسر الحرب على أن تعطل
حكما للقضاء "
بهذه الروح تغلبت بريطانيا
وفعلتها شعوب أوربا الشرقية فى مواجهة القمع الشيوعى فى النمسا ورومانيا وصربيا وكانت انتفاضات شعوب
لا حركات جيوش .. كانت ثورات حقيقية قامت لأجل الكرامة
فدعك من أفكار الثورات الحمقاء ولن أقول الحمراء .. تلك التى صدعوا بها رؤوسنا بزعامات الألسنة فلما
جاء أوان الفعل .. كانت النكسة
وانظر وتأمل حولك ابحث عن زعيم بمقاييس الزعامة الحقيقية ..
فالثورة الحقيقية لأجل الحرية تتطلب أسبابا ثلاثة يجب أن تتوافر مجتمعه
شعب متجاوب .. وزعيم صادق .. وعقيدة تمد الثقة بين الشعوب وزعيمها
وكل من تقلد مقعد الزعامة فى الوطن العربي كان يفتقد إلى الصدق مع نفسه فما بالك مع شعبه
فكان طبيعيا أن ننتهى إلى ما انتهينا إليه
انظر حولك .. وبعد أن تتشرب نفسك أنفاس الحرية ..
تأمل حولك مرات ومرات .. بحثا عن قائد يقود حماسك الدفين ومع طول البحث لا تيأس لأنك حتما
ستجده
إن لم يكن فيمن حولك فستجده فى نفسك .. فما المانع أن تكون القائد ؟!
لكن قائد بمعنى القيادة .. لا بمعنى القوادة .. قائد ينظر للمسئولية لا إلى التباهى والتوارث
ابدأ بنفسك وتأمل حولك كل أفلاك الظلم التى تدور بها لسنوات وسنوات وأنت راض ومرغم
وابحث عن حقك وحريتك وانتزعها انتزاعا فهى ورب العباد لا تمُنح بل تنتزع
فإن أحسنت الظن بالله .. وأحسنت الظن بنفسك ..
وبدأت أولى خطوات ثورتك .. وحررت نفسك .. حاول أن تبث حميتك تلك لخمسة أفراد فقط من حولك
12
فقط خمسة أفراد .. فان أقنعتهم ... فثق أنك أديت واجبك نحو وطنك .. لأن كل واحد من الخمسة
سيجلب خمسة ..
وتفور فى أعماق كل منهم كراهية الاستعباد .. وحب الحرية ..
واحرص تماما .. ولا تنسي أن لا تقتل .. بل تقاتل .. والفارق كبير
دافع عن حريتك كما تدافع عن حياتك
لكن لا تعتدى ..
وأمامك ما شئت من وسائل التعبير وأنت بحاجة إلى أبسط أدواتها لتشعل النار فى قلوب كل من حولك
فالمصيبة جامعة والأحمق وحده هو من يظن أنه بقتله الشرطى المواجه له .. قد اقتص لظلمه .. لا بل العكس
لقد ازداد ظلمه .. فالشرطى البسيط الذى يوجه عصاه لمتظاهر هو أجدر بالشفقة من المتظاهر المضروب
نفسه لأنه مثلك .. مظلوم ومقهور
لكن الفارق بينك وبينه أنك حررت نفسك أولا ثم بحثت عن حرية مجتمعك .. أما هو فلم يتحرر بعد من
سجون نفسه
أو ليس جديرا بالشفقة ؟!
وأخيرا ..
أعد تأمل تلك الحروف مرة أخرى .. ستجدها عامة خالية من التحديد .. أتعلم لماذا ..؟
لأن التفاصيل والتحديد فى أعماقك أنت وحدك اترك الكلمات تسري حرة فى دمائك وسجد طريقها إلى
قلبك فتوقظه من سباته
والى عقلك فتوقظه من مواته وأدرك نفسك قبل أن ترتكن إلى شجرة نهاية العمر وتسند رأسك إلى جذعها
وتقول " يا ليتنى قاتلت الفئة الباغية "
وعندئذ لن تفيدك الحسرة ولن تنجيك من مخالب الندم
13
تعلم كيف تكون مثقفا ..
( ( مارس 2006
14
تعلم كيف تكون مثقفا ..
" ليس معنى العنوان أن الكاتب يضع نفسه فى مقعد المعلم بل هى خواطر تلميذ تحمل تجارب العمداء
الحقيقيين للثقافة ومن تلك التجارب جمع الكاتب أسلوب التعليم الثقافي وأهميته "
ما هى الثقافة ؟..
الثقافة لغة هى الكثافة أو الشيئ الكثيف ..
وفى اصطلاح المثقفين تأتى أبلغ تعريفاتها ما قال به المفكر الأسطورة عباس محمود العقاد وهى أن الثقافة أن
تعرف شيئ عن كل شيئ .. والتخصص أو العلم أن تعرف كل شيئ عن شيئ
والثقافة بهذا المعنى ليست ترفا وليست كمالية من كماليات الحياة بل هى ضرورة قاطعة يجب أن تتوافر فى
كل إنسان يريد أن يكون له من طبيعة خلقه فضل ومسمى ..
أما بالنسبة لما تعارفت عليه الشعوب من إطلاق لقب المثقفين على شريحة معينة من المجتمع فهو أمر منطقي
ولا يتعارض مع التعريف السابق ولا مع ضرورة توافر الثقافة لدى كل إنسان
لأن الثقافة ليست على حال واحد وليست على درجة واحدة فهناك حد أدنى من المعلومات التى يجب أن
يكتسبها المرء بالقراءة والمطالعة من حين لآخر , وهناك المستويات المتوسطة والعليا للثقافة والتى لا تكون
واجبة إلا على شريحة المثقفين والعلماء , فإن كان الشخص العادى من عوام الناس يعتبر من معجزاته أن يكون
مثقفا عملاقا وذلك عندما تفوق على ما هو ضرورى من حد أدنى إلى حدود أعلى
فإن الحدود العليا من الثقافة للعلماء ولأصحاب القلم ولأرباب السياسة والمفكرين ضرورة إن غابت يغيب
معها وصف العالم والكاتب والمفكر ..
لأن العالم فى أى مجال وأستاذ الجامعة فى أى منهج والمفكر فى أى مجال فكرى لا يمكن قبول مبدأ
التخصص منه كحجة أمام تقصيره فى الشأن الثقافي كما يحدث فعلا هذه الأيام فتجد أستاذا جامعيا فى
الفيزياء مثلا لا يعرف بعض المعارف الكافية عن التاريخ الإسلامى فيخلط بين السيدة زينب بنت رسول الله
عليه الصلاة والسلام وبين السيدة زينب عقيلة أهل البيت النبوى بنت الإمام على رضي اللهم عنهم جميعا "
واقعة حقيقية بالفعل ! "
والمشكلة أنك تجد بعض هؤلاء العلماء يحتج بأنه غير متخصص فى مجال التاريخ مثلا وكأن المبادئ الأولية
التى لا غنى عنها ثقافيا أصبحت بحاجة إلى دراسة أو إعداد
15
وكان من نتيجة بلوغ بعض العلماء هذه الدرجة من الإضمحلال أن خرجت بعض أجيال الشباب اليوم فى حالة
موت إكلينيكي وليس إغماء فقط عن سائر ما يربطهم به انتماء
ومن دلائلذلك صدور قرار وزارة الخارجية المصرية بعدم قبول أى متقدم لوظيفة السلك الدبلوماسي
والقنصلي فى إحدى الدفعات فى بداية عام 2000 م , وذلك برغم حاجة الوزارة الملحة لدفعات جديدة ,
بسبب كوارث الاختبار الثقافي الذى أظهرت نتائجه ثقافة من لون جديد لدى الشباب حتى بصدد المعلومات
التى يتم تكرارها عشرات المرات فى الحياة اليومية فعجز الشباب الجامعى المتقدم لوظيفة حساسة عن
معرفتها , مثال تلك المعلومات سؤال عن نجيب محفوظ أجاب أحد المختبرين أنه لاعب كرة قدم وسؤال عن
فى أى عام هجرى نحن فأجاب بأننا عام 4000 هجرى !!
وفى أحد الدول العربية وأثناء مرور أحد المفتشين على إحدى المدارس اكتشف أن أحد المعلمين الذين
يدرسون للطلبة يقرأ حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو الذى يقول فيما معناه { الرؤيا معلقة برجل
طائر } فنطق كلمة بِرجل ومعناها بقدم .. عن طريق فتح الراء لتصبح رَجل فلم يتمالك المفتش نفسه من
الحنق فقال للمدرس { تقول رجل طائر لابد أنه سوبرمان إذا !! }
وأحد المدرسين أيضا قال لأحد المثقفين فى حوار بمعرض الكتاب أنه لم يقرأ كتابا منذ سبعة عشر عاما !!
ويروى الشيخ أبو اسحق الحوينى أن أحد أقربائه خريج معهد للخدمة الإجتماعية جاء إليه سائلا ما المذهب
الذى كان يتبعه النبي عليه الصلاة والسلام هل المذهب الشافعى أم المالكى ؟!!
فالثقافة وغيابها الرهيب بهذا النحو هى السبب والعصب الرئيسي فى سائر مشاكلنا كمسلمين عرب بالتحديد
لأننا فقدنا أدنى روابط الصلة بيننا وبين تاريخنا من جهة وبيننا وبين معنى الحياة من جهة أخرى
ولو تحدثنا بلغة الأرقام سنكتشف هولا .. فدور النشر التى تطبع وتنشر أمهات الكتب ومختلف المطبوعات
الثقافية تشير أرقام توزيعها إلى درجات بالغة الإضمحلال بالنسبة لعدد سكان الوطن العربي
وليت الأمر خاصا بأمهات الكتب التى يمكن أن نقبل حجة التخصص والثقل فيها بل الأمر يتعلق حتى
بالروايات والتى تعتبر فنا للتسلية ليس أكثر , وتدريبا على القراءة ليس أعمق !
نجيب محفوظ مثلا الحائز على جائزة نوبل فى الآداب عام 1990 م تقوم دار مصر للطباعة والنشر بطباعة
كتاباته وتوزيعها على سائر الدول العربية ومن أوراق النشر أشار أحد الصحفيين ذات مرة أنه لم تتجاوز أى
رواية لنجيب محفوظ عند التوزيع خمسة آلاف نسخة فى سائر الدول العربية إلا إذا تم احتساب التوزيع على
عدة طبعات لأعوام مختلفة ..
خمسة آلاف نسخة فى شعب عربي من المحيط إلى الخليج تتجاوز أعداد المواطنين فى بعض أقطاره حاجز
السبعين مليون نسمة
16
بينما وفى المقابل عندما فاز خوسيه ساراماجو الكاتب الأسبانى بنوبل , أعلنت دار النشر الأسبانية أن رواية
نوبل لساراماجو وزعت فى أسبانيا وحدها رقما يقترب من المليون نسخة
بل حتى لو تركنا عالم الكتب بسائر صنوفه وتساءلنا عن الصحف وهى المصدر الأكثر توافرا وسهولة لأى
مواطن يريد أن يعرف شيئا من أحوال بلاده والعالم من حوله سنجد ما هو أغرب ..
فأعلى رقم توزيع قرأته لجريدة كان رقم توزيع جريدة الدستور المصرية فى عهد رئيس تحريرها إبراهيم عيسي
فى عددها الأسبوعى لا اليومى ويبلغ نسبة التوزيع 250 ألف نسخة فى مصر التى يبلغ تعدادها سبعين مليونا
وعدد القراء فيها أربعين مليونا مع الوضع فى الاعتبار أن الدستور جريدة بالغة الجرأة تختص بمتابعة الشأن
السياسي المشتعل فى مصر منذ عدة سنوات والشعب عن بكرة أبيه من المفروض أنه مهتم بهذا الأمر ومع
ذلك من يهتم ويطالع ربع مليون قارئ وحسب ؟!
ولهذا فمن المستحيل أن يتقدم الوعى لدى المجتمع أن يتجاوب تجاه حقوقه المهدرة فى سائر الدول العربية
ما لم يوجه السياسيون والمثقفون الإصلاحيون جهودهم لتنمية الوعى الثقافي أولا ودفع الشباب بالتحديد
للقراءة , أما توجيه الجهود إلى الصراع السياسي التقليدى مع النظم الحاكمة فسيظل حرثا فى البحر مهما
فعلوا لأن الشعوب تحكمها ثقافة اللاثقافة والإصلاحيون كل قوتهم تكمن فى تبعية الجماهير لأفكارهم
وتجاوبهم معها
مما سبق يتضح لنا أن الثقافة المعتدلة فى حدها الأدنى مطلبا أساسيا وواجبا لكل فرد فى المجتمع والثقافة
المتفوقة الدائمة التجدد مطلبا أساسيا لكل من أمسك بقلم ..
وطبقا لهذا التقسيم سنحاول مناقشة كيفية اكتساب الثقافة وأهميتها للفريقين
17
أولا .. ثقافة العلماء والمفكرين ..
لئن كان مقبولا أن يتمتع فرادى الناس بشيئ قليل من الثقافة والمطالعة كل فترة , فإنه لا غنى للعلماء
والصحفيين وأهل الإعلام ومن هم على مقعد التدريس والوعظ عن الثقافة المتنوعة والمتجددة وأكرر
المتجددة باستمرار ليتمكنوا من أداء وظائفهم وأمانتهم التى آلت إليهم بأماكنهم ..
ولسنا بحاجة للقول إلى أن هذه المجالات تعج بمن هم ليسوا أهلا لمرباعها , وتسببوا بتقصيرهم فى تدمير
الوعى لدى الجماهير بدلا من أن يقوموا بدفعهم للتنمية ..
وعلى حد قول المفكر المصري الشهير د. فؤاد زكريا عندما سؤل عن رأيه فى حاجة المجتمع إلى تجديد
الخطاب الدينى .. أجاب أن المسألة ليست مسألة تقصير الدعاة أو الخطباء بل هى كارثة عامة حلت بكل من
يأخذ مقعد العلم أو التوجيه فتوقف أى طرف من الأطراف عن البحث والمطالعة يدفع به لهاوية التكرار
والخطأ الفاحش والجمود فإما أن تنصرف عنه الجماهير وإما أن تكتسب الجمود منه
وهذا الأمر الذى أشار إليه د. فؤاد زكريا هو الواقع فعلا فليت العلماء يتوقفون فقط عن مطالعة الجديد فى
مجالات الثقافة وحسب بل إنهم يتوقفون عن البحث العلمى ومطالعة الجديد فى صلب تخصصهم !
فإن كان هذا حال العلماء والمثقفين الكبار فلا عجب أن يكون حال الجماهير أفدح بكثير ويعم الجهل
والأمية , ولئن كانت الأمية محتملة وسهلة الدفع بالتعليم فإن الجهل يستلزم جهدا أكبر بكثير حتى يستطيع
المصلحون دفع ركامه عن العقول ووضع العلم الصحيح مكانه
مع أن الثقافة والتجديد المعلوماتى إذا أدى المفكر أو العالم حقها دفعت به إلى مصاف الكبار مهما بلغ صغر
سنه وهو ما رأيناه مع عدد من المفكرين والعلماء خرجت سمعتهم الرائعة عن حدود جامعاتهم ومؤسساتهم بل
وبلادهم ليكتسبوا العالمية نظرا لأن إنتاجهم يخرج دائما عن جهد مرير فى المطالعة والبحث فيكون كنزا لمن
يطلبه
وظل بعضهم حتى بعد وفاته نبراسا عبر كتبه التى يعجز غيره عن محاكاتها وظل بعضهم حتى أخريات عمره لا
يتوقف أبدا مهما كانت الأسباب عن القراءة والبحث ولا يشعر قط أنه بلغ درجة العلم والثقافة لأنها درجة لا
يتم بلوغها أبدا ومن شعر بذلك أو قاله فليوقن بأنه جاهل حقيقي ..
لكن مع الأسف الشديد هذا هو الواقع فقد رأينا مثلا عددا من كبار مفكرينا ومثقفينا يطالعون ويحرصون على
القراءة فى مجالات بعينها , كما فعل المثقفون الشيوعيون عندما ركزوا على هذا الجانب , فكانت ثقافتهم لها
غرض وطالما أصبح للثقافة غرض فقد فسدت دون شك
وهو ما حدث بالفعل عندما انهار الإتحاد السوفياتى السابق وفشلت التجربة توقف هؤلاء عن القراءة كلها لا
عن الماركسية فحسب ,
18
بالإضافة لما هو أهم وهو أن تركيزهم على مطالعة مجال واحد وثقافة واحدة دفع بهم إلى متاهات ما أغناهم
عنها لو أنهم فقط أعطوا بعض وقتهم لتاريخ حضارتهم وكتابات عمالقة عالمنا القدامى والمحدثين فقد كان هذا
كفيلا بتبصير معظمهم لمدى سطحية الفكر الماركسي مقارنة بالفكر والثقافة الإسلامية
فالخطأ كل الخطأ أن يتوقف المفكر عن المطالعة أو أن يكتفي بمطالعة مجال واحد لا يهتم بغيره فلا يطالع
الأديب إلا كتب الأدب , ولا يطالع العالم إلا ما يخص مجاله ولا يطالع السياسي إلا السياسة , ويهملوا فى
سبيل ذلك مجالات اللغة والتاريخ والحضارات والفلسفة والإجتماع وكلها مكملات أساسية للشخصية الثقافية
وقد خسرنا كثيرا جدا بسبب هذا الداء حتى فى مجال الفكر الإسلامى فبعض مفكرينا الإسلاميين عندما
قدحوا أذهانهم وبذلوا الجهد لكى يردوا شبهات بعض المستشرقين , لم يلتفتوا إلى حقيقة غابت عنهم لعدم
مطالعتهم كتب التراث جيدا , وهى أن تلك الشبهات ليست فى معظمها جديدة بل أغلبها شبهات قديمة قام
المستشرقون بمنتهى الجدية باستخراجها من كتبنا نحن دون أن يأتوا أو يشيروا إلى ردود علماء التاريخ القديم
عليها فى عصورهم السالفة
واعتمد المستشرقون على جهلنا بآدابنا وفنوننا وقد ربحوا جزئيا بهذا حتى أتاهم الكبار ففضحوا تلك الأمور
وسخروا منهم لسوء تدبيرهم الذى دفعهم للبحث فى الشبهات القديمة المردود عليها بكتب التراث وإهمال
الرد عليها طمعا فى تشكيك الأجيال الحالية بعقيدتها
لأن علماء السلف ومفكريهم من أمثال العمالقة السيوطى وبن تيمية وأبو حامد الغزالى ومن قبلهم الشافعى وبن
حنبل وأبو حنيفة تخصصوا فى ردع شبهات الفلاسفة وأصحاب الكلام ولم يتركوا شبهة دون رد بل إن بعضهم
تألق أكثر حتى افترض شبهات لم يأت بها الناس فقال بها وقام بالرد عليها
وليس هذا غريبا على من كانت المطالعة والعلم دما تجرى فيه دماءهم فالأصل فى دمائهم الثقافة والفكر
ومن أمثلة تلك الشبهات التى أراد بعض صبيان العلمانية إثارتها على نفس نهج المستشرقين دون أن ينتبه
بعض الذين تصدوا للرد أنها قضايا أكل عليها الدهر وشرب , قضايا التشكيك فى بعض الأحاديث النبوية
الصحيحة الإسناد مثل حديث رضاع الكبير الذى تم حل قضيته قديما بكلمة واحدة وهى أنه حالة خاصة ,
وحديث فقأ موسي عليه السلام لعين ملك الموت , وحادثة الغرانيق , وغيرها من تلك القضايا التى يتصدى
البعض للدفاع عنها وحلها بحلول ساذجة دون أن يكلف نفسه مطالعة كتابات الطبري والعسقلانى والغزالى وبن
" تيمية وبن قتيبة وغيرهم ممن ألقموا مثيريها حجرا " 1
ورحم الله أئمتنا الكبار فوالله فى عهدهم ما جرؤ هؤلاء على إثارة قضية قديمة مستهلكة .. وكم آلمتنى كلمة
أحد القساوسة المتتبعين للقضايا الإسلامية وهو يقول بخبث ..
_12345_ ا (67 ./_ ري _#_ ا 9_ %_:_ , و +#,_- ./_ ____ ا _____ __ و__ ب ___ _ ت _"#$_ ا %__ __& دود (_ 1 وردت ا
19
" نريد ردا على تلك الشبهات ورحم الله الشعراوى كان يرد عليها ببساطة وأرى أن الأمة لن تحرم من شعراوى
آخر "
نعم والله لن تحرم الأمة أبدا وتم بفضل الله الرد من علمائنا المتخصصين فإنه وعد الله ورسوله أن خير العلم
باق فينا
وحتى فى المجالات السياسية والأدبية .. لم يلحظ الأدباء المنغلقون على كتب الأدب وحدها أن الأدب ليس
ترفا للأمم , بل هو شريان تعبير عن أزمات الأمة وآمالها , وهذا لن يكون ما لم يكن الأديب شاعرا أو ناثرا
متواصلا مع قضايا أمته ليعبر عنها .. وليت الأدباء طالعوا فى الأدب نفسه حق مطالعته وإلا لاكتشفوا فى
التراث كيف كان الشعر والنثر معبرا عن المجتمع
وفى السياسة تجد معظم من يتصدى للكتابة والتحليل والقياس جاهلا بالتاريخ , مع أن الثقافة التاريخية لازمة
وجوبا للمحلل والكاتب السياسي , وإلا كيف يمكن أن يعالج ما يري من أحداث على الساحة الدولية دون
إلقاء نظرة على خلفية العلاقات التاريخية بين الدول وتطورها..
وكمثال لو أن رجال السياسة يكلفون أنفسهم نظرة إلى ما أهملوه ما غرقنا فى إجراءات تضيع حقوق الأمة يوما
بعد يوم وهى الاتفاقيات الجاهلة بمنطق وثقافة الحركة الصهيونية القائمة على تحقيق المصلحة بأسلوب النفس
الطويل وهو ما يعنى ببساطة أنهم لا يركعون إلا لقوة ولا يفيد معهم تفاوض إلا بعد حرب
لكن أتى من عقد الإتفاقيات دونما إجبار ومواصلة المقاومة وهى السلاح الوحيد الذى يجبرها على الرضوخ ,
فكانت النتيجة أن أخَلّت إسرائيل بسائر تعاقداتها بعد أن أخذت كل ما أرادت من إيقاف العمليات الفدائية
وتصدير الخلافات بين الفصائل الفلسطينية بالإضافة إلى اعتراف رسمى دون ثمن بحق إسرائيل فى الوجود
هذا بالإضافة إلى مجال الفكر الذى تتصدره أسماء لامعة لمفكرين أهملوا الثقافة بعد أن اكتسبوا المكانة
الجماهيرية , فتوقفوا عن جهد البحث والتجديد ولم يحترموا عقلية القراء فجاءت معظم كتاباتهم الجديدة
تكرارا ونقلا واقتباسا
مع أن أمامهم مثل حى مثل محمد حسنين هيكل لا يضع قلما على ورقة ويكرر معلومة أو تحليل ولا يغامر
بتأليف كتاب إلا بعد أن يحيط بسائر جوانب موضوعه فتخرج كتاباته موسوعات لا تحتاج معها مرجعا آخر أبدا
وهو نفس الأسلوب الذى حكم الأمام الشعراوى فى مجاله , وكذلك عباس العقاد , وتوفيق الحكيم , و
الكبيسي العالم العراقي الشهير فتلك الشخصيات لا تتوقف قط عن التجديد الثقافي ولا يتم فتح موضوع أيا
كان نوعه أمامهم إلا وتجد عندهم نصيب منه يزيد فى بعض الأحيان عن نصيب بعض متخصصي تلك
المجالات
20
ومن مآثرهم مواقفهم الحكيمة أمثلة تجعل العقل فى حيرة من هذا النبوغ , فعباس العقاد كان تلميذه أنيس
منصور متخصصا فى الفلسفة وأستاذا جامعيا فيها وزراه ذات مرة ففتح معه موضوعا حول مؤلفات أحد
الفلاسفة الأوربيين فقال أنيس منصور أن لهذا الفيلسوف أربعة كتب فقط تُرجمت للعربية ومد يده بتلك الكتب
للعقاد هدية له
فضحك العقاد ولم يرد بل نادى خادمه وطالبه بأن يأتى له بالكتب الملقاة على جانب فراشه ..
فاكتشف أنيس منصور لذهوله أنها سبعة كتب لهذا الفيلسوف حصل عليها الأستاذ مترجمة منها أربعة كتب هى
" التى جلبها أنيس منصور معه وثلاثة لم يسمع عنهم شيئا .. " 2
وكان مما رواه عن العقاد أيضا أن منتداه الأسبوعى الذى كان يعقده بمنزله فى حى مصر الجديدة بالقاهرة كان
يبدأ دائما بسؤال الحضور للعقاد عن الموضوع الذى يتحدثون فيه
فتكون إجابة العقاد اختاروا أنتم الموضوع .. فيختاروا أى موضوع سياسيا كان أو أدبيا أو تاريخيا فيأخذ العقاد
بلبهم فيه
وهذا أيضا كان حال الشعراوى رحمه الله وأيضا هيكل الذى علق أحد كبار النقاد فى الأدب عنه قائلا أن
هيكل أصبحت لا أجرؤ على الحديث معه فى الأدب مخافة أن أخطئ فى معلومة عن شاعر جاهلى أو معاصر
بعد أن اكتشفت أن معلوماته فى هذا المجال بلغت درجة تثير الإطمئنان أنه لم يفكر فى اقتحام مجال الأدب
وإلا لأجلسنا فى بيوتنا
والدكتور الكبيسي وهو عالم لغة عربية فى الأصل تعج برامجه بتحليلات سياسية يعجز عنها بعض المحترفين
فى هذا التخصص
وما بلغ هؤلاء القمم أماكنهم إلا بعد أن حققوا المعادلة الصعبة وهى الوصول للقمة ومواصلة جهد الصعود لا
التوقف ..
فأين هؤلاء من هذا الكاتب المعروف الذى استضافته إحدى المذيعات فسألته عن حكمته فى الحياة
فقال لها :
{ قول الله عز وجل اطلبوا العلم ولو فى الصين .. فعقبت المذيعة المثقفة صدق الله العظيم !!! }
ر ;<=_ >,1 د أ _35_ ن ا ;__A _ م __ أ _=_ C1__ 2 21
الثقافة العامة وضرورتها ..
لسنا بحاجة إلى بيان أهمية الثقافة لعامة الناس لتعلقها الشديد فى عصرنا الحالى بالاستقرار النفسي
والإجتماعى للفرد فى عصر ضرب فيه الزيف والتشكيك ثوابت المجتمع المسلم سواء فى الدين أو العقيدة أو
الوطنية أو القضايا القومية الكبري ..
ويكفي أنه بغياب الحد المطلوب من الثقافة للعامة غابت سائر أوصاف الحياة الإنسانية وانقلبت مذاهب
الحياة لتصبح مذاهب معيشة , والمعيشة هى أن تأكل وتشرب وتتنفس فقط , بينما الحياة تنفعل وتكون
حضارة وتتأثر وتؤثر بما حولك
فلا يوجد فارق بين الإنسان المثقف والغير مثقف لأنهم غير قابلين للمقارنة من الأصل , فمن لا يقرأ الحد
الأدنى أو يطالع الشكل المقبول من المعرفة يصبح معطل الذهن والبصر ويٌساق لغيره كما تُساق الأنعام ..
وليس فى هذا القول أدنى مبالغة ويستطيع القارئ التبصر فى المجتمع الآن , ويشاهد الدلائل على ذلك والتى
تتضح فى وجوه مشاهدى البرامج الفضائية مثلا وتجدهم ينفعلون ويقتنعون بما يسمعون أيا كان القائل وأيا كان
الرأى وكأنما يتحدث المتحدث من هؤلاء عن وحى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ..
وهذا بسبب غياب الثقافة الذى نتج عنه غياب العقل لتعطله فغابت البصيرة لغياب العقل ..
وانظروا مثلا ما يحدث على الساحة الفلسطينية والصراع الدموى بين مختلف الفصائل .. وأكرر صراع دموى
بالسلاح وقتال بين فصائل تنتمى لنفس العقيدة والقومية فى ظل احتلال أجنبي للأرض
فهل سألت الجماهير نفسها سؤالا منطقيا واحدا وهم بصدد صراع على الحكم .. أين هى الدولة من الأساس
لتقوم على حكمها الصراعات ؟!!
أو يسأل بعض أهل الحسرة على تخاذل العرب والمسلمين عن نصرتهم سؤالا أكثر منطقية عن سبب التخاذل
الفلسطينى ذاته بعد رحيل أهل الجهاد الكبار من عائلة الحسينى وغيرهم , وهل طالعوا تاريخ المنطقة وقارنوا
بين احتلال إسرائيل لفلسطين والذى يبلغ عمره نيفا وخمسين عاما فقط .. ما الذى يدفع اليأس إليهم وقد
احتلت فرنسا الأراضي الجزائرية مائة وستين عاما واحتلت انجلترا مصر ثمانين عاما ولم تجد تلك الشعوب من
يدعمها بمال أو سلاح بل كان شبابها يهاجمون المعسكرات ويستولون على السلاح اللازم من قلب
معسكرات العدو ولا يتوقفون عن النضال
وكلهم يؤمن تمام الإيمان أن تقريب الطرف الإسرائيلي لفصيلة دون أخرى هو بهدف إرساء مبدأ التفرقة , ألا
يعد من الجنون أن تعرف السبب والهدف والمصدر ومع ذلك أينما يدفعك ثلاثتهم تنساق خلفه وتنفجر
الصراعات ؟!
22
وقس على هذا سائر الجماهير العربية إزاء جميع القضايا فى المجتمع , يتشتت شملهم وقناعاتهم حسب
الصدفة فأينما تلقي العيون بصرها إلى مقال فى صحيفة أو برنامج فى شاشة تجد المشاهدين يتوزعون انتماءً
بين مختلف الأقوال وكل منهم لا يعرف إلا وجهة النظر التى سمعها ولم يفهم منها شيئا بل أخذ فى القضية
حكما حسبما رأى وسمع وانتهى الأمر
وذلك بسبب غياب الحس الثقافي الذى لا يأخذ أى قول أيا كان على عواهنه , بل يمحص ويتدبر طالما أنه لا
يتعلق بحكم قرآنى أو نبوى .. وهذا طبيعى لأن غياب هذا الحس يسلب الإنسان قدرة التمييز فيغلق فهمه
على ما يسمع من الأشخاص ولا شأن له بما يأتون به , هل هى وجهات نظر علمية أو حقيقية أو سليمة أو أنها
أوهام وعقائد فاسدة ..
ومن أمثلة ذلك ما يعانيه بعض العلماء عند مناقشة العامة الذين لا يعرفون الفارق بين عالم متخصص أو مفكر
حقيقي وبين ذوى الهوى والغرض ..
فتستمع لمناقشات تُضحك حتى البكاء بناء على قناعات مسبقة أخذوها بشكل مطلق
مثلا تميل الجماهير فى بلادنا لكل من تحاربه الدولة من المفكرين والعلماء والسياسيين وحتى من آحاد الناس
, دونما تفريق بين من منعته الدولة وهى على باطل وهو على الحق , وما أكثرهم لأنه يقوم بتوعية الجماهير
وبين الذى اختلف مع الدولة فكان اختلافا كاختلاف اللصوص على الغنيمة , كلاهما على الباطل مثل
اختلاف الدولة مع الأحزاب , وبين من منعته الدولة أو عاقبته على خطأ وكان موقفها صحيحا كما حدث فى
مصر أثناء قضية نصر أبو زيد مثلا
وقد منعت مصر محمد حسنين هيكل من وسائل إعلامها الرسمية , فمالت الجماهير إليه لأنه رجل ثقة فى
معلوماته حتى وإن اختلفت معه فى التحليل , ولا ينافس النظام لا فى طلب حكم ولا فى انتخابات , ولا شأن
له بالغرض فيما يقوم به .. لكن أن تقوم الجماهير بتتبع آخر كل مؤهلاته أنه اختلف مع النظام فسجنه ومعه
تاريخ قديم عريض من الزيف والخداع وتفضيل مصلحته الشخصية حتى لو كانت على حساب المصالح
الوطنية .. هذا هو الذى يثير الحسرة !
وما كان هذا إلا لغياب الوعى ومحاولة مطالعة الأوراق الكاشفة لتلك الهويات.. وعدم وجود الكبراء
الناصحين إما لأن الشباب يهملون السماع وإما أن الكبار تمت التضحية بهم على مذابح الإهمال
ومن المؤسف حقيقة أن الوعى المدرك لدى الأجيال الماضية كان متوافرا لدى معظمهم وهم أميون لا يعرفون
القراءة والكتابة وليس فى الأمر تناقضا
فالثقافة لها عدة أوجه بالذات فى عصرنا الحالى سماعا ورؤية وقراءة وكانت أيضا متنوعة لدى أجيال آبائنا
وأجدادنا للأميين فى شيوخ المساجد على المنابر وفى أجهزة المسماع { الراديو } وكانت فى مُدرسي
المدارس , والذين لم تكن وظيفتهم تعليم الطلاب فى مدارسهم فقط بل كانت تمتد لسائر المجتمع القروى ,
23
عبر مختلف المنتديات التى كانت تلتف حول قدر النار فى ليالى الشتاء وفى جلسات المصاطب فى الصيف
وفى الكتاتيب التى أخرجت سائر علماء وفقهاء ومفكرى الأمة الكبار وخريجى الجامعات الذين كان الواحد
منهم فى ثقافته يساوى الآن عقلية أستاذ جامعى حامل للدكتوراه
وفى ظل هذه الوسائل البسيطة التى لا تمثل شيئا فى زحام الإمكانيات التى يتمتع بها جيل اليوم من معارف بلا
حدود وفى متناول اليد , فى ظل تلك الوسائل البسيطة كانت أجيال آبائنا عمالقة فى ثقافتها حتى الأميين
منهم
وذلك لأن الأساسيات توافرت فيهم فليست الثقافة أن تقرأ فقط .. بل الثقافة تحتاج أولا عقلا مدركا ليفصل
بين ما هو محكم قطعى لا نقاش فيه وبين ما هو قابل للنقاش .. وبصيرة تمت فطرتها على احترام كل ذى علم
ومنحه الصدارة وإنكار كل تافه وطرده من المجتمع بالإهمال
فأين نحن الآن من هذا .. ؟!
مذيعة لأحد البرامج التى تختص ببث القضايا المنفرة لكل فطرة سليمة يبلغ راتبها خمسة وخمسين ألف دولار
فى الشهر الواحد , بينما فى مصر يبلغ بدل شراء الكتب لخطباء المساجد عشرين جنيها , أى ما يعادل أقل
من أربعة دولارات
بينما فى مصر قديما كان راتب محمد حسنين هيكل فى الأهرام يبلغ خمسة آلاف جنيه سنويا وهو مبلغ مهول
بمقاييس الخمسينيات ليس لأنه صحفي فى جريدة قومية بل لأنه هيكل وعلمه وقيمته لا خلاف عليهما
الآن لا يستطيع ممثل من الدرجة الثانية أن يسير فى الشارع لكثرة الإزدحام حوله بينما لو نزل هيكل الآن
للشارع فلن يعرفه إلا شخص من كل عشرة أشخاص
وقديما كان التمثيل فى الأربعينيات مهنة من لا مهنة له , وكانت لا قيمة لهم بالمجتمع لدرجة أن المحاكم لا
تقبل لهم شهادة نهائيا ولم يكن ينضم للتمثيل إلا من لا هوية لهم بالمجتمع حتى الوقت الذى انضم فيه
يوسف وهبي وكان من عائلة كبيرة ويحمل الباكوية وصارت تلك الحادثة حديث الأوساط استنكارا ومن ساعتها
بدأ الإنهيار
فتخيل هذه الصورة القديمة وضعها إلى جوار الصورة الحالية ولا تعليق
وقديما عندما تقدم عبد الحليم حافظ وهو فى أوج شهرته للزواج من فتاة من عائلة متوسطة كان الرفض القاطع
من أهلها حتى يترك مهنته برغم الشهرة الكاسحة ولكن كانت ثوابت المجتمع وثقافته قائمة بخيرها لم
يمسها الهوان
والشيخ الإمام محمد مصطفي المراغي بعد أن حاز عالمية الأزهر فى شبابه وصار أصغر من حصل عليها أراد
والده أن يختار له زوجة صالحة , وفكر فى إحدى بنات عائلة كبري فى الصعيد ترجع أصولها إلى النسب
24
النبوى المكرم وتعج العائلة بأهل العلم والمكانة الإجتماعية الضخمة ولم يكن والد الشيخ المراغي طامحا فى
هذا النسب إلا لأن ابنه عالم أزهرى له شأنه رغم صغر سنه فقبلته العائلة على الفور لأن المجتمع لم يكن
يري شرفا يدانى شرف العلم بناء على الثقافة التى كانت صحيحة ومتينة ..
وأحد القضاة الكبار دخل المحكمة ليمارس عمله واستوى جالسا وبالصدفة البحتة كان والده فى القاعة مع
الحضور لأن صديقا له أتى شاهدا بقضية سينظرها القاضي الإبن ولم يكن الوالد يعلم أن ولده هو قاضي
الدائرة
ومن على منصة القضاء لمح القاضي والده بين الصفوف فهب واقفا على الفور وغادر القاعة ودخل لغرفة
المداولة وأرسل لأبيه فأتاه فقبل يده ورجاه أن يغادر القاعة ليتمكن من الجلوس على المنصة !
وعندما حدثت نكسة عام 1967 م ..
وكانت كارثة لا تدانيها كارثة بالطبع .. وتوقعت إسرائيل والولايات المتحدة أن يستبد اليأس بالمصريين والعرب
جميعا بعد الأهوال التى اكتشفوها من قوة عدوهم وعتاده ومن إهمال قادتهم , لكنهم فوجئوا بالمظاهرات فى
مصر تخرج غاضبة هاتفة بنداء شهير لا أستحب ذكره لأنه تعبير شعبي متجاوز تقول لعبد الناصر لا تتنحى
الآن عد لمقعدك حتى تنكشف الغمة , ولم يبق فى مصر كلها طفل واحد له هم أو حديث إلا عن الحرب
القادمة , وترك كل ذى نعمة نعمته وهب ليرسم خطا فى لوحة النصر القادمة فانضم متطوعا للجيش عدد كبير
من الشباب منهم المهندس والطبيب والمحامى تاركين عملهم الرئيسي ساعين للجيش طواعية
وتآزرت العرب جميعا على قلب رجل واحد من المحيط للخليج وأجبرت حكامها على أن يكونوا رجالا فكانت
حرب التحرير من نفس الجيل الذى تلقي الهزيمة الساحقة فلم تهز من عزيمته شعرة
فلماذا فعلت الشعوب العربية ذلك .. ؟!
فعلته لأنها كانت ذات ثوابت ثقافية صحيحة وسليمة لا تصف المسميات بغير أسمائها حتى العصاة منهم لم
تكن معاصيهم تظهر إلا مع أقرانهم .. لم يكن الواحد منهم ليجرؤ على الوقوف مهتزا أمام والده أو يجرؤ
أحدهم مرة واحدة على تحليل المعصية والقول بإباحتها
فكيف كانوا كذلك ولماذا أصبحنا نحن خلافهم .. ؟!
لأنهم اكتسبوا العقل الناضج .. والهمة العالية .. والثقافة السليمة ونحن افتقدنا لثلاثتهم ..
فكيف يمكن أن يدرك الراغب فى الثقافة نفسه .. هذا ما سنحاول مناقشته فى السطور القادمة ..
25
أولا .. العقل الناضج والطريق إلى الثقافة ..
{ يقول الحق سبحانه [إِ  ن هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتخَذَ إِلَى رَبهِ سَبِيلًا] {المزمل: 19
فمن ذا الذى لا يريد إدراك نفسه فى عصر الفتن ويتخذ لربه سبيلا .. والعقل الناضج هو الذى يدرك أن
العبادة قوامها العبادات لكن أساسها العلم الذى يجلب التقوى ..
هذا أول طريق العقل إلى الثقافة فلو لم يدرك الإنسان أن طريقه لله , لن يتأتى إلا بالمعرفة الحقة والعلم
الضرورى سيضل طريقه دونما شك ولو قضي دهره صائما قائما ..
لأن الثقافة إن كانت بالعصور القديمة ميزة وتكرمة ففي عصرنا الحالى ضرورة لا غنى عنها .. فقديما كان
العلماء قائمون على حدود الله يحرسونها يقظين لكل صاحب فتنة , ولكننا الآن فى عهد صار أهون الناس
على الناس فيه هم العلماء وضُربت بينهم وبين الجماهير الحجب وشغلتهم السلطات بأرزاقهم بعد أن تعمدوا
تركهم لا يجدون قوت يومهم وانفرد بالإعلام أصحاب الأوهام , فلو سار المرء فى حياته دون حصن ثقافي
وقع فى أقرب شرك منصوب له
وبداية الطريق لا تكون إلا بجلسة منفردة مع النفس أولا يسأل فيها كل واحد عقله بسؤال منطقي أين يبتغي
الوصول بالضبط ؟!
هل الحياة بشكلها الحالى تمثل أمرا مقبولا والإجابة بلا القاطعة ومن ثم لابد من التفكير الجدى أن الطموح
للمعرفة ليس لأن يقال عن الإنسان أنه مثقف وليس لكى نكتب وننشر على الناس ونستمع لآهات الإعجاب
وليس لأى غرض كان .. بل يجب أن تكون المعرفة للمعرفة والثقافة للثقافة ..
هذا ما يجب على الإنسان أن يتخذه يقينا دامغا قبل أن يسأل وقبل أن يفكر من أين أو كيف أبدأ ..
وعندما يقرر البدء لابد أن يكون العقل ناضجا واعيا للخوض فى بحار المعرفة .. والنضج والوعى هو الذى
يرسخ للمثقف أن يكون باحثا فيما بعد ويتوفر فى المرء عن طريق النظر إلى الكاتب قبل الكتاب والى الدليل
قبل الإقتناع .. هذا بالطبع لا يتم تطبيقه على الثوابت التى اتفق عليها علماء كل علم
فمن كوارث الإنترنت بالذات كمصدر هام للثقافة , أن القارئ يطالع غرائب المعلومات والحقائق والموضوعات
فيأخذها على عواهنها وهى كلام مرسل قد يكون ماسا بثابت فى الشريعة أو بحقيقة تاريخية هامة أو نحو ذلك
فالحل يكون بالنظر للكاتب هل أورد فى موضوعه التوثيق الكافي للمعلومة , أم ذكرها منفردة فإن ذكرها
منفردة فعلى القارئ المثقف أن يسأله عن مصدرها وإن لم يتوفر يبحث عنها القارئ نفسه ولا يأخذها أو
يتعامل بها ما لم يستوثق من أهل علمها
26
أما إن كان الكاتب ثقة بشخصه .. ومتحدثا فى مجاله فلا بأس باكتساب المعلومة منه مباشرة وهؤلاء الكتاب
هم المعروفة سمعتهم وهى خاصية سيكتسبها القارئ كلما قطع أشواطا فى القراءة وذلك عندما يدرك أعلام كل
مجال
وهذا يعفي القارئ من الحماقة المنتشرة بين القراء والمثقفين وهى احتجاج بعضهم بمعارضات مجهولى الهوية
أمام أقوال ووتحليلات كبار المؤلفين والمحللين ..
مثلا .. كتب هيكل كتابه الشهير عن حرب الخليج المعروف بنفس الإسم والذى أثار ضجة معتادة تصاحب
كتب الأستاذ عادة , ولكن لأن الكتاب أتى هذه المرة معالجا حدثا معاصرا على خلاف المعتاد من هيكل فقد
جاءت حقائق هيكل المعتادة وتحليلاته بالغة الصدمة والتأثير لأنها أتت بعد عام واحد من أحداث حرب
الكويت عام 1991 م
وخرجت العديد من الأصوات المعارضة للكتاب واهتزت بعض المؤسسات الرسمية وحاولت تكذيب بعض
معلومات الكتاب ووثائقه ..
وهذا الأمر لمن يعرف هيكل يُعد إجراء بالغ الخفة والطيش , لأنك قد تختلف مع هيكل فى تحليله
للمعلومات , إلا أن ما لا يمكنك الطعن فيه .. هو معلوماته ومصادره التى لا تتأتى لبعض أجهزة المعلومات
والمخابرات فى العالم ويكون أى كتاب لهيكل ملحقا به فصل أو أكثر كملحق وثائقي لا يضم إلا وثائق
رسمية من دولها وجميع شهادات الساسة والمفكرين التى ترد فى كتب هيكل تكون منسوبة لأصحابها وهم
على قيد الحياة .. ومن هذا المنطلق اكتسب هيكل مصداقيته المعروفة عالميا كواحد من أبرع عشرة محللين
سياسيين فى العالم تؤخذ كلمتهم فى الشأن السياسي وهيكل هو العربي بل والشرقي الوحيد من بينهم
ولأن الساحة فى عالمنا لعربي تزدحم بمن هو ليس أهلا للقلم فقد خرج أحد الكتب طاعنا ومتهما هيكل
بالتزوير وكان عنوان الكتاب يوحى بأن صاحبه قد أمسك بأدلة قاطعة تفضح زيف هيكل حيث كان الكتاب
بعنوان { أوهام القوة والنصر عند هيكل }
وبتقليب صفحات الكتاب وجدته يحتوى على مقالات مجمعة لعدد من الكتاب الخصوم لهيكل مثل د. عبد
العظيم رمضان معروفة كتاباته أنها ترد مرسلة وعبارة عن سرد أعمى خال من أى وثيقة أو دليل إن كتب شيئا
عن الشأن الجارى ومع تلك المقالات بعض قصاصات الصحف الرسمية التى نشرت تكذيبات رسمية صادرة
عن بعض الحكومات بشأن بعض المعلومات الواردة بكتاب هيكل
هناك من يقرأ مثل هذه الكتب الغير واضحة الملامح ويبنى عليها مواقفه .. لكن الأحرص يكتشف على الفور
بمجرد النظر للكتاب أن عبد العظيم رمضان يتحدث وفقط بينما نحن بصدد وقائع محددة أوردها هيكل موثقة
فأين دليلك المضاد ؟!
27
والتكذيبات التى نشرتها الصحف الرسمية منسوبة إلى حكومات رسمية , كانت تكذيبات مرسلة ومعتادة فى
مثل هذه المواقف تكون لإثبات موقف وحسب إلا أنها لا تملك نهائيا دحض حجة قائمة بدليل
وأمثلة هذه التكذيبات الشهيرة تمتلئ بها الصحف العربيةكان آخرها عندما أصدرت الأهرام تكذيبا رسميا عن
رياسة الجمهورية بشأن الحوار الذى أدلى به الرئيس مبارك لإحدى القنوات ونشرته الأهرام كما هو وكان
الحديث محتويا على بعض التصريحات التى لم يشأ النظام أن تؤخذ عليه فأصدرت رياسة الجمهورية بيان
التكذيب
وكأن الحوار المعلن السابق إذاعته على القناة الفضائية التى جرى الحوار على شاشتها قد اختفي أو أنه أصبح
فى حكم الوهم ..
وغاية القصد أن العقل الناضج يجب عليه أن يستوعب المعلومات ويستوعب الاعتراضات ويزنها بميزان
الذهب
ثانيا .. الهمة العالية
يظن الكثيرون أن الثقافة ليست علما , بل تقل عنه
ولهؤلاء أقول أن الثقافة علم وينطبق عليها ما ينطبق على طريق العلماء من المكارم والجزاء دون أدنى فارق
لأن الله سبحانه وتعالى لن يحاسب العلماء ويقدرهم حسب عدد الشهادات التى تزين صالونات المكاتب ولا
بعدد الجوائز التقديرية التى نالوها , بل سيكون الحساب على المعلومات التى أضاءوا بها طريقا أمام طالب
الطريق أيا كان نوع تلك المعلومة وأى ما كان مجالها طالما كانت فى غير مجال هدم
وقد اعتاد الكثيرون أن يلقوا بأسئلة متعددة ومتكررة حول كيفية البداية .. كيف يقرأ ومن أين يبدأ وكيف أتأكد
مما أقرأ .. ؟!
وفى الواقع أن الأسئلة بشكلها السابق لا تنم إلا عن غياب الجلسة النفسية للعقل الناضج والتى تحدثنا عنها
آنفا لأنه لا معنى لهذا السؤال إلا فى حالة واحدة .. أن يكون السائل مفتقدا لأى نوع من أنواع الكتب أو
المطالعة وهذا مستحيل بالطبع لأن الكتب الآن أصبحت سلعة متروكة ومتوافرة بسائر الأقطار سواء للشراء أو
المطالعة العامة هذا بالإضافة لنوافذ المعرفة بشبكة الإنترنت والبرامج الثقافية والمنتديات المختلفة وغيرها
فلا ينبغي أن يحتار البادئ على طريق الثقافة فى أى مكان يضع أول خطوة بل تكون أول خطوة حيث أول
كتاب يصادفه فقديما عندما قالوا للعقاد ما رأيك بالحكمة القائلة { اقرأ ما يفيدك } فقال أنها حكمة معكوسة
إذ كيف يمكن أن يعرف المرء ما يفيده مما يضره قبل أن يطالعه هم يقولون ذلك وأنا أقول { استفد مما تقرأ }
28
وهذا هو مربط الفرس فمن الأخطاء الشائعة أن يتلمس راغبو الثقافة استشارات من أهلها عن الكتب التى
يطالعونها وهذا أمر لن يأتى بأدنى فائدة لأن كل إنسان له مجاله الذى يميل إليه فلو جاءت الاستشارة
والنصيحة بكتاب معين لا يميل إليه القارئ ولا يستوعب مجاله ستكون بداية منفرة عن القراءة بأكملها .. ولذا
يجب أن يحدد المثقف فى بداية طريقة أى المجالات التى يريد أن يطرقها وأيها أسهل استيعابا لأن مرحلته
الأولى ستكون مرحلة تدريب وتأهيل على كيفية إمساك الكتاب والصبر على قراءته علىعدة مرات ثم محاولة
قراءة كتاب فى جلسة واحدة وهكذا حتى تتشرب هواية القراءة إلى الأعماق وتولد فى نفس القارئ الهمة
العالية للبحث والمطالعة
ومن المفضل أن تكون البداية مع الكتب المبسطة والروايات الهادفة التى تحمل بين طياتها معلومات ثقافية
دسمة وكتب المعلومات العامة للشباب وغيرها من تلك الكتابات التى تمثل إغراء على المطالعة
وقد يسأل سائل كيف يكون التصرف إن طالع المثقف البادئ كتابا يحمل قضية معينة وربما كانت قضية مثيرة
للفتن أو التشكيك بالثوابت ..
وللإجابة نقول أن لهذا السبب وحده كان شرط الهمة العالية ضروريا فى توافره ..
فبداية يجب أن يبتعد المثقف المبتدئ عن نوعيات كتب المناظرات أو كتب المذهبيات وما شاكلها , فإن
حدث وصادف قضية من هذا النوع فى كتاب أو برنامج تليفزيونى .. يكون الحل أن يأخذ القضية برمتها لتكون
محل بحث ودراسة وفهم فلا يترك سبيلا لمعرفة خباياها إلا ويسلكه عن طريق قراءة وجهات النظر المختلفة
فى تلك القضية , وعن طريق طلب معاونة أهل الإختصاص فى هذا المجال حتى يصل لوجهة النظر التى يرتاح
لها عقله
مع الوضع فى الإعتبار أن وجهة النظر المختارة من الباحث لا يتم تركها لهواه أو حسب ما يراه , بل يجب أن
يكون حكمه واختياره مبنيا على مرجعية واحدة فقط وهى مرجعية الفكر الإسلامى فإن كانت وجهة النظر
تعارض أمرا تشريعيا مجمعا عليه أو اتفق المفكرون فيه فلا مجال للبحث عن وجهة نظر أخرى وإن كانت
القضية لا علاقة لها بالجانب الفكرى الإسلامى يكون الإختيار هنا حرا حسب قناعات الباحث
ومسألة البحث حلف القضايا ليست مسألة متروكة للصدف بمعنى ألا يتحرك القارئ للبحث خلف قضية معينة
إلا إذا صادفها , بل يجب على القارئ بعد أن يتعدى مرحلة التدريب أن يتخذ من كل كتاب يقرؤه قضية معينة
يحاول أن يكون فيها رأيا بغض النظر عن رأى الكاتب نفسه ..
فسواء اتفق مع الكاتب أو خالفه يجب عليه البحث خلف مصادر القضية الأصلية وقراءة وجهات النظر
المعارضة للكاتب وسماع حجتهم لأنه إن اقتنع القارئ بوجهة نظر كتاب واحد دون أن يطالع الرد عليها
سيكون تابعا لا قارئا .. وسيكون حافظا لا مثقفا .. فالاتفاق أو الإختلاف يكون بعد مطالعة سائر الآراء
29
ومع الأسف الشديد تغيب هذه المزية أو الخاصية عن عدد كبير من المثقفين الذين اعتدوا على ترك الهوى
يحكم ويتحكم فى وجهات نظرهم , وهذا يعارض أول مبادئ الثقافة وهى الإستقلال والحيادية فكل قارئ له
كاتب مفضل .. نعم هذا أمر طبيعى لكن ليس من الضرورى أن يكون رأيك على الدوام هو رأى هذا الكاتب
بعينه لأن كلامه ليس منزلا , ولا مانع أيضا من الإقتناع بوجهات نظر أخرى فى قضايا معينة تكون متبناه من
كتاب لا نميل إليهم أو نؤيدهم
فالحق هو الحق بذاته ولا يعُرف الحق بالرجال بل يعُرف الرجال بالحق ..
وهذه الآفة هى التى وقفت وراء ترك العديدين لكتابات عملاقة لمؤلفين ومفكرين كبارا لمجرد أنهم شيوعيون
أو علمانيون أو أنصار لنظم معينة أو نحو ذلك ..
فهؤلاء مثلا ينبغى تحاشي وجهات نظرهم إذا تحدثوا عن الدين أو الشريعة , لكن ما الذى يمنع من أخذ
" وجهات نظرهم لو كانت حقيقية فى مجالات سياسية أو قضايا اجتماعية أو غيرها " 3
ونأتى لمعيار الهمة وضرورة توافره فى المثقف ..
فهذا المعيار ضرورى لأن البحث ليس أمرا سهلا والسعى خلف معلومة أو كتاب ليس سهلا أيضا فقلما يجد
الباحث أو المثقف غايته بسهولة لا سيما وأن طلب الثقافة كطلب العلم طريقه مملوء بأشواك الدنيا ولهذا
جُعلت له رياحين الآخرة
وكما حدثنا التاريخ عن الأهوال التى كان يقابلها طلبة العلم فى رحلات البحث وكيف أنهم تعرضوا فى سبيل
معلومة واحدة للهلاك أكثر من مرة .. حدثتنا التجارب الشخصية لعمالقة مثقفينا أيضا عن مواقف نادرة
صادفوها وهم بصدد البحث خلف الحقيقة فى قضايا مجتمعهم وعقيدتهم وأوطانهم
فأحد المثقفين بحث عن كتاب نفذا نسخه من أربعين عاما كاملة ولم تتجدد طبعته وأضناه البحث ولم يجده
فلجأ لبعض المثقفين الذين قرءوا الكتاب ليعتصر أذهانهم فيحدثوه عن فحواه ..
وآخر أرهقه البحث لسنوات عن كتاب نادر ووجده مصادفة فى منزل والد زوجته فهب واختطفه طالبا فى لهفة
من حميه أن يهبه هذا الكتاب .. ولما كان الكتاب قد أتى مصادفة للرجل ولم يكن ذو تعلق بالقراءة فقد منحه
إياه ببساطة وهو يستغرب لهفته فقال له المثقف { والله ما موافقتك سابقا على تزويجى ابنتك بأقل عندى من
موافقتك على منحى هذا الكتاب }
فالحقيقة التى يتم بناء وجهة النظر السليمة عليها أشبه بالإبرة فى تل من القش لأنها صدق مدفون فى جبل
كذب وتزييف
ا : ھ _=5_ >,_ .E_ و _E,"_ +,/ و(5_ ا +,5F(G_ ا .,/ و +,_2HI ا +,5F(G_ ا .,/ JH_$_ ى ا (EL_ ف ا 2_NI ا OP ر _E,"/ د _"$_H_ ا (,Q_ ر ;R4_ ه ا : ھ T___ 3
+,_2HI ا +,5F(G_ ا _ YZ آرا .& C-;_ ا >L1 _ _5_#1 , و WH_,4_ ل ا _6G_ ا _ ره _- و Y_1_E_ _E,"_ UGV1 أن
30
وعليه يجب أن يكون المثقف أثناء قراءته أشبه بالمحقق ملئ بالشك تجاه ما يقرأ , حتى يتثبت من مصادره
وإن تثبت من صدق المصادر أو كانت المعلومة مأخوذة من عالم ثقة يقوم بالبحث عن وجهات النظر المخالفة
ليزداد يقينه
ولو فعل كل كاتب ما تحدثنا عنه لما وجدنا كاتبا واحدا يستطيع أن يناظره أحد فى وجهة نظر تبناها , لأن
الكاتب الحقيقي الذى بحث ودقق فى كل جوانب القضية قبل أن يكتب عنها تحصن بمعلوماته ضد سائر
وجهات النظر المضادة ولهذا تصبح كتاباته أشبه بالطلسم الغير قابل للهدم أو الفتح لسابق استعداده .. بشرط
أن يدع الهوى فى الرأى جانبا
وإذا بحثنا فى المناظرات والمعارك الأدبية والثقافية التى خاضها عمالقة مثقفينا , سنرى العديدمن الأمثلة
المشرفة على ذلك وهم الكتاب الذين صنعوا سمعتهم






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 6:57
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

والأمثلة فى المسائل التاريخية لا تؤذن بحصر , حيث تنتشر عدة وقائع مشوهة ومزيفة شكلا ومضمونا
ويعتبرها المثقفون فضلا على العوام حقائق لا شك فيها , رغم أن قليلا من البحث فى المصادر الأصلية
يكفي جدا لكشف حقيقتها , ومنها مثلا واقعة التحكيم فى الفتنة الكبري وهى أسطورة من الأساطير التى لا
أساس لها من الصحة أثبت زيفها الإمام الدارقطنى وحققها القاضي أبو بكر بن العربي وروى الرواية الصحيحة
" عنها " 4
ناهيك عن عشرات الأحاديث الضعيفة والموضوعة التى يتناولها خطباء المساجد وعوام الناس دون روية ودون
تحقيق
W/(5_ ا ./ (E/ W/^ ) OAا;3_ ا ._ OAا;5_ ب ( ا ___ ن _$_ ا ا : ھ _ JF 4 را
32
وعلى هذه الشاكلة تجرى الكتابات فى عالمنا المعاصر لبسط وجهات نظر محددة لأغراض محددة بالإضافة
إلى بحار من المعلومات المغلوطة لا سيما بالتاريخ تجدها فى عقول وقلوب بعض المثقفين المحترفين نتيجة
لرواجها الرهيب وغياب الهمة فى البحث خلف المصادر
وبالإنترنت والمنتديات تكون الكارثة أكبر فخلافا لما يتم إرساله بالملايين على البريد الإليكترونى لسائر
مستخدمى الشبكة بشكل عشوائي , ويحتوى على سموم معرفية مليئة بالزيف لا سيما الأحاديث والأدعية
وفضلها تُضاف كارثة أكبر تتمثل فى ميل كل عضو بأى منتدى لنشر الغريب من المعلومات واللافت للنظر
فيقوم بنقل ما لم يبحث فيه وينشره ويتلقي الشكر والإشادة ويتبعه القراء والأعضاء دونما سؤال أو استفسار !!
ليس المطلوب الشك فى سائر الموضوعات أو المعلومات , ولكن المطلوب الرئيسي أن يتحرى القارئ مصدر
المعلومات فإن كانت من موقع علمى أو من منتدى متخصص يذكر المصادر فلا بأس .. إضافة إلى التدقيق
الشديد خلف المعلومات الغريبة أو الآتية بما هو مضاد لمعارف سابقة أو شاذا صعب التصديق فينبغى قبل
التعليق بالشكر السؤال والبحث خلف المصدر
وما لم ينتبه المثقفون إلى أن العصمة فى القراءة مقصورة على القرآن وصريح السنة وإجماع العلماء فيما يخص
العلوم الإسلامية وبأقوال المتخصصين وأحكامهم القطعية فى العلوم النظرية وفى العلوم المعملية يتم إضافة
التجريب إلى شروط القبول المطلق
وبغير الثقافة الواجبة لن يكون للمجتمع العربي كلمة فىمصيره
33
تعلم كيف تفكر .. وتعلم كيف تتفكر
( ( ديسمبر 2006
34
تعلم كيف تفكر .. وتعلم كيف تتفكر
ما الفارق يا ترى بين التفكير والتفكر .. وهل هما لفظان مترادفان لمعنى واحد ؟!
وقبل هذا وذاك .. كيف انطوى العقل على تلك الأهمية القصوى الواضحة من الأحاديث البانية للعقيدة
الإسلامية ..
ترى هل هو اهتمام غير مقصود .. ؟!!
كلا بالطبع ..
فهما إلى جوار الإهتمام التشريعى الإسلامى بالعقل وإعمال التفكير والإغراق فى التفكر بذكر ذلك نصا مجرد
قطرة من بحر مما نوه عنه الإسلام حول وجوب التفكر خلف كل أمر وكل ممارسة فى الحياة
فكيف لا ندعو أنفسنا للحظات نتوقف عندها
لندرك كيف ندرك .. ونفكر كيف نفكر ..
التفكير
التفكير هو الوظيفة التقليدية للعقل البشري فيما يواجه من أفعال .. فالتفكير هنا عبارة عن ردة الفعل الطبيعية
نتيجة لفعل قائم أو مشكلة بعينها أمام العقل ليتخذ إزاءه التصرف المناسب
أى أنه إجراء تالي على حدوث الفعل ذاته , ولا يتحرك إلا إذا واجه ما يستدعى الإستخدام ..
ويتدرج التفكير فى المستوى صعودا وهبوطا حسب المشكلة التى يواجهها الإنسان وحسب قدرات التفكير
والإدراك لديه ونخلص من هذا أن التفكير ينطبق على الطفل الصغير الذى يواجه مشكلة ضرر النار مثلا
فيقوده التفكير إلى وجوب الهرب منها فى المستقبل ,
كما ينطبق على ما يواجهه العلماء من مشكلات واحتياجات فتقودهم إلى محاولة حلها عن طريق التكيف
بالإكتشاف والتطبيق العلمى الموجود منذ وجود الإنسان على الأرض فى تطبيق للقول المأثور " الحاجة أم
الإختراع "
كما أن التفكير يكون هدفه الأساسي الإنتهاء إلى حل أيا كان نوعه كليا أو جزئيا فى القضية أو المشكلة
القائمة , ويستمر التفكير فى ذات القضية تبعا للتطور العملى والعلمى ليخرج فى كل فترة إلى حل أفضل
ومعيشة أيسر , والأمثلة متعددة أمامنا بتعدد المشكلات التى واجهت الإنسان فى حياته وسعيه الحثيث لحلها
فرأينا أن مشكلة الإنتقال مثلا بدأت بالدواب المستأنسة ثم العربات التى تجرها الدواب حتى وصلت إلى
عصر البخار والسيارات ثم الكهرباء والطائرات والصواريخ وهلم جرا ..
هذا هو التفكير فماذا عن التفكر ..؟!
35
التفكر
التفكر هو تصرف إيجابي يمتلك المبادرة فى الظهور دون حاجة إلى استثارة ..
وهو الجانب الثانى من العقل البشري البالغ الغموض والتعقيد وهو الرافد الأهم فبه تتضح الفوارق الرئيسية بين
شخص وآخر
فإن كان التفكير هو أمر طبيعى وغريزى فى كل إنسان مهما كان ذكاؤه محدودا
فالتفكر موهبة تتفجر بالعقل البشري وتدفعه لرتب العبقرية تبعا للحيز الذى يشغله الفكر بالمقارنة للتفكير فى
مساحه العقل
ولكى تتضح المقارنة أكثر ..
فالتفكير هو الأداة التى تنظمالحياة اليومية بردود أفعال يتخذها الإنسان حال تعرضه للمواقف التقليدية فى
يومه العادى ..
فهو يعمل ويفكر كيف ينجز عمله ليتسنى له الفراغ منه .. ويعمل عقله على إيجاد الحلول لمطالبه اليومية
وأبسط السبل وأسهلها لجعل حياته أكثر رخاء تبعا لمفهوم الرخاء فى قناعاته
أما التفكر فهو اللحظات التى ينفرد الإنسان فيها بعقله متأملا ومتسائلا بلا حدود
ويختلف عن التفكير فى جوانب جذرية وعميقة .. نحصرها فيما يلي
إن كان التفكير يعتبر مرتبطا بالحاجة وتاليا عليها فالتفكر يمتلك المبادرة فى الظهور
والتفكير موجود بكل عقل بشري مهما كانت بساطته بينما التفكر مرهون للعقول التى تميزت به فقط
والتفكير ينتهى دائما إلى حل مهما كان بسيطا بينما التفكر لا ينتهى إلا إلى الحيرة والعجز كما سنرى
يقول تعالى
( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألبا ب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا
وعلي جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار )
لو نظرنا للآية الكريمة وفى كثير من الآيات المماثلة لها سنكتشف أن الله تعالى استخدم لفظ التفكر والتدبر
وهو هنا نص على " يتفكرون فى خلق السموات والأرض " ولم يقل " يفكرون فى خلق السموات والأرض "
فالباحث خلف دقة النظام فى الكون .. والمتسائل عن إعجازية الخلق فى بنائه من الميلاد إلى الموت ..
لا يتفكر بحثا عن كيفية تمام تلك الأمور الخوارق بقدر ما يتأمل فيها تذكيرا لنفسه بعظمة الخالق سبحانه
وتعالى وإقرارا بربوبيته المطلقة .. حتى لو كان تفكره فى البداية لم يكن هادفا إلى هذا الإقرار بمعنى أنه أتى
بدايةً كتفكير باحث عن كيفية هذا الخلق واستكناه أسراره لأن البحث خلف خلق السموات والأرض لن ينتهى
إلى حل مهما تعمق العقل ولا يقود التفكر هنا إلا إلى نتيجتين على سبيل الحصر .. وهما إعلان العجز
36
والحيرة الكاملة فلا يجد الإنسان بدا من الإعتراف للخالق بربوبيته وقدرته وتلك النتيجة هى معيار الحكمة
التى أخبرنا القرآن الكريم أنها الخير الكثير لأن المكابرة مع اليقين بعدم الإستطاعة هى الحمق بعينه فالحكيم
هنا سيقر بوجود الله إن لم يكن مقرا من قبل والمقر بالإيمان سيزاد إيمانا كلما تعمقت حيرته
أما النتيجة الثانية وهى الجنون الحتمى مع المكابرة والإصرار على الوصول إلى إجابة شافية تبعا لمنطق
الإنسان وعالمه المحدود وهذا الإصرار كما ثبت بالتجربة لا يقود لنتيجة ,
بل يقود للخرافة فى غيبة الإيمان بخالق كما حدث مع علماء الغرب عشرات المرات من ابتكار نظرية التطور
التى نادى بها داروين فى كتابه أصل الأنواع ونيوتن الذى لم يجد تفسيرا للهندسةالكونية بغير افتراض وجود
الخالق الخفي فى الفراغ الكونى , وهو الإفتراض الذى رفضه العلماء كما رفضه رجال الدين ووصولا إلى نظرية
الأثير التى هدمها أينشتين وكان العلماء لسنوات طويلة قد افترضوها ورأوا فيها حلا أمام الهندسة الكونية
المعجزة فإذا بألبرت أينشتين الألمانى العبقري وفى بدايات عمره العلمى أتى بالبراهين التى هدمت نظرية
الأثير وأثبت أن الاثير خرافة كاملة وسرعة الضوء ثابتة حتى مع حركة المصدر ..
وعندما طلب العلماء الحل من أينشتين جاءتهم منه النظرية النسبية الخاصة والتى لم تمثل حلا بقدر ما زادت
جنون العلماء وهم يكتشفون صحتها وصحة ما توقعه أينشتين نظريا حتى اليوم من أن الزمن نسبي ويتحرك بطء
وسرعة بحسب الحركة التى يقع فيها الجسم وقطع بأن سرعة الضوء تثبت عند معدله المعروف " 300 ألف
كيلومتر / ث " مهما تحرك مصدره حتى لو كان متحركا بسرعة الضوء ذاتها سيظل الضوء منطلقا بنفس سرعته
ولن يزيد للضعف كما هو مفترض فى قوانين الفيزياء التقليدية ولا تفسير لهذا كما رأى أينشتين إلا أن الزمن مع
زيادة الحركة يتباطئ وعند سرعة الضوء يتوقف الزمن نهائيا !!
وجاءت التجارب العلمية باستخدام الجسيمات الذرية لتثبت صحة النظرية ويهرع العلماء من جديد لأينشتين
فى محاولة تفسير ثبات الزمن وتوقفه وتباطؤه على نحو يمثل شيئا عصيا على الإدراك ,
فاستغرق أينشتين عمره فى تلك المحاولة وفى محاولة إيجاد رياضيات كونية تفسر الدقة الهندسية للكون كله
فى نظام واحد ثابت فى مواجهة الكون المتحرك فى مجموعه فلم يجد واعترف بعجزه فى هذا الشأن ..
وعندما سؤل " هل يوجد إله " ..
أجاب بكلمتين " رياضيا موجود !"
لأن العلم لم يتوصل لقوانين الكون الرياضية والفيزيائية التى تفسر العلاقات والأبعاد وبالتالى لا وجود للحل إلا
مع افتراض وجود الخالق وهو الإفتراض الوحيد الذى يسد ثغرة الرياضة الكونية التى حاول العلماء فهمها فلم
يستطيعوا نظرا لأن كل الحسابات تأتى نسبية فلا وجود لأى مصدر ثابت يمكن القياس عليه والرصد منه
لسرعة وحركة الأشياء والتى تعد كلها سرعات وحركات نسبية دائما
37
وهذا هو هدف التفكر الذى يعتبر الجانب الفكرى الأسمى فى العقل الإنسانى
وبالرغم من أن الفكر والتفكير يجمعهما مكان واحد .. هو العقل البشري
إلا أنهما يولدان كنقيضين لا يجتمعان إلا على خصام ..
فإن زادت مساحة التفكير بمفهومه السابق فى العقل انحسرت مساحه التفكر بطبيعة الحال
فالتفكير لشواغل الدنيا .. والفكر لشواغل الآخرة ..
ففي البشر نجد أنواعا ثلاثة تتدرج حسب تطور العقل لدى كل إنسان ..
فهناك معدوم العقل الذى رهن عقله عند درجة التفكير المتعلقة بالشهوات والغرائز وكيفيةإشباعها وفقط وهذا
النوع تخلى طواعية عن نعمة الإنسانية المتمثلة فى العقل المعطل على نزعات الشهوة والتى لا يرهن لها إنسان
عاقل حياته وفكره وبالتالى فهو هنا والحيوانات العجماء سواء بسواء وهذا النوع فى عالمنا الحالى هو الأكثر
وجودا وغزارة فى العدد فالغرب كله اعترف مؤخرا بأنه حضارة تعيش بنصف مخ وهو النصف الأيسر من المخ
البشري المسئول عن النشاطات المادية بينما النصف الأيمن المسئول عن الأعمال الفكرية والعقائد ضمرت
أنشطته فى سائر العالم الغربي كنتيجة طبيعية لاتجاه العقل وحصر تفكيره على الترف المطلق وكأن الحياة
مقصورة على عمر الإنسان فحسب وفق حياتهم اللاعقائدية
وهناك المتدرجون صعودا وهبوطا على خط الفكر فعقولهم تحتوى كلا النقيضين الفكر والتفكير وترتفع درجة
الإنسانية فى هذا النوع كلما زادت درجة التفكر بالنسبة لدرجة التفكير وفى هذا النوع قطاعات عريضة من
البشر
بينما يأتى النوع الثالث وهو الأكثر ندرة والمجهول كمهِ وكيفهِ نهائيا وهم أولئك الراهنون عقولهم على الفكر
وحده فلا تمثل الحياة عندهم بما تحويه أى نوع من الاهتمام بكل ما فيها من مأكل ومشرب وموضع لشهوة
فهذه الفئة الخاصة تخلت تماما عن البنيان الجسدى فلم يمثل الجسد ومتطلباته لهم أى وجود فى دائرة
الفكر ..
وتلك الفئة عرفها العالم الانسانى من قديم الزمن ومختلف العقائد حتى أتى الإسلام فأطلق عليهم لفظ
المحسنين .. وقد عرف الإسلام عبر رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام الإحسان بأنه " أن تعبد الله كأنك تراه
.. فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وهذا الحديث البديع بالرغم من بساطته يغطى مساحة هائلة تضم حقيقة
الوجود .. فالعبد طالما أنه عبد الله كأنه يراه حقا وحقيقة فلا وجود نهائيا لشبهة معصية ولذا قبع المحسنون أو
الصوفية فى درجة فائقة غير منظورة بما منحهم الله من علم
ولذلك عانى عباقرة المفكرين فى العالم عبر كل العصور أشد المعاناة من مجتمعاتهم التى لم تدرك بطبيعة
الحال مدى المساحة الفاصلة بين المفكرين والعوام ..
وانتهى الأمر باتهامات الجنون والزندقة لأعظم العقول البشرية تحت تأثير القصور الحادث فى الإدراك
38
ولنا أن نتخيل المفارقة بين مفكر عبقري تساوت عنده قطعه الطين بآرائك الطعام .. كنتيجة طبيعية لما هداه
عقله إلى حقيقة الدنيا .. وحقيقة هذا الكوكب وتلك الحياة والتى لا تمثل مثقال ذرة فيما أمكن للعقل إدراكه
فى الكون
وبين مجتمعه الأقرب حتى فى أهل بيته وهم اللاهثون من حوله خلف الترف كما يتصورنه
والقائمة طويلة لا تؤذن بحصر .. منها
الفاروق عمر الإمام على بن أبي طالب الإمام الحسن الإمام الحسين أبو الدرداء ورقة بن نوفل عمرو بن
نفيل الإمام أبي حنيفة النعمان
ومن المتقدمين
العز بن عبد السلام الإمام جلال الدين السيوطى الإمام أبي حامد الغزالى
ومن المعاصرين
د. زغلول النجار عبد الرحمن الكواكبي عباس العقاد د. مصطفي محمود الإمام محمد متولى الشعراوى
خالد محمد خالد
وهم بالطبع مجرد أمثله تقصر عن حصر لا يدرك
كل هؤلاء جمعهم ديدن الفكر الحقيقي فسبقوا عصورهم ورحل من رحل منهم دون أن نغتنم من فكره إلا الربع
أو أقل قليلا
39
كيف نفكر .. ونتفكر
الدنيا أقل من أن تصبح غاية .. وأكبر من أن تصبح وسيلة
تلك العبارة المأثورة .. تلخص فى عبقرية كيفية الدمج الصعب بين التفكير والتفكر ..
فهى أقل من أن تصبح غاية لأنها ببساطة مهما استطالت فانية دون شك ومهما اتسعت فهى أضيق من ثقب
ابرة فيما نراه
وأكبر من وسيلة .. نهمل ما بها ونمر عليها مرور المهمل على اعتبار فنائها .. لأنها ببساطة دار البناء التى تعد
لدار البقاء
فلذا لا يمكن تحت زعم الزهد والبعد عن الناس .. أن يترك العلماء والمفكرون دور علمهم فى الهداية
والتبصير تحت مبرر الهروب من قصور العقل وفناء الدنيا
فالخطوة الأولى للإدراك .. أن نؤمن إيمانا مطلقا منطقيا بأن الدنيا بأحوالها أرخص من أن يُعصي فيها الله عز
وجل ثمنا لمتعه لا شك فى فنائها
فالمنطق البسيط يقودنا إلى مدى الحماقة القابعة خلف التضحية بالدائم لأجل الفانى
وما إن يتملك العقل تلك الحقيقة البازغة .. حتى تتسع مساحة الفكر بعقله فتجده فى أبسط شئونه الحياتية
متصرفا من إيمانه بحقيقة دور البشر على الأرض .. وتلك غاية الإدراك لأن تلك الحقيقة البسيطة وحدها
كفيلة بإنهاء ثلاثة أرباع معاناة الإنسان بحياته ...
لأنه مع غياب الفكر يتسلط على الإنسان خوف المستقبل فيتخذ من سبل التفكير ما يؤمن له كما يعتقد
مستقبله
فتخيلوا مدى الفارق الذى ستصنعه حقيقة الإدراك مع الإنسان عندما يلقي خلف ظهره كل تبعات الحياة
القادمة ومسئولياتها ويتركها لمن يتولاها سبحانه وتعالى
وليس الأمر أمر مستقبل فقط .. بل فى الحياة الحاضرة والماضية ..
فكثير من الناس يهمها إلى درجة التعقيد مدى ما تسبب فيه ماضيه من آثار لحاضره وتجده رائحا غاديا يفكر
كيف ستكون الحياة لو لم يفعل كذا وكذا
مع أن الفكر الأبسط فى الحياة يقوده إلى نتيجة قطعية باستحالة عودة الزمن .. ففيم اللهاث خلف ما كان إذا
!!؟
ولو تزيي الإنسان بلمحة إيمانية واجبة .. لأدرك أن تلك الخواطر المنبعثة من كلمة " لو " ما هى إلا ترهات
شيطانية لأن العقل مهما بلغت قوة إدراكه لن يستطيع رسم الحاضر فى خياله وفق ما يتوقعه للماضي .. فمن
يدريه لعل فِعله الكاره له كان منجيا له من مهالك لا يعلمها
40
وفى الشأن الحاضر ...
يلهث العقل فى التفكير فىمحاولة تنسيق أحداث يومه بما يؤمن له عدم إرهاق عقله بأي هموم !!
والخوف الحادث نتيجة هذا التفكير يتسلط على عقل الإنسان فيمنعه فى بعض الأحيان من رد كرامته إذا
أهدرت تحت تأثير خوفه بل ويدفعه لرذائل أخرى .. كحجب عينه عما يرُي تجنبا للمتاعب كما يقال ..
ويدفعه للنفاق حتى لمن هم أقل منه قدرا طمعا فى راحة البال كما يقول التعبير الدارج .. مع أن أعماق أى
إنسان طبيعى مليئة بيقين أن الروح بيد خالقها .. والحياة وفق إرادة مسيرها
ففيم الخوف .. وفيم الترقب .. ؟!!
مر الإمام الحسين بن على رضي الله عنهما على شخص يرتكن بظهره إلى حائط ويتوسد ذراعيه هما وغما ...
فتبسم الإمام الحسين وهتف بالرجل , " يا هذا .. أيحدث فى كون الله ما لا يريد ؟! "
فأجاب الرجل قاطعا " كلا بالطبع "
فعقب الإمام الحسين رضي الله عنه " ففيم البكاء إذا يا رجل ؟!!!"
ومع أن ما عبر به الإمام الحسين رضي الله عنه حقيقة بسيطة ومعروفة وقابعة بأعماق أى إنسان متزن إلا أنه
عندما يسمعها المرء منا يحس وكأنها حقيقة جديدة لم يعرفها قبلا
والسبب الرئيسي هو مركز التفكير فى حياة أى إنسان ...
فمن ارتكزت قناعاته على حقائق الحياة كما هي .. واجَهَ الحياة بحقائقها فلا يبتئس لكونه أدرك مدى ما تتسم
به من سطحية
أما المنشغلون .. فانشغالهم يعمى عيون بصائرهم فيحتاج الواحد منهم إلى وكزة من عصا الفكر تفيقه .. وليتنا
نفيق !!!
41
تعلم كيف تمسك بالقلم
( نوفمبر 2007 م )
42
تعلم كيف تمسك بالقلم
عندما يكون هناك أب حنون وفى نظر المجتمع أنه يستحق هذا الوصف ويحسن تربية أبنائه تكون مؤهلات
هذا الرأى فى الغالب عبارة عن رعاية الأب لطفله وعنايته به صحيا وتعليمه آداب المائدة وحمايته من نفسه ..
إلى غير ذلك من أمور ..
ولو فرضنا أن هذا الأب شاهد ابنه يتلاعب بنصل سكين فسيكون ردة الفعل الطبيعية أن يهرع إليه مانعا إياه
ثم يعلمه كيف يستخدمها ويمسكها ويحسن العناية بها حتى لا تصيبه بأذى ..
ولكن مع الأسف الشديد .. وعندما يكبر الطفل قليلا ويأتى موعده مع القلم لأول مرة .. لا نشاهد لأغلبية
الآباء فزعة ولا حرصا .. بل يترك الغالبية منهم تلك المهمة للمدرسة التى يلتحق بها الطفل ولأمه غالبا ..
ويكتفي هو بالمتابعة من بعيد فرحا بطفله الذى عرف كيف اسمه واسم أبيه بالانجليزية !
بالرغم من أن الإمساك بالقلم أشد خطورة وتأثيرا على طفله الذى سيصبح شابا فيما بعد وربما كاتبا .. تأثيره
يعادل مائة ضعف خطورة وتأثير نصل السكين لو لم يحسن الإمساك به ويحسن استخدامه بحقه ..
فعدم الاهتمام بهذا الجانب قد يؤدى إلى ضياع موهبة فذة فى الطفل الذى يفتقد أهمية ومقدار القلم وبهذا
تذبح موهبته فى مهدها ..
ومن الممكن أن تنطلق الموهبة فنيا دون إدراك لمعنى وأهمية القلم فيكتسب المجتمع كاتبا موهوبا نعم ..
لكنه أخطأ الطريق فاستخدم أسلوبه فى الهدم لا البناء كمثال عشرات الكتاب الذين أعطاهم الله تعالى حرفية
الإمساك بالقلم ومنعهم التوفيق فيها فجلبوا بأقلامهم عشرات القراء ضحايا فكر مهترئ أو فكر عدوانى أو
أعمال أدبية تتجاوز حدود الأخلاق والقي والعقيدة فتصبح وبالا وكان لها أن تصبح فى الأصل عنوان رحمة
وفضل ..
ويحق لنا أن نسأل الأب الذى علم ولده كيف يمسك بنصل السكين وأهمل تعليمه حرفة القلم ..
هل جرح إصبع طفلك أعمق خطرا من شرخ موهبته أو قتلها .. وهل قطع أحد أصابع كفي طفلك أشد وبالا
من قطع وتر الإيمان فى شباب قد تقرأ له فكرا منحرفا فتتبعه ...
الإجابة يمثلها موقف لأحد كبار الأئمة والفقهاء عندما مر ذات يوم بصبي صغير على شاطئ بحر يحاول أن
يملأ مسقاته فهتف به الإمام ..
" حاذر الزلل يا إمام .. "
43
وكان الصبي حصيفا ذكيا .. فالتفت إليه قائلا " بل حاذر الزلل أنت يا إمام .. أنا إن زللت سقطت وحدى ..
أما أنت فان زللت سقطت خلفك أمة بأكملها "
والإمساك بالقلم للكتابة سواء فى موهبة إبداعية كالشعر والقصة مثلا ..
أو فى موهبة فكرية كالمقال والدراسة هو أمر له ضوابطه التى سقطت بسقوط العهد الذهبي لأهل القلم بعد أن
صارت المطالعة رجس من عمل الإنسان فى هذه الأيام ..
فكل من أحب أن يكون كاتبا أمسك بقلم لا يدرى قيمة مداده وبأوراق لا يدرى أهمية صفحاتها وسودها إما
بتافه الأفكار أو بزائل الكلمات .. فهانت قيمة الكاتب والكتابة ..
وعوامل السقوط كثيرة أكبرها افتقاد المعلم .. وأهونها ترك المطالعة .. وأوسطها العجلة التى تحكم المواهب
البازغة فتجعلهم سراعا إلى استنفاذ مَعين موهبتهم قبل اكتماله .. فيكتبون بأكثر مما يقرءون فتنفذ بضاعتهم
المزجاة من اللغة وثروتها فيكون الضياع المؤكد
أما زوال هيبة الكتابة فهو ملحق بزوال هيبة العلم .. وسيكون حديثي فى هذا الموضوع مركزا على جانب
الكتابة الفكرية بشتى نواحيها لأن هذا اللون من الكتابة أصابه الضرر أكثر من غيره
وأعنى بذلك المقالات الأدبية بأنواعها والنقد والتاريخ والتحليلات السياسية التراجم والسير وغيرها من القضايا
التى ينظر المجتمع من كتابه أن يحملوا إليه عقدتها مع حلها , فإذا بهم صاروا عبئا عليها تحت تأثير السطحية
واستسهال أمر الإمساك بالقلم والإعجاب بالرأى فى أمور لا يقطعها الإعجاب بل تحسم أمرها الأسباب ..
هذا خلاف ما بليت به المكتبة العربية من مؤلفات محشوة حشوا بكلمات وعدد صفحات ضخم لا يجنى من
المعرفة شيئا , والعكس أيضا متحقق فتمتلئ أرفف المكتبات بمقالات أو دراسات بحثية لا تتجاوز الخمس
صفحات وتحمل من العناوين ما يعجز عن الوفاء بتفاصيل موضوعاتها مجلدات كاملة ..
وكم صدقالإمام الشعراوى عندما قال أن عمره فى المطالعة انتهى عام 1940 إلا من القليل .. وعندما سؤل
هل يكتب أجاب بأنه توقف فى العشرين سنة الأخيرة عن الكتابة وبرر السبب بقوله :
" أنا فى أخريات عمرى الآن لا أكتب بل يكتب غيري عنى لأنى أعرف شرائط الكتابة وهى تستلزم من المرء
جهدا يفوق قدرة الشيوخ أمثالى وبالتالى عدلت الآن عن الكتابة إلا فيما ندر لأنى حينما أكتب .. أفي للكتابة
شرائطها ".
بالمثل كاتبنا العملاق محمد حسنين هيكل .. وهو الوحيد الآن تقريبا الذى ينفذ الشروط القاسية لمعنى
الكتابة ولهذا استحق مكانته العالمية الأسطورية على النحو الذى رأينا فيه كلماته توزن بالذهب فى دور النشر
القائمة خلف نشر أعماله فى مختلف دول العالم ..
44
واستحق أيضا سمعته الغير عادية حين ينوى الدخول فى موضوع ما أو قضية فيناقشها .. ويكفي أن نعرف أنه
بين أساطين الكتابة العربية مقولة شهيرة مؤداها أن من أراد أن يكتب فى الشأن السياسي يسأل أولا هل كتب
به هيكل أو ينوى الكتابة فيه .. ؟!
فان كان الجواب بنعم أحجم الكاتب عن التأليف ففي هيكل الكفاية التى لا تجعل لأى قلم بجواره مكانا ,
وكل هذا صنيعة ضوابط الكتابة الفكرية الجادة أيا كان مجالها ومعينها الثقافة المذهلة التى يتمتع بها عمالقتنا
وتقف خلف سر هذا النبوغ
وتعالوا نتعرف على ضوابط الإمساك بالقلم لنحاول أن نطبق بعضها على أنفسنا إن كانت فينا النية الصادقة
لحمل صفة " كاتب "
45
ضوابط وشروط الكتابة للمفكر المسلم
( ملحوظة .. إن المفكر المسلم ليس معناه كما يظن السطحيون أنه الذى يتناول بالكتابة والتحليل شأنا
إسلاميا فقهيا أو تاريخيا بل هو المفكر الشامل الإصلاحي فى شتى المجالات الفكرية )
الأول ..
أن تكون الكتابة ذات خلفية إسلامية أيا كانت نوعية الموضوعات وتصبح الشريعة الإسلامية والفكر الإسلامى
وتاريخه النير هو المرجعية لكل قضية يثيرها الكاتب , وذلك فى نواحى الإستدلال والإستشهاد والتمثيل
مراعاة لطبيعة الثقافة التى ينتمى إليها المجتمع وتثبيتا لهويته الرئيسية ,
وليس معنى هذا بالقطع الإنغلاق على الثقافة الإسلامية وحدها , بل إنه من ضروريات الثقافة الإسلامية
الإنفتاح على الثقافات الأخرى والتفاعل معها ونقدها واستجلاب الخير منها وبيان الفائدة ,
وينأى الكاتب فى نفس الوقت عن أى انتماءات مذهبية تعطل قدرته الحيادية فى التحليل , ومراعاته الدقة فى
اختيار عنوانه لأن العنوان نصف الطريق إلى عقل وقلب القارئ
فالعنوان يجب أن يكون موفيا لما يحتويه الموضوع أو يقل عنه أما أن يكون العنوان أكبر من الموضوع فهذا
من مسببات اتهام الكاتب بالسطحية
الثانى ..
أن يتميز الموضوع بمقدمة ثرية تحملمعلومات دسمة تقدم للقراء تمهيدا محببا من الثقافة والمعلومات خارج
إطار الموضوع الأصلي الذى يثيره الكاتب على أن تكون المقدمة مدخلا لتلك القضية
الثالث ..
غزارة المعلومات فى صلب الموضوع والإحاطة بجوانبه التفصيلية بحيث لا يترك الكاتب للقارئ شقا غامضا أو
غير مفهوم أو حتى غير مطروق فى القضية التى يتناولها بالشرح بحيث يكون القارئ على موعد مع قضية
مستوفاه لا تحيله مضطرا إلى التماس مراجع أخرى فى معلومات تمس صلب القضية لأن القراء ليسوا كلهم
على مضمار واحد من حب المطالعة والبحث وهذا مقرون فقط بذوى الهمة العالية فى التقصي والقراءة
الرابع ..
سلامة اللغة ودقة العرض باستخدام أسلوب الأديب أو الروائي الرشيق العبارة بحيث مهما طال الموضوع
وتعددت صفحاته , لا يستطيع القارئ انتزاع فقرة أو أكثر من الموضوع والمرور عليها مرور الكرام بل يكون
شعوره الدائم التمنى بأن يزيد الكاتب فى موضوعه فلا تنتهى صفحاته
46
كما يجب للكاتب أن يوثق مصادره كتابة إن كان الموضوع بحثا وأن يكون واثقا من صحة معلومات
مصادره فى غير ذلك
الخامس ..
ألا يتعرض الكاتب لقضية بالنقد والتحليل بالأسلوب البحثي ما لم يكن قد استوفاها من مصادرها قراءة أولا
ثم أعطاها حقها فى التفكر والتفكير عن طريق مناقشة نفسه فى ذات القضية فيما يسمى بالنقد الذاتى ..
وأيضا مناقشة المتخصصين إن توافروا
بمعنى أن يحدد الكاتب موقفه من القضية سلبا وإيجابا وعندما يتخذ موقفه يحرص تمام الحرص على قراءة
وجهة النظر المقابلة بكل دقة والإستماع إلى حجتها وتفنيدها تفنيدا كاملا لكى يتسنى له بعد ذلك عند طرح
تحليله أن يواجه مناصري وجهة النظر المضادة والدفاع عن رؤيته وفق أساسيات الحوار القائم على استنباط
الحق
وكل تلك الضوابط التى تعد أساس إمساك القلم والتى غابت مع الأسف غيابا شبه تام عن أكثر الكتاب تعد
هى الشروط اللازمة فى مجموعها ليخرج الكاتب قائلا أنه كتب ..
هذه فى مجملها الضوابط الفنية للإمساك بالقلم ولم أتعرض لبقيتها لكون موضوعنا يتحدث عن القيم الغائبة
أما الأمور الفنية فى الكتابة المتمثلة فى قواعد اللغة وعلامات الترقيم وتقسيم الفصول فكلها متوافرة لكنها
أشبه بالأعمدة التى تنتظر ظهور البناء السليم
ويتبع ذلك ضابط عام لا غنى عنها لأى مفكر أو مصلح إجتماعى يتمثل فى الاستقلال الفكرى
47
استقلال المفكرين والكُتاب
المذهب الصحيح لأى كاتب منهجى جاد هو المذهب القائم على استقلال المثقفين والمفكرين مهما كان
تعاطفهم مع التيارات المختلفة إلا أنه يجب أن يظل تعاطفا وفقط لا يصل إلى حدود الإنتماء الحزبي أو
الأيديولوجى اكتفاء بالمرجعيةالإسلامية العامة
لأن المفكر لا يحتمل قيدا أيا كانت بساطة حلقاته أو حباله ..
والانتماء لحزب معين أو أيديولوجية معينة يقيده عن الإنطلاق حرا فى ميزان التوجيه العام عملا بحقيقة راسخة
وهى أن المفكرين آباء الرأى العام ومبعث تفجره لدى عامة الناس .. وهذا يتطلب استقلالا سيكون عزيزا فى
حالة الإلتزام بمجريات مذهبية معينة تفرضها الأجواء السياسية بطبيعتها من خلافات عنيفة وجارحة
لأن الخلاف بين أصحاب القلم يجب أن يظل فى إطار الخلاف العلمى حول السبب لكن الغاية هنا يجب أن
تكون متفقة وهى الإصلاح الإجتماعى وهو ما يعرف باسم الخلاف الايجابي
ويعد الخلاف ايجابيا لا يخل بثوابت الغاية أو الحق لأن الحق ثابت .. أما الطرق إليه فتختلف طولا وعرضا
وقديما كان سقراط أستاذ الفلاسفة الإغريق .. على موعد مع الإعدام من نظام الحكم الغاشم وتقرر إعدامه
بالسم فجاءه تلامذته ومريدوه بخطة محكمة لتهريبه فتأمل فيهم مليا ثم قال
" كيف تريدون منى أن أهرب ثم أتحدث بعد ذلك للناس عن فضيلة الشجاعة "
وأصر على موقفه وجاءت كأس السم فى موعدها المضروب فتأملها قليلا ثم ابتسم قائلا " انه دواء مر المذاق
لكنه شاف لكل العلل "
ثم جاء بعد سقراط أفلاطون وأرسطو وتكرر مع أفلاطون نفس الموقف واضطهده نظام الحكم وكاد يكرر معه
الاعتقال والقتل ..
هنا اختلف أفلاطون عن طريق أستاذه ولجأ للفرار من البطش قائلا " لن أترك اليونان ترتكب جريمة أخرى ضد
الفلسفة " والاثنان وجهة نظرهما صحيحة ..
فسقراط نفذ تعاليمه ودروسه كى لا تسقط .. وكان قد استوفي تعليمها لتلامذته فلم يأبه بالموت لعلمه الوثيق
أن هناك بعده من سيحمل المشعل وأنه أدرى رسالته
أما أفلاطون فقد كان وقته لم يزل مبكرا لينشئ خلفه الجيل التالى له .. ومن ثم لجأ للفرار وهو نقيصة فى
سبيل سد ذريعة أكثر ضرورة وهى فقد الفلسفة والمنهج الذى يحمله بفقده
هذا هو حق القلم .. فكم منا وفاه هذا الحق ..؟!
وصلي الله عليك وسلم نبي الله إدريس أنت ونبينا الكريم
كنت أول من خط به وأول من عرفت قيمته وجاء الإسلام بعد آلاف السنين منبها فى أول آياته نزولا على
القراءة والكتابة ..
48
تعلم كيف تنشأ .. وكيف تدين بمبدأ
( ( إبريل 2006
49
تعلم كيف تنشأ .. وكيف تدين بمبدأ
ما هو المبدأ .. ؟
وما الهدف من الإيمان بمبدأ ما .. ؟
هل هناك سبيل للتفرقة بين المبادئ وبين القناعات الشخصية ؟
وإذا كانت المبادئ شيئا أساسيا لدلالة المرء إلى الطريق القويم .. فهل هناك مبادئ هدامة وأخرى بناءة ؟ ..
هذه أسئلة وبعض الخواطر .. فلنتدارسها معا .. سعيا خلف الحقيقة فى أمر المبادئ ومدى علاقتها بالدين
الإسلامى والحضارة الإسلامية
ما هية المبدأ ؟
المبدأ هو قيمة إنسانية معينة , غالباما تدل على مذهب تحت تأثير حضارة تدفع الإنسان المؤمن بها إلى
تطبيق حياته على أساسها ..
والأصل فى المبادئ , هى اتفاقها والمثل العليا والأخلاق , وإن كانت المبادئ أطلقت عبثا على بعض
المناهج المضادة للفطرة الإنسانية السليمة .. كالمبادئ الشيوعية على سبيل المثال, أما بالنسبة للحضارة
الإسلامية .. فقد ذابت المبادئ فى أصل الإسلام .. والمتأمل الواعى فى الدين الاسلامى .. يجد أن القيم
الإسلامية طابقت كل فطرة سليمة يشعر بها الإنسان فى حياته ويجد نفسه مدفوعا إليها ..
ولا ننكر أثر الحضارة العربية فيما قبل الإسلام .. حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال فيما قال " إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"
ونص الحديث ومعناه واضح .. وهو يشير إلى أن الإسلام أتى على قوم يدركون المبادئ الأساسية والقيم
الإسلامية السليمة إلا ما شذ بسبب الهوى والتحكم بالرأى
وهذا هو ما يوضح مدى الإضافة التى أضافها الإسلام بإتمامه لمكارم الأخلاق .. فمن كان مؤمنا بالمبادئ
والقيم الإنسانية حق الإيمان دون هوى من رأى أو غرض هو الذى اعترف بالإسلام دينا حنيفا , ومن كان
إيمانه بالقيم العربية إيمانا ذى غرض هو من تشبث بالكفر طمعا فى جاه ظنه يفقده فى ظل الإسلام .. وهذا
ما يوضح أن المبدأ لابد أن يكون خالي الغرض ..
وعلى سبيل المثال ..
فلنقارن بين موقفين كليهما عظيم .. غير أن جانب العظمة اختلف سلبا وإيجابا ..
50
فالصحابي الجليل .. سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه .. أول المسلمين .. صديق رسول الله
وصدّيقه .. عندما أسلم ابنه عبد الرحمن بعده بوقت طويل .. وكان أن حضر عبد الرحمن بن أبي بكر رضي
الله عنهما موقعة بدر الكبري إلى جانب المشركين .. وكان أباه العظيم إلى جانب المسلمين .. وبينما عبد
الرحمن بعد إسلامه يتذاكر الوقعة مع أبيه قال له مداعبا " لقد رأيتك يوم بدر .. ولأنك والدى فقد تجنبتك كى
لا أقتلك .. "
فرد أبو بكر رضي الله عنه " ولكنى لو رأيتك لقتلتك "
هذا هو المبدأ الأصيل .. فأبو بكر الصديق أخلص لدعوة الإسلام مؤمنا تمام الإيمان وأخرج من قلبه ما عداه
.. وبالتالي فلا مجال هنا لابن أو رياسة .. فقط هناك الإسلام وفقط .. بلا غرض .. وهذا هو المبدأ الصحيح
..
فماذا عن المبدأ الفاسد ..؟
هو المبدأ الذى يخالطه الغرض .. ومن الغريب أن المؤمنين بالمبادئ على شاكلتيهما يتفقان فى الإيمان التام
بها والدفاع عنها وما بينهما كبعد المشرق والمغرب .. مثال هذا .. عمرو بن هشام " أبو جهل " قتل فى يوم
بدر .. وبلغ به الكفر والإصرار أن يقول لقاتله وهو يجز رأسه " أبلغ صاحبك أننى ما ازددت فيه إلا بغضا "
يعنى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .. قبح الله أبا جهل وما أتى به
هذان مثالان سابقان .. فماذا عن عصرنا الحالى .
51






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 6:58
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

أزمة مبدأ ..
لو تحدثنا عنعصرنا الحالى .. وبالذات مع بدء القرن الماضي .. سنجد أننا نعيش منذ ذلك الحين وحتى
الآن أزمة مبادئ وأزمة أخرى فى المثل العليا .. فبداية القرن الماضي شهدت النظريات السياسية والاجتماعية
التى شطرت العالم إلى نصفين بين مؤيد لهذا ومؤيد لذاك .. إلى جانب صحوة سلفية للدين الاسلامى قامت
على يد أقطابها فى القرن الماضي وما قبله
واستمر الصراع هائجا معظم سنوات القرن الماضي بين مختلف التيارات التى جذبت إليها اللاهثين خلف
المبادئ دون مرجعية ثقافية سليمة
وبغض النظر عن نتائج الصراع ..
إلا أنه من المؤسف أن نقول أن الصراع المتأجج كان أفضل بمراحل من حالة الركود والخنوع التى ضربت
بأوتارها منذ أخريات القرن الماضي حتى اليوم .. إذ أن السعي المحموم من كل طرف من الأطراف لتأكيد
حقيقة ووجود مبدئه كان يمثل حركة عقول وقلوب وإرادات .. والصراع الفكرى فى حد ذاته كان بلا شك فى
صالح القيم الإسلامية أيا ما كانت قوة العداء لها من مختلف التيارات .. لأن الحضارة الإسلامية تفرض
وجودها بحقائق الدعوة الإلهية وتحتج بالمنطق الذى يفتقد غيرها إليه ..
وبالتالي فقد رأينا الصراع يكسب الإسلام أرضا جديدة باستمرار لأن معظم الداخلين فى الصراع الفكرى عبارة
عن مسافرين باحثين عن القيمة وفقط .. وذلك بغض النظر عن المدافعين بلا منطق عن مبادئ أخرى سعيا
لفائدة وليس إيمانا بصحة ما يدعون إليه
وعلى سبيل المثال ..
ففي ستينيات القرن الماضي .. والمد العلمانى والشيوعى على أشده .. انجرف كثير من المفكرين الشبان
ليقعوا فى شراكه .. فمنهم من أغرقه المد الشيوعى كالمفكر الاسلامى الكبير خالد محمد خالد .. وهو قيمة
فكرية وإنسانية غير عادية .. كان فى شبابه منجذبا بشده إلى الشيوعية ومبادئها البراقة بالزيف والتى كان فى
ظاهرها الرحمة والمساواة وباطنها العذاب والديكتاتورية المطلقة ... وتحتاج إلى ملائكة ليتم تطبيقها بالشكل
الذى قرره مبتكرو هذه المذاهب الغير منطقية
وقد عبر خالد محمد خالد فى كتاباته الأولى عن إيمانه بتلك المبادئ وتهجم على كثير من القيم الإسلامية إلى
أن جاءت الصحوة .. لأنه كان مفكرا يبحث عن الحقيقة وحسب .. وبالتالى استغرق بأعماقه فى الفكر
الشيوعى وتخيله الطريق السليم للحضارة الإنسانية ودافع عنه بشراسة وعندما استيقظ .. وأدرك قيمة
الحضارة الإسلامية وكيف أنها أتت بما لا يكفل للإنسانية كلها بمبادئها قيما لا تفنى عندئذ كان التحول فى
حياة الكاتب الكبير .. ليصبح واحدا من أعظم رواة وفلاسفة التاريخ الاسلامى
52
وكذلك المفكر العبقري .. د. مصطفي محمود .. مر بتجربة فريدة وشديدة القسوة عندما مد عقله لإدراك ما
لا يمكن إدراكه .. وأخذ يبحث عن الخالق جل وعلى وسقطفى طريق الإلحاد فترة من الزمن حتى أفاق عندما
أراد الله به خيرا
فسجل تجربته الرهيبة فى كتابيه .. " رحلتى من الشك إلى الايمان " و " حوار مع صديقي الملحد " ..
والكتاب الأخير ليس محاورة بين مصطفي محمود وأحد الملاحدة بل هو حوار الكاتب مع نفسه والتى
استغرقت عامين تقريبا حتى اهتدى ليصبح العلامة الإسلامى مصطفي محمود ورائد بيان الإعجاز العلمى فى
القرآن الكريم
غاية القول أن الحراك الذى كان يضج به القرن الماضي كان فرصة متاحة لغلبة القيم الإسلامية فى شتى
المجالات ..
وأيامنا الحالية تفتقد إلى ذلك الحراك .. وتركن إلى السلبية المطلقة .. وغابت المبادئ بنوعيها فى غمار تلك
السلبية ..
حتى تلك الصحوة المؤقتة التى يشهدها العالم العربي فى تلك الأيام .. مهددة بالانقراض السريع والسبب فى
ذلك أن أهل الحل والعقد وهم حملة الأفكار والأقلام وقعوا أسري للذاتية والبحث عن المجد الشخصي ..
وطلقوا رسالتهم طلقة بائنة مع أن منهم من هو ذو ماض مشرف فى هذا الشأن
ومن المؤسف أن هؤلاء الزمرة اليائسة .. أو الخانعة .. من المفكرين وأصحاب القلم هم الجناة الحقيقيون
لهؤلاء الشباب الضائع فى البحث عن مبدأ يعتنقه أو دليل يهدى ضالته ..
فى الأمس القريب كانت المطابع تدور لتخرج معارك فكرية وأدبية كل منها على مبدأ مختف .. تشكلت على
اثر تلك المعارك أجيال وأجيال
وكما قلت سابقا ليس المهم أن نؤمن المبدأ الصحيح .. بل المهم أن نؤمن بمبدأ نسعي لأجله إلى الحق ..
وسعي الحق كفيل بتصحيح المفاهيم .. طالما نؤمن بحرية الفكر بلا تعصب
53
تعلم كيف تعترض .. وتعلم كيف تعارض ..
( مارس 2006 م )
54
تعلم كيف تعترض .. وتعلم كيف تعارض ..
 ما كان .. وما يجب أن يكون .. فى الإعتراض والمعارضة  نقارن هنا بين
وبين ما أحدثه المعاصرون .. .. بين ما كان عليه الراحلون
حكمة الإختلاف ..
قديما .. كان أفذاذ العروبة القدامى يرون فى الإختلاف رحمة .. كانوا يرون أن الإختلاف فى الرأى أحد
مؤسسات التفكير العلمى .. وأحد أهم روافد العقل البشري
فلولا الاختلاف فى الرأى .. واحترام وجهات النظر المخالفة .. لما خرج من العالم العربي والاسلامى أغنى
كنوز الفكر والفقه على مدار تاريخه المشرف
وليس سرا أن الحضارة الإسلامية كانت لها الريادة فى تنمية الفكر وتربية الرأى العام , مع إيمانهم المطلق
بالحكمة القائلة " أن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضيا " كان الخلاف والاختلاف قديما يبعث على
المحاورة , والمحاورة تبعث على طرح الحجة , وطرح الحجة يؤسس فى العقائد أسمى المذاهب القائمة على
إعمال العقل والتدبر .. وهى الوظيفة الرئيسية للعقل البشري وحكمة خلقه ..
وظهرت فى الفقه الاسلامى المذاهب الأربعة متباينة الأفكار والآراء .. ومتفقة الرأى فى المبادئ الرئيسية ..
وخلفها كان الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم .. إمام دار الهجرة مالك بن أنس .. وفقيه العراق الإمام أبي
حنيفة النعمان رائد فكر القياس وفقه التقدير .. والإمام محمد بن إدريس الشافعى نابغة الفكر والأدب والفقيه
المجدد .. والإمام أحمد بن حنبل العلامة الحافظ ..
وبنظرة إلى المذاهب الأربعة .. نجد بينها الإختلافات المتنوعة وكل منها له حجته المعضدة بالأدلة من القرآن
والسنة .. وبنظرة إلى الأئمة الأربعة نجد التواصل بينهم نموذجيا بقدر العلم الذى اختصهم به الله ..
فعلى الرغم من اختلافهم ومعاصرتهم لبعضهم البعض ..
إلا أن اختلافهم هذا لم يمس بأى حال من الأحوال تقديرهم الشخصي لمكانة كل منهم فى العلم .. وهذه
هى أولى صفات العلماء
فنجد الإمام أبي حنيفة النعمان يأبي الفتيا فى حضرة مالك رضى الله عنهما .. ويكرر الحكمة المأثورة " لا
يفتى ومالك فى المدينة " إجلالا وتقديرا لهذا الفقيه العلم ..
كما نجده يقول " قولنا هذا رأى .. وهو أقصي ما قدرنا عليه .. فمن جاء إلينا بأفضل منه قبلناه " وهو تكريس
كامل لمبادئ حرية النقاش والحوار طمعا فى الوصول إلى الحق عن طريق مقارعة الحجة بالحجة ..
55
هذا بالرغم من الخلاف الشهير بين الإمامين الكبيرين .. فى تناول كل منهما لمسائل الفتيا .. فالإمام مالك
رائد مدرسة المحافظين .. والإمام أبي حنيفة رائد مدرسة الفقه التقديري ..
ونجد الإمام محمد الشافعى بالرغم من اختلافه مع أستاذيه الكبيرين الإمام مالك والإمام أبي حنيفة
إلا أنه عندما يقرر كتابة معارضته للإمام مالك فى كتاب .. يُعنون الكتاب بعنوان يشف عن مدى احترامه للإمام
مالك " اختلاف مالك والشافعى " أى أنه بادر إلى تقديم اسم أستاذه على اسمه اعترافا بمكانة الرجل ..
وهى المكانة التى لا تمنع بأى حال كان أن يختلف مع أستاذه طالما كانت لديه الحجة والدليل والفكر القابل
لهذا الإختلاف ..
وعندما يعارض أبي حنيفة معارضة شديدة فى بعض أحكامه .. لم تمنعه تلك المعارضة مطلقا من إكبار مكانة
أبي حنيفة .. وكان هو القائل " كل الفقه عيال على أبي حنيفة "
والإمام أحمد بن حنبل .. عندما يسأله ولده عن أقرب الناس إلى عهد الصحابة فى المعاصرين .. يجيبه بن
حنبل بلا تردد " الشافعى " .. على الرغم من اختلافه مع الشافعى فى معظم أحكامه .. لكنه كان اختلاف
العلماء حيث يثمر .. لا اختلاف الأهواء حيث يبطر ..
بل إن الشافعى رضي الله عنه .. وفى تقدير لا مزيد عليه للإمام بن حنبل رضي الله عنه .. أوقف حلقات
الدروس التى كان يلقيها عندما قدم بن حنبل إلى الشافعى فى مكان إقامته .. ولما ذهب إليه بن حنبل يسأله
عن سر توقفه عن دروسه أجابه الشافعى العظيم .. " وجود حلقتك يا بن حنبل .. إذا وجد الماء بطل التيمم"
هؤلاء بقية الخير الذينأسسوا للفكر مذاهب الحوار والاختلاف على النحو الذى تهنا عنه والطريق الذى
ضللنا عن هداه للأسف الشديد ..
حيث أثمر الخلاف فى الرأى ضغائن الإعجاب بالرأى ورفض المعارضة .. والإيمان المطلق بأن أقوالنا على
الحق وغيرنا على الباطل
أزمة الحوار ..
قديما كان الحوار الهادف يجرى فى عذوبة وسلاسة .. دونما ثورة .. دونما علو صوت إلا للحماسة فقط كان
الحوار والجدال جدال خير .. لا مراء شر
كانت مناظرات ومساجلات أهل العلم والفكر والفقه والأدب .. قمة فى احترام الرأى والرأى الآخر وتقدير
الحجة لدى كل منهما
بل كم أثمرت المناقشات عن معين للعلم لا ينضب ، مع حماسة كل طرف أن يأتى بالحجة التى تؤيد رأيه ..
وتعضد إيمانه بقضيته ، وفى نهاية الحوار ، غالبا ما تثمر الإتفاق ، فمحاورات العلماء قائمة على تناول الحجج
سعيا وراء الحق وحده لذا فلا يجد أى طرف محاور من العلماء نقيصة فى الإعتراف لمحاوره بصحة رأيه ..
56
أما محاورات الجهلاء ... فتلك القائمة على الإعجاب بالرأى وهو آفه المجتمع الحقيقية الآن .. عملا بمبدأ
من ليس معى فهو ضدى .. وصدقت مقولة الإمام على رضوان الله عليه ,.
" لو حاورت ألف عالم لغلبته .. ولو حاورنى جاهل واحد لغلبنى " والمعنى المقصود واضح ..
لأن الإمام على بما أوتى من قوة الحجة .. ونبوغ الأسلوب قادر على احتواء العلماء أمامه لأن العالم عندما
يحاور يهدف أولا وأخيرا الى الوصول للحق .. بغض النظر عما إن كان جانب الحق جانبه أم جانب غيره ..
أما الجاهل فهدفه من الحوار .. هو هزيمة محاوره .. بغض النظر عما إن كان الحق حليفه أم حليف محاوره .,
لأن المناقشة هنا تعد مضمارا للخصومة لا العلم .. فمهما بلغ العالم من قوة الحجة وغلبة المنطق .. فلن
يستطيع مطلقا إقناع من لا يريد الإقتناع .. طالما كان فى قلبه هوى ..
وقد روى لنا التاريخ الإسلامى العديد من المحاورات العظيمة .. اشتهرت فيما عرف باسم الأجوبة المسكتة أو
المستحسنة وهى الأجوبة التى تطرح على مائدة الحوار فتأخذ اعتراف المحاور بنبوغ محاوره وتفوقه عليه ..
مثال ذلك ..
عندما أتى إلى هارون الرشيد الخليفة العباسي الأشهر .. أحد أولى العلم ناصحا للخليفة .. فافتتح الحديث
قائلا " يا أمير المؤمنين .. إنى أريد أن أقول لك فى الحق قولا غليظا فاسمعه منى "
فرد هارون الرشيد .. " والله لا تفعل .. إن الله عندما أمر موسي عليه السلام وهارون أخاه بأن يذهبا إلى فرعون
قال لهما .. وقولا له قولا لينا وما أنت بأتقي من موسي .. ولا أنا بأعصي من فرعون "
فسكت العالم .. ثم قال مبتسما .. صدقت يا أمير المؤمنين .. وقال ما يريد فى شيئ من اللين ..
لم تأخذ العالم .. عزة علمه على نحو خاطئ .. فمنعته من الإعتراف بصحة ما قال الخليفة .. بل على العكس
أقر قولة الحق ولزم ..
فأين نحن من هذا ؟!
والخليفةالإمام .. إمام الهدى كما سماه معاصروه .. عمر بن عبد العزيز .. رضى الله عنه .. قدمت إليه الوفود
من مختلف الأمصار عارضة إليه شكواها .. وقام كل وفد بتقديم متحدث باسمه .. وجاءت إحدى الوفود ..
وإذا بالمتحدث باسمهم صبيا صغير السن .. فلما هم بالحديث منعه الخليفة قائلا " يا بنى أليس هناك من
هو أسن منك .. فيتحدث عن القوم "
فأجابه الصبي النابغة بإجابة صارت مثلا .. قال " يا أمير المؤمنين .. لو كان الأمر بالسن .. لكان هناك من هو
أحق منك بالخلافة "
فاستحوذ الإعجاب الشديد على الحضور من سرعة البديهة لدى الغلام .. وكان أول المقرين له فى الحديث
هو الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز
فتخيلوا معى لو أن تلك الواقعة حدثت بعصرنا .. ستكون الواقعة فعلا ..
57
ولسنا بحاجة إلى النظر كثيرا فى التاريخ وحده .. ففي أيامنا المعاصرة من أهل الفكر من أعادوا بقية الأمس ..
لكننا لم نلتفت إليهم .. لم ننهج نهجهم .. فحولنا المناقشات إلى ساحات للمعارك .. ومضمار للخصومة ..
وأصبح المحاور العاقل .. ولن أقول العالم إذا هم بالنقاش والسؤال .. فقط السؤال .. تمطر السماء عليه لهيبا
من الإتهامات .. بالتخوين تارة .. وبالكفر تارة أخرى !!
58
تعلم كيف تعترض .. وتعلم كيف تعارض ..
مع أن الإسلام هو دين الوسطية .. إلا أننا للأسف عدنا فى حوارنا لأسلوب الجاهلية بل إلى ما هو أفدح
فالحوار بين سبيلين كلاهما قمة التطرف فإما مؤيد على طول الخط .. وإما معارض على طول الخط ..
ففي المجال السياسي مثلا .. إذا فُتح الباب أمام لمناقشة لعصر حال أو ماض .. ستجد نفسك أمام مسرحية
هزليه .. ومعركة حامية الوطيس بين مؤيدى ذاك العصر أو ذاك .. وكلاهما على الباطل .. لأنه ما من حاكم
خاصة بعصرنا الحالى إلا وله من العيوب أفدحها ... وله من المواقف ما يُحترم .. لكن من يؤيد يؤيد على
الإطلاق فيري الباطل حقا ... ومن يعارض يري الحق باطلا
وفريق ثالث يأبي النقاش من الأساس ... والكارثة أنه يستند فى ذلك الشريعة الإسلامية التى تقول بطاعة ولى
الأمر .. وأن الحاكم الظالم خير من فتنة !! وتلك هى بحق كارثة عالمنا العربي المعاصر
أولا ..
مبدأ الاعتراض والمعارضة أحد الحقوق الجوهرية التى لا غنى عنها لمسلم يري لنفسه حقوق الرعية ..
والسلبية تحت زعم طاعة ولى الأمر هو المفسدة بعينها .. لأن مجرد تحريم الإعتراض يفتح الباب أمام
السلطة المطلقة للحاكم .. والسلطة المطلقة .. مفسدة محرقة ..
إن لكل فرد من الرعية حق ثابت بسؤال ولى الأمر عما شاء .. طالما كان السؤال سلميا .. لا بطريقة حمل
السلاح .. وتلك هى أول المحرمات .. أما السؤال السلمى فهو الرقابة الضرورية على سلطات الحاكم ..
ولو أن مجرد ممارسة الاعتراض والمعارضة بأى شكل من أشكالها .. كتابية أو خطابية أو حتى تظاهرية تمثل
اعتداء على الشريعة الإسلامية .. لأثمت المرأة التى اعترضت عمر بن الخطاب فى طلبه بعدم المغالاة فى
المهور فما كان من عمر الا أن ابتسم قائلا " أصابت إمرأة وأخطأ عمر "
فهل كان فى اعتراض المرأة شيئا مما يتشدق به دعاة الفضيلة الآن وهم بحقيقة الأمر دعاة سلبية
وثانيا ..
كيف تكون المعارضة وكيف يكون الاعتراض ..
الإعتراض أن تبدى رأيا سلبيا فى خصوص أمر ما يصدره أولى الأمر .. لكن دون أن يكون لديك البديل
المناسب للطرح المعترض عليه ..
والمعارضة .. هى أن تأخذ موقفا رافضا لأمر ما يقره أولى الأمر وتقدم أسباب رفضك وتطرح بذات الوقت
بديلا مناسبا لما رفضته .. وتكون المناقشة هى أساس المفاضلة بين رأيك وبين ما اعترضت عليه .. والحكم
59
لأغلبية الرأى ..
هذه هى ديمقراطية الإسلام التى كفلت لدولة الإسلام أن تبلغ المشرق والمغرب فى غضون سنوات تعد
كالثوانى بعمر الحضارات
لكننا وللأسف الشديد .. لا نرى من يعارض الآن .. معارضا لهدف .. بل لهوى ..
ونجد من يعترض .. يعترض طلبا للأصلح .. بل للمصلحة الشخصية ..
وقس على هذا شتى مجالات الفكر .. لم يعد اختلاف الرؤي داعيا للرحمة .. بل بوابة للعذاب ..
وأصبح كل طارح لرأى لا يحتمل له نقدا أو تعديلا .. كما لو أنه أتى برأى منزل من السماء ..
ولو صادف رأيه نقدا .. فالرد سابق التجهيز .. بين اتهامات بالجهل .. والكفر ... وما إلى ذلك .. وينسي
رامى الاتهام
أنه خرج عن موضوع الحوار إلى تفاهات التراشق بالألفاظ والاتهامات .. مع أن جهده من المفروض أن ينصب
على توضيح رأيه والدفاع عنه بالمنطق والحجة ..
والرد يجب أن يكون منصبا على رأى المعارض لا شخصه ..
لكن من يسمع .. ومن يفهم ..
رحم الله زمانا .. كنا فيه أهلا للفكر .. لا أصناما للهوى ..
رحم الله زمانا .. كنا فيه فى الله إخوة .. وفى الإيمان قدوة
60
تعلم كيف تنظر فى المرآة
رسالة إلى كل مثقف
( هذا الفصل تمت كتابته فى عام 2008 م ,
متزامنا مع إضراب 6 إبريل الشهير الذى كان إرهاصا لثورة 25 يناير ..)
61
تعلم كيف تنظر فى المرآة
رسالة إلى كل مثقف
( هذا الفصل تمت كتابته فى عام 2008 م ,
متزامنا مع إضراب 6 إبريل الشهير الذى كان إرهاصا لثورة 25 يناير ..
أضعه كما هو منذ تمت كتابته لاثبات أن التغيير الحقيقي إنما بدأ بتغيير ثقافة المجتمع
وخلق قيادات فكرية جديدة للتبصرة والتوعية
عبر جيل جديد يختلف عن جيل الآباء بتجاربه الضيقة )
هناك مقولة لجوبلز .. وزير إعلام الحزب النازى فى الحرب العالمية الثانية " 1939 1945 " .. مقولة
عبرت عن مدى القدرات الشيطانية لهذا الوزير الفذ الذى كان بوق الحرب الخرافي لأدولف هتلر .. والقائد
الإعلامى للروح المعنوية التى وقفت خلف انتصارات ألمانيا المذهلة على مدى الثلاث سنوات الأولى من بدء
الحرب بالرغم من أنها خاضت الحرب منفردة وعلى ثلاث جبهات إلا أنها تمكنت من تركيع أوربابإسقاط
فرنسا وحبس الأسد البريطانى فى جزيرته ..
يقول جوبلز .. " كلما سمعت كلمة مثقف .. تحسست مسدسي ! "
والعبارة تعكس مدى الإدراك العميق عند جوبلز لمدى خطورة الدور الذى يمكن أن يلعبه المثقفون فى حياة
الأمم والشعوب .. وهو اعتقاد حقيقي دون شك .. لأن تربية الرأى العام تقع على كاهل المثقفين .. وما هانت
أمة إلا بهوان مثقفيها ومفكريها أو بتحجيم نشاطهم ومنعهم من التواصل مع العامة , أو بانشغال المثقفين عن
أداء دورهم لأى سبب من الأسباب
ولهذا كان التخوف رهيبا من جميع أنظمة الحكم الديكتاتورية تجاه المثقفين بمختلف العصور كما رأينا مع
جوبلز .. لأن المثقفين بما لهم من فكر فى جو ديمقراطى كان كفيلا بإجلاس هؤلاء الحكام فى بيوتهم
وهو الأمر الذى فضلته ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان العسكرية فتسبب هذا فى سقوطهم التام الحرب
العالمية الثانية وانتصرت الدول التى تقدّر مفكريها , وتستمع لهم وتأخذ قرارها من شعوبها بالرغم من فارق
التفوق الكاسح الذى كان لصالح المحور على الحلفاء فى النواحى العسكرية
62
ولكن ماذا عن حال المثقفين وأزمتهم فى العالم العربي .. تلك الأزمة التى عالجها أو حاول معالجتها مختلف
المفكرين ؟!
لو أننا أخذنا بمنهج جوبلز وفلسفته لكان لزاما علينا تغيير عبارته قليلا لتناسب مثقفي العالم العربي فتصبح
العبارة
" كلما سمعت كلمة مثقف .. تحسست معدتى ! "
وهى حقيقة مُره .. لأن الثقافة والمثقفين لا يثيرون بقلوب العامة الآن إلا الإشمئزاز بعد أن تباعدت المسافة
إلى درجة هائلة بين المثقف وإرادته من ناحية , وبينه وبين وجمهوره من ناحية أخرى .. مع عهد طويل من
الانهيار الفكرى ترك العقول جوفاء فارغة إلا من النظر تحت أقدامها
وعوامل الانهيار شاملة وترتكن إلى عشرات الأسباب التى يصعب تناولها ..
لكن السبب الذى يستحق النظر إليه والتركيز حول وجوده ..
هو دور المثقفين أنفسهم فى انهيار الثقافة ! ..
هذا الدور الذى ينحصر فى التنازلات التى قدمها المثقفون تنازلا تلو الآخر عبر العصور الأخيرة ..
ولو أخذنا الأمثلة على التنازلات لكشفنا فى بساطة سبب التراجع الذى بدأ مع الإستقلال الظاهرى للوطن
العربي بداية من منتصف القرن الماضي .. وإنّا وإن كنا نحمل كل التقدير لتلك الأسماء اللامعة من قادة الفكر
.. إلا أن تقديرنا هذا لن يمنعنا من تحميلهم مسئولية تسليمهم إيانا راية الفكر منكسة !
وسيأتى في هذا الموضوع ذكر لأسماء لامعة لها على الفكر العربي فضل عظيم بلا شك , وهم كانوا ولا زالوا
أساطينا في عالم الثقافة , وليس عتابنا لهم اليوم إلا لدواعى الدراسة والفهم لمشكلة الثقافة في العصر
الحديث ودور الأجيال السابقة في غياب دور المفكرين عنقيادة وتربية الرأى العام اليوم ,
ففي مصر ..
وبعد عهد كبير من حرية الفكر فى عصر الثورات الشعبية التى قادها أهل الثقافة المحترفون على الوضع
السياسي والاجتماعي فى ثورة 1919 وما قبلها ..
دخلت مصر النفق المظلم بانتهاء تلك المرحلة التى تألق فيها أحمد أمين والرافعى ومصطفي كامل ولطفي
السيد وقاسم أمين وسعد زغلول وعلى يوسف وحسن البنا وعشرات غيرهم من مختلف التوجهات الفكرية ,
ليبدأ العهد العسكري الذى كان له أبلغ الأثر في تكوين الأرضية الحقيقية لثقافة النفاق والمداهنة وأهل الثقة
وأهل الخبرة !
63
ومع بدايات الحكم الجديد ورسوخه عام 1954 م بتغلب جمال عبد الناصر وخروجه كاسبا للجولة الأخيرة
بينه وبين محمد نجيب فى أزمة مارس من نفس العام .. كان حال المثقفين وقادة الفكر كالتالي :
قسم صدمه الواقع
الذى فوجئ به مانعا حقيقيا أمام أى اعتراضات جوهرية .. فآثر الابتعاد عن مفسحا المجال للسادة الجدد
لعلمهم يقينا بما سوف يلاقيه أيا منهم إذا دار بذهنه القيام بنفس الدور الذى اعتاد عليه قديما ..
مثل الدكتور عبد الرازق السنهورى وعبد الحميد بدوى وعبد الرحمن الشرقاوى والدكتور محمد حسين هيكل
و عباس العقاد ومن تلامذتهم فيما بعد خالد محمد خالد ومصطفي محمود وغيرهم
والشاهد أن هذا القسم من المفكرين تعلموا من رأس الذئب الطائر قبل أن يطير فعلا ! , وصدقت تنبؤاتهم
وتعرض المفكرون المعارضون لأبشع أنواع التعذيب والقهر
وكان العقاد هو الذى بدأ فى التقوقع بأبحاثه ودراساته الأدبية والإسلامية مكتفيا من الغنيمة بالإياب نائيا
بنفسه عن المعركة التى علم أن كلا طرفيها مهزوم , بالرغم من سابقة نضاله الكبير فى تجربته مع الملك فؤاد
عندما دخل السجن تنفيذا لحكم على جريمة العيب فى الذات الملكية فى البرلمان الذى كان عضوا به فى
الثلاثينيات ,
وتجربته مع الألمان فى الحرب العالمية الثانية وشرحه الكامل لخطورة النازية على أرض مصر دافعا بشدة وجهة
نظر الذين أملوا فى الألمان على النحو الذى دفع روميل القائد الألمانى الشهير إلى إعلان حكمه المسبق
بالإعدام على العقاد فور دخوله إلى مصر منتصرا ، واكتفي العقاد بأن ترك نفسه تغلى فى صمت وهو يرضخ
صاغرا لرياسة ضابط صغير فى المجلس الأعلى للفنون والآداب دون أن يفتح فمه بكلمة لا هو ولا طه حسين
" ولا توفيق الحكيم على حد تعبير هذا الأخير " 5
وقسم ثان
وقع أسيرا لغيبة الوعى بالرغم من قدراته الفكرية فتصور خيرا فى هذا الحكم فصار مؤمنا بآماله وبالتالى أصبح
بوقا له .. وإن كان البوق هنا دوره عن اقتناع لا عن نفاق .. ومنهم إحسان عبد القدوس وكامل الشناوى
ولطفي الخولى وفتحى غانم والمفكر الكبير توفيق الحكيم
وكان توفيق الحكيم هو صاحب تعبير غيبة الوعى وعودته بعد ذلك , عندما كشف عن مأساة صمته طيلة
السنوات السابقة قبل عام 1970 م وحرر بذلك وثيقة ضمنها كتابا شهيرا هو " عودة الوعى " ..
خرج فيه لاعنا اليوم الذى أيد فيه الحكم العسكري ونادما على ما فات , ولكن بعد فوات الأوان !
وق ($_ دار ا O,E__ ا `, ;_ _&;_ دة ا ;& 5 64
وقسم ثالث
رهن فكره وجنده كاملا للتجربة وعن اقتناع تام .. ووقف إلى جوارها داعما ومتناسيا وغافرا لكل خطاياها فى
نظير قدسية الرسالة القائمة على فكرة القومية العربية التى حلت محل فكرة الخلافة مثل أحمد بهاء الدين
وصلاح حافظ وكامل زهيري ومحمد عوده ومحمود السعدنى ومحمد التابعى وصلاح جاهين وتلامذتهم مثل
يوسف القعيد وجمال الغيطانى وجلال عارف وغيرهم
وعلى رأس هؤلاء يقبع مفكرنا الكبير محمد حسنين هيكل .. والذى كانت علاقته الشخصية بعبد الناصر
وإخلاصه له سببا مباشرا فى تعميق التجربة الناصرية بدون أدنى مبالغة .. فهو مُبشرها وصانع خططها وصائغ
نظريتها وهو الذى جعل من الناصرية مجالا فكريا قبل أن يكون سياسيا
لأن وقوف هيكل إلى جانب عبد الناصر أتى لاتفاق خلفيته وقناعاته مع مبادئ التجربة وهى الخلفية التى أدت
فيما بعد إلى ابتعاد هيكل ورفضه التام للتعاون مع السادات فى إستراتيجيته الجديدة القائمة على هدم الثوابت
الناصرية
فكان هو الكاتب الأوحد لخطب عبد الناصر فضلا على أنه صائغ ( الميثاق ) وبيان ( 30 مارس ) وهو
الكاتب الحقيقي لكتاب ( فلسفة الثورة ) , ثم كان هو أخيرا صاحب الموسوعات السياسية والتاريخية التي
" أرخت للناصرية مثل كتبه ( قصة السويس ملفات السويس سنوات الغليان الإنفجار ) " 6
وقسم رابع ..
جعل ولاءه الأول لأيديوليجيات مختلفة رهن لها قدراته الفكرية ودافع عنها غاضا النظر عن الثوابت المتمثلة
فى النهوض بالأمة .. أى أنه اهتم بالنظرية وأهمل فشل التطبيق !
فأصبح حالهم كحال الطرفة الشعبية الشهيرة ( لقد ضحينا بالأم والجنين فى سبيل نجاح العملية ! )
مثال هؤلاء قمم المفكرين التى رهنت نفسها للمذاهب الماركسية والتى شغلت نفسها طوال الوقت بالدفاع
عن معتقدات لا تثمن ولا تغنى من جوع فكانت حربها حرب ديوك لا هدف منها إلا المناطحة
مثال هؤلاء لويس عوض ومحمود أمين العالم و مفكر قدير مثل الدكتور فؤاد زكريا .. والذى وقف منتقدا
ومفندا للتجربة الناصرية فى بداية السبعينيات داعيا إلى اليقظة الواجبة لحال الأمة .. لكن دعوته وللأسف
الشديد لم تكن لعودة الوعى للأمة بل لليسار الذى يُعتبر أحد أقطابه
وكانت دراساته تلك مركزة وموجهة لليساريين للنهوض والإفاقة من فكرة التحالف مع الناصرية والالتفات إلى
أنفسهم خوفا من اليمين المتشدد الذى يوشك أن يأكل بساطالساحة بعد سقوط الناصرية .. وليس أدل من
ن _=#_/ ت _&;#RG_ ا +_(c .& ر _A ول ^ ب ا __E_ ا ا _& ($=_ وا +GF(___ ام ( ھ^ ا b_(_ .& _"__ T_E_ ه ا : رت ھ _A 6 65
ذلك أن دراساته تلك التى احتضنتها صفحات جريدة روز اليوسف فى معركة فكرية مطولة كانت بعنوان " عبد
الناصر واليسار المصري "
فكان همه هو تنبيه اليسار فى معركته مع اليمين , ودعوته لهم بالإنتباه لأخطاء عبد الناصر مع اليسار ,
دون أن يلقي نظرة أو يهتم بالمضمون الأصلي الذى ينبغي أن يهتم به , وهو مصر والشعب المصري الذى لم
يجن من تلك الصراعات إلا دوامة مستمرة من الأيديولوجيات المختلفة ضحى فيها نظام الحكم والمفكرون
بمصالح الشعب انتصارا لمذاهبهم !
وكم يُدمى القلب أن ينطق تلميذ مخلص لأساتذته الكبار بتعبير قاس كالذى استخدمته معبرا عن خطيئتهم تجاه
الثقافة والمثقفين وأجيال الفكر .. فهؤلاء بالرغم من قدراتهم وفضلهم وبالرغم من أية عوامل كانت حاكمة لهم
عند اتخاذهم مواقفهم السابقة .. كانوا هم الذين سلموا الراية للأجيال التالية منكسة الرأس مريرة الحماسة ..
وكل منهم له دور فى تلك الأزمة
فالذين ابتعدوا كالعقاد " 7" فضلوا حفظ أنفسهم بعيدا عن دوائر الإهانة أو النفاق وليس دون الاثنتين سبيل كما
قدروا الموقف وقتها
فمواصلة المقاومة كانت ستنتهى حتما بإخراس اللسان المتحدث وبأبشع وسيلة ممكنة ..
والمبادرة إلى التأييد بدون اقتناع حقيقي كانت حتما ستجره إلى النفاق .. لكن هذا الإبتعاد كان ثمنه غاليا فيما
بعد عندما ضاعت الأسس التى أسسها العقاد وأمثاله فى الفكر العربي مع انسحاب جموع الشباب والمثقفين
إلى الجانب الآخر دون راد لهم لغياب التوجيه ..
وهكذا خسر العقاد مثلا .. كثيرا من أثره الفكرى و الذى أصبح حكرا على نوعيه معينة من المثقفين وكان
لزاما له أن يقود الأمة كلها من المحيط إلى الخليج مع رفعه لراية التوحيد والإدراك والتأمل فى التاريخ
الاسلامى , وإسناد الكتف إلى مرجعية قادرة على انتزاع التشتت الذى نعانيه الآن ..
وذنب الأستاذ العقاد هنا يقع أنه سلم الراية مبكرا جدا وكانت الصورة رمادية فقط مما يؤمل معه محاولة إدراك
الحقيقة وممارسة الرسالة ولو من خارج مصر طالما أنه خشي على نفسه الإعتقال أو الموت !
أما الذين غاب وعيهم .. واستعادوه متأخرا .. فقد كان أثرهم أعمق فى التأثير .. فقد جاءوا منكرين لما سبق
أن أيدوه .. وبغض النظر عن مختلف الأعذار , فالتراجع عن المواقف من الخطأ إلى الصحة أمر محمود ما لم
ة (H^ ا +#_E_ ر ;<=_ >,1 د ) أ _35_ ن ا ;__A _ م __ أ _=_ C1__ ب ( ___ _ +<3_ ا _,A_L_ 7 66
يكن فى عقيدة أو رسالة كاملة .. عندئذ يكون التراجع أمرا مدمرا لا سيما إن جاء منكرا لسابق المبادئ بلا
استثناء
وهذا ما حدث فى تجربة توفيق الحكيم .. والذى لم يبرئ نفسه كمفكر يتحمل مسئولية غياب وعيه عندما
انقلب موقفه من غياب للوعىإلى عودة مفاجئة على حد تعبير الكاتب وفى ظروف قاسية تلت أحداث
النكسة مما تسبب فى انهيار تام لثوابت كان الشباب يؤمنون بها إيمان العقيدة وقد تشكلت فى وعيهم عبر
كتابات هذا القسم من المفكرين وردد العشرات خلف توفيق الحكيم كلمات اللبنة الذهب واللبنة الفضة التى
تتشكل من كفاح الشعب العامل وهى الكلمات التى وردت فى روايته الشهيرة " الأيدى الناعمة"
فكان طبيعيا أن يكون أثر الصدمة مخلفا وراءه شظايا متفجرة لأفكار سقطت وسقط معها مؤيدوها بعد أن
هانت عندهم كل قيمة وكل قمة ..
تماما كما حدث بالإتحاد السوفياتى عندما فوجئ الشعب كله بمدى عمق الخدعة التى وقعوا فيها سنوات
طوال وهم يأملون فى كل عام أن تتحسن أمور الدولة وتبدأ عهود الرفاهية فإذا بالرئيس السوفياتى السابق "
ميخائيل جورباتشوف " يفاجئهم فى بداية الثمانينيات بسياسة البروسترويكا والجلاسوسنت التى تعنى المصارحة
وإعادة البناء وكشف لهم دهاليز الأحداث فثارت ثورتهم وقاموا هادمين مخربين على خلاف التوقعات التى
كان يأملها جورباتشوف الحالم بتأييد شعبه إذا صارحه بكل الحقائق ..
لأن الحقائق هدمت نصف قرن تقريبا من الشظف والمعاناة اكتشف الشعب فجأة أنها ذهبت فى الهواء وثمنا
لأسطورة كلامية
والذنب هنا أوقع وأشد .. لأن عودة الوعى جاءت غير منطقية لا سيما وأن التأمل نفسه كان غائبا عن إدراك ما
تم إدراكه فيما بعد .. وبالتالى فمن الصعب قبول أى مبرر لغيابه فعليا عندما كانت الأحداث تجرى على أرض
الحاضر
وبالنسبة للقسم الثالث من المفكرين وهو الذى يتزعمه أسطورة السياسة والصحافة محمد حسنين هيكل ..
والذى رهن قدرته للرسالة العربية وهى بلا شك كانت دعوة لها أهميتها فى ظل عالم متغير وملئ بالأحداث
طمعا فى تثبيت الهوية قبل ضياعها
لكن المحزن هنا ..
أن صمت هيكل وتجاوزه عن أخطاء النظام الناصري تقديرا منه لعمق تجربته كان صمتا وتجاوزا زائدا بأكثر مما
هو مسموح فى أحيان كثيرة .. لأن الأخطاء تختلف عن الخطايا ..
67
أخطاء النظام الناصري التى كان من الممكن التجاوز عنها أقل بكثير من الخطايا التى كانت تضرب أمل
التجربة الناصرية نفسها فى مقتل وهو ما حدث بالفعل وصمت عنه هيكل وعلى سبيل المثال ..
أزمة قانون الصحافة الشهير بتأميم الصحافة وانتشار الرقابة على الصحف وهو القانون الذى اعترض عليه
هيكل وسمح له عبد الناصر بتعديل بعض بنوده إلا أن هذا التعديل لم يجن فائدة حقيقية , وكان بداية لعهد
الإعلام الرسمى الذى أصبح قاصرا على صوت النظام ومؤيديه .. ومفكر بحجم هيكل كونه يتقبل هذا بالرغم
من عمق فكره الذى كان يعرض أمامه الأثر الفادح لمنهج الصمت إلا عن ما هو مسموح فتلك جريمة ما كان
عليهأن يشارك فيها وقد رأى بعينيه نهاية التجربة النازية الألمانية بالرغم من قوتها لأنها كانت تجربة رجل واحد
ومن الغريب أنه أدرك خطورة تركيز القرار فى يد واحدة عندما أحال إليه عبد الناصر مسئولية دار أخبار اليوم
إلى جوار مسئوليته عن الأهرام فقام هيكل بتعديل القرار وجعل له نائبا فى أخبار اليوم يتولى العمل المباشر
كما التمس من عبد الناصر سرعة إنهاء هذا الوضع لأن جمع زمام المؤسستين فى يد واحدة هو تركيز للقوة
" الإعلامية بأكثر مما هو ضرورى .. على حد تعبيره فى كتابه الشهير ( بين الصحافة والسياسة ) " 8
فان كان هذا هو رأيه القاطع فى العمل الاعلامى بالرغم من كفاءته المطلقة وقدراته التى تكفل له إدارة
المؤسستين فما باله سكت عن تركيز مصير أمة رهنا رجل واحد لا يقبل المراجعة أو النقد ؟!
وتأتى مسئولية هيكل هنا لمكانه ومكانته فى هذا العصر وهى المكانة التى كانت تسمح له بالصمود أو الإبتعاد
عن مجرى الحوادث والكتابة إلى جماهيره محذرا ,






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 6:59
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

طالما استشف برؤيته الثاقبة عواقب تلك الأمور وهو الأمر الذى فعله بعد ذلك مع حصار السادات له بعد
عام 1974 م .. لكنه فضل المكوث مع التجربة لنهايتها بالرغم من تحذيراته التى كانت لا تأتى بنتيجة حول
قرارات بعينها أدت إلى النهاية المؤلمة مثل قرار حرب اليمن والصدام مع السعودية والعراق وتجربة الوحدة
التى كانت برأى عبد الناصر نفسه تجربة سابقة لأوانها ومع ذلك نفذها منفردا بالقرار استجابة لنوازع عاطفة
بحته من مجموعة الضباط السوريين الذين هبطوا عليه بمصر ملحين فى قبول الوحدة فاستجاب لهم لأجل
ذلك
وكذلك قرار التحرك العسكرى المظهرى فى أزمة خليج العقبة التى أدت إلى النكسة وقرار ترفيع رتبة عبد
الحكيم عامر من الصاغ " رائد " إلى اللواء دفعة واحدة وتعيينه قائدا عاما للقوات المسلحة وبقاؤه رغم ثبات
فشله ثلاث مرات على الأقل قبل كارثة النكسة .. وهلم جرا ..
ت _&;#RG_ ا +_(c _E, ھ .,=47 _G__ +H_,4_ وا + __<_ ا .,/ 8 68
إن ابتعاد هيكل عن مسرح الأحداث معترضا فى تلك الفترة كان كفيلا بتحقيق إحدى الحسنيين .. إما تراجع
عبد الناصر لما يمثله هيكل من قلب وعقل فى جسد التجربة بأكملها .. وإما إيقاظ النائمين بقلمه صاحب
الشعبية الخرافية والمكانة النادرة
وإنّا وإن كنا نتفق مع أستاذنا القدير هيكل فى شأن عقدة الهزيمة التى تمكنت إسرائيل من بثها بأعماق
الشعوب العربية حتى بعد حرب أكتوبر .. إلا أننا لا نملك أن نؤيد وجهة نظره كاملة
لأن هزيمة معركة وخسارتها هى بالطبع لا تمثل مبررا للبقاء رهنا لثقافة الهزيمة على حد تعبير أستاذنا الكبير
لكن من قال إن هزيمة يونيو كانت هزيمة معركة .. لقد كان احتلال الأراضي العربية هو أهون أثر فى تلك
الهزيمة لأن الضربة الحقيقية كانت متمثلة فى وضوح الضباب الذى ظل حاجبا حقيقة القوة الفارغة وساق خلفه
الملايين تأييدا فإذا بالهزيمة تأتى مدمرة وعلى نحو غير متوقع ليس بسبب تفوق الخصوم وإنما من باب أكبر
بسبب هوان الأساس القائم على الكذب
وبالتالى كانت الهزيمة هزيمة مبادئ التجربة وانكشاف عريها وهو الدافع الحقيقي لليأس
ولم تكن الأرض المحتلة لتسبب تلك العقدة أو تكرس لهذه الثقافة إذا كانت الهزيمة لفارق تفوق الخصوم
فقط .. كما حدث مع فرنسا مثلا بالحرب العالمية الثانية فقد سقطت فى قبضة هتلر كاملة وهى إمبراطورية
ذات شأن فى تلك الآونة .. ودخل الألمان العاصمة الفرنسية الشهيرة وشاهدهم الفرنسيون أمام قوس النصر
يمزقون معاهدة فرساى التى وقعتها ألمانيا المنهزمة بالحرب العالمية الأولى لفرنسا المنتصرة بها
وبالرغم من كل هذا الهوان لم تستسلم فرنسا وتفجرت المقاومة وقادها الجنرال شارل ديجول من الخارج حتى
استعادت حريتها وكل هذا كان بسبب قيام الدولة الفرنسية على أسس حقيقية بين الحكم والشعب وبالتالي فلا
يوجد مبرر لليأس وتكريس ثقافة الهزيمة طالما أن الخسارة جاءت لتفوق الخصم الذى تمكن من تحطيم
القدرة الفرنسية مرحليا
وفعلتها ألمانيا عندما قامت من كبوتها وإهانتها بإرغامها على توقيع معاهدة الإستسلام فى الحرب العالمية
الأولى فى فرساى ورضخت لشروط المنتصرين ولكنه كان رضوخا لمرحلة وقام الممثل الألماني بالتوقيع على
المعاهدة وهو يقول للفرنسيين فى حزم : " سنتقابل هنا مرة ثانية بعد عشرين عاما "
وقد كان .. لأن الهزيمة هنا أيضا لم تكن هزيمة تجربة أو مبادئ أو روابط بل هزيمة جيوش
أما بالنسبة للقسم الرابع من المفكرين وهو أشدهم إثما فى نظرى فهم أولئك القادة من المفكرين الذين
سقطوا أسري لعدم المنطقية حتى مع أنفسهم .. ومثالهم الماركسيين الذين ركزوا قدراتهم على الماركسية
كمذهب وغضوا الطرف عن هموم أوطانهم حتى لو كانت تلك الهموم غير قابلة للحل بالطريق الماركسي ..
69
فصاروا يدافعون عن الوسيلة وأهملوا الغاية فى سبيل ذلك !!
فالمفروض أن أى مذهب أيديولوجى قائم على أساس الإرتقاء بالوطن والمجتمع تبعا لنظريات يؤمن بها فإن
وقعت مصلحة الوطن فى مفترق طرق مع المذهب فمن الطبيعى أن يدير المفكرون رأسهم عنه لصالح الغاية
وهو الوطن ويهملوا الوسيلة التى ثبت فشلها وهى المذهب
كما فعلت معظم البلاد الشيوعية بعد فشل تجاربها فى مواطنها الأصلية ..
لكن ومن باب الغرائب المألوفة لعالمنا العربي تمسك الشيوعيون العرب بالمذهب الماركسي أكثر من تمسك
الماركسيين أنفسهم به !!
ولم يتوقف أحدهم ليسأل نفسه عما يبحث وعن أى شيئ يدافع .. وهل يدافع عن الفكرة لكونها ضرورة
للتطبيق أم يدافع عنها حتى لو ثبت فشلها فى التطبيق ؟!
وكان منهم وللأسف واحد من أعظم مفكرى مصر مثل الدكتور فؤاد زكريا الذى أثار الإنتقادات حول تجربة
عبد الناصر فقط لكونها تجربة ضربت اليسار لصالح اليمين مع تطبيقها الخاطئ لنظرية الاشتراكية
وهكذا ضاع مفهوم الوطن بين يمين ويسار ولم يتوقف أحد من المؤيدين أو المعارضين ليسأل عن مصير أمة
تفككت بينهما ,
فى نفس الوقت فى ظل عداء اليسار واليمين معا للتجربة والتاريخ الإسلامى واعتبار الحديث فى هذا الجانب
أمرٌ من أمور التخلف ينبغي الإبتعاد عنه !
واليوم وبعد أن حدثت نقطة فصل بين الأجيال السابق ذكرها من المفكرين وبين ما تلاهم من أجيال .. عاشت
مصر ومعها العالم العربي انحدارا مستمرا وتراجعا مطردا فى الفكر وما زال مستمرا إلا من قليل
70
معركة السبعينيات وآثارها على المثقفين
مع إطلالة السبعينيات وبالتحديد مع انفراد السادات بالحكم عقب انتصاره الشهير فى معركة مراكز القوى فى
15 مايو من عام 1971 م .. دخلت أزمة المثقفين بعدا جديدا ..
ولأنه ومع بداية عهد الثورة صار المثقفون أداة للسلطة بدلا من أن يكونوا مرجعية .. فقد تفجرت معركة عنيفة
بين فريقين رئيسيين نتجا من الاتجاهات الأربع السالف ذكرها ..
فقد انطلق الاتجاه الأول المعادى للتجربة الناصرية وتلاميذهم و الذى كان منطويا فى عهدها إلى رفع سقف
النقد والتناول للعهد الناصري ودمغه بطابع السواد وذلك بعد أن تشكل نفس الاتجاه إلى فرعين ..
الفرع المناصر للسادات على طول الخط مثل موسي صبري وأنيس منصور ومصطفي أمين
والفرع الثانى وكان فرع التيار الإسلامى الذى تنوعت علاقته بالسادات بين مد وجذر وإن كان عداؤه للعهد
الناصري ظل قائما طيلة تصادمات معركة المثقفين ثم عادى كلا التيارين بعد ذلك
ويلاحظ فى هذا الإتجاه أنه كان ينتقد ويُسفه الاتجاه الناصري ويناصر فى ذات الوقت الرئيس أنور السادات
بأسلوب عقد المفاضلة بينهما , والذى اتسعت هوته كثيرا بخروج السادات من حرب أكتوبر منتصرا ومؤسسا
لشرعية جديدة مانعة
والإتجاه الثانى كان اتجاه المدافعة عن تجربة عبد الناصر وبمنتهى القوة والعنف لمواجهة التيار الأول وكان
يستند هذا الاتجاه على ركيزة شعبية عبد الناصر فى العالم العربي وبين قطاعات عديدة بالشعب المصري
وتزعم هذا التيار محمد حسنين هيكل والذى طاله من نار الإساءة الكثير نظرا لعداوات سابقة وتوازنات حالية
بينه وبين نظام السادات وباعتبار هيكل الرجل الثانى بلا منازع فى تجربة عبد الناصر
وقد انضم إلى الإتجاه الأول نوعية المثقفين الذين فقدوا وعيهم حسب شهادتهم فى عصر عبد الناصر
واستعادوها مع أيام السادات , غير أن عداء هذا التيار لم يكن مناصرا لتجربة أمام تجربة بل كان مركزا فى
تفنيد تجربة عبد الناصر تفنيدا موضوعيا بغض النظر عن الفائدة التى جناها السادات والمدافعون عنه ..
وفيما بعد تسبب الناصريون بعنف تناولهم فى الردود على هذا الإتجاه المحايد نوعا ما إلى زيادة حدته
وعداوته كنتيجة طبيعية للإتهامات الشنيعة التى طالتهم وكان أولهم توفيق الحكيم الذى كان نقده لعبد الناصر
فى عودة الوعى نقدا رهيبا فى وقعه وأسلوبه لكونه جاء من كاتب بحجم الحكيم معروفة قيمته , إضافة إلى أنه
لا يمثل أحد ضحايا عبد الناصر ولم ينله من عهده شيئ ولهذا خسر المدافعون عن عبد الناصر معركتهم مع
" الحكيم كما خسروها مع د. فؤاد زكريا لنفس الأسباب " 9
ا (,Q_ Y, .,_(A_=_ ا T5_ أ _- ) و W/(5_ ا _35_ ا +_ وأز _E, وف ( ھ (5G_ ا Y/___ ; ھ __(_ اد ز e Y____H ى ا :_ ا 9_(_ ن ا __ 9 71
أما اليسار فقد انقسم على نفسه فبعضهم انضم إلى مهاجمة التيار الناصري تبعا لرؤية الدكتور فؤاد زكريا عن
الأثر السلبي الذى عاناه اليسار من تجربة الناصرية ومنهم من انضم إلى فريق الدفاع نظرا لأن عصر عبد
الناصر وإن كان محتويا على اضطهاد للتيار اليسارى إلا أنه كان اشتراكيا على أية حال وهو ما لم يتوافر بعصر
السادات الذى اتخذ السبيل المضاد لليسار بكل قوة ..
فمناصرة اليسار لعبد الناصر هنا لم تنبع عن اقتناع بقدر ما كانت تعبيرا عن مخالفة للتيارات السياسية المناوئة
وهكذا تفجر الصراع بين التيارين على مدى سنوات السادات وما بعدها بقليل من عام 1971 م وحتى عام
1985 م وهو العام الذى شهد ضربة هيكل القاضية لمصطفي أمين عندما طرح كتابه " بين الصحافة
والسياسة " وكان هذا الكتاب هو آخر طلقة فى الحرب الذى تباينت نتيجة معاركها بين التيارين نصرا وهزيمة
أما الهزيمة الساحقة فقد كانت من نصيب الثقافة والمثقفين بأكملهم على نحو ما سنرى
فبالنظر إلى تلك المعركة المؤسفة بكل المقاييس سنكتشف التالي من النتائج
أولا ..
كانت المعركة بين فريقين من جيل الأساتذة بمعاونة تلاميذهم من الجيل التالى لهم , والذى يُعد آخر جيل
ارتبط بمن قبله فى الأفكار فنقطة الفصل هنا حدثت كنتيجة مباشرة للمعركة التى اشتعلت بين الكبار من
الجانبين باتهامات فادحة هدمت المثل العليا لدى جميع الأجيال التالية لهم وبالتالى خلت الساحة من المعلم
الرشيد والتلميذ العارف لفضل أستاذه
ثانيا ..
كان هَمُ الفريق المدافع عن عبد الناصر هو الرقي بصورته فوق أى محاولة للنقد مهما كانت بساطتها .. وجاء
الدفاع فى بعض الأحيان أو معظمها فاقدا لكل منطق بالرغم من عظمة الأقلام التى ترد وتكتب .. ومنها رد
هيكل فى مقالاته المختلفة فى الجرائد العربية والعالمية وفى إصداراته المختلفة فى تلك الفترة ومنها كتابه "
الطريق إلى رمضان " الذى احتوى على غير قليل من التعرض لمدى ما بذله عبد الناصر بعد النكسة من جهود
لاستعادة قدرات الجيش المصري وقال فيما قاله أن السادات كان له فضل القرار للمعركة بينما الصانع
الحقيقي لمعجزة أكتوبر هو الجندى المصري !!
وهى كلمة حق نعم .. لكن مرادها كان باطلا للأسف لأن تلك النظرية لم يأخذ بها الأستاذ عندما تحدث عن
عبد الناصر ودوره السابق على المعركة
فقال عن عبد الناصر أنه أسس الجيش من جديد وتم وضع الخطة جرانيت 1 فى عهده وهى الخطة التى
تطورت فيما بعد إلى جرانيت 2 والتى خاضت بها مصر المعركة .. وهو الخبر الذى ثبت عدم دقته فيما بعد ,
72
بشهادة الفريق الشاذلى رئيس أركان الحرب فى أكتوبر عندما قرر أنه لم يتسلم من الفريق فوزى وزير الدفاع
فى أول أيام السادات أى نوع من أنواع الخطط بأى مسمى ,
" وخطة حرب أكتوبر كاملة نفذتها القيادات التى تولت مع الفريق صادق بعد ذلك " 10
كما تعرض الكتاب لمدى عظمة جنازة عبد الناصر وأثرها على الأحداث !!
وما إلى ذلك من محاولات فرض صورة الرئيس الراحل فرضا بأكثر مما يقتضيه الواقع فى مشهد المعركة مما
بدا للجميع أنه تأكيد لنظرية أن الهزيمة يتيمة والنصر له ألف أب !!
وكان هناك كتاب " لمصر لا لعبد الناصر " وهو الكتاب الذى أفلح فى رد الإتهامات عن عبد الناصر ..
لكنه لم يكفل له البراءة !
لأن هيكل نجح بقدرته الفذة فى استغلال غباء المهاجمين الذين تناولوا سيرة عبد الناصر باتهامات فى الذمة
المالية مثلا وهو أبعد ما يكون عن هذا الجانب , وغير ذلك من اتهامات ركز عليها هيكل لوضوح افترائها
لكنه تفادى التعرض للاتهامات الأصلية بدفاعات من عينة " وأين كان السادات وقتها ألم يكن شريكا فى
الحكم ؟! "
وهى عبارة تفلح أمام مناصري السادات لكنها لا تصمد أمام الحق المجرد عندما نسأل بوضوح كما سأل
أستاذنا توفيق الحكيم هل حدثت تلك الوقائع أم لم تحدث ؟!
ثالثا ..
كان الفريق المهاجم للعهد الناصري خاصة فريق السادات بادى الغرض فى الهجوم حيث أن هجومهم هذا
ليس لوجه الله والوطن إضافة إلى وضوح خضوعه لتوجيه السادات , والذى حشد كل ذى قلم حتى فى مجال
الرياضة لنقد سلبيات عبد الناصر " منها كتاب لعبد الرحمن فهمى الناقد الرياضي تناول أثر السلطة الناصرية
سلبيا على كرة القدم "
وهو أمر طبيعى فضراوة الهجوم على عبد الناصر كان من المستحيل قبولها على أنها نتاج لفتح عهد الحرية
كما تردد , فذلك القول لا يمكن انطباقه على نظام حكم كان ولا زال يمسك بقبضته مقاليد الأمور , كما
كان هذا الإتجاه غافلا عن حقائق كفلت للناصريين حُسن الرد وذلك عند تناولهم سيرة الرئيس الراحل بكثير
من الافتراءات طالبين فى ذلك أقصي قدر من التشويه بغضالنظر عن الحقائق
وهم هنا أشبه بالجيش المسلح بأحدث الأسلحة لكنه كان مفتقدا لحسن التدريب عليها كما كان فاقدا للقيادة
الواعية .. فنقد العهد الناصري سلبا كان سيتحقق بمنتهى اليسر لهم لو أنهم ركزوا على ما هو معلوم وقائم من
أخطاء .. كما أن السادات للأمانة لم يحسن تقدير خصومه كما أنه لم يحسن اختيار رجاله ..
ة (_b6_ ة ا _=- ) (<5_ ا __& _ ھ_c ( __ ذ_$_ ا `_(L_ 10 ا
73
وكان يجدر به وهو السياسي الداهية أن يدرك مدى الفارق الضخم بين محمد حسنين هيكل مثلا وبين
موسي صبري .. وهيكل وحده بكل ما له من قدرات خرافية مضافا إليها أن يده كانت فى عمق لعبة السلطة
أدرى من غيره بمراحل بما خفي من حقائق استخدمها أحسن استخدام لرد الصاع صاعين لفريق السادات بل
والسادات نفسه عندما تناوله هيكل فى كتابه خريف الغضب وشرّحه تشريحا ..
كما استعان السادات بمن لا يصلح لنقد عبد الناصر لظروف خاصة به ..
مثل مصطفي أمين والذى ارتكب غلطة عمره عندما شرع فى نشر مذكراته عن فترة السجن التى امتدت من
منتصف الستينات إلى عام 1974 م .. وهى المذكرات التى اشتهرت باسم " سنة أولى سجن .. حتى سنة
خامسة سجن " وحوت من انتقاد عبد الناصر وهيكل نفسه الشيئ الكثير ..
فصبر هيكل كثيرا حتى كان عام 1985 م خرج برده الصاعق على مصطفي أمين فى كتابه الشهير " بين
الصحافة والسياسة " , وهو الكتاب الذى فضح قصة مصطفي أمين مع تجربة السجن بسبب التجسس لصالح
الولايات المتحدة وحوكم بسببه فى القضية رقم 1 مخابرات عامة 1965 م , وهو الأمر الذى أنكره
مصطفي أمين على طول الخط وكان من الممكن أن يفلح إنكاره هذا لو لم يستعدى عليه هيكل .. لأن
مذكرات مصطفي أمين التى نفت الاتهام وصورته أحد ضحايا النظام كانت ستؤدى مع مناخ العداء الشديد
للناصرية إلى طمس الحقائق ..
فجاء هيكل بكتابه الوثيقة " بين الصحافة والسياسة " فاضحا الملفات الخافية بالأحداث والوقائع والأسماء
الصريحة على غير العادة فى تلك الكتابات التى يلجأ الكتاب فيها إلى التعمية هربا من الملاحقة القضائية ..
إلا أن هيكل روى التفاصيل بوثائق دقيقة كعادته وبأدلة دامغة وكافية .. بل انه صرح فى مقدمة الكتاب أنه
تعمد الإسراع برواية القصة حتى ينشرها وأبطالها جميعا على قيد الحياة ويملكون حق الرد إن شاءوا ..
وانتظر هيكل أن يلجأ مصطفي أمين إلى القضاء واستعد لهذا الأمر جيدا , ولذلك احتفظ بعدد من الوثائق
بحوزته تمهيدا لإظهارها فى المحكمة دليلا على أقواله .. إلا أن مصطفي أمين لم يلجأ للقضاء وفضل
السكوت تماما خاصة وأن الإفراج عنه أيام السادات كان إفراجا بتسوية سياسية ومن ضمن دفعة من نزلاء
السجون من جواسيس إسرائيل والولايات المتحدة !!
وهو الأمر الذى تعمده السادات بغرض السيطرة على مصطفي أمين فيما بعد إذا خطر لهالتمرد عليه بعد ذلك
وكانت كلمة الختام الحقيقية فى تلك القضية , هى الكتاب الذى أخرجته دوائر المخابرات الأمريكية لتأريخ
عملياتها وضم فصلا كاملا عن مصطفي أمين ودوره كعميل هام للمخابرات الأمريكية تخلت عنه أمريكا ولم
تدعمه !
74
ولكن كيف كانت الهزيمة الساحقة من نصيب المثقفين والثقافة على خلفية تلك الحرب المستعرة ..
أظن أن الصورة وضحت بما مضي من تحليل وظهر أن المثل العليا من قمم المفكرين سقطت من عيون
المستقبلين من الأجيال الجديدة نظرا لما رأوه من تبادل اتهامات بلغت حد الخيانة والعمالة , إضافة إلى
انشغال أهل الفكر بتلك المعركة مهملين فى طريقهم ممارسة مهمتهم الأساسية فى تربية الرأى العام وتبصيره
بوقائع تاريخه .. وخرج التاريخ بالغ التشوه نتيجة لأغراض القائمين على كتابته .. فتلك الفترة من منتصف
الخمسينيات إلى منتصف السبعينيات بالتحديد سال فيها مداد يكفي عشرة عهود وكل ما كتب كان متناطحا
ومتصارعا بالرغم من تعرضه لفترة واحدة " حوالى أربعين كتابا بين الدفاع والهجوم عن عبد الناصر فضلا على
عشرات المقالات والأبحاث "
فضلا على أن تلك الحرب العنيفة لم تكن تهدف من ورائها إلى شيئ من الحق ..
فمن دافع عن العبد الناصر لم يصبر لكى يواجه مسئوليته فى دفاعه هذا , والذى تسبب فى تلوين وتجميل
الحقائق بأصباغ خادعة أعطت انطباعا مؤكدا عن زيف العهد كله ومن ثم تركت الأجيال الجديدة العهد برجاله
وخرج المثقفون بلا مرجعية وبلا انتماء ..
ومن ناصر السادات لم يجعل الحق عند منتهى بصره بقدر ما ركز بصره على توازنات ومكاسب وأهواء وتصفية
خصومات ..
وسبب التأثير الشامل لتلك المعركة على الثقافة والمثقفين برغم أنها كانت صراعا سياسيا فى المقام الأول ..
أن الأساتذة الذين خاضوا تلك التجارب واختلفت آرائهم حولها كانوا أعمدة الفكر والثقافة فى جميع ألوانها
سياسيا وأدبيا واجتماعيا ..
وبانهيار الأخلاق الفادح عقب النكسة .. وازدياد الانهيار عقب الانفتاح الاقتصادي فى السبعينيات خرجت
أجيال المثقفين كافرة بكل ما سبقها ومن سبقها وتقلب شباب المثقفين بين متجنسين بالطابع الغربي وبين
مؤمنين بأنفسهم رافضين لما قبلهم ..
فظهرت الإتجاهات الشاذة فى الأدب والفكر والفنون تارة تحت مسمى الحداثة وتارة تحت مسمى اللامعقولية
وما إلى ذلك من خطوط موضة ثقافية إذا جاز التعبير تتغير وتتبدل بتعاقب الفصول !!
وازدادت غربة الثقافة عن المثقفين , لا سيما وأن كل جاد فى هذا المجال آثر الابتعاد عن الساحة المليئة
بالغث دون الثمين مع انهيار المستوى واضمحلاله إلى درجة لا تنبئ بأى خير , وأصبحت أغلب الأعمال
75
التى ترى الإهتمام بين شيئين كلاهما من فلسفة المخالف لأجل الشهرة باعتداء على المقدسات أو بالتناول
الجنسي الفاضح ليتكرر الجدل والمراء عن التناقض المدعى به بين القواعد والحرية فى الأعمال الفكرية ..
وزادت الصورة فى قتامتها بفعل تدخل السلطة التقليدى فى الإتجاه الثقافي لتضمن للثقافة دورا محددا لا
تتجاوزه درءً للصداع المتوقع منهم إذا تم دعم الثقافة بالشكل الذى يكفل ظهور مواهبها بمظهر المؤدى لدور
أساسي فى المجتمع !!
بالإضافة إلى التأثير شديد الفداحة لهذه المعركة على المجتمع بأسره والذى اتضج جليا فى أن كبار المفكرين
انشغلوا عن معالجة الواقع المرير فى عصر مبارك ومحاولة النهوض بالبلاد إلى الإنشغال بمعارك تاريخية لا
تسمن ولا تغنى من جوع , فكان أن منحت الفرصة كاملة لنظام مبارك أن يستنفذ جهد الكُتاب والمفكرين فى
الخصومات الشخصية والأيدولوجية تاركين الواقع والحاضر والمستقبل نهبا لعصابات منظمة انضمت إلى
النظام الحاكم فى مصر ليستنزفوا الوطن داخليا بنهب الثروات , وخارجيا بتضييع مكانة مصر بين الأمم ..
فأين يا ترى السبيل الحقيقي للثقافة والمثقفين فى تلك الأيام المشوهة الألوان .. وهل هناك أمل نتمسك به
ليعود للثقافة بعضا من رونقها القديم والارتفاع بالمسيرة الوطنية إلى أفق طال انتظارها ؟!
نعم ,,
هناك أمل فى الجيل الجديد الذى صحا على حين غفلة من آبائه ينادى بحياة كريمة , ثم يطور مطالبه إلى
استعادة مكانة بلاده , وانقسمت نشاطاته عبر حركات احتجاجية وجبهات إعلامية عليها بلا شك معقد الأمل
الحقيقي فى تغيير عصر الركود العظيم الذى عاشته مصر فى ظل مبارك
76
الوقوف أمام المرآة
الوقوف أمام مرآة النفس أصعب تجربة من الممكن أن يمر بها الإنسان عامة والمثقف بشكل خاص .. لأنها
تجربة تقييم الذات بالذات ومواجهة النفس بالنفس خارج حدود المكابرة المألوفة إذا جرى الوقوف أمام الغير
.. لأن الوقوف أمام الغير وقوف من الممكن الهروب منه باختلاق صور ومبررات تكفل للمرء هروبا نفسيا من
مواجهة قد تكشفه أمام الناس .. لكن هذا المعيار غير قابل للتواجد فى مواجهة النفس بالنفس لأن الوقوف
أمام المرآة يكون وقوفا أمام صورة حقيقية بدون رتوش ..
وإذا كان لزاما على المثقفين الإنتباه والتبصر بضرورة الوقوف للحظات أمام المرآة ..
فالأكثر لزوما هو ضرورة أن يكون هذا الوقوف فى الجانب الصحيح لأن معظم من يتحدث سواء باليأس أو
بالدفاع عن حال الثقافة فى هذا العصر .. تراه غالبا وقف أمام مرآة غير مناسبة فإما أنه يقف أمام مرآة محدبة
تُصغّر له صورته وحجمه ودوره , فيكون الناتج الطبيعى هو اليأس والإنغلاق .. وإما تراه واقفا أمام مرآة مقعرة
تُضخم له صورته بأكثر من واقعيتها وتعظمله دوره بغير أساس من المنطق .. فتتولاه عقدة العظمة التى تدفعه
للإيمان الزائد بقدراته فان لم يجد المدح والثناء المطلوب ممن حوله يكون تبريره أمام نفسه أنه أكبر من
الناقدين له بالسلب وأنه الوحيد والفريد وما إلى ذلك ..
وما بين الصورتين ترى المجتمع الثقافي الحالي حافلا بكثير من المتناقضات همّشت دوره بل وجعلت من
مجتمع المثقفين مظهرا للإمتهان والسخرية فى مختلف الأوساط
وهذه نتيجة طبيعية للخلفية التاريخية التى درسناها عن حرب السبعينيات .. فمعظم الأجيال الجديدة من
المثقفين فى الثمانينات والتسعينات وحاليا بأوائل القرن الحادى والعشرين يمكن اعتبارهم مخلفات تلك
الحرب !
والمخلفات الحربية عبارة عن أسلحة جزء منها صالح للإستخدام بحالته أو بعد إصلاح بسيط وهم أولئك
المثقفون الذين حافظوا على هويتهم وسط ظروف عاتية من التجاهل والتهميش وهو كمُعوّق أشد أثرا بكثير من
مواجهة الحرب على الثقافة مع السلطة أو مع غيرها وهذا طبيعى لأن التجاهل يقتل ويدمر بينما الصراع يزيد
المثقف تمسكا بهويته ودوره
وجزء منها يلزم له تدخل بقطع غيار حتى يمكن أن يكون ذى فائدة وهم أولئك المثقفون الذين انهارت
إرادتهم نوعا ما فى مواجهة روح العصر الجديد فيلزم لهم دفع خارجى غير متوافر فى الأعم الأغلب نتيجة
لخلو الساحة من المفكرين الجادين من جيل الأساتذة الذين ابتعدوا عقب معركة السبعينيات لأسباب متباينة
77
والجزء الأعم من تلك المخلفات عبارة عن ركام يضر أكثر مما يفيد !! وحالهم كحال الألغام المنتشرة على
أرض المعركة وتم إهمالها لأسباب مختلفة فإذا تم الاقتراب منها لأى سبب كان الإنفجار !
والصورة بتلك القتامة استمرت خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين حتى جاء القرن الحادى والعشرين
بشكل جديد يدفع بعضا من حرارة الأمل داخل عروق الثقافة التى كسدت فيها الدماء وتجمدت ..
والشاهد أن القرن الجديد أتى بحراك سياسي مفاجئ وقف خلفه مجموعة من المثقفين متابينة الأجيال لكنها
اتفقت على الهدف بغير ترتيب مسبق , وأعطت للواقع والحاضر اهتمامها الأكبر , فتلقفها الجيل الحالى
بمنتهى اللهفة لتوقظ فيه صحوة طال انتظارها
وكانت مظاهر تلك الصحوة متمثلة فى عدة مشاهد ..
الأول ..
ظهور عدد من الجرائد المستقلة أعادت عهدا مجيدا فى الصحافة المصرية واكتسبت شعبية حقيقية بين جموع
الشباب الذين أقبلوا عليها مشاركين هاتفين وغاضبين فى أغلب الأحيان ..
وحفلت تلك الجرائد والمطبوعات بحقائق وانتقادات طال انتظارها .. ومما ينبئ عن ايجابية تلك الصحوة أن
هذه الجرائد فى معظمها لا تحتوى على الأساليب التافهة المألوفة فى الإثارة سعيا للربح.. بل انهالم تعتمد
على صورة السبق الصحفي المألوف بقدر ما اعتمدت على المقالات والدراسات الفكرية البحتة لمختلف
الأوضاع فى المجتمع ولم يكن المقال الصحفي خلال العقدين الأخيرين بمشجع على المطالعة من جموع
القراء مهما بلغت قيمته , فأصبح أساسيا اليوم
وظهرت الأقلام التى تقف خلف هذه الصحف فإذا بها شابة فتية بارعة فى التعبير قادرة على استخدام اللغة
الصحفية الراقية وكانت بنزولها إلى الأسواق وارتفاع نسبة التوزيع لبعضها فوق ربع مليون نسخة إيذانا بفتح
جديد فى نشاط الثقافة والمثقفين وتغير عنيف وجذرى فى عقلية القراء الذين أقبلوا بشكل مكثف على
الخدمة الصحفية الحقة المتمثلة فى التحليلات والدراسات والتحقيقات التى تتناول حق الشعب فى التغيير
وهى كلها أشياء نسيتها مصر من عهود طويلة
هذا بالإضافة إلى ظهور المعارك الفكرية الجادة من جديد بين الرأى والرأى الآخر وهى الأمور التى ذكرتنا
بنجوم تلك المواجهات قديما
وتلك الظاهرة الجديدة حمل لواءها مجموعة الصحفيين والكتاب والمفكرين الشبان من الجيل الذى استقل
بوعى سياسي غير خاضع فى توجهاته لنزعات تيار سياسي معين بقدر ما نزع إلى الحقيقة فى وجهها العارى من
أى رتوش وهذا الجيل هو أمل المثقفين فى مصر والعالم العربي بدون مبالغة لأنهم من ناحية ثبتوا فى مواجهة
78
التغريب والإهمال وعدم وضوح الهوية عندما اشتقوا لأنفسهم طريقا يتحدث عن العالم الديمقراطى وفقط ..
بغض النظر عن أى قناعات حكمت النخبة المتسلطة على مقدرات المجتمع , وذلك عندما رفضوا قبول
المقارنة بين مبارك وبين من سبقه ومحاولة مناصري النظام إظهاره فى صورة النظام الأكفأ بالمقارنة بمن سبقه ..
واكتفي الجيل الجديد بالمطالبة بدور المجتمع بالمقارنة إلى المجتمعات الديمقراطية الحقيقية وأهملوا ما دون
ذلك
وظهر التيار الجديد مُوظِفا لكل مجالات الفكر والثقافة فى خدمة هذا الغرض النبيل فى الارتفاع بمستوى
الأعمال الأدبية شعرا ونثرا والكتابات السياسية تحليلا وتأريخا على نحو عمَق الألوان وزاداها ظهورا بعد طول
شحوب
وتزعم هذا التيار صحف الدستور " 11 " وصوت الأمة والكرامة والمصري اليوم وبعض الصحف الحزبية التى
جددت شبابها مثل العربي الناصري وجريدة الشعب الاليكترونية التى تحدت قرار الإيقاف لنسختها المطبوعة
إضافة إلى ثورة المدونات والمواقع الثقافية على شبكة الانترنت التى أصبحت انقلابا فى تاريخ الإعلام بما
يمارسه الشباب من تعبير عن أفكارهم كان الانترنت هو مجال تفريغها الطبيعى وكلها حفلت بعشرات المواهب
الجادة من شباب فى عمر الزهور يرتكزون إلى خلفية ثقافية متينة ومبشرة قياسا إلىالظروف التى نشئوا فيها
وكانت كفيلة بقتل معنى الثقافة فيهم
بالإضافة إلى المنتديات الثقافية المختلفة التى أصبحت منفذا باهرا للمفكرين الشبان , والمواهب الجادة ,
ومن نجوم هذا الجيل الفريد إبراهيم عيسي الروائي والصحفي النابغ والذى يُعد نسيج وحده وسط أبناء جيله
بما تمرس عليه من قدرات فذة فى التناول الصحفي والأفكار يعاونه فى ذلك خلفيته الثقافية الجبارة بالتاريخ
قديمه وحديثه
ويعد إبراهيم عيسي النسخة الروائية من الشعراء أحمد مطر ومظفر النواب لأنه اتبع سبيل هؤلاء المتفردين فى
قصر نشاطه الروائي والفكرى على قضايا الوطن وإليه يرجع الفضل فى سيطرة جريدة الدستور على الشعبية بين
مختلف الصحف بأسلوبها الجديد الذى تبدو معه أقرب إلى الكتاب منها إلى الجريدة
كما يبرز مجدى مهنا الصحفي الهادئ حتى فى ثورته والكاتب القدير فى التعرض لمختلف الموضوعات وبقلم
شديد التمسك باستقلاليته فى مواجهة الظروف وقد لفت النظر إليه بعموده الشهير " فى الممنوع " عندما
استمر لفترة فى إدارة تحرير جريدة الوفد ثم انتقل لفترة إلى الصحافة المستقلة قبل وفاته رافعا سقف النقد إلى
مؤسسة الرياسة
ر ;_H__ ا .& Y_,7 ور W4,& O, اھ (/ إ +_ أز _#- ا : 11 ھ
79
وهو ما لم يكن معهودا أو مألوفا طيلة عهد مبارك إلا من خلال تجربة إبراهيم عيسي فى الدستور الإصدار
الأول وتجارب ومقالات عبد الحليم قنديل
كما يحسب لمجدى مهنا قدرته على انتهاج خط شديد الاستقلال عن كل التيارات فعلى صفحات الجريدة
تجد كل طرف يدافع عن توجهه بما شاء دون تحيز من إدارة التحرير لطرف ضد طرف آخر على الرغم من
قرب الجريدة إلى خط المعارضة إلا أن معارضتها لا تعتبر كسرا لحياديتها بل هى تعارض وتنتقد دون الإرتكان
لهدف حزبي أو غرض فى تسليط النقد على الحزب الحاكم ورجاله لصالح حزب أو مجموعة أخرى ..
وهناك الصحفي العاصف عبد الحليم قنديل الذى تقرأ مقالاته فتشعر أن الرجل تخصص فى قضية واحدة
وحسب وهى ضرب معاقل حكم حسنى مبارك ,
وهناك أيضا بلال فضل السينارست الشهير والصحفي الساخر اللامع الذى شارك ابراهيم عيسي فى تجربة
الدستور بإصداريها واستمر مناضلا لذات القضية بقلمه قبل وبعد الثورة
وهناك علاء الأسوانى الروائي النابغ العالمى الذى كرس جهده الصحفي والروائي لقضية الحريات
وأيضا يحتل وائل الإبراشي المذيع والصحفي اللامع مكانا متميزا بين أبناء هذا الجيل من خلال صوت الأمة
التى تولى رياسة تحريرها فى فترة ويعد برنامجه على إحدى القنوات الفضائية المنتشرة هو خير معوض لبرنامج
الإعلامى القدير حمدى قنديل الذى ترك التليفزيون المصري إلى برنامج آخر ودول أخرى
وعشرات من هؤلاء المثقفين البارزين منهمإبراهيم منصور ومحمد طعيمة وخالد البلشي وغيرهم
الثانى
أما المشهد الثانى من شاهد الصحوة فيتمثل فى ظاهرة جديدة على المجتمع المصري وهى حركة جماهيرية بلا
حزب معين كما هو مألوف وتمثلت فى حركة " كفاية " والتى أشرف عليها عدد من المثقفين البارزين وأعطوها
هذا الاسم المعبأ بالإيحاءات وهى حركة سياسية بثوب ثقافي حقيقي ولذلك حققت نجاحا وتواجدا رهيبا
خلال فترة قياسية وبلغت من الجرأة حدا عجزت عنه الأحزاب المعارضة التقليدية كما عجزت عنه جماعة
الإخوان المسلمين بالرغم من تمرسها فى النضال وامتلائها بالكوادر الفكرية والسياسية ويكفي أن تلك الحركة
على رأسها مفكر عملاق مثل الدكتور عبد الوهاب المسيري ومناضل كفء مثل جورج اسحاق , وكاتب
عملاق مثل عبد الحليم قنديل ..
وقد تبعت حركة كفاية عد حركات تحررية مشتقة منها تمثلت فى صحوة النقابات النائمة وزيادة نشاط النقابات
التى كانت تحركت من قبل بشكل ضيق لا سيما فى مجموعة أساتذة الجامعات الذين استيقظت همتهم
وتضامنوا مع الطلبة فى مختلف توجهاتهم وهو مشهد لم يدر بخلد أشد الناس تفاؤلا أن يراه بعصرنا الحالى
80
مثل الدكتور محمد أبو الغار والدكتور عبد الوهاب المسيري مع عدد من أبرز نجوم الحياة السياسية فيما مضي
مثل الدكتور عزيز صدقي رائد الصناعة المصرية والدكتور يحيي الجمل الفقيه القانونى الشهير
ثم تحركت جموع الشباب على الإنترنت فظهرت الحركات السياسية ذات الشعبية الواسعة بين أجيال الشباب
مثل حركة 6 إبريل وهى صاحبة دعوى الإضراب وحركة الجبهة الوطنية للتغيير وحملة دعم البرادعى وغيرها
من الحركات التى استلهمت من كفاية رسالة الصمود وضرورة التحرك على الأرض بالإضراب والإعتصامات
والمظاهرات
كما تحركت جموع القضاة واجتمعت كلمتهم على قلب رجل واحد ويلاحظ فيهم أنهم جميعا من الكوادر
المثقفة القادرة والتى مارست نشاطها من خلال ناديهم العريق ومن خلال الصحف ووسائل الإعلام وهم رجال
فقدهم ميدان الفكر بحق .. مثل المستشار زكريا عبد العزيز أول مستشاري الاستئناف الذين غيروا قاعدة
رياسة نادى القضاة من محكمة النقض وتحت رعاية النظام , وكذلك المستشار الجليل محمود الخضيري
رئيس نادى قضاة الاسكندرية وصاحب الطلقة الكبري فى رفض الوصاية الحكومية على الشأن القضائي
وغيرهم من شيوخ القضاة الذين تركوا صوامع اليأس وهبوا على قلب رجل واحد من مختلف الدوائر القضائية
معيدين انتفاضات العهود السابقة فى عام 1969 م وانتفاضة عصر السادات فى نهاية السبعينيات ,
والمستشار أحمد مكى والمستشار البسطاويسي وكلاهما من رموز التصدى للنظام , والمستشارة د. نهى
الزينى التى كشفتبشجاعة مطلقة تزوير انتخابات دائرة دمنهور لصالح مصطفي الفقي مرشح الحزب الوطنى
وإسقاط مرشح الإخوان جمال حشمت بتزوير فاضح تعدى 15 ألف صوت !
هذا بالطبع إلى جوار انتفاضة أهل القلم والأدب الذين عانوا ربما أكثر من غيرهم من جرائم هذا الجمود
فخرج بالمثل أهل الشعر والزجل والرواية القدامى معيدين عهودهم الماضية فى عصري عبد الناصر والسادات
ليقودوا انتفاضة جديدة بعصر مبارك وتحت لوائهم أباطرة المواهب الشابة من الجيل الثالث فى تاريخ مصر بعد
يوليو وبرز من نجوم الجيل القديم أحمد فؤاد نجم وعلى سلامه وعبد الرحمن الأبنودى ,
والروائي الفذ علاء الأسوانى الذى تخصص عبر رواياته فى تشريح نظام مبارك بشكل عجزت كتائب النظام عن
ملاحقته فيه , وصور فى روايته ( شيكاغو ) " 12 " حقيقة التعفن الذى أصاب مؤسسة الرياسة فى مصر فى جرأة
منقطعة النظير ,
هذا فضلا على مقالاته الملتهبة التى تنافس درجة حرارة مقالات إبراهيم عيسي
وق ($_ دار ا _1 ا;H^ ء ا 2& +_ روا ;P_E,c 12 81
بل إن مجال التمثيل بالمسرح والسينما لم يخل من نوابغ المدافعين وتربع على عرشهم المخرج العملاق
يوسف شاهين الذى أعاد اكتشاف نفسه فى مواجهة ساخنه مع النظام بعدد من التأثيرات الفعالة له اعتمادا
على مكانته الاعلامية ..
ويجلس إلى جواره فى نفس الخط الممثل المصري المثقف عبد العزيز مخيون النسيج المتفرد فى قطاع
التمثيل كله بما له من قدرة خارقة على انتقاء أدواره التى انغلقت تقريبا فى أدوار الكفاح ضد السلطة الغاشمة
فى مختلف العهود منذ قيامه بأشهر أدواره " طه السماحى " فى العمل التليفزيونى الشهير " ليالى الحلمية "
وقد خرج عبد العزيز مخيون من دائرة الكفاح برسالته عبر مجاله إلى مجال النضال الفعلى فى حركة كفاية على
نحو جلب للنظام الحاكم صداعا لم يتخلص منه بالرغم من مختلف الوسائل التى اتبعها مع النجم القدير
والملاحظ بالطبع أن كل هذا الحراك هو حراك ثقافي وبقيادة مثقفين تمكنوا من إرساء دعائم رسالتهم الأصلية
فى تربية الرأى العام وتمكنوا أكثر من بسط شعبيتهم بين الجماهير التى كانت راكنة صامتة ولا تفرغ حماسها
إلا فى كرة القدم !!
كذلك ما يميز هذا الحراك أنه اتخذ وسائل عصره الحديث كوسيلة للتغلب على غياب التواصل فكانت شبكة
الإنترنت هى العالم الإفتراضي الذى تم التخطيط فيه للعالم الواقعى , وهو ما حاز سخرية النظام فى البداية
حتى دفع الثمن غاليا !






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:00
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

واستعاض المفكرون والمثقفون الشبان بمواقع التواصل الإجتماعى والمنتديات الثقافية لتكون بديلا عن منافذ
الإعلام التقليدى الذى سد المنافذ فى وجوههم إما بالرقابة وإما بالمصادرة والإهمال
الثالث
أما المشهد الثالث فيمكن اختصاره فى اسم واحد " محمد حسنين هيكل " ..
والذى خرج من صومعته التى شهدت درر كتاباته فى الفترة من بداية الثمانينات وحتى بداية القرن الجديد ..
خرج بوجه آخر زادت خبرته وحنكته عشرات المرات عما كانت عليه فى آخر مشهد أطل فيه على الناس من
خلال معركة السبعينات
خرج مراجعا للعشرات من سابق مواقفه وأفكاره ومحللا العديد والعديد من ظواهر العصر الحالي ملتفتا فى كل
لحظة إلى واقع العصر حتى وهو يتحدث عن الماضي وزادت إسقاطاته من الماضي على الحاضر بشكل
مكثف .. ويعد هو المفكر الأول من جيل العمالقة الذى خرج من صراعه القديم لشباب اليوم محدثا ومعلما
مرتفعا عن صراع الأيديولجية القديم . محاولا فيما أظن تصحيح المسار لذنبه القديم فى حق الثقافة
والمثقفين وهو ذنب غير متعمد على أية حال
82
وتعد أحاديثه على قناة الجزيرة والتى تنوعت بين معالجة الماضي والحاضر والتعرض للمستقبل .. تعد نافذة
لا غنى عنها لتصحيح توجهات أجيال الثائرين من المثقفين وعمل هيكل الآن معهم أشبه بعمل ضابط المدفعية
الذى يصحح ضربات الواقفين خلف المدافع من خلال موقعه القريب من الهدف
وتكمن عبقرية هيكل فى انتقائه لتوقيت خروجه وإدراكه وتوقعه لما يمكن أن يواجهه به النظام أو خصومه
القدامى لمنعه من أداء رسالته الجديدة ولهذا فقد سحب البساط من تحت أقدامهم ببراعته المعهودة
فابتدر الحديث باعترافه المسبق بوجود الهوى الناصري فى دمه وأقر فى ذات الوقت أن هذا الهوى لن يكون
له تأثير فى تحليلاته أو سيكون له تأثير ضعيف .. إضافة إلى أنه سحب البساط مرة أخرى بإعلانه فى أشد
حلقاته تميزا أنه لا يعنيه الدفاع عن جمال عبد الناصر فمن شاء أن يُشرّحه على مائدة النقد فليتفضل إنما فى
موضوع مستقل لكنه الآن بصدد معالجات تخص واقعا مؤسفا ووقائع أكثر مدعاة للأسف فمن شاء أن
يتحدث فيها وفى موضوعها فهو معه ومن شاء العودة إلى الماضي فلديه كتبه القديمة ليصارع فيها كيفما شاء
وهو بهذه المبادرة سحب مقدما من خصومه ومن النظام أى مدخل إلى النقد خارج الموضوع عن طريق
اتهامه بميله القديم لعبد الناصر وكبت الحريات فى عصره والذى لا يقارن بكبت الحريات الذى ينتقده هيكل
فى العصر الحالي
ولم يقتصر دور هيكل الجديد على حلقاته بشاشة الجزيرة بل تمكن من إثبات رغبته العارمة فى التغيير عندما
صنع تواصلا طال انتظاره بينه كعميد للصحافة العربية وبين شباب المهنة الذين لم يروه ولم ويحتكوا به
لأسباب مختلفة ..
وكانت تجربته الأولى بهذا الشأن فى نقابة الصحفيين ثم ترسخت ممارسته الجديدة بإنشاء مؤسسة هيكل
للصحافة العربية والتى تتولى تدريب الوجوه الشابة فى الصحافة المصرية بترشيح من مختلف المؤسسات
الصحفيةويخضع الشباب لأصول المهنة والتزاماتها ودافع وجودها وحقيقة دورها عبر الإحتكاك المباشر
بهيكل وبغيره من عمالقة الصحافة والسياسة فى العالم أجمع والذين تكفل هيكل بدعوتهم عن طريق علاقاته
واتصالاته الشاسعة
ومنذ فترة بسيطة احتفل هيكل بتخريج الدفعة الأولى من مؤسسته والتى مثلت تجربتها إعادة تأهيل وتأصيل
معنى ودور الثقافة والصحافة فى قيادة الرأى العام وكانت كلمات هيكل التى ينثرها فى خلال فترات حضوره
تمثل قيادة حقيقية لتغيير المفاهيم المغلوطة التى تربي عليها شباب المهنة .. ومنها كلمته التى قالها فى وجود
الصحفي البريطانى العملاق أندرو نايت ردا على سؤال لأحد الشباب عن مفهوم السبق الصحفي فرد هيكل
سريعا
83
" أنا أعلم أن رؤساءكم الذين تعملون معهم يطالبون بالسبق الصحفي باعتباره هو مقياس القدرة الصحفية ولكن
دعونى أصحح لكم مفهوم القياس لقدرات الصحفي فالصحفي الحقيقي هو الذى يملك مصادرا لا من يحقق
سبقا "
ومثال ذلك من العبارات التى تؤسس معارفا وترسي دعائما قادرة على خلق عبقريات إذا أتقن الشباب استيعابها
وخلف هيكل برزت عدد من الوجوه القديمة لأبطال معركة السبعينات تنتهج نفس نهجه وترتفع فوق الخلافات
القديمة وتؤدى دورها فى تأسيس طريق الجيل الثالث ولو بالمشاركة المادية معهم كما حدث من المفكر
الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري عملاق الدراسة الصهيونية العتيد .. والذى لم يمنعه كبر سنه إلى درجة
الكهولة من النزول فى المظاهرات الأخيرة بمصر جنبا إلى جنب مع كتل الشباب قبل وفاته رحمه الله
هذا المزيج الرائع بين جيل العمالقة وبين الجيل الحالي يمثل الفرصة الأخيرة أمام تلك البلد لاستعادة بعضا
مما ضاع قبل الانهيار الكامل ومما يحسب للجيل الحالي تمكنه من الظهور والإنتفاض إلى الدرجة التى لفتت
إليه نظر الكبار من الأجيال السابقة فساندوه وأيدوه .. وتمكنوا من تصحيح مسار الوعى الفكرى عن طريق
تصحيح هدف دراسة التاريخ المعاصر ودراسة أحواله وأخطائه بغرض البحث عن تجارب للإستفادة منها لا
بغرض الدفاع عن قناعات شخصية واعتقادات مذهبية عفا عليها الزمن وهو الهدف الذى دعا إليه الكثيرون من
العمالقة فى كتابات مختلفة منها كتاب " معركة بين الدولة والمثقفين " للروائي الشهير فتحى غانم والذى
تعرض فيه للعهدين السابقين بنظرة تأمل داعيا لتركيز الإستفادة من أخطاء الماضي بدراسة موضوعية لا بأغراض
تصفية الحسابات !
84
دور كل مثقف
الجيل الثالث من أهل القلم يعتبر هو الحزب الذى حمل طموحات كل موهبة أدبية وفكرية فى العصر الحالى
وهو كما سبق القول الأمل الوحيد لنفض غبار الإهمال عن دور الثقافة والمثقفين والذى تسبب فيه العصر
الحالى ..
لأن عصر عبد الناصر كان فيه للمثقفين دور حتى لو اتسم بنوع من الخطأ .. وكذلك عصر السادات .. أما
العصر الحالى فقد سقط كُتَابه من حساب التاريخ من الأصل لأنهم عبارة عن صورة سلبية " نيجاتيف " من
أصحاب القلم دون فاعلية حقيقية ..
ولهذا لا يمكن حساب كتَاب العصر باعتبارهم جيلا ثالثا فى الثقافة المصرية بعصر الجمهورية .. والأسباب
أكثر من أن نعددها بعد أن امتلأت الصحف القومية والمؤسسات الرسمية بأقلام تشغل حيزا ماديا من الفراغ
لكنها لا تشغل سنتيمترا واحدا من مساحة الفكر !
من أمثال سمير رجب وجيله , ووصولا إلى كهنة التوريث ممتاز القط وعبد الله كمال ومحمد على إبراهيم ,
والذين تشعر وأنت تقرأ لهم أنك بصدد كاتب وصل إلى مكانه فى حركة ترقيات من مصلحة المساحة !
وكانوا هم الموانع الحقيقية أمام الجيل الثالث الذى انتفض من سطوة الكتاب الرسميين فمنعوا المواهب من
التنفس بالإبداع حتى حانت اللحظة المنتظرة منذ زمن طويل من خلال الصحف المستقلة الحافلة بشباب
الكتاب إضافة إلى شبكة الانترنت
ولا يوجد سبيل أمام كل قلم من المثقفين الشباب الآن ليس عليه واجب وفرض عين بضرورة الإنتباه لنفسه
والنظر إلى المرآة المستقيمة لتحديد مكانه مهما كانت المعوقات والصعوبات التى تمثلت فى احتكار أصحاب
المال لسبل النشر والطبع
ودور كل قلم شاب هنا يتمثل فى عنصرين لا ينفصلان ..
الأول
العودة إلى الأصول القديمة لتمنية المواهب وهى القراءة والمطالعة النهمة التى تكفل تأسيس الموهبة على
أساس صلب لا سيما القراءة فى مجال التاريخ قديمه وحديثه لمطالعة مدى الثراء الذى يبسطه أمامنا نتاج فكر
الأقدمين .. والقراءة هى السبيل الوحيد لزيادة الوعى وزيادة الثروة اللغوية التى تكفل لكل قلم ثراء فى
الأسلوب يمكنه من التواصل مع جمهور القراء
أما بالنسبة للإنتاج الأدبي والفكرى فيجب التركيز على قضايا الوطن والحرية ومختلف هموم الثقافة والمثقفين
وإعطائها أولوية المعالجة لتتسق الجهود فى إطار واحد وهو استعادة الدور اللازم للثقافة فى قيادة شعوبها
85
الثانى
العمل على طرق سبل النشر والانتشار من خلال المشاركة الفاعلة فى مختلف أنواع الحضور الثقافي من
ندوات ومؤتمرات ومسابقات وعدم اليأس فى طلب الإنتشار والإحتكاك بمشاهير الكتاب والمفكرين
الحقيقيين الذين استيقظت همتهم اليوم لإفراغ كل ما لديهم من خبرات للأجيال البازغة .. يضاف إلى ذلك
التواصل المستمر مع الصحف المستقلة والإستعانة بهذا الجيل المتفرد من الكتاب والصحفيين ومحاولة
تخصيص صفحات فى مختلف الصحف تهتم بالأقلام الكاتبة من خارج الجريدة ذاتها..
وبالنسبة للنشر والطبع فهى المعركة الحقيقية للأدباء والمفكرين الشبان للتغلب على الظروف المحبطة
ومحاربة تسلط دور النشر التى أحالت عملها إلى نوع من الاستثمار جريا على طابع هذا العصر وهو طابع
الأوليجاركى
" وهى مصطلح كما وصفه هيكل حالة من الحكم تعرف باسم حالة حكم أصحاب المصالح المالية عند
تحالفهم مع السلطة وهى حالة فريدة تخالف الأوصاف المألوفة لنظم الحكم كالديمقراطية والديكتاتورية
والبيروقراطية وحتى الأتوقراطية التى تعد حالة فريدة خاصة بفترة حكم يوليوس قيصر "
والسبيل لذلك موجود وفاعل وقام به العديد من الأدباء وهو النشر الجماعى للتغلب على مصاعب وتكاليف
النشر المنفرد .. يضاف إلى تلك الجهود أيضا النزوع إلى المشاركة الكثيفة فى مختلف دور وقصور الثقافة
التابعة للدولة ومحاولة السيطرة عليها لكسر حالة احتكار الموظفين البيروقراطيين القائمين عليها لما تمثله تلك
المؤسسات من منفذ مؤثر للنشر بدون تكاليف بهذا الهدف وحده وبأساليب متعددة خلاف ما تم ذكره
يمكننا القول أن الثورة الثقافية التى حدثت فى مصر فى تلك الفترة , كانت هى بلا شك القائد التاريخى الذى
ننتظر منه بداية عصر التحرر الحقيقي
والسبيل لذلك موجود وفاعل وقام به العديد من الأدباء وهو النشر الجماعى للتغلب على مصاعب وتكاليف
النشر المنفرد .. يضاف إلى تلك الجهود أيضا النزوع إلى المشاركة الكثيفة فى مختلف دور وقصور الثقافة
التابعة للدولة ومحاولة السيطرة عليها لكسر حالة احتكار الموظفين البيروقراطيين القائمين عليها لما تمثله تلك
المؤسسات من منفذ مؤثر للنشر بدون تكاليف
بهذا الهدف وحده وبأساليب متعددة خلاف ما تم ذكره يمكننا القول أن الثورة الثقافية الحادثة فى مصر الآن
من الممكن أن تؤدى دورا بارزا فى إحياء الموات الذى استبد بدور الثقافة والمثقفين فجعلهم على هوامش
المجتمع وهم قادته الحقيقيون ..
ولا تبقي من الكلام بهذا الشأن شيئ إلا أن يتأمل كل مثقف ثم يختار لنفسه فى أى موقع يقف ومن أى مكان
يمارس ..
86
المصادر
سقوط نظام محمد حسنين هيكل دار الشروق
ملفات السويس محمد حسنين هيكل مركز الأهرام للترجمة والنشر
حرب أكتوبر .. السلاح والسياسة محمد حسنين هيكل مركز الأهرام للترجمة والنشر
بين الصحافة والسياسة محمد حسنين هيكل دار المطبوعات اللبنانية
وقائع تحقيق سياسي أمام المدعى الاشتراكي محمد حسنين هيكل دار المطبوعات اللبنانية
خريف الغضب " الطبعة الكاملة محمد حسنين هيكل الأهرام
سلسلة سنة " أولى خامسة " سجن مصطفي أمين دور نشر مختلفة
هيكل وأزمة العقل العربي د. فؤاد زكريا نسخة اليكترونية
عبد الناصر واليسار المصري د. فؤاد زكريا روزاليوسف
معركة بين الدولة والمثقفين فتحى غانم دار أخبار اليوم
عودة الوعى توفيق الحكيم دار الشروق
وثائق عودة الوعى توفيق الحكيم دار الشروق
ملفات ثورة يوليو بشهادات رجالها طارق حبيب وحوار مع 122 شخصية مركز الأهرام للترجمة
والنشر
عبد الناصر المفترى عليه والمفترى علينا أنيس منصور دار الشروق
فى صالون العقاد أنيس منصور طبعة مكتبة الأسرة
مذبحة الأبرياء فى خمسة يونيو وجيه أبو ذكرى المكتب المصري الحديث
مجموعة متنوعة من الصحف والمجلات العربية والمصرية
87
تعلم كيف تواجه ,, وتعلم كيف تناظر
( أغسطس 2009 م )
88
تعلم كيف تواجه ,, وتعلم كيف تناظر
ما الفارق بين الجدل والحوار ؟! وهل تدخل المناظرات تحت باب الجدل أم باب الحوار ؟
هل الدخول فى المناظرات فرض أم ضرورة لها شروط ؟!
ماذا نفعل ككتّاب عندما نواجه هجوما على الإسلام , هل نرد أم نصمت أم ندخل فى مناقشة ؟!
كيف يمكن أن يصبح الرد على الهجوم أسوأ أثرا على الإسلام من الهجوم نفسه ؟!
وكيف يمكن أن يصبح طريق الجنة .. طريقا إلى النار دون أن ندرى ؟!
حول إجابة هذه الأسئلة يدور هذا الموضوع ..
مما يُؤثر عن أحد علماء الهندسة أسلوبه المتفرد فى مواجهة مشاكل عمله , فعندما يواجه جهازا معطلا لم
يكن يدخل مباشرة إلى أسباب العطل ومكانه بل يتجاهلهما تماما و يعيد تفكيك الجهاز بأكمله ويبدأ فى
تركيبه حسب تصميمه الأصلي من جديد , وكلما يصادف خللا أثناء إعادة التركيب يصلحه ويستمر
بهذا الأسلوب لم يستعص عليه عطل فى جهاز أو يحيره , لأنه أحال الظاهرة للأصل وبدأ الحل من الجذر
وما فعله أديسون فى المجال العملى نحن مطالبون به من باب أولى فى مجالنا الفكرى والذى يعتبر أخطر
مجالات العلوم الإنسانية على الإطلاق , فبالفكر وحده وعلى أساسه وقعت كوارث العالم أجمع وكذلك تم
إصلاحها بالفكر
ولا عجب فى ذلك لأن الاعتقاد الفكرى هو المحرك الرئيسي لنشاط الإنسان فإن كان فكرا خيرا أنتج خيرا
وإن كان شرا أنتج مثله
وبالاعتقاد الفكرى والعقدى نشأت دولة الإسلام كإحدى معجزات الحضارة الإنسانية فى بضع سنين بهداية
الوحى التى استقبلتها عقول أحسنت التفكير فعرفت نداء السماء وأجابته , ولم يحدث التخلخل إلا عندما
بدأت الفرق فى الظهور فتغير الإعتقاد وفقد طلاوته الأولى التى نزل بها غضا على المحجة البيضاء , وعندما
تغير الاعتقاد وأصبح مدخولا بفروع شيطانية غريبة على الجذر الأصلي بدأت الحروب والفتن واستمرت ليومنا
هذا
وعبر تاريخ الإسلام البالغ الثراء دارت رحى المعركة بين الأصل والفروع , وظهرت فى فترات متقطعة من
العصرالإسلامى الوسيط دول إسلامية أعادت رونق الخلافة معتمدة على مبدأ العودة للأصل وهو المبدأ الذى
كفل لها النجاح لأن غياب الإصلاح الفكرى أولا هو سبب حتمى للفشل فيما بعد
89
وهذا المبدأ , مبدأ سماوى خالص عبر عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام فى غير موضع من أحاديث الفتن
وخصه بالجانب الأعظم من وصاياه ولم يفتأ يكرره على مسامع الصحابة ومثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام
" إن من يعش بعدى سيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا
عليها بالنواجذ "
وقوله أيضا " لقد أتيتكم بها بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك "
ولهذا كان المصلحون فى كل عصر يرفعون لواء العودة للأصل طارحين كل البدع المحدثة التى دخلت على
دولة الإسلام فنجحت حركات الإصلاح لهذا السبب والمتأمل فى تاريخ الإسلام يجد أن كل أزمة مستعصية
عصفت بالدولة كانت مبنية على اعتقاد فاسد مخالف للأصول
من أول فتنة الخوارج أول وأعظم فتنة إلى يومنا هذا حيث فتنة المذاهب الإنسانية المختلفة
ولأن الإتجاهات المعادية للإسلام بعد دراسات المستشرقين المتعمقة عرفت أين يقبع المقتل ركزت همها
وجهدها على ضرب الأصول بأى وسيلة , فلما عجزت , وظل القرآن محفوظا بحفظ الله وانبري علماء السنة
فاستأصلوا شأفة الأحاديث الموضوعة وعزلوا القسم الصحيح وحفظوه , لم يجدوا أمامهم حلا إلا ضرب
علاقتنا بتلك الأصول !
وهذا الأسلوب استمر أيضا إلى اليوم حيث تركز الدول العظمى والحركات الفكرية المضادة فى بلاد الإسلام
على مبدأ رئيسي وهو تعقب أى نداء يظهر فيه ولو طرف شعرة من العودة للأصول , ويتم محاربة هذا الجانب
بكل الوسائل بداية من التدخل العسكري كما فعلت الولايات المتحدة فى حربها المزعومة ضد الإرهاب إلى
الغزو الفكرى الذى رسخ عبر قنوات إعلامية محترفة اعتقادا جازما بأن كل من ينادى بالعودة للأصول هو
متخلف إرهابي ,
وأصبحت من قبيل الثقافة العامة المنتشرة أن يتم السخرية من كل متحدث بالعربية الفصحى أو من كل من ينوه
عن شخصية تاريخية تحمل شبهة إشادة بتاريخ الإسلام رغم أن الغرب لم يقطع صلته بتاريخه المشوه مطلقا ,
بل جعل منه مادة خصبة على موائد الإعلام حتى لو كان تاريخا أسطوريا لا يمت للواقع بصلة ,
وبينما يفخر الغرب بزينا وهركليز وأخيل ونبوءات نوستراداموس , ولا يجد حرجا فى ذلك , أصبح مفكرونا
ومثقفونا يجدون حرجا إذا استشهدوا بقول لأبي حنيفة أو الشافعى أو نقلوا رأيا فكريا للسيوطى أو الأشعري
هذا فضلا على التدخلات السياسية التى لا تهمل أدنى صعود للتيار الإسلامى السلفي فى أى مكان بالعالم
الإسلامى فيبدأ الضغط على الفور بالوسائل العلنية والسريةلخلق حرب عداوة بين الأنظمة وبين تلك التيارات
حتى لو كانت تيارات فكرية محضة لا تتعرض للأنظمة ولا تتدخل بالشئون السياسية وتكتفي بإحياء التراث
فحسب
90
ولنا أن نتأمل الضربات الأمنية القاصمة التى يتعرض لها تيار الإخوان المسلمين أو جماعة أنصار السنة بمصر
والمحاربة الإعلامية المصاحبة لذلك ونقارن هذا كله بالدعم الكاسح التى تحظى به الطرق الصوفية سواء على
مستوى الدولة أو على مستوى الدعم الخارجى المهول
فالطرق الصوفية بمصر لم تحصل فقط على الوجود الشرعي باعتماد المجلس الأعلى للطرق الصوفية مجلسا
عاما تابعا للدولة , بل هناك دعم سنوى للمجلس فضلا على أن رئيس المجلس فى البروتوكول السياسي
مساويا لمكانة شيخ الأزهر سواء فى الراتب أو المعاملة
هذا خلافا لسكوت الدولة عن الدعم المادى الخارجى الذى جعل من مجلس الطرق الصوفية مؤسسة تتجاوز
ميزانيتها ثلاثة أرباع مليار جنيه ,
وتحاط الإحتفالات الصوفية بالحماية الأمنية على أعلى مستوى رغم أنها تتجاوز ثلاثة آلاف حفل سنويا تحميه
الشرطة حماية كاملة , وبأحدث الوسائل
فضلا على الدعم السياسي الخارجى الذى يجعل سفير الولايات المتحدة السابق بمصر يحرص على حضور
مولد السيد البدوى بطنطا ! وتخلفه مرجريت سكوبي فى ذلك
وإذا تأملت الحروب العلمانية مثلا على الإسلام والفكر الإسلامى لا تجد منهم أدنى إشارة بالانتقاد للفرق
البدعية كالصوفية والمعتزلة الجدد " العصرانيون " على سبيل المثال رغم وجود المبرر البالغ القوة لذلك
والمتمثل فى كل هذه الإمكانيات المهولة لمجرد تغييب الناس
ولهذا يبدو غريبا جدا أن تثور ثائرة العلمانيين لمحاضرة يلقيها عالم أو فقيه ويهملون فى نفس الوقت هذا
البذخ والسرف وتعطيل مصالح الدولة مع الصوفيين
ومن أوجه الغرابة اللافتة للمتأمل بعيد النظر أن السلطات الرسمية والغرب متمثلا فى الولايات المتحدة رغم
أنه لا يطيق ذكر الإسلاميين , إلا أنهم يتناسون هذا تماما مع الطرق الصوفية على نحو يجعلنا نتساءل ,
لو أن الطرق الصوفية كما يرجون لها تمارس نشاطا إسلاميا عارما , فلماذا يواليها المعادون للإسلام
ويسكتون عن تصرفات لو لاح ريحها مع فقيه لكان مصيره وراء الشمس
والقانون الأمنى الذى يمنع التجمهر لما يزيد عن عشرين شخصا نجده مع الصوفيين يحمى ويوالى تجمهرا من
عشرين ألفا !
لكن كما يقال إذا عرف السبب بطل العجب ,
91
فإن الخوف كل الخوف ليس من الفرق البدعية التى حادت عن الطريق بل من أى نداء أصولى للبحث خلف
المنبع , والغرب يستفيد من دروس الماضي جيدا ولم ينس بعد ما فعلته الأصولية الإسلامية بمنهجها البسيط
فى الشيشان وأفغانستان وباكستان وأندونيسيا وفى حرب أكتوبر والآن فى العراق والصين
لهذا صارت حساسية الغرب وحلفائه تجاه كل بذرة إسلامية صحيحة ظاهرة واضحة بما لا يدع مجالا للشك ,
وإلا كيف يمكن تبرير الحروب الضارية التى تشنها الأجهزة الرسمية والدعايات الخارجية تجاه التوجه الإسلامى
الصحيح , وتعجن ذلك كله فى زمرة واحدة هى الإرهاب والعنف ,
رغم أن تيار العنف تيار يختلف فى الأساسيات مع تيارات الإصلاح السلفي , والموجودون على الساحة الآن
علماء ودعاة لا مقاتلين فلم كل هذا القلق وكل هذا الهجوم الذى ينال علماء المسلمين ودعاتهم وهم لا
يطرقون السياسة ولا شأن لهم بالنشاط المضاد للأنظمة , ولماذا كل هذا الاتهام لأى كتاب أو كاتب يلمح ولو
من بعيد لأصول الإسلام وترك التفرق ؟!
ولماذا كل هذا الترصد للإلتزام الدينى والسعى إلى طريق الله وانتقاد أى دعوة ولو كانت للفرائض الواجبة ؟!
ولماذا تثير اللحية الكثة فى وجه شاب سنى ذعر الأمن بينما اللحية الأخرى على مذهب دوجلاس تحظى
بالقبول !
هذه هى صورة الساحة الآن ..
تيار عام تمثله الشعوب المجبولة فطريا على العقيدة الصحيحة , وتحاول الخروج من شرنقة الشبهات والمكايد
الفكرية التى تغلق عليها رغبة التحرر الحقيقي من الغزو الفكرى
ووسيلتهم فى ذلك التماس العلماء والدعاة الواقفين على الحدود وهم على قلة إمكانياتهم وفقهم الله
للوصول للقطاع الأعرض من الجماهير المتلهفة لهم , وليس أدل من ذلك ما نراه من احتفاء جماهير البسطاء
بأى نصر اسلامى من أى نوع وتقديمهم نصرة الإسلام على نصرة الأوطان
وتيار خاص يتفرع إلى عدة توجهات تتفق جميعا فيما بينها على الهدف وتختلف فى الوسيلة وتمثله الحروب
الفكرية الخارجية والأفكار الدخيلة التى تمتلك ناصية الإعلام
ولأن كل توجه من هؤلاء يهدف لقتل أى صحوة فى مهدها , فإن كل منهم اتخذ بابا معينا يطل من خلاله على
الناس أملا فى تشتيت جهود الدعاة والعلماء , وفى كل باب من تلك الأبواب تستعر حرب فكرية ضارية
كجبهة مستقلة عن الأخرى وما أكثر الجبهات وأسلحتها من الشبهات
هذه الحروب الفكرية تتنوع بين المناظرة وبين الحوار ,
ولأن القاعدة المتفق عليها فى أى قضية هى ضرورة العودة للأصل ومناقشة الأمر من المنبع ,
92
فكان لزاما أن نتعرف عن الفوارق بين الحوار وبين المناظرات , وأنواع كل منهما , والضوابط التى حددتها
الشريعة فى هذا الشأن باعتبارها المقياس الأول والأخير للعمل والتطبيق
ولأننا أصبحنا بالفعل فى عصر الفتن ,
فقد اختلطت الخيوط كثيرا وتسللت إلى القضايا الجوهرية قاعدة المثل الشعبي الشهير " هات من الآخر "
وهو قول يضاد كل منطق حتى منطق اللهو والعبث لأن البدء بالنهاية يجعلك تدور فى دائرةمفرغة لا تصل
لحافتها أبدا
وهو ما يحدث بالفعل الآن فتحت اختلاط المفاهيم اضطربت الصورة بشكل ضبابي أمام عامة الناس بل وأمام
الباحثين الذين تعجلوا بدافع الغيرة الدخول لساحات المعارك قبل معرفة ضوابطها فكانت النتيجة أن أصبح
عالم اليوم عبارة عن مسرح كبير للجدل الفارغ لا تكاد تخرج منه بفائدة إلا كما يخرج فم العصفور من ماء
البحر ,
تعلم كيف تواجه ., وتعلم كيف تناظر
يغيب عن بال الكثيرين أن الحوار والجدل من أكثر القضايا التى تناولها التشريع الإسلامى بالتنظيم والضبط ,
وذلك أن القاعدة النبوية تقول أن الباب الذهبي للفتن العمياء الصماء هو الجدل وما من قوم يظهر فيهم إلا
وجاز لنا أن نكبر عليهم أربعا ..
ولنا فى أمثلة القرآن الكريم أسوة وعظة , فالجدل هو الذى أضاع بنى إسرائيل الذين اصطفاهم الله وفضلهم
فلم يحسنوا ذلك وكانوا أولى جدل شديد فحاق بهم الغضب ,
وتروى سورة البقرة قصة قتيل بنى إسرائيل وطلبهم من موسي أن يحل القضية فجاء الوحى بأن اذبحوا بقرة ,
وبدلا من أن ينفذ بنو إسرائيل الأمر بلا تنطع , فارت طبيعة الجدل فى أعماقهم فإذا بهم يجادلون موسي
ويتهمونه أنه يسخر منهم فلما أوضح لهم تمادوا فى الجدل وطلبوا الإيضاح لأمر هو واضح وضوح الشمس
ولو أنهم ذبحوا أى بقرة لأدوا بذلك أمر الله وانتهت المشكلة , لكنهم جادلوا فضيق الله عليهم
وقضية الحوار والجدل والفارق بينهما .. أصل من أصول الإسلام أرساها القرآن وبينتها السنة , بينما يجهل
الكثيرون أن هذا المجال ليس أمرا متروكا بلا ضابط فيحق للإنسان أن يجادل بلا حرج , ويتصورون الجدل
لا الحوار أمرا شخصيا متروك للحرية الفردية بينما هو فى الأصل منظم تنظيما شاملا ,
وأول القواعد فيه أن الأصل فى الجدل هو المنع والحظر , بينما الاستثناء هو السماح به ويتضح ذلك من
خلال النصوص النبوية ومنها ما قال فيه عليه الصلاة والسلام
" أنا زعيم ربض فى الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا "
93
أى أن الأصل فى الإسلام منع المراء وكثرة الأخذ والرد بلا طائل لأن الجدل فى أغلب أحواله يورث البغضاء
والإسلام جاء مؤلفا للقلوب وهذا كحكم عام يسري على عامة المسلمين وخاصتهم , لدرجة الترغيب فى تركه
للحد الذى جعل النبي يبين مكانة تارك الجدل المحق بربض فى الجنة زعامته للنبي عليه الصلاة والسلام ,
فما بالنا بالمنغمس فى جدل الباطل
والاستثناء فى الجدل لا ينطبق فى أى حال من أحواله على العامة أو غير المتخصصين , بمعنى أن الجدل
والمراء محظور مطلقا على عامة الناس وخاصتهم , ومسموح فى حالات معينة للخاصة فقط من العلماء
والمفكرين وطلبة العلم
وهذا أمر طبيعى ,
فالاستثناء المسموح به فى الجدل هو ما نعرفه باسم المناظرات, والمناظرات لا تكون إلا بين طرفين من أهل
الاختصاص
فالمناظرات معركة لها طرفان مؤهلان كل منهما على نقيض الآخر ومن غير الوارد أن يلتقي فيها أصحاب وجهة
نظر واحدة ,
بينما الحوار لا يدخل تحت نطاق الجدل لأنه أحد ضروريات الحياة الإنسانية فى الإسلام , ويمكن تعريفه
على أنه المناقشة التى تجمع بين أطراف معينة فى قضية ما سواء كانت قضية علمية أو اجتماعية أو طرح حل
لمشكلة خاصة , وكل هذا واجب فى الإسلام حيث حث عليه فى أى قضية خلافية تجمع بين أبناء الدين
الواحد ولو كانت فى شاة أو بعير
ونظرا لأهمية الفارق بين الجدل والحوار .. أو بين المناظرة والحوار .. لابد أن نتعرف تلك الفوارق لا سيما
وأن غياب الفوارق كان سببا مباشرا فى أحد أكبر ظواهر انتشار الجدل العتيد على نحو ما نرى فى مجتمعاتنا
حتى لا تكاد تخلو فئة مهما علت فى مستواها الفكرى من هذا الداء
والعلاقة بين الحوار وبين الجدل علاقة تنطبق عليها الحكمة القائلة " إذا زاد الشيئ عن حده انقلب لضده "
فالحوار مطلوب ومرغوب طالما كان منتجا , لكن عندما تنتهى الفائدة وتنسحب
ويظهر الأخذ والرد الفارغ الذى يعيد الكلام ويزيده فى نفس المضمون , هنا ينقلب الحوار جدلا محرما
94
وهذه الفوارق يمكن تلخيصها فيما يلي :
الأول :
الأصل فى المناظرات المنع والتحريم , بينما الأصل فى الحوار الوجوب والفرض أى العكس تماما , وفى
القرآن الكريم كان الجدل والمحاججة هو المعبر اللفظى عن التناظر بينما الشورى والتحكيم والسؤال هى
مرادف الحوار
الثانى :
المناظرة هى مواجهة فكرية بين طرفي نقيض يعتنق أحدهما فكرا يضاد الآخر فى نفس المجال , ولهذا
سُميت مناظرة أى معركة بين نظيرين , وليس متصورا أن يلتقي فى مناظرة طرف مؤيد لفكر معين وطرف آخر
محايد مثلا , وهدف المناظرة الأصلي هو بيان أى الفكرين أولى بالحق , وليس واردا فى المناظرات أن تنتهى
بوجهة نظر وسيطة تقارب بين المنهجين , بل تكون النتيجة إما ظهور لأحد الطرفين وإما تعادلهما وكل منهم
على منهجه كاملا , كما أن هدف المناظرات لا يكون انضمام طرف إلى طرف , فهذا يحدث على سبيل
الاستثناء , إنما الأصل فى المناظرة تجلية الحق لمن يشاهدها من الحضور ,
ومثال المناظرات كما ورد بالقرآن مناظرة إبراهيم عليه السلام للنمروذ , ومن الحياة العملية مناظرات
العلماء والمفكرين لأصحاب الملل الأخرى وأهل الإلحاد ومناظرات الفرق المنشقة عن الإسلام بنوعيها ,
الفرق الداخلة تحت مفهوم الشهادة والفرق الأخرى الخارجة عن نطاق الإسلام وحكم هذه المناظرات واجب
بشروط سيأتى بيانها
أما المناقشات العلمية بين العلماء والفقهاء فى مجال الاجتهاد فتلك لا تقع تحت مفهوم المناظراتبل
يضمها مفهوم الحوار , لأن الأصل فى العلم التكامل لا التناحر , والمناظرات بطبيعتها لا تتكامل أطرافها بل
تتناقض , ولهذا فعندما انتشرت المناظرات الجدلية بين علماء المذاهب تفجر التعصب وفسدت أخلاق الناس
إلى درجة تكفير أنصار كل مذهب للمذهب الآخر تحت تأثير الغلو فى التعصب لمذهب معين ,
أما الحوار فهو لا يشترط طرفين بل يكون لأى مجموعة من الناس فى أى مجال ومع اختلاف مستوياتهم
العلمية أيضا و فمن الممكن أن تجتمع حلقة نقاش وتدارس بين عالم وطلبة علم ويدور فيها النقاش حول
مسألة معينة , أو يجتمع عالم أو أكثر مع بعض العامة , وهذا خلافا للمناظرات التى لا يخوضها إلا أهل
الإختصاص وحدهم وإلا انقلبت عبثا
كما أن الحوار يكون الهدف منه هو الإفادة والاستفادة بتكامل وجهات النظر لا بتناحرها كأن يجتمع أهل
العلم فى بحث أمر معين من أمور المسلمين والخلوص فيه برأى , والحوار أيضا هو طريق حل النزاع الغير
95
وارد فيه حكم بيّن , مثال ذلك إرسال حكمين من أهل الزوج والزوجة لبحث مشكلاتهما قبل أن تفضي
للطلاق ,
والحوار ضرورة من ضرورات العلم , بينما المناظرات ناقض من نواقضه , لأن الحوار يكون للفهم والاستيعاب
لا البيان والإقناع لطرف خصم , وعندما سؤل بن عباس كيف بلغت العلم , قال : بلسان سؤول .. وقلب
عقول , وهذا يوضح كيف أن طالب العلم النابه هو الذى لا يتوقف عن الحوار والسؤال كلما أتيحت له فرصة
الاستزادة
الثالث :
الأصل فى المناظرات الخصومة والاختلاف العميق , بينما الأصل فى الحوار التماسك والترابط , وبينما
تكون المناظرات ذات طابع علنى وإلا فقدت هدفها يكون الحوار ذو طابع خاص بين أهل القضية وحدهم
الرابع :
الأصل فى المناظرات المنظمة غالبا وجود محكم محايد يكون حكمه وتوجيهه سار على الطرفين , لأنها
معركة فكرية , فيجب وجود منظم لها وإلا انفلتت تماما , فيكون الحديث محددا بوقت ملزم للطرفين , كما
أن المُحكّم يمارس دوره فى إظهار طرف على آخر ويلجأ إليه كل طرف لإجبار الطرف الآخر على عدم
التهرب من أى سؤال
بينما الحوار لا يعرف هذه الأشياء وتسير أموره بشكل ودى تماما ,
الخامس :
الحوار ينتهى بنتيجة جديدة لم تكن موجودة قبل طرحه , بينما المناظرات لا تقدم جديدا بل هى تعرض
الأفكار فحسب مصحوبة بالحجج والبراهين والحكم للمستمع
السادس :
الحوار له آداب معروفة يلتزم بها أطرافه , وفى باب العلم هناك فرع كامل يسمى آداب طالب العلم بين يدى
شيخه , وغياب الأدب الواجب واحترام الأطراف لبعضها البعض يقضي على هدف الحوار والفائدة وينتهى إلى
جدل عقيم
بينما الأصل فى المناظرات أنها بلا آداب وهذا هو السبب الرئيسي لتحريمها لأن ما يحكمها هو القانون
الذىيرتضيه الطرفان ويطبقه الحكم , أما الأخلاق فتلك لا مجال للحديث عنها فى هذا الموضع , والفارق
فى هذا الشأن بين الحوار وبين المناظرة , كالفارق بين تدريبات القتال التى يمارسها زملاء السلاح , وبين
المتحاربين فى ميدان القتال
فبينما يكون التدريب على القتال بين الزملاء مجرد تدريب يخضع للرقابة ويكون أطرافه أكثر حرصا على
بعضهم البعض من أنفسهم ولا يكون هدفهم النصر والغلبة بأى وسيلة بل يكون هدفهم النزال للدربة والمران ,
96
بينما القتال الحقيقي يلتقي فيه خصمان فى ميدان لا تحكمه إلا قوانين المواجهة ويكون هدف كل منهما
هزيمة الآخر بكل وسيلة وأى وسيلة بما فيها المكر والخدعة
وهذا بالضبط ما يحدث فى المناظرات حيث تتلاشي نهائيا آداب الحوار وتعتبر ترفا مظهريا لأن الخصمان من
الجائز جدا أن يكون كل منهما يري الآخر كافرا أو فاسقا أو مارقا من الدين وبالتالى فلا مجال للقول باحترام
كل منهما للآخر , إلا إذا كانوا يستخفون بعقول الناس , فأى احترام هذا فى ظل اختلاف عقدى نتيجته
الحتمية كفر أحد الخصمين ؟!
وليس المقصود بالطبع أن المناظرات يجب أن تحتوى سبا أو شتما , بل المقصود أن آداب الحوار كعدم
السخرية من قول محاورك أو تقليل شأنه وعدم إحراج المحاور إذا أخطأ , إلى غير ذلك لا وجود لها نهائيا
بالمناظرات , بل تمتلئ بعكسها , فيكون الخطأ فضيحة للطرف المخطئ وكذلك فضح الكذب والتدليس
والتزوير وكلها أمور لابد أن تحدث بالمناظرات , وهذه طبيعة حتمية لأن الصراع بين الطرفين صراع بين حق
وباطل , وهما متناقضان ولا يُتصور أن يلتقيا
ولهذا عندما يتنطع العلمانيون ويتباكون على آداب الحوار عندما يقابلهم الباحثون والمفكرون والعلماء
بالسخرية والشدة يتبدى جليا مدى الجهل الذى يحكم تصرفاتهم جميعا , فإن هذا الذى يتباكى على آداب
الحوار يريد أن يطلب من محاوره المسلم أن يحترمه بينما هو يشكك بكل بساطة فى ثوابت الدين أو وجود
الخالق أو عصمة الأنبياء أو نحو ذلك !
ومن الملاحظ بالطبع أن المتباكين على آداب الحوار لا يلجئون إلى التغنى بذلك إلا عندما تدور دائرة النقاش
عليهم , مثال ذلك ما يفعله الشيعة الاثناعشرية عندما يبدءون العزف على وتر الوحدة الإسلامية فور اتضاح
حقيقة مذهبهم أمام الناس
وفى أمر الدين بالذات لا يوجد شيئ اسمه الحيادية , فمعنى أن تكون محايدا فى حوار دينى هو أنك تقبل
خلع ربقة الدين من عنقك عندما تحاور وكأنها سترة شتوية تخلعها فى يوم صائف
من هنا يتضح جليا مدى الخلط الواقع من العلمانيين بناء على جهلهم فإن الحوار مع مخالفك فى العقيدة لا
يمكن أن يكون حوارا إلا لو كان مقبولا لدينا كمسلمين أن يسيئ المناظر الأدب مع خالقه , ثمأستقبل
هذا القول منه فى برود وأرفع له القبعة احتراما له حتى يحترمنى ويسيئ الأدب مع الخالق عز وجل !
والأمثلة فى ذلك أكثر من أن تحصي , فعندما ناظر أحمد بن حنبل رضي الله عنه المعتزلة فى فتنة خلق القرآن
لم يعترف لأحدهم بأهلية العلم ولا قبل الحوار معهم وما ناظرهم إلا مضطرا وما خاطبهم باحترام قط بل صرح
بكفر قولهم ومن يقوله ومن تابعهم عليه ومن رضي به إلا مضطرا
97
كذلك عندما ناظر بن تيمية الفرق البدعية المختلفة كالشيعة الرافضة ممثلين فى بن مطهر الحلى صاحب
كتاب منهاج الكرامة , قام بن تيمية بالرد عليه وتفنيد أدلته وتشريحها تشريحا فى كتابه " الرد على بن المطهر
الحلى " وهو الكتاب الضخم المطبوع فى خمس مجلدات تحت عنوان " منهاج السنة النبوية فى الرد على
الشيعة والقدرية "
ومن يطالع الكتاب يجد بن تيمية قد أسقط حشمة مُناظِره تماما من أول سطر وتعقب أقواله الضالة ببيان
ضلالها العميق مع السخرية والتقريع للجهل والتجهيل المتعمد من الرافضي
ولكن هذا كله فى إطار أخلاق الإسلام الوسطية التى لا تقر بالإحترام إلا لأهل القبلة , وأما غيرهم فلهم علينا
عدم العداء ما دام مسالما وعدم الإيذاء لا بالفعل ولا بالقول ما لم يكن قولا يصف شيئا هم عليه فعلا
إنما أكثر من هذا بخردلة فلا .. يقول تعالى
{ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم }
وبأشد من هذا تعاملت الملل الأخرى و الفرق البدعية مع المسلمين فلا توجد فرقة ظهرت فى المسلمين
وانشقت عن أهل السنة والجماعة إلا وهى ترى سائر من خالفها فى بدعها كفار أو على الأقل مارقون من
الدين الصحيح سواء عامتهم أم خاصتهم , أما الملل الأخرى كاليهود والنصاري فالقرآن أخبر عنهم أن كل
منهم جزمت بالجنة لنفسها فقط وحجبتها عن الأخرى ومن باب أولى عن المسلمين
وبينما هم يصرحون بكفر واستحلال دماء المسلمين عامتهم وخاصتهم , ولا يكفّر المسلمون منهم عموما أبدا
إلا بعد توافر إقامة الحجة بل ويكفل الإسلام الأمان لأى مسالم بعكسهم هم
ورغم كل هذا نجد أن اتهامات الإرهاب لا تطول إلا المسلمين لو تجرأ واحد منهم فقال بقول القرآن أن
اليهود والنصاري كفار مخلدون فى النار !
وتتبقي إشارة ضرورية إلى نوع وحالة خاصة من جدل المناظرات له ضوابطه الخاصة وهو الجدل الحسن
والأحسن هو ذلك النوع من الجدل الذى يقع وسطيا بين الحوار والمناظرة , فيأخذ من الحوار صفة هدف
الهداية ويأخذ من المناظرة المجادلة والمخاصمة والمفاصلة عند عدم الاقتناع ,
وهذا النوع يتم بين علماء المسلمين ودعاتهم وبين عامة أهل الملل الأخرى من أهل الكتاب , ولا شك أن
هذا يختلف عن المناظرات من وجوه سنبينها فى موضعها , وشرطه الأساسي أنه مع عامة اليهود والنصاري لا
علمائهم
وهذا النوع من الجدل محصور بكلامنا فى أهل الكتاب بنص القرآن الكريم , حيث يقول عز وجل :
{ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن }
98
ويعود هذا إلى أن أهل الكتاب من اليهود والنصاري بيننا وبينهم مشتركات ليست هينة , فإنهم مؤمنون بالله
واليوم الآخر وبالرسل والقضية بيننا وبينهم هى الشرك بالله وإنكار النبوة
يقول تعالى
[قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتخِذَ بَعْضُنَا
{ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسْلِمُونَ] {آل عمران: 64
وتلك القضية هى التى تحفز على اتخاذ أسلوب خاص فى مجادلة أهل الكتاب مع ملاحظة هامة ,
أن الآية هنا تتحدث عن المناقشة مع أهل الكتاب بصفة عامة ويخرج من إطارها أولئك المحاربون لله ورسوله
منهم , فليس كلهم سواء , فهناك من أهل الكتاب كقاعدة عامة ذميون أى لهم ذمة وذمار عند المسلمين
وعهد بعدم الاعتداء
وهناك من لا عهد لهم ولا ذمة وهم المعلنون لحرب الله ورسوله والكيد للإسلام , فهؤلاء يخرجون من إطار
الجدل الحسن إلى المناظرة عند الحاجة لرد الكيد , مثال ذلك مناظرات العلامة الراحل ديدات مع علماء
النصاري فى أكثر من موضع
ولا يكون على المسلم أن يبدأ أمثالهم بجدال أبدا , إذ أنهم محاربون , والحروب تكون للضرورة ولسنا
مطالبين بالسعى لها إنما هى رد فعل على فعل
ويجدر التنويه هنا أن الجدل الأحسن مع أهل الكتاب , لا يعنى أن تتم معاملتهم فى تلك المجادلة بمعاملة
المسلمين لبعضهم البعض فى الحوار , بل المقصود هنا ألا نجادلهم بنية بيان باطلهم فحسب بل يجب أن
تتوافر نية هدايتهم لعل وعسي أن يهدى الله منهم أحدا
مثال ذلك عندما يصادف أحد علماء المسلمين ذميا , ويري أنه قابل للمناقشة والاقتناع , عندئذ مسموح له
بمجادلته بالتى هى أحسن ومحاولة هدايته
وهذا يختلف بالطبع عن أسلوب المناظرات القائم على رد الكيد وبيان البطلان أمام حشد من الناس ,
بالإضافة أن الجدل الأحسن لا يشترط فيه مخاطبة علمائهم بل شرطه أن يكون مع العامة ابتداء نظرا لأن
علماءهم غالبا ما تكون فتنتهم عن عمد , ويدركون الحق ويستكبرون , ولهذا كانت المناظرة للعلماء
وأشهر الأمثلة على الجدل الأحسن ما قام به رسول الله عليه الصلاة والسلام مع وفد نصاري نجران , وهى
المجادلة التى انتهت بإصرار النصاري على ألوهية عيسي بن مريم عليهما السلام , ونزلت فيها آية المباهلة ,
فلما دعاهم رسول الله عليه الصلاة والسلام للمباهلة فروا ولم يقبلوا
ونفس ما قلناه عن الجدل الحسن مع عامة أهل الكتاب لا العلماء ينصرف الى عامة الفرق البدعية الذين
يقعون غالبا تحت تأثير شياطينهم من علماء تلك الفرق
99
شروط المناظرات وضوابط المشاركة فيها
سبق التعرض لأهمية العودة للأصول عند معالجة أى قضية ومعرفة حكمها ,
وأهم موضوع فى عالمنا المعاصر افتقد تلك الضرورة هو حكم وشروط المناظرات فى الإسلام , تلك الشروط
والضوابط التى قد تؤدى بالعالم أو بالباحث الغير ملتفت إليها إلى مهاوى الكفر أو الزندقة أو الرياء
وتكمن الكارثة أن العالم أو المفكر أو الباحث غالبا ما يخوض بالمناظرات دون توافر ضرورتها وشروطها وهو
يظن نفسه يؤدى واحدة من أعظم الطاعات إلى الله عز وجل , وهذا من ألاعيب وتلبيس إبليس المفضلة
للتغرير بحراس الحدود فى الدين ,
فمن المعروف أن العالم أشد على إبليس من ألف عابد وأشد العلماء على إبليس هو العالم أو الباحث الذى
يجعل همه تحرى الشبهات والذود عن الدين , ولما كان إبليس لعنه الله غالبا ما يجد الطريق مسدودا إلى
غواية أى عالم فإنه يلجأ إلى أخبث أنواع التلبيس التى توقع البعض وينجو منها البعض الآخر
وهذا النوع من التلبيس هو دفع العالم أو الباحث إلى المساهمة فى هدم ما يسعى هو نفسه لحمايته , وبدلا
من أن يكون نتاج جهد العالم صلاحا فى الأمة تكون النتيجة زيادة التضليل والغواية للجماهير بشكل ربما
يعجز عنه أصحاب الشبهات
ولأن أمر المناظرات الجدلية واضح بيّن بالقرآن والسنة , فلم يترك علماء الإسلام جهدا فى التحذير من
المناظرات وتوضيح ضوابطها وضرورتها , لا سيما وأن علاج أثرها بالغ الصعوبة , لأن المتورط فيها يكون
مقتنعا بأنه يدافع عن الدين ويذود عنه
100
علة منع وتحريم جدل المناظرات
سبق أن تعرضنا لمفهوم المناظرات وما يحيط بها وصفاتها عند بسط الفارق بينها وبين الحوار , وعلة تحريمها
تتمثل فى آثارها على المجتمع وعلى العلماء كما يلي
أولا : تورث الضعينة والبغضاء والعجب بالنفس والزهو بالعلم وهذا كله طريق إلى جهنم والعياذ بالله بسبب
وجود نص الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود حيث قال
{ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : أربعة علماء فى النار .. عالم تعلم العلم ليبارى به العلماء , أو يمارى
به السفهاء , أو يصرف به وجوه الناس إليه , أو يأتى به السلطان }
والحديث كما نرى شديد الوضوح فى أن العلم وهو طريق الجنة يصبح طريقا للنار لو داخل العالم شبهة
زهو أو إعجاب تتمثل فى تعمده الظهور على أقرانه من العلماء أو تعمده إظهار نفسه بصورة العالم أمام العامة
عن طريق جدالهم والتغنى بتفوقه أمامهم
ثانيا : لا يوجد فى المناظرات حدود مانعة , فكل طرح مباح , ولهذا ترى مناظرات العقائد تتناثرفيها أقوال
الكفر والزندقة والشبهات المختلفة مما يكون له الأثر المدمر على العامة ,
وبدلا من أن تكون هناك شبهة واحدة دخل العالم مناظرة لردها , تتكون عشرات الشبهات مع تنوع النقاش
ومنها ما قد يكون شبهات دقيقة لا تتضح إلا بشرح طويل غير متاح فيبقي أثرها على الناس ويستحيل تفاديه
لهذا , كان علماء الإسلام يردون على أهل البدع بمعزل عنهم ما أمكنهم ذلك , فإذا رأى عالم من علماء
المسلمين كتابا أو سمع خطبة من مارق عن الدين يقوم بالرد عليه بكتاب مماثل طالما كانت شبهات المبتدع
قد انتشرت بين الناس وكثر فيها التساؤل أو يقوم بتناول هذا الموضوع بخطبة أو محاضرة لكنه لا يناظر
المبتدع ولا يجلس معه كأصل عام له استثناء سنبينه
ثالثا : هدف المناظرات هو الانتصار للنفس , وبالتالى يجد المناظر المسلم نفسه فى أغلب الأحوال يتحمس
ويبذل الجهد للرد عن نفسه لا عن الدين وغضبا لنفسه لا غضبا للدين و وذلك عندما يقوم مناظره باتهامه
سواء بحق أو بباطل بالاتهامات المعتادة كالجهل وعدم الفهم ونحو ذلك
ولا شك أن الانتصار للنفس هو من الشيطان , وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام لا يغضب لنفسه قط ,
بل للدين وحده
رابعا : طبيعى أن ينجح علماء الإسلام فى ردع المبتدعين وأهل الشبهات نظرا لأن صاحب الشبهات ضعيف
مهما امتلك من أساليب المحاورة , فالحق بقوته لابد من ظهوره أمام الباطل وتلك سنة الله فى الكون , وغالبا
ما يصاحب نجاح العالم المسلم إعجاب فائق من جماهير الحاضرين أو المتابعين , ويكون هذا النجاح وردة
الفعل عليه طريق للافتتان نظرا لطبيعة النفس البشرية التواقة للمدح والثناء , ولا ينجو من مهالك هذه الفتنة إلا
101
العلماء الربانيون , ولهم طرقهم الخاصة فى التصدى لحديث النفس والعجب , ومنها ما فعله الإمام الشعراوى
رحمه الله عندما صادف فتنة الثناء بعنف , فقام على خدمة أحد المساجد فى يومه هذا لكسر الغرور قبل أن
يتسلل لنفسه
خامسا : تعتبر المناظرات إهانة شديدة للعلم وشرف التعلم , حيث يتم استخدام العلم فى غير موضعه
بالتنافس بين خصوم لا هدف لهم إلا الغلبة , كما أنه يضع العلماء فى موضع لا يليق بما أعزهم به الله من
شرف العلم , وذلك عندما تراهم الناس يتناطحون كالديكة بينما جماهير مستمعيهم مستمتعة بالصراع !
ولهذا , حرم الإسلام المناظرات كأصل عام على العلماء , إلا عند الضرورة , ورحم الله السلف الصالح الذين
أدركوا هذا جيدا فكانوا بالمرصاد لأى استفزاز أو فتنة يجرهم إليها أهل الأهواء , بينما يشهد عالم اليوم مئات
البرامج المسماة بالحوارية وهى أبعد ما يكون عن الحوار , ويقوم منظموها بتعمد استضافة طرفي نقيض لمنح
المشاهدين متعة المشاهدة , ونجحوا بالفعل فى غواية العشرات من العلماء والدعاة إما بالإغراء المادى أو
بالتلبيس عليهم وخداعهم باسم تبيان الحق , وإما باللجوء للاستفزاز الشخصي عن طريق اتهام العالم بالجبن
والخوف من الحوار , فينزلق ويشارك
مع ملاحظة شديدة الأهمية أن هذا المقياس لا ينطبق على البرامج الحوارية التى تهدف لبيان باطل استشري
كفتنة الشيعة الرافضة مثلا , فتلك فتنة أطلت على عالمنا المعاصر بشدة بعد ثورة الخومينى وكادت تزيغ
أوطانا لم تسمع بهم ولا تعرف عن بدعهم شيئا مثل مصر ودول المغرب العربي فوجب عندئذ أن تقوم الجهود
المناهضة لما تفعله الثورة الإيرانية منذ قيامها واعتمادها المبالغ الضخمة لنشر التشيع
لهذا انقلب المحظور واجبا فى تلك الحالة بعد أن تحقق شرط انتشار الفتنة أما فى غير الانتشار فهنا يعود
الأصل
ولو تأملنا سيرة العلماء الكبار فى الماضي سنجد أنهم يهربون من المناظرات كما يفر السليم من الأجرب ,
تحاشيا للفتنة , وقد قدم الإمام البخارى سلطان المحدثين على أحد البلاد , وكان معروفا بدقة حفظه كما وكيفا
, وقد صنف كتابه الجامع الصحيح واحتوى أربعة آلاف حديث تقريبا من قرابة نصف مليون حديث كان
يحفظها بالمتن والسند حرفا .. حرفا
فعمد بعض طلبة تلك البلد التى زارها إلى






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:00
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

وتلك قمة فقدان الثقة والإيمان
فلست أدرى كيف يمكن لصاحب الحق أن يخجل من ندائه أمام صاحب باطل ينادى بباطله دون حياء ؟
وكيف يستحى عالم من الحديث عن وجوب لزوم النساء الحشمة أمام راقصة تقول أن إخلاصها بمهنتها
يجعلها قمة العبادة !
وليس فى ديننا شيئا نخجل منه بل الذى يجب عليه الخجل هو من ينادى بحرية المرأة كستار لتحويل
المجتمع إلى حانة دعارة منفتحة , أو من ينادى مستهزئا بالله ورسوله عليه الصلاة والسلام ,
لهذا لابد للعالم الدافع من العزة والكبرياء فى تلك المواجهات بل ويجب عليه الفخر والكبر على أصحاب
الباطل إذا كانوا من أصحاب الإصرار على الفواحش , فالكبر على أهل الكبر صدقة
107
يقول الله عز وجل واصفا المؤمنين " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين "
ورغم أن الكبر محرم قطعيا فى الشريعة إلا أنه مباح فقط فى مثل هذه المواضع
فمما يؤثر من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال يوم بدر " من يأخذ هذا السيف بحقه "
فسألوه وما حقه يا رسول الله , فأجاب عليه الصلاة والسلام " أن تضرب به المشركين حتى ينحنى "
فأخذه يومئذ أبو دجانة الأنصاري وقام من فوره فأخذ عصابة حمراء وعقدها على جبينه وكان مشتهرا بها بين
الأنصار الذين هتفوا قائلين " أخرج أبو دجانة عصابة الموت "
وكان أبو دجانة رضي الله عنه لا يخرجها فى معركة إلا ويصر على النصر أو يهلك دونه
وفى وقفته , مد أبو دجانة سيفه ومشي به رويدا فى اختيال فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام
" إنها مشية يكرهها الله ورسوله إلا فى هذا الموضع "
108
نظرة إلى جدل المنتديات الثقافية
الجدل السيئ متكرر ملموس فى مجتمعاتنا , والكارثة أنه تم التأصيل له تحت مفهوم الحوار والمناقشة فى
مغالطة كبيرة للغاية , وقعت فيها الصحف والمنتديات والمجتمعات الثقافية , وتعتبر تلك الظاهرة سببا رئيسيا
فى تفشي الانقسام بين المجتمعات العربية بعد أن كان الانقسام محصورا على الأنظمة الحاكمة فحسب ,
فتعداهم إلى الجماهير التى أصبحت أشد تناطحا من الملوك والرؤساء , وما ينطبق على الجماهير ينطبق أيضا
على الخاصة وهم المسئولون للمفارقة عن تربية الرأى العام ,
فالمجتمع الثقافي والذى هو من المفروض مجتمع حوار متكامل انقلب فى معظمه إلى ما يشبه السوق , وليته
كان مشابها لسوق عكاظ , بل للأسف الشديد أشبه ما يكون بسوق الخضار
وسبب الظاهرة سبب بسيط للغاية , وهو عدم التأنى من المشارك بالحوار قبل أن يحاور , مما يقلب كل حوار
إلى دائرة جدل عقيم لا تنتهى أبدا
والتأنى أمر واجب وضرورى فى مثل هذا الأمر والمشاركة لها قواعد يجب اتباعها
أولها : أن يتأمل المشارك الموضوع المطروح للحوار ويري , هل هو قضية تستحق النقاش ابتداء أم أنها من
عينة قضايا الفضائيات لا هم لهم إلا مناقشة المرأة والرجل والسينما , فلو لم تكن القضية تستحق أن تطرح ,
وجب على المشارك أن يرفع عنها قلمه لأن هذه المناقشة لن تنتهى , ولو كان هناك أمل فى انتهائها لانتهت
من الفضائيات ! , لا سيما وأن أمثلة تلك القضايا هى محسومة من زمن الوحى وفتحها إنما هو للفتنة وحسب
, تماما كالجدل حول البيضة والدجاجة أيهما سبق الآخر للخلق !
مثال ذلك التغنى بقضايا حرية المرأة ومسألة عمل المرأة بسائر الوظائف وما إلى ذلك , فتلك أمور محددة
بالنصوص لا يجوز فيها الاجتهاد , وحتى الاجتهاد إن جاز فهو ليس لهؤلاء المناقشين بل للعلماء , لا سيما
وأن ما يحتج به دعاة الفتنة من حرية الاجتهاد إنما هى كلمة حق يراد به باطل , فهؤلاء الحمقي يظنون
الإجتهاد هو أن تبتكر حلا من عندك , بينما الاجتهاد متاح للعلماء البالغين درجته , بشرط أن يستند إلى حكم
عام بالشريعة , فلا يوجد شيئ اسمه الاجتهاد بالعقل وحده ودون القياس على قاعدة من قواعد الفقه العامة
مثال ذلك أن يستند العالم إلى قاعدة لا ضرر ولا ضرار فيفتى بحظر التدخين العام , أو أن يستند العالم إلى
قاعدة المصلحة العامة وقاعدة لا ضرر ولا ضرار فيفتى بجواز منع المباح للضرورة مثل أن يشرع الحاكم حظر
التجول أو منع السفر بسبب تفشي وباء معين
109
ولهذا يجب أن ينأى الإنسان بنفسه عن مثل هذا بجملة واحدة , أن هذه أحكام الإسلام من قبلها كما هى
منزلة فذلكم المسلم , ومن لم يقبلها فعليه وزره , لأن الإسلام لا ينتظر اعتمادا من أحد ولا تعديلا حتى يوافق
على اعتناقه أو لا والقرآن الكريم يقول
{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم }
ولا يخدعن الكاتب الذى يشارك بالجدل , شيطانه بالقول أن هذا الموضوعالمطروح فيه تلبيس على الناس
يجب إيضاحه , فإن الأولى من هذا ألا تشارك به على الأقل لكى لا يمنحه فرصة الأخذ والرد فيموت
الموضوع على نحو طبيعى بالإهمال ,
خاصة وأن القول الفصل قد قيل وهو بيان أن تلك أوامر الله ونواهيه , ومن شاء فليقبل ومن شاء فليكفر بها
ولو أننا طبقنا هذا المبدأ لقضينا على ثلاثة أرباع الجدل الفارغ
ثانيها : إذا كان الموضوع يستحق النقاش , بمعنى أنه يحمل قضية جديدة أو قضية قديمة لكنها مطروحة
بإضافات جديدة , عليه أن يتأمل هل يملك الإضافة إلى هذه القضية أم لا , فإن كان يملك الإضافة فليتقدم
عارضا لها بأحسن ما لديه من أساليب العرض , وإن لم يكن فعليه البقاء متابعا فقط , وهذا يوفر جدية أكثر
للنقاش
ثالثها : إذا كانت لدى المشارك إضافة أو سؤال أو تعقيب طرحه , فيجب عليه قبل العودة مشاركا مرة أخرى
أن يري ردة فعل صاحب الموضوع , هل تعقيبه كان تعقيبا علميا أو فكريا أم تعقيب لمد جسور الحوار وفقط ,
فإن كان لمجرد المط والتطويل فعليه أن يترك الساحة لصاحبها ومن يصاحبه فى جداله عملا بوصية النبي عليه
الصلاة والسلام
ويتضح ذلك جديا فى مناقشة القضايا الدينية , فإذا طرح المشارك حكما للدين فجاء صاحب الموضوع
معترضا أو مناقشا للحكم فهذا لا يريد حقا بحديثه والأولى تركه
مثال ذلك ما يثيره بعض مشوهى الإدراك من نقد لأقوال العلماء على أنها أقوالهم , وهم بينوا له أن هذه
الأقوال شرح لأصل موجود بالقرآن , يظل هو فى كل مشاركة يردد كالببغاء أن هذه اجتهادات علماء , فإن
بينوا له أن الاجتهاد لابد أن يكون له أصل ويمارسه العالم المختص يخرج على الناس فيقول أن من حقه
المناقشة والاجتهاد
فهذا يعتبر مضيعة للوقت أن تحاول مجادلته ويكفي أنه يري فى نفسه ندية للعلماء , وهو يفتى لنفسه بحق
الاجتهاد ولا يسلم لأهل الاختصاص بالفقه , بينما لو أصابه مرض ولجأ لطبيب فأمره الطبيب بالغرائب لنفذها
دون نقاش ؟!
رابعها : عند طرح المشارك لمشاركته , وكان موضوع الحوار مقدما بشكل متكامل أو شبه متكامل من صاحبه
, فعليه أن يتأنى فى تقديم مشاركته , فلا يجعلها إن وجد الموضوع يستحق عبارة عن شكر وتقدير يتجاوز
110
حده , ولا يجعلها أيضا إن كان الموضوع به أخطاء أشبه بمشاركة مصنوعة من قنابل المدفعية , بل عليه أن
يتبنى الوسطية والاعتدال لأننا بصدد حوار لا مناظرة , فالشكر المبالغ فيه قد يمنع صاحب الموضوع من رؤية
عيوب موضوعه إذا أتته فى مشاركة تالية , والنقد الجارح قد يمنع صاحب الموضوع من الاستمرار إن كان
موهبة ناشئة فى المحاولة والترقي
كما يجب أن تكون المشاركة الأولى فى الموضوع لا تحمل طابع الهجوم , فربما كان كاتب الموضوع متأولا لا
يعلم ما يكتبه , ولا يدركخطورته فيجب بيانه بهدوء لعله ينتبه , فهناك الكثير ممن خدعتهم الدعايات فاقتنعوا
أن ما سمعوه حقا دون إدراك فلو بادرهم المعلق بالهجوم فربما ساهم فى زيادة تشبثهم بتلك الأفكار
وهذا سيتضح من أول رد فعل لصاحب الموضوع فإذا أحب الاستزادة فهذا يبتغي الحق وإن جادل وتكبر فهذا
الذى ينبغي تركه
خامسها : إذا كان الموضوع من عينة موضوعات العلمانيين وأترابهم , فالتورط فيه يمكن أن يفضي والعياذ
بالله إلى إصابة المرء بعقيدته , نظرا لأن الشريعة كانت واضحة فى هذا الشأن , فالحديث الذى يدور
بالخوض فى ثوابت الدين لا يقابله المشارك إلا بالإنكار , أما الجدل فغير مباح إلا لأهل الاختصاص , بشرط
ألا يمنح صاحب الموضوع فرصة الإفلات من نقطة لأخرى وتدوير النقاش كساقية الحقل , فهذا كله يقع وزره
على المحاور الذى تحركه نيته الحسنة للدفاع عن الدين
والدفاع عن الدين فى مواجهة ذلك يكون بإنكار اللسان أو القلم بأشد وسائل الإنكار , وعلى سبيل المثال إن
كان فى حقل المنتديات فالأمانة هنا تقتضي رفع الأمر للإدارة ,
أما المشاركة فلا تكون بالنقاش فى ذات الموضوع أبدا , بل تكون بإعلان رفض الجدل العقدى , ثم لمن
استطاع أن يذكر بقول الدين فى موضوع النقاش فليفعل ولا يكرر المشاركة , ومن استطاع أكثر عليه أن يركز
قوله فى فضح المنهج العلمانى نفسه لا نقاش نقاطه المتكررة
وهذا الأسلوب نقد المنهج وفضحه أسلوب بالغ الفعالية , فقد ظل الشيعة الاثناعشرية يتكتمون أسرار كتبهم
التى لا تصل إلا للقليل , ويركزون حواراتهم مع العلماء والمفكرين على نقد المنهج السنى ومذاهبه فينشغل
العلماء برد الشبهات وتستمر الدائرة , فلما ظهرت الكتب الأصولية للفرقة الاثناعشرية تنبه العلماء للفخ الذى
وقعوا فيه وقام أكثر من واحد منهم بالتركيز على ضرب المعتقد ذاته , فقد صار من العبث أن يناقش الشيعة
حديث مثل رضاع الكبير بينما عندهم فى صلب العقائد كفر بواح منصوص عليه بكتبهم ,
وهذا الدور قام به العلامة المحدث إحسان إلهى ظهير رحمه الله عندما حقق أشهر كتبهم التى أخذها من
مصدرها فتسبب فى خلخلة هذا المعتقد وتركه الآلاف بعد أن فوجئوا كعامة بما يخفيه علماؤهم وما
يمارسونه معهم من تضليل وبهتان
111
وهذا ما ننادى به فى مواجهة العلمانية , فإذا جاء بانتقاد لحكم قرآنى ووصفه بأنه حكم عالم , يكون البيان
بسطرين , هذا حكم الله لا حكم العالم فأخبرنا أنت هل تقتنع بالله حاكما ؟!
وعلى هنا وينتهى الجدل , فإذا كان العلمانى من ذوى النفس الطويل يناظره بموضوع مستقل أحد المناظرين
عن الإسلام , ويبدأ معه من النقطة المفصلية وهى طبيعة اعتقاد العلمانيين بالله , ثم يواجهه بأصول كتابات
العلمانيةويُلزمه بها
أما أن يأتى علمانى فيطرح قضية مغلوطة أو قولا يستحق عليه جائزة أسوأ ممثل , ثم يتورط المحاورون معه فى
الدفاع عما لا يحتاج دفاعا أصلا فهذا كله يخدمهم ولا يخدم الدين
فلو أن منتدياتنا بإداراتها وأعضائها طبقت هذه المفاهيم وكرستها , وكان الأصل فيها هو منع الجدل والإسفاف
والموضوعات ذات المحتوى الفاسد أو الغير لائق
لأصبحت المنتديات الثقافية إحدى بوابات الوعى الحضاري بلا جدال ,
وأعود فأذكر أن الجدل محرم تشريعيا , أى أن منعه وحصاره أمر واجب والتورط فيه ذنب قارب الكبائر لما
فيه من المشاحنة والبغضاء وزلات اللسان التى تكفي واحدة منها فى لحظة انفعال أن تكب صاحبها على
وجهه فى النار , نعوذ بالله منها ومن فتنة القول والفعل
112
تعلم كيف تهوى .. وتعلم كيف تكره
( ( فبراير – 2006
113
تعلم كيف تهوى .. وتعلم كيف تكره
ما هو الحب .. ؟!! وما هى الكراهية ؟! وهل هناك اختلاف بين الميل وبين الحب ..
وهل هناك اختلاف بين عدم القبول والكراهية ..
الواقع
أننى وبوجهة نظر شخصية بحتة .. أنظر للحب والكراهية .. نظرة متأملة للغاية .. ولست أقصد الحديث عن
هاتين العاطفتين من منظور الحديث عن المشاعر .. بل أنظر لهما من ناحية معالجتهما للأمور الإنسانية
وخاصة السياسية منها ..
ويؤسفنى القول .. أننى أعتقد اعتقادا يعلو لدرجة اليقين .. أننا نحن أبناء وأحفاد العروبة نفتقد العاطفتين على
حد سواء فنحن لا ندري كيف نحب .. وان أحببنا لا ندرى كيف نعبر !
وإذا كرهنا لا نعرف كيف نكره .. وإذا كرهنا لا نعرف كيف نعادى !
بالرغم من أن خلفيتنا الحضارية أسست للعالم أجمع .. قواعد الحب والكره وقواعد المصالحة والعداء ..
وتأملوا ..
تأملوا معى إلى منحدر .. انتهت لفظة الحب وضاع معناها وإلى أى منحدر .. وقعت فيه الكراهية .. لتنقلب
من عاطفة إلى فجور
وأعود للحديث عن خلفيتنا الحضارية .. حضارة العروبة .. وأخلاق العروبة .. تلك الحضارة التى أسستها
الصحراء الخالية إلا من الشمم والآباء .. تلك الحضارة التى قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم .. "
إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "
تأملوا نص الحديث الشريف البليغ .. متتما لمكارم الأخلاق , ما معنى هذا .. معناه أن الأخلاق كانت
موجودة بقوة البناء .. ولم يكن ينقصها إلا التتمة .. فقط ينقصها التهذيب وتلافي السلبيات .. لم يكن العرب
فى جاهليتهم يفتقدون إلى روح الخلق بل كان ينقصهم الإيمان لله الواحد .. لم تكن تنقصهم العظمة .. بل
كانت تنقصهم الفكرة .. والرسالة
وإلا لما قال عنهم الرسول عليه الصلاة والسلام .. فيما معناه
" الناس معادن كمعادن الذهب .. خيارهم فى الجاهلية .. خيارهم فى الإسلام "
ولذا انضموا إلى الدعوة زرافات وجماعات بعد أن نفضوا عنهم الكبر وركنوا إلى الكبرياء .. ولم يرجعمنهم إلا
قلة تؤكد القاعدة ولا تنفيها
قاعدة الأخلاق ومعرفة المثل التى لا يجوز التنازل عنها أبدا ..
114
كانوا يعلمون كيف يحبون .. وكيف يكرهون ..
كان الإباء أمر فرضته عليهم طبيعة الإنسان العربي ولا تنازل عنه مطلقا .. ولم يتكلف الرسول صلى الله عليه
وسلم أدنى جهد فى إرساء المبادئ لأنها كانت تتشرب فى أعماقهم فوظفها للدعوة .. وتحققت المعجزة التى
لم ولن تتكرر .. قيام الدولة الإسلامية من مشرق الأرض إلى مغربها
بعد فتح مكة .. جلس الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بعض نسوة مكة وشريفاتها اللواتى أعلن إسلامهن من
قريب .. يبصرهن بالدعوة الجديدة .. ويخبرهن أن المسلمة لا تكذب ولا تزنى ولا .... فهتفت هند بنت عتبة
.. زوجة أبي سفيان بن حرب وكانت فى الجلوس قائلة فى استنكار .. وهل تزنى الحرة ؟!
أبو سفيان نفسه .. زعيم جبهة القرشيين وكفار مكة فى السابق .. ذاك الذى قاد حملة العداء للإسلام حتى
فتح مكة .. عندما جمعته الظروف وعبر إلى ديوان إمبراطور الروم .. فسأله الإمبراطور الذى وحد البلاد
الرومانية وكسر شوكة الفرس قائلا ومستفسرا عن محمد صلى الله عليه وسلم وكانت الدعوة قد وصلت مسامع
الإمبراطور ,. فسأل أبا سفيان عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن مكانته ونسبه وصدقه وشرفه ..
فأجابه أبو سفيان بالصدق وأخبره أنه من أشرف بطون قريش نسبا وأعلاها حسبا وأكثرها مالا وولدا .. أخبره
أنه الصادق الأمين
فلما عاتبه البعض عن صراحته التى أدت به إلى مدح عدوه وما قد يؤدى إليه هذا من إعجاب الإمبراطور
وصعوبة استعداء الروم على الدعوة الجديدة كما كان يطمح أبو سفيان من زيارته .. فأجاب أبو سفيان بقولته
المشهورة :
" ما مدحته .. وما قلت شيئا ليس فيه وما كنت لأكذب فتؤخذ على كذبه "
هل وصلكم المعنى يا تري .. ؟
هذه هى كيفية العداء .. وكيفية الكراهية
فكيف يكون الحب .. ؟
خبيب بن عدى رضي الله عنه .. بطل الصليب الشهير كما روى لنا مفكرنا العظيم خالد محمد خالد الذى
وقع فى فخ نصبه له المشركون بينما هو فى مهمة استطلاع لجيش المسلمين .. فصلبه المشركون .. وبينما
هو محتمل وجلد وصبور .. بالرغم من الإغماءة التى كانت تأخذه من وطأة العذاب وشدته .. إلا انه انتفض
عندما سمع أحد المشركين يقول له " أتحب أن تنجو يا خبيب ويكون محمد فى موضعك "
قامت القيامة فى صدر البطل وهتف كالإعصار " والله .. ما أحب أن أكون بين أهلى وولدى .. معى عافية
الدنيا ونعيمها .. ويصاب رسول الله صلى الله عليه سلم بشوكة "
115
فما بالنا اليوم .. ؟!!
إذا عادينا فجرنا ,. وإذا رضينا استهنا وتنازلنا
تري الواحد منا إذا شهد شهادة الحق فى حاكم ظالم وعبر بمجرد التعبير عن هذا الظلم .. كأنه ارتكب
الخطيئة التى لا تغتفر .. ويغيب فى أعاصير الاتهامات بالتخوين وهى اتهامات غالبا ماتكون سابقة التجهيز
ولا يتوقف أولئك الصارخون ليسألوا أنفسهم سؤالا واحدا .. هل مهاجمتى لنظام الحكم القائم فى بلدى أو
شخص الحاكم .. تعد خيانة للوطن وللعروبة فماذا نطلق إذا على الظلم والاستهانة بالشعوب وخداعها فى
قضاياها القومية طمعا فى الإستمرار على مقاعد الحكم ؟
ماذا نطلق على التصريحات الوردية لمسئول غير مسئول يردد ما يبقيه بطلا فى عيون شعبه كذبا وخداعا
ويرتضي لنفسه هذا ؟
وإذا كان الحاكم ديمقراطيا .. أو شبه ديمقراطى
وهذا نادر وإن كان موجودا فى عالمنا .. تجد الشعب يتعامل فى حبه لحاكمه معاملة القديس الذى تفضل
فعدل وكأن عدله فى حكمه هبه غير متوقعة أو هدية يجب تقبيل الأيدى عليها ظهرا لبطن ..
فليحاول أحدكم انتقاد حاكم ديمقراطى .. مجرد نقد أو استنكار لتصرف غير مقبول .. يهب عليك الشعب
فى هتاف واحد أنك لا تستحق الحياة على أرض هذا الوطن الذى خنته بانتقاد حاكمه على الرغم من عدل ..
وهذه كارثة للشعوب أكبر من كارثة الديكتاتورية ذاتها ..
فعلى الأقل .. يجد المناضلون أنصارهم بين الشعوب المقهورة وان كانت مناصرة بالقلب .. ويكون العداء
للمناضلين من الحكام وأعوانهم .. فقط
أما فى الشعوب التى تتمتع بقدر أكبر من الحرية .. فمنا من مناضل إلا وذاق الأمريّن من الشعب قبل الحاكم
..
وهذا تكريس لعبودية البشر للبشر فأنت هنا أمام حالة رضا عام وقبول عارم بعدل الحاكم واهتمامه بشعبه حتى
ولو كان العدل فى حده الأدنى .. وبالمقابل تعتبر الشعوب حاكمها مالكا لمطلق الحق فيما يشاء باعتبارهم
يدينون له بالفضل على ما أنعم عليه ..
فكيف تكرست تلك النظرة المتناهية فى العبودية والتى سمحت بتحويل الالتزام بالعدل على أى حاكم تجاه
شعبه إلى مجرد نعمة وتفضل
إن الحكم أى حكم فى أى حضارة وعلى رأسها الحضارة الإسلامية تنظر للحاكم باعتباره جنديا فى محراب
الخدمة العامة لشعبه ملتزم لطاعة شعبه لا العكس وإذا انهدم الالتزام سقطت بيعته بأى مقياس تشريعى أو
قانونى
116
وهى ذات النظرة التى جعلت رسول الله عليه الصلاة والسلام يمنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الفتك
برجل قال له أثناء توزيع غنائم إحدى الغزوات :
" يا محمد .. أعطنى ليس المال مالك ولا مال أبيك فتبسم الرسول عليه الصلاة والسلام ومنع عمر من قتل
الرجل وأجاب سائله قائلا " نعم لقد صدقت ليس المال مالي ولا مال أبي إنما المال مال الله "
صدقت يا سيدى يا رسول الله
عمر بن الخطاب نفسه رضي الله عنه وهو من هو .. صاحب السيرة العطرة فى العدل الذهبي وعلاقة الحاكم
بالمحكوم ..
وقف على المنبر يخطب فى الناس قائلا " أيها الناس اسمعوا وأطيعوا "
فصكت أذناه صيحة مقاطعة يقول صاحبها فى قوة
"والله لا نسمع .. والله لا نسمع "
فقال عمر رضي الله عنه .. " ولماذا يا رجل ؟ "
فرد المعترض .." آثرت نفسك بثوبين .. وما من أحد فى الرعية إلا وأخذ ثوبا واحدا "
وكانت الأثواب قد وردت إلى المدينة من إحدى الغزوات .. غنيمة
فتبسم عمر رضي الله عنه .. ولم يجب إنما أعمل نظره بين الناس وهو يتساءل عن عبد الله بن عمر ؟
فوقف ابنه عبد الله رضي الله عنهما من ابن وأب .. فسأله عمر أين ثوبك يا عبد الله ؟ " فأجاب عبد الله
أعطيته إياك يا أبي لأنك رجل طوال أى طويل القامة ولن يكفيك ثوب واحد "
فالتفت عمر بعد الإجابة إلى الرجل .. وما كان من هذا الأخير إلا أنه ابتسم وجلس وهو يقول فى سعادة "
الآن نسمع ونطيع يا أمير المؤمنين"
والسؤال الآن ..
لمن يعترض على مساءلة الحاكم ذى الشعبية .. هل ترى يتمتع حاكمك بعدل الفاروق ؟!
وإن كانت الإجابة بلا القاطعة فهل منع عدل عمر عن عمر حرية النقد والمساءلة يا ترى ؟!
وهل إذا تعرض أكثر حكامنا حلما لمثل موقف الفاروق .. هل كان رده سيكون بالمثل !!؟
أظنكم أعرف منى بمصير السائل ..
وما قصيدة " صاحبي حسن " للفذ أحمد مطر ببعيدة عن العيون ...
فمتى يا ترى سنتعلم كيف نحب .. وكيف نكره
117
الغرب يعادينا كمسلمين .. ما فى ذلك شك ..
ويكرهون الإسلام والمسلمين .. ما فى ذلك شك ..
ونحن أيضا ..
نكره من يعادينا .. لكن هل عرفنا كيف نكرههم .. ومن باب أولى هل عرفنا كيف نعاديهم !
فى البداية ..
المنطق والعقل يفيدان بأن الكراهية والعداء فقط لمن يعادينا .. غير أننا نجمل فى عداوتنا على نحو يكرس
النظرة المغرضة التى روج لها المبطلون .. فإذا قام شخص واحد .. بغض النظر عن كونه يمثل حكومة بلاده
أولا .. ولنفترض أنه يعبر عن جمع حكومته بالفعل .. فما شأن الشعوب فى ذلك ..
شخص أو عدة أشخاص إن خرجوا بألفاظ العداء للمسلمين .. تجد الأشخاص المعادين ومن يعرفهم ومن
ينتمى إلى بلادهم ومن يذكر مجرد ذكر اسم هذه البلاد .. هو بالقطع فى زمرة العداء ..
وهكذا نثبت للعالم أجمع أننا شعوب تعرف حقا كيف تبنى عداوتها وتخسر صداقاتها والمتعاطفين معها ..
على سبيل المثال .. الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل .. الدولتان الأكبر فى شأن عدائهما السافر
للإسلام والمسلمين وصاحبتىَ نصيب الأسد فى المعاناة الإسلامية .. من منا يعرف بأصوات المعارضة الرهيبة
المناصرة للإسلام والعروبة والتى تهتف ضد تيار بلادها بحق وحقيقة الإسلام .. حتى ووهم على عقيدة سواه
فى قلب هذه البلاد رجال منهم جهروا بعداء حكوماتهم ونالوا فى ذلك ما نالوه من ضرر .. وليتنا حتى عرفنا
أو قدرنا لهم تلك المناصرة
اننى أعترف بأننى من أشد الناس عداء للغرب ..
غير أنى أدع هذا العداء جانبا عندما أبصر فيهم من يناصرنى
أما أن أُجمل فى الاتهام .. فهذا هو الحمق بعينه
وما أشد المرارة التى تكتنف القارئ عندما يطلع على كم الاغتيالات التى ارتكبت بصدد كل من نوه عن هذه
الأصوات فى بداية الثمانينات وعلى يد من ؟!! على يد منظمات فلسطينية .. وضد من ..؟!! ضد أصوات
فلسطينية وعربية لا شك فى نيتها وإخلاصها
الغريب أن السلاح .. والجهاد .. يتوافران بسهولة شديدة ضد هؤلاء .. بينما على العكس من ذلك يتراجع
الرصاص عندما يأتى وقته لتوجيهه صوب العدو الأصلى ..
وتأملوا كم الرصاصات التى تنطلق فى جنازات الشهداء من النساء والرجال والأطفال ستجدونها أكثر عددا من
الرصاصات التى سكنت صدور المغتصبين للأرض والعرض ..
ويبلغ الغباء أشده .. عندما تخرج اتهامات التخوين من جعبتها التى لا تفرغ .. إذا تجرأ أحد وقال شيئا واحدا
يحسبوه مدحا فى الأعداء
118
ولكى يبدو المثال واضحا
تأملوا كم الاعتراضات والاتهامات التى انهالت على رؤوس المفكرين ممن تجرأوا ووصفوا الغرب بالديمقراطية
والتقدم العلمى والعدل !!
لست أفهم ..
هل شهادتى بحقيقة صفات عدوى يمثل خيانة لقضية عدائي له ! .. إنا نعادى أمريكا وبريطانيا .. والدانمارك
وفرنسا والنرويج
فهل المطلوب منا أن ننكر عليهم تميزهم وسبقهم فى رعاية حريات شعوبهم وحرصهم على الديمقراطية حتى
نصبح أكثر إخلاصا للوطن
هل ننكر أنهم يمتلكون وسائل الحضارة التى كانت لدينا قديما .. لكى نصبح أشد اعتدادا بعروبتنا
إن معرفة عدوى وتقدير قوته الحقيقية هى المفتاح الرئيسي لهزيمته
ولذا فلا عجب أننا دوما فى المؤخرة .. متمنطقين بسلاسل الدفاع عن العروبة ونحن أشد الناس تغييبا لها
وفوق هذا وذاك
تأتى الكارثة الكبري فى خبرتنا الفذة بتسطيح الأزمات فنحن نأتى بردود أفعال على نهاية الفعل لا على بدايته
..
وأصدق مثال
أزمة الدانمارك واعتدائها الحقير على الإسلام ورموزه ..
الم يكن من الأولى أن نجلس قليلا فنبحث عن الدافع .. عن السبب .. ثرنا وفقط .. ولست أنكر أهمية الرد
لكنى أدعو للتفكير أولا على من نوجه سهام الرد .. ؟!
على الدانمارك وأعوانها هذا هو التسطيح بعينه ..
إن الإنتقام والرد على أفعال الصحيفة الدانماركية يجب أن يأتى فى نهاية الردود ..
ويكون السهم الذى نطلقه عليها هو آخر سهام الحرب فى جعبتنا بعد استنفاذ السهام للرد على من كان سببا
فى هذا ..
الصحيفة الدانماركية قامت بفعلها تحت إعلان مسابقة لتصور كل فرد من الشعب الدانماركى لشخصية
المسلمين ممثلة فى نبيهم عليه الصلاة والسلام .. فعبروا عن النظرة الواصلة إليهم من غيرهم .. من الفاعل
الحقيقي خلف هذه الصورة الخبيثة للعرب والمسلمين .. من الواقف خلف هذا من دعاة الصهيونية ومناصريها
والذين خرجت أبواقهم فى الولايات المتحدة الأمريكية تقول ببراءة الذئاب أن الاعتداء على العقائد غير مقبول
..
فما الذى فعلوه من قبل إذا ؟!
119
حتى هؤلاء
ليس هممن يجب أن نصيبهم بالسهم الأول .. بل الثانى
سهم الرد الأول كان واجبا علينا تصويبه ضد من دانوا لهم بالولاء .. من نصبوا عروشهم عند البيت الأبيض لا
بيت الله الحرام..
وتجدهم اليوم مرجفون من دعوات وضغوط الديمقراطية .. فلو أنهم حقا ديمقراطيون ويتمتعون بحكم البيعة لا
الغصب والإكراه لألقوا تلك الضغوط خلف ظهورهم مكتفين بتأييد شعوبهم .. لكنهم لن يخدعوا أنفسهم بما
خدعوا به شعوبهم .. فهم على ثقة .. من أن تلك الشعوب المقهورة هى أول من يتخلى عنهم انتقاما لما فعلوه
..
هؤلاء هم المعتدون الحقيقيون على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء هم من فتحوا البلاد وأرغموا
العباد على الاستعباد للغرب الذى استقبلهم بصدر رحب ..
فأنتم تعلمون أزمة الخدم فى هذه الأيام ..
وتأملوا التاريخ المليئ بالخضوع .. والحاضر المتخم بالخنوع ..
تجدون إجابة لكل تساؤلاتكم .. تجدون الإجابة سهلة وميسورة ..
فقط تأملوا تاريخهم
لتعرفوا ..
من المعتدى الحقيقي على الإسلام ورسوله وصلى الله عليه وسلم وأهله ؟
تجدون إجابة لماذا غابت العراق تحت سنابك الاحتلال الأمريكى ..؟
تجدون إجابة لما يزيد عن خمسين عاما كاملة من الاحتلال والتشريد لأرض الله ومهد الرسل فى فلسطين ..
والأهم من ذلك ..
تجدون الإجابة الكبري ..
كيف نحب .. ومن نحب ..؟!
وأيضا .. كيف نكره .. ومن نكره ؟!
تجدون أخيرا
موضع انطلاق السهم الأول .. حيث الصدر الذى يستحق
ورحم الله كامل الشناوى
ذلك القائل ..
كنت فى نطقك مكره ×× .. كنت فى صمتك مرغم
وتعلم كيف تكره ×× فتعلم كيف تهوى
120
تعلم كيف تعود إلى الله
( ( كُتبت فى أغسطس 2006
121
تعلم كيف تعود إلى الله
العودة إلى الله .. !!!
وهل نحن نرحل بعيدا عنه أو نولى حتى نعود يا ترى .. ؟!
نعم .. كثيرا ما يحدث للأسف ..
كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام
" إلا من أبي .. .... "
كلٌ يدخل الجنة إلا من أبي .. وما يأبي إلا الخاسرون
الرحيل
تأخذنا الحوادث وثقال الأمور فى الدنيا .. فنلهو عن حقيقة أننا أمة أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام ..
أمه خصها الله تعالى .. بميزات تمناها كل المرسلين .. عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام
بسم الله الرحمن الرحيم ..
" كنتم خير أمة أخرجت للناس .. تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر "
صدق الله العظيم
خَصّنا الله تعالى بأننا الأمة التى نالت شرف البعث المحمدى .. وخصنا بأننا الأقرب إلى رحمته .. وغفرانه
جعل للجنة آلاف الأبواب نصل بها إليها .. وأغلق النار أمامنا إلا من باب واحد ..
الشرك به والعياذ بالله تعالى ..
أفرد لنا من أبواب الجزاء ما لا يحصي عددا ولا يفنى بددا ..
وجعل لنا من سبل النجاة والقرب منه .. عشرات ومئات السبل ..
كلها أهون عملا من بعضها البعض .. وكلها أثقل من بعضها البعض فى خير الجزاء
جعل لنا التوحيد سبيلا للنجاة مهما طال العذاب ..
وجعل لنا حب رسوله عليه الصلاة والسلام طاعة مقربة
وجعل لنا القرآن شفاء .. من كل داء ..
والصلاة دعاء ..
جعل الصوم جُنةً من كل فتنة .. وجعل الزكاة أمانا لعباده من شر البلايا
وجعل الحج إلى بيته الحرام عودٌ مأمول إلى يوم مقدمنا إلى الدنيا فارغى الكتاب من الذنوب
122
جعل لنا الطاعات جميعها .. سبلا للفوز فى الدنيا والآخرة .. فالعلم شرف الدنيا .. ومقياس فوز الآخرة
والجهاد طريق التميز فى الدنيا وسبيل القرب منه تعالى فى الآخرة
جعل الهروب منه إليه .. والنجاة منه فى كفيه .. علمنا بالقلم .. وأغدق بالنعم ..
فسبحانه من تفرد فى صفاته تفردا مطلقا ..
من دعانا لقرب منه .. فطوبي لمن أجاب الدعاء
123
كيف نعود إلى الله
عندما يفقد الإنسان الطريق الحقيقي لهدفه فى الدنيا أو يجهل قيمتها الدنيا .. والهدف منها فى الأساس تحت
مختلف الدوافع ..
ثم تأت كلمة .. أو عبارة .. أو حادثة فردية .. أو شخص ما .. تكون الإشارة هنا .. دافعا للحيرة .. والتفكير
والحيرة وعلى الرغم من قسوتها البالغة .. إلا أنها بداية طريق العودة .. لكن كيف نعود ؟!..
الحيرة فى إجابة السؤال يغلفها الخوف الرهيب من أن نخطئ طريق النجاة
فالمسالك متشابكة .. والأكمة غير واضحة المعالم
ونحن سائرون يأخذنا الإضطراب .. ولا طريق هنا إلا العلم .. والإقتناع
العلم .. لأنه لا هدى بسواه .. والإقتناع الروحى بما نسمعه من العلماء
فى ظل عالم من حولنا يكاد يُفصح علانية عن ضلاله بعد أن تفرق البشر شيعا مصداقا لقول الرسول عليه
والسلام فيما معناه " تتفرق أمتى إلى بضع وسبعين وشعبة كلها فى النار إلا واحدة .. ما أنا عليه وأصحابي "
وفى ظل هذا الوعيد الرهيب والذى تحققت خطواته فى عالمنا اليوم .. يكون الفزع أمرا هينا إلى جوار ما
يشعر به كل باحث عن الحق فى ظلمات فتنة ضربت بجذورها فى الأعماق ..
فالثقة أصبحت مستحيلة بأى قول وبكل قائل .. بعد أن أصبحت قِبلة العلم والممثلة فى العلماء غير مستقرة
فى مكانها المعهود فى السعى خلف الحق المجرد .. !
العلماء أنفسهم انتفت عنهم صفة العلم بعد أن ضربت فتنة القول أقوالهم .. وطلبة العلم انتفت عنهم تلك
الصفة بتخليهم عن آداب تلقي العلم المتمثلة فى أربعة محاذير تحققت كلها الآن وهى ألا نتعلم العلم لأربعة
أشياء .. كى نمارى به السفهاء أو نباري به العلماء أو نأتى به أبواب الحكام أو لنصرف به وجوه الناس إلينا
فكيف يستدل العامة إلى الحق فى العودة إلى الله وأهل الإشارة المنوط بهم التوجيه .. فى حاجة إلى من يُقيل
ضيعتهم ؟!
وقد عاصرنا ورأينا أهوالا كان أبطالها أهل العلم ممن نستهدى بهداهم .. وليس ما فعلته جماعة منكرى السنة
ببعيد الذين أطلقوا على أنفسهم اسم " القرآنيين " فى تناقض غريب ليس له مثيل بين المسمى الذىيدعى
الإنتساب للقرآن وبين النشاط الذى يخالف أول ما يخالف القرآن الكريم .. فى تقريره عن السنة وكيف أنها
شطر العقيدة ومنكرها بإجماع العلماء كافر لمخالفتهم أدنى مبرر من المنطق قبل العقيدة فى رأيهم المريض
الذى يفرق بين السنة المطهرة وبين آيات الله وكأن القرآن الكريم نزل بمعزل عن الرسول عليه الصلاة والسلام
ناسين ومتجاهلين حكم القرآن الكريم
" وما أتاكم الرسول فخذوه "






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:01
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

124
وعاصرنا من قبل الفرق الشيعة المختلفة ولا زلنا نرى من عجائبها الكثير بين ادعائهم الإنتساب لما أسموه "
مذهب أهل البيت " وبين احتكاكهم غير المقبول بالصحابة الكرام وهم أقرب الناس إلى رسول الله عليه
الصلاة والسلام وهو القائل فى وضوح " الله الله فى أصحابي .. " فضلا على دور الصحابة فى بناء العقيدة
الاسلامية والتى قامت بتوفيق الله على أكتافهم المخلصة
ورأينا زلات بعض أكابر العلماء فى أنشطة أطلقوا عليها اسم الإجتهاد المشروع وهى أبعد ما يكون عن هذا
الوصف بخوضها فى مسائل ثابتة فى العقيدة كغيبيات يعتبر الحديث فيها بين العامة وبالشكل الذى انتشرت به
داعيا للفتنة لا داعيا للتدبر القرآنى ..
ولا زال المثال الأكبر على هذا المجال ما فعله منذ سنوات قليله الدكتور عبد الصبور شاهين أستاذ اللغة
العربية وأحد فقهائها المعروفين والرجل الذى أفنى عمره فى الذود عن الشريعة والفكر الإسلامى وكانت معاركه
ضد الأفكار العلمانية والغربية مجال فخر الكثيرين لا سيما معركته ضد نصر أبو زيد فى منتصف التسعينيات
والتى تعد من علامات فكره ..
رأيناه يخرج علينا بكتاب أسماه " أبي آدم " .. كتاب لا محل له من الإعراب ولا المنطق حوى من
المغالطات العلمية والتشريعية ما يجعله محض تخريف أتى من عقل له تاريخه المعروف فى الفكر .. !
وخاض فى مسألة خلق آدم عليه السلام وكيف أنه ليس أول البشر وأن البشر تختلف عن الإنسان حيث سبق
آدم خلق البشر ومن البشر تم اصطفاء آدم عليه السلام ودلل على هذا بأدلة أقرب إلى ترهات وشطحات
الفلاسفة القدماء فى الغرب والذين قامت أسس أفكارهم على محاولة تبرير وجود الخلق والتى ظلت مسألة
مغلقة الفهم على عقولهم الملحدة فى غيبة الإيمان بخالق ..
فجاء عبد الصبور شاهين ليثير تلك المسألة التى تعد من الغيبيات فى القرآن والسنة ولا مجال لأى فائدة من
إثارتها .. لا سيما وأنه أخذ بنفس وجهة النظر الغربية فى التطور والتى حاول من خلالها مفكرو الغرب إيجاد
بداية منطقية للخلق مخالفا بذلك ما هو ثابت فى عشرات الآيات والأحاديث زاعما أن هذا جاء نتاج بحث
ربع قرن بينما كانت تلك الأفكار مطروحة من مائتى عام فى قدمها بل وتراجع عها بعض مؤيديها من كبار
العلمانيين الغرب
وغابعنا أى تبرير منطقي لما فعله هذا الرجل بكل تاريخه العتيق فى الدفاع عن صحيح الفكر والعقيدة !
والكارثة التى تزيد الأمر تعقيدا أننا لا نتحدث هنا عن اعتداءات جاءت من هواة الشهرة أو أصحاب المذاهب
المعادية للعقيدة الاسلامية بل نتحدث عمن هم من رجال الفكر الاسلامى وكباره وعلمائه ..
فكيف بنا نستدل الطريق وسط ضباب الإختلاف المرير بين أهل العلم والذى أصبح اختلافا فى الثوابت لا فى
الفروع كما عهدناه فى قدماء المفكرين والفقهاء
125
ليس أمامنا إلا البحث والتقصي والدراسة واستفتاء القلب بغض النظر عن شخصيات القائلين بالحق حتى
يستبين واضحا .. كما قال الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه
" استفت قلبك وان أفتوك "
ولكن يا ترى ..
هل كل القلوب كقلب بن أبي طالب ؟ !!
126
أزمة قلب أم أزمة عقل
من البلايا المزمنة التى تعانيها الأجيال الحالية من الحائرين اللاهثين خلف الإجابة
هى رهنهم الهداية والحق بالأشخاص لا بالعلم .. ورهنهم للحق بالرجال
وتلك كارثة كبري ..
بسببها رأينا من أسلم نفسه لدعاة الإفراط تارة .. والتفريط تارة أخرى مع أن جوهر العقيدة الإسلامية بسيط
الإدراك على الرغم من تعقيده البالغ وتلك هى معجزة الإسلام الحقيقية ..
فالعقيدة الإسلامية جاءت موسوعة شاملة لما يخص البشر
" ما فرطنا فى الكتاب من شيئ "
صدق الله العظيم ..
من بداية إدراك وجود الخالق .. وحتى تسيير شئون الحياة .. فلا حاجة بنا إلى تعقيد ولا إلى تجهيل أو إفراط
أو تعصب
فالإسلام معياره الحقيقي هو الوسطية وتعبر عن جوهره الآيات والأحاديث العملاقة التى اعتدنا سماعها لكن
القليل منا من أنصت إليها
بسم الله الرحمن الرحيم
" أفلا ينظرون ... "
وما نظرنا ..
" أفلا يتدبرون القرءان .."
وما تدبرنا
جاء لنا الرسول عليه الصلاة والسلام بتلك الآيات التى تدعو لإعمال العقل فلا وجود للتعصب إذا .. فكل
شيئ مطروح ..
بسم الله الرحمن الرحيم
" فان اختلفتم فى شيئ فردوه إلى الله ورسوله "
صدق الله العظيم ..
أما أن نسلم الآذان والقلوب والأهواء لشخص فلان أو علان مهما كانت قيمته أو قمته التى بلغها ونأخذ عنه
دون رد أو سؤال فهذا هو الشرك بعينه ..
تماما كما يحدث للعامة إذا فُتنت بشخص فقيه أو عالم أو داعية أو حتى مدع .. تجده عندهم قد بلغ الدرجة
العليا من العصمة فكل ما يقوله حق حتى ولو كان محض خرافة ..
127
وما أبعد هذه الأمور عن الإسلام وجوهره المتين .. فالفارق ضخم بين الإحترام الجم الواجب للعلماء كما
أوصانا الرسول عليه الصلاة والسلام وبين السؤال الوجب عند الإلتباس
فلا غرو مطلقا فى سؤال العالم عن فتواه أو رأيه ولا مجال للقول بعدم الإحترام عند مناقشة العالم فى أمر من
الأمور طالما أنها تُطرح بالأسلوب الواجب للحوار.. فالحق كائنٌ بمكانه المستقل والناس تقصده أو تهدف
إليه أو تحيد عنه لأنه لا يأتى إلي أحد قط ولا يُرهن بشخص أحد قط إلا من عصم الله فى رسالاته .. والناس
لا تكون حجة على الحق بل الحق هو الحجة على سائر الناس
لكن الأهواء والتى تروق للناس فى مجملها وتمنحهم التصريح المطلوب لفض القلق والإقتناع النسبي بما يقال
لهم دون زيادة وعى أو ادراك .. هذه الطباع هى السبب الرئيسي للضياع وللمظاهر الغريبة التى نراها بين
الحين والآخر وتكون إما سببا فى الإتكالية أو الفتنة فى الدين
مثال ذلك ما ينتشر من الأحاديث المشرفة أو التفسيرات الموروثة أو الأدعية المأثورة من السلف الصالح
ويراها البعض هى المنجى والمأمل فى العقيدة إذا قُرئت أو تم ترديدها ولذا نجد من ينشرها بين الناس ساعيا
للحض عليها مبينا بركاتها فيلتقطها من يراها ويهمهم بها ويكتفي بهذا الوصول !
ونحن هنا نتحدث عن الثابت من القرآن والسنة وإجماع الفقهاء من حيث صحة النسبة والأثر
فتحت تأثير ما هو معروف أن من شهد لله بالوحدانية فقد أمن على نفسه حتى لو بعد حين من الخلود فى النار
وكذلك بالنسبة للأدعية المشهورة والتى تردد فى كتب السلف أنها احتوت على اسم الله الأعظم والذى ما دعا
به أحد إلا وأُجيب بالإضافة إلى عدد من الأدعية المنتقاه للأنبياء عليهم السلام والصالحين رضي الله عنهم
..
تحت تأثير هذا الأمر يركن العشرات إلى ما رددوه ويظنون بأنفسهم بلوغ النجاه دون أن يعطى الواحد منهم
لنفسه فرصة التدبر قليلا ..
فالآيات الكريمات والأحاديث المشرفة والأدعية الثابتة والتى حاز إجماع العلماء فى آثارها وفضلها هى حقيقة
دون شك .. ولكن حقيقتها تبرز لمن .. هل تتحقق للجميع .. ؟!
كلا بالطبع ..
فكيف يمكن أن نتصور لحظة أن أشهد بلسانى لله عز وجل بالوحدانية وأشهد لرسوله الكريم عليه الصلاة
والسلام بأداء الرسالة والأمانة ثم أكتفي من هذا بالنطق المجرد منصرفا بقية عمرى إلى ما شئت من موبقات
طالما اكتسبت الحصانة اللازمة بمجرد ترديد الشهادة .. ؟!
وكيف يمكن أن نتصور دعاء كريما ردده السلف واكتسب أسبقية الأفضلية يمكن أن يفيد معنا بمجرد اتباع
ألفاظه فى القراءة والسمع .. ثم ننتظر اجابته بعد ذلك ؟!
128
لو أننا سلمنا بهذا فسنكون قد وضعنا الإسلام بعقيدته البالغة العمق فى دائرة بالغة السطحية لا تنتهى إلا إلى
ضلال مؤكد لأن الاسلام بلا صكوك غفران ولا وجود فيه لالتماس الضمان على الله عز وجل
بسم الله الرحمن الرحيم
" أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا "
صدق الله العظيم
وأبو بكر الصديق ثانى اثنين إذ هما فى الغار وأفضل الناس بعد رسول الله عليه والسلام والرجل الذى وزن
إيمانه إيمان الأمة بأكملها بل ورجح عليه كان هو القائل ..
" والله لو أن إحدى قدمى فى الجنة والأخرى فى النار لما أمنت "
فكيف يأمن من يردد بلسانه وهو فى التفريط قائم مقيم .. ؟!
إن الشهادة لله بالإسلام والتسليم له ما لم يصدقها القلب ويصدقها العمل فهى والعدم سواء بسواء ..
والأدعية التى تتردد وتدعو الناس إلى ترديدها لا فائدة منها مثقال ذرة إلا لمن توافرت فيه شروط الإجابة فهى
أدعية مفضلة ومأثورة تمنح الفضل الأكبر لمن عنده الفضل الأصغر ..
لأنها بناء كامل لا يستوى قائما إلا على أساس متين وما لم يتوافر هذا الأساس فلن يبقي البناء مهما علا وبلغ
من القوة لحظة واحدة من دون أساسه الساند
ولذلك وتحت تأثير التسطيح رأينا من يستخدم أدعية السلف ويرجو منها الفائدة وهو لا يصلي أو يزكى أو
يصوم !
ورأينا من يردد الأدعية وقلبه ملئٌ بالوجد على أصحابه عامرٌ بالحقد على إخوانه أو يرددها وهو عاقٌ لوالديه
ناكر لهما!
إن الأدعية وأقوال السلف والمأثور المحمود منهم هى كالسلاح بيد الجندى المحترف .. لو لم يكن جنديا
مدربا مؤهلا لحمله واستخدامه فلا فائدة من السلاح هنا مطلقا فضلا على كونه مع الإستخدام الخاطئ قد
يؤدى إلى المهلكة وهو ما رأيناه بالفعل عندما ظن هؤلاء بالله أنه يُخدع كما تخدع البشر بالأقوال دون الأفعال
..
فالإسلام أساس يرتكز على أسس العقيدة المسماه فى الشهادة والفرائض ومبنى عامرٌ يرتكز إلى النية الحاكمة
لكل تصرف يبرهن على وجود الله عز وجل فى قلب كل مسلم وعند كل وقت
والإسلام الحنيف أعمق مما نظن ملايين المرات وهو العقيدة الأسمى وأمته خير أمة أخرجت للناس وما أكثر
ما حوى من فكر وعمق ..
فتعالوا نتأمل ونستبصر ..
129
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ..
" بنى الإسلام على خمس ............... "
إلى نهاية أشهر الأحاديث النبوية قاطبة .. فكم منا سمعه .. ولكن كم ممن سمعوه تدبروا فى معانيه ؟!
بنى الإسلام على خمس .,
إذا فالمعنى واضح .. فهذه هى أركان الإسلام وأساسه .. فأين الإسلام . أين مبناه إذا .. ؟!
وان كان الإسلام لا يصح إلا بالأركان الخمسة ..
فهل تكفي تلك الأركان وحدها ومنفردة لاكتساب النجاة .. ؟
كلا بالطبع ..
وإلا لما سمعنا عشرات الأدلة التى تعنى هذا القول ومنها .. قول رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما معناه
" لا يدخلن الجنة نمام .. ولا قاطع رحم .. " ثم حديث آخر " ولا من فى قلبه مثقال ذرة من كبر "
ومن بيننا من يقوم ويقعد راكعا وساجدا والقلب منه فى فساد مقيم ..
لأن القلب ذاته محل النية لم يخلص لله تعالى ..
فالحديث الشريف الذى تحدث عن الأركان .. أتمه الحديث الذى تحدث عن النية .. وبه أتاح لنا الرسول
عليه الصلاة والسلام معرفة الإسلام بدون لبس أو غموض فحديث النية الذى ورد فيه " ولكل امرئ ما نوى
"رد أمر أنفسنا إلى أنفسنا .. وأن الإسلام يعتمد على الإخلاص .. والإخلاص سر غير مدرك إلا لخالق الكون
تعالى
وحتى ممارسة الأركان .. إن كانت قياما وقعودا ..
فقد انتهت مبررات القيام بها لانعدام فائدتها دون أدنى شك ..
وتعبر عن ذلك الأحاديث النبوية الشريفة فى إعجاز مبهر ..
" من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له .. "
" رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش "
صدق رسول الإنسانية عليه الصلاة والسلام
إذا هى نية النجاة .. تلك التى تحكم رغبة المرء حقا .. فليس كل من عبر بلسانه عن رغبة النجاة بطالبٍ لها
أو ساعٍ إليها إن لم تكن رغبته تلك أقرب إليه من حبل الوريد .. فلا رغبة ولا نية ..
كلنا قائلٌ برغبته .. معبرٌ عنها .. لكن هل تعمقنا فى أنفسنا فأدركنا هدفنا حقا ..
أم أن الأمر لا يعدو إلا كونه محاولة لإرضاء الضمير وفقط ..
وتحضرنى قصة بالغه التعبير
أحد العلماء من ذوى البصيرة المتقدة .. كان فى حلقات دروسه يبصر تلاميذه ويراقبهم بعين البديهة الحقة ..
130
فكان أن انتقي منهم واحدا فضله عن أقرانه وقربه إليه ..
ولم يشاهد أقرانه شيئا يفضل به زميلهم هذا حتى يقربه الإمام .. فلما أتوا إلى أستاذهم شاكين تلك القربي فى
غبطة طلاب العلم
تبسم وقال لهم ..
" سأجعلكم تحكمون بأنفسكم .. "
وأتى لكل منهم بدجاجة وسكين ... وطلب إليهم جميعا أن يذهب كل منهم منفردا ويختبأ فى مكان لا تراه
عين به قط ويذبح الدجاجة ويأت بها إليه وحذرهم تحذيرا قاسيا من أن مخالفة أوامره
فأطاعه جميع تلاميذه .. وعاد كل منهم وقد ذبح الدجاجة إلا هذا التلميذ النابغ المقرب
فسألهم الإمام جميعا عن أماكن اختبائهم وهل رآهم من أحد فأجابوا جميعا بالنفي
وعندما أتى التلميذ النابغ .. سأله الإمام ..
لماذا لم تذبح دجاجتك ؟!!
فقال له فى إيمان خاشع .. " بحثت حتى أرهقتنى الحيلة عن مكان لا يرانى به أحد فلم أجد مكانا لا يرانى به
خالقي سبحانه وتعالى .. فأتيت "
فالتفت الإمام لتلاميذه وقال
" هل عرفتم الآن لماذا تفوق عليكم ؟"
تلك هى المعضلة الحقة .. إخلاص النية وإدراك معية الله وقربه تعالى منا إلى أقصي درجات القرب
وبعدها .. لا خشية كما أسلفنا القول .. ولا خوف
كما قال الإمام أبي الحسن الشاذلى عندما سؤل من تلميذه المقرب أبي العباس المرسي عن أى المناهج
أصلح للمرء
التقشف والزهد أم التمتع بالأطايب
فأجاب سائلة فى حكمة بالغه ..
" يا أبا العباس .. اعرف الله وكن كيف تشاء "
نعم اعرف الله وكن كيف تشاء فحيثما كسبت عملا وجدت الله عنده
وهذا يقودنا إلى إدراك واحدة من أكبر الكوارث التى تحيق بالمجمعات الإسلامية وهى أزمة اليقين المفقود
131
أزمة الخط المستقيم
من أكبر الأزمات العقلية فى طريق العودة إلى الله هو محاولة العقل للعودة بغير إرشاد القلب ,
فما يغفل عنه الكثيرون أن الطريق إلى الله لا يسرع بالعاقل ولا يبطئ بالغبي الغافل بل يبطئ بالعاقل المتغافل
وبالعكس
فالعقل غالبا ما يكون طريقا للهلاك وهذا أمر طبيعى لأن العقل إذا سلك طريق التساؤل والعودة إلى الله طرح
أمامه مفردات المادة والإدراك فى أمر يعوزه العجز للاعتراف بوجود خالق قادر منعم ومتفضل
ولذا فالمقولة الشهيرة أن الله تمت معرفته بالعقل تحتاج معها إضافة لتصبح قابلة للمنطق فيكون الطريق بالعقل
والقلب , فالقلب عماده المشاعر والأحاسيس وهو الذى يضيف لمحة التأثر المطلوبة لجمود العقل
فالعقل بلا قلب لا يعرف الخوف ولا يعرف الهيبة ولا يعرف العجز لأن مفردات العقل بطبيعتها تفجر الغرور
الإنسانى فتدفعه للتساؤل بلا حدود وفى غياب التأثر القلبي يستمر التساؤل إلى ما لا نهاية رافضا أن يستكين
لمفردات المنطق الإلهى طمعا فى منطق عقلي يقنعه
ولذلك ضل الملحدون وغيرهم الطريق عندما قالوا بعدم وجود إله وكيف يمكن أن يوجد إله لا يدركه بصر
وفى هذا جاء القرآن الكريم مترجما لتلك الحقيقة , حقيقة أن العقل وحده لا يصلح حيث يقول عز وجل
[أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ
{ تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي ال  صدُورِ] {الحج: 46
فالآية الكريمة جعلت الإدراك العقلي للقلب لا للعقل لأن العقل هو الطريق أو الوسيلة بينما المنفذ الفعلى هو
القلب الذى يصدق أو يكذب النتائج
وقد تكرر مفهوم نسبة الإدراك للقلب لا العقل فى آيات القرآن الكريم مثال ذلك قوله تعالى
{ [أَفَلَا يَتَدَب رُونَ القُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] {محمد: 24
وضلال الملحدين والمنكرين لوجود الخالق يدحضه المنطق العقلي ذاته حيث أن مفردات العقل ذاتها تقود
إلى أن وجود الإله فى محل الإدراك ينفي ألوهيته بطبيعة الحال , إذ أن هذا الكون الذى لم نعرف منه إلا جزء
بسيطا من سمائه الدنيا يبلغ مقداره 13 مليار سنة ضوئية فى الاتساع ومثلها فى العمر ويبدو أمام الإدراك لغزا
غير قابل للحل ,
كيف يمكن لخالقه أن يكون تحت بصر الإدراك ,, لو كانوا يفقهون ؟!
هم بهذه الطريقة مع أمثالهم من عبدة المذاهب البشرية هبطوا بقدرات العقل إلى دركها الأسفل فخرج منهم
كما رأينا ملحدون ومشركون وصنف آخر أعجب وهم العلمانيون عندما وقفوا يدافعون عن قدرات العقل
132
الإنسانى باعتباره يستطيع بالتطور أن يطور تشريعاته بما يتناسب والتقدم العلمى الهائل الذى يرونه أمامهم
ويعبرون عن ذلك بأن الدنيا أصبحت قرية صغيرة مملوكة للقدرات الإنسانية
ولعمرى إنهم فى ضلالة ما بعدها ضلالة ومن أشد إعجاز القرآن آياته التى أخبرنا عن أمثالهم فى قوله تعالى
[حَتى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازي نَتْ وَظَ  ن أَهْلُهَا أَن هُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا
{ حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نفَُ  صلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَ  كرُونَ] {يونس: 24
وقد كنت أتعجب من حماقة إبليس لعنه الله وهو يتحدى رب العالمين وهو يثق تمام الثقة بمصيره الذى أخبر
عنه القرآن فإذا ببعض البشر أشد منه حماقة وهم يقرءون بأعينهم ولا يفقهون بقلوبهم هذا الوعيد المباشر
الصريح بأن مصدر الهلاك الأعظم للبشرية عندما تأخذ الأرض زخرفها ويظن الغافلون أنهم قادرون عليها
ومما هو أغرب أن تلك العقول التى تتبجح بالعلم والإدراك والدفاع عن العقل تعجز عن ربط حقائق بسيطة
تطرحها العقول والتجارب أمامهم وهم يرون بأعينهم هذا الكون الفريد الذى تشغل فيه شمسنا بمجموعتها حيزا
أشبه بثقب إبرة فى هذا الكون الفسيح الذى لا زلت أدعو القارئ للتبصر فى جزء بسيط من سمائه الدنيا يبلغ
اتساعه 13 مليار سنة ضوئية
60 كيلومتر × 60 × 24 × 365 × 12 × أى حاصل ضرب 13000000000
وتبلغ درجة حرارة الشمس فى قلبها حوالى 15 مليون درجة مئوية لو نقصت هذه الدرجة بمقدار درجتين فقط
, أى شيئ لا يذكر فهذا معناه بدء عصر جليدى على الأرض !
فأين هو مثال تلك القدرة على الضبط والإحكام ؟!
هذه الشمس بكل هذا المقدار الرهيب من الحرارة لا تستطيع أن تضيئ حول محيطها إلا ما مقداره 500
كيلومتر من صفحة السماء والباقي فى ظلمة حالكة ,
والأكثر إثارة للذهول أن هذا المقدار من الطاقة والحرارة يعتبر أشبه بقطعة الثلج أمام النجوم العملاقة التى
تعتبر شمسنا أمامها من النجوم الباهتة حيث يبلغ مقدار طاقتها مليون مليون شمس فى الكويزرات العملاقة
فتخيلوا معى مقدار الطاقة المنبعثة من كامل نجوم السماء الدنيا وما علاها من سماوات ,
وتخيلوا السماوات السبع فى مجموعها بكل من فيها وما فيها عندما نستمع إلى أقوال المفسرين عن الكرسي
الذى يستقر فوقه عرش الرحمن حيث وصف دنيانا بأنها إلى جوار الكرسي لا العرش كحلقة المغفر إذا
ألقيت فى الصحراء وحلقة المغفر هى حلقة الحديد التى تربط بها الدواب
هذه الحقائق لو أننا وضعنا كوكب الأرض إلى جوارها ,, ما الذى يمكن أن يساويه ؟!
فإذا وضعنا الإنسان إلى جوار كل هذا الهول .. ما الذى يساويه ؟!
وهل يمكن بعد كل هذا أن نقبل تبجح القائلين برفض التشريع السماوى الداعين للمنهج العلمانى القائم على
عدم صلاحية شريعة الله عز وجل لهذا العصر المتقدم ؟!
133
ولأن رب العزة لا يأخذنا بحماقاتنا فقد ترك لنا من الأدلة المبسوطة على حقارة شأن الدنيا وأهلها إلا من
أدرك واعتبر عندما نلمح فى أطراف الأرض ألغازا تتحدى قدرة العلماء من سائر أقطار العالم وهم يقفون
أمامها عاجزين عن النوم وعن الحل , والقائمة لا تؤذن بحصر حول النظام المفرط الدقة للأجرام السماوية
وآثار ذلك على الأرض وما يحتشد من ألغاز علمية لا زالت رهن البحث من مئات الأعوام ككهوف تاسيلي
وبوابات الشمس وأعماق المحيطات والآثار العلمية الحديثة التى يبلغ عمرها ما يزيد عن خمسة وثلاثين ألف
عام هذا بالإضافة للقدرات التى تخرجها الطبيعة
فإعصار واحد مثل إعصار تورنادو الشهير الذى يتكرر كل عام يأتى بوقت محدد ومع ذلك تعجز أعتى
التكنولوجيا عن التصدى له لتقليل الخسائر فقط فضلا على منعها ؟!
ومن آياته أيضا أن الدواب التى تقبع بلا عقل , ومع ذلك يمكنها إدراك الكوارث الكونية والطبيعية قبلها بوقت
يمتد لساعات فى حين يعجز الإنسان بأجهزته ومعداته عن توقعها بنسبة صحيحة إلا فيما ندر
وهذا يؤكد على القول المأثور أن من اعتمد على عقله ضل , ولكن أين المتأملون ؟!
ولو غابوا عن تلك الحقائق كيف غابوا عن مثل هذا الوعيد فى قوله تعالى
{ 12 , [وَذَرْنِي وَالمُكَ  ذبِينَ أُولِي النعْمَةِ وَمَهلْهُمْ قَلِيلًا * إِ  ن لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا {المزمل 11
ومن غريب الأمور أن بعض علماء الغرب الكبار وهم فى الأصل أبعد ما يكون عن الدين إلا أنهم تمكنوا
بالعقل المقترن بالمنطق القلبي الحر الخالى من الغرض والهوى من ولوج باب الإيمان من أوسع أبوابه عقب
التأمل فى بديع صنع الله بهذا الكون ونقلت وسائل الإعلام مقولة مأثورة لأحد مشاهير العلماء فى علم الفلك
قال
{ إنى على يقين من أن هذا المجال مجال الفلك لا يمكن لأحد أن يخوضه بعقله فى غير إيمان بوجود إله
أو حتما سيفقد هذا العقل }
والعبارة ترجمة بالغة الدقة لأن صفحة السماء والتأمل فيها تخرج بالعين البشرية من قصورها وغرورها المعهود
لتدرك شأن الإنسان الحقيقي فإن أبي العقل اعترافا باله مالك قادر لهذا الملكوت فلابد أن التفسيرات ستعجز
عن بناء إجابة منطقية للسؤال الصعب , أى انتظام وأية قدرة , ومن الطبيعى عندها أن يفقد الإنسان عقله
وفى آخر لقاء صحفي مع عملاق الفيزياء ألبرت أينشتين ذكر أمام الصحافة الحاشدة مقولة تشير إلى إيمانه
المطلق بأن وجود الله حقيقة علمية لا مفر منها لتكتمل المعادلات فى هذا الكون بتلك الصورة التى عليها لأن
افتراض وجود الله هو الحل الوحيد لعلاج قصورها .
فعلق أحد الصحفيين قائلا { عجبت لمن حبس الطاقة فى معادلة كيف يؤمن بوجود الله }
فرد أينشتين بعنف { إخرس .. أتظننى ملحدا إننى مؤمن بوجودالله وهذا ما لا ينكره عاقل }
134
والوصول إلى الله بطريق الإدراك العقلي السليم الممتزج بصحوة القلب يكون أفضل طرق الوصول دون شك
مصداقا لقوله تعالى
{ [إِنمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِ  ن اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ] {فاطر: 28
فبلا شك أن إدراك العقل لمدى قدرة الله تعالى اللامحدودة وطلاقتها فى خلقه يقود المرء ببساطة إلى أن
الوقوف بالعقل أمام خالق العقل ومحاولة الإستقلال بسلطة التشريع أو التعديل فيما لا يجوز فيه ذلك , أمر
هو من الحماقة أحد وجوهها دونما شك
هذا عن العقلاء الذين أحبوا الإنفراد بالعقل وحده طريقا دونما تهذيب لقدراته بالقلب المستعد القابل للهداية
فأخذهم الكبر والغرور البشري المعهود ,
ولكن ماذا عن العقلاء الراغبين الذين قادهم ذات العقل الراغب للهداية إلى التيه
هؤلاء هم للهداية طارقو أبواب لكنهم عجزوا عن إدراك أن هذا الطرق لا يفيد حيث أن الأبواب مفتوحة على
الدوام ومع ذلك يصرون إصرارا غريبا على طرقها وسماع الإذن بالدخول أولا قبل أن يلجوها !
هؤلاء الذين لم يدركوا مدى العظمة التى يمثلها كبرياء الخالق
وأعنى بهم أولئك المؤنبين ضمائرهم بأخطائهم السابقة بشكل يجاوز الحد , بل ويمتد بهم العصف النفسي
إلى ما هو أخطر إلى درجة ترك أعمال الخير مخافة الرياء وإلى حمل الهم النفسي والقنوط من رحمة الله تعالى
تحت تأثير الخوف المرضي من الخطأ أو الذنب
وهؤلاء لم يسلكوا حكمة الإسلام العريقة التى تقول بالوسطية دوما , لأن مبالغتهم فى الخوف من الذنوب
أوقعتهم فيما هو أشد ألف مرة إلا وهو القنوط واليأس
وهؤلاء لا يدركون حقيقة بسيطة للغاية تبسط نفسها أمام كل مبصر وهى أن الإنسان مخلوق على طريق الخطأ
بطبيعته وليس مطلوبا من أى إنسان ألا يذنب بل المطلوب منه فقط ألا يصر على ذنب .. وما أبعد الفارق بين
هذه وتلك
فلو أن الإنسان مطلوب وواجب عليه ألا يخطئ لما دخل الجنة أحد قط حتى الأنبياء والرسل والملائكة .
وفى هذا ورد حديث المصطفي صلي الله عليه وسلم قائلا { لا يدخل الجنة أحد بعمله ولا أنا ولا عيسي بن
مريم إلا أن يتغمدنا الله برحمته }
فلو أن خلق الإنسان كان فيه الإلزام بالعمل الصارم بلا خطأ لكان معناه أن البشر تدخل الجنة بعملها وتدخل
النار بتقصيرها وهو ما يعد أمرا مفروغا من نفيه ..
ولهذا جاء قول رسول الله فيما معناه { لو أنكم لا تخطئون لأتى الله بقوم يخطئون فيستغفرون فيغفر الله لهم }
135
بل حتى الملائكة وهم خلق لا يعصون الله ما أمرهم لا يدخلون بهذا العمل وقد ورد فى التفاسير أن هناك من
الملائكة من هو ساجد لا يقوم وراكع لا يرفع وتقوم الساعة عليهم وهم على هذه الحالة قائلين { ما عبدناك
حقعبادتك }
فما أعجب المتنطعين الراغبين فى تعذيب أنفسهم بما لم يرتكبوه بعد وكأن الله تعالى لم يقل فى كتابه العزيز
{ [مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا] {النساء: 147
فالله أكبر من هذا وأعظم وأجل من أن يقف بالحساب أو يبالى
وقد ورد فى الأثر عن أحد الصالحين أنه قال لأحد الناس :
{ من سيحاسبنا يوم الحساب }
فقال الرجل { الله عز وجل }
فقال الرجل الصالح { إذا نجونا ورب الكعبة فإن الله كريم والكريم لا يدقق فى الحساب }
ألم يقل الله عز وجل فى الحديث القدسي عند خلق آدم أنه يرسل أهل الجنة إلى الجنة ولا يبالى وأهل النار
إلى النار ولا يبالى
فسبحانه من رب هو أدرى بأن الإنسان ظلوم كفار .. ولهذا كان مغفرته سابقة لغضبه
فليس على المسلم إلا إخلاص النية وعدم الشرك بالله والإيمان التام الخالص لوجهه وبعدها ليس مطلوبا منه
إلا السير بطريق الإخلاص فى النية وهى أخطر ما يطلبه الله عز وجل حيث أن الإخلاص جعله الله سرا مخفيا
حتى عن الملائكة والشياطين وجعله الطريق الوحيد للنجاة ..
أما الأخطاء والذنوب فهى عوارض الحياة اللازمة لها مهما فعلنا وما علينا إلا تفادى العمد فيها وحسب
فالعلماء الفلكيون قرروا أن الكون لا يعرف الخط المستقيم قط بل كل ما فيه عبارة عن منحنيات حتى
الأجسام التى تطرق الفضاء يجبرها الفضاء الكونى أن تسلم المسار المنحنى أو الدائري أو الأسطوانى ولهذا
أيضا وصف القرآن الصعود فى السماء دائما بلفظ العروج لا الصعود لأن العروج معناه المسار الدائري حتى لو
كان الإتجاه لأعلى
ولهذا قال العلماء عبارتهم السابقة أن الكون لا يعرف فى هندسته الخطوط المستقيمة , ولفظ الاستقامة محل
نظر لأن العلماء أرادوا بها وصف الخط المباشر غير المنحنى أو المنكسر ووصف المباشر يختلف جذريا عن
المستقيم لأن الإستقامة معناها الإنتظام فى المسار بغض النظر عن شكل المسار مباشرا أو منحنيا
فالأرض مثلا تدور فى فلك منتظم مستقيم لا يختل فى مساره شبه الدائري حول الشمس وكذلك سائر الأجرام
وهذا يقودنا للربط بين التعبير الفلكى والحقيقة التى نحن بصددها أن الاستقامة المطلوبة من البشر ليست
معناها السير فى خط مباشر لا يختل يمينا أو شمالا لأن هذا ضد طبيعة الخلق الإنسانى القائم على الخطأ
والسهو والكبر والنسيان






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:01
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

136
فضلا على أن الإستقامة المطلوبة من البشر لو أنها تعنى السير المباشر لكان معنى هذا دخول الناس للجنة
بأعمالها كجزاء طبيعى لعدم انحناء المسار فى انتظامه وهو ما يعد غير متحقق بشكل قاطع
وبهذا الشكل فحتما هناك مقصود ومدلول مختلف لمعنى الإستقامة فى القرآن الكريم فى قوله تعالى
{ [فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ] {ال  شورى: 15
فالإستقامة هنا معناها الإلتزام بأوامر الله بعد الإيمان والتوكل عليه فى الحساب لأن المسار بطبيعته للإنسان لا
يمثله الخط المباشر بل الاستقامة فيه هى المسار المنحنى بلا خلاف والفارق يكمن فى الطاعة بحسب انتظام
هذا المسار المنحنى ذاته
فليس مهما أن تزايد على نفسك بالطاعة والحذر بقدر ما هو أهم أن تنتبه لحقيقتين وهما
أن تسلك طريقك مخلصا النية فى عدم الخطأ ,
والثانية أن توقن تمام اليقين أن كل ما فعلته وما ستفعله هو لا شيئ أمام نعمة الله تعالى لأن الغرور بالنعمة أو
العمل أو العلم هو طريق إلى جهنم بلا جواز سفر
فعلى الذى يرهق نفسه بالخشية من الخطأ أن يجعل تلك الخشية قاصرة على ما هو أولى ألا وهو الخشية منه
جل وعلا ألا يقبلنا يوم الحساب .. والله عز وجل ذو رحمة وفضل لا ينفذ قط ولا يمل الله حتى تملوا
وإنه من المثير للدهشة أن الإنسان يمل والخير أمامه أضعاف الشر وسبل النجاة عديدة وسبيل الهلاك واحد
فقط .
بينما الشيطان لا يمل قط ولا ييأس ويبذل الجهد أعواما لينال من الإنسان عثرة واحدة , وبعد كل هذا الجهد
المضنى يعود الإنسان إلى رشده فيستغفر الله فيضيع عمل الشيطان كله بضربة واحدة ..
ومع ذلك لا يمل ولا يكل !
فهلا عدنا لأنفسنا فى لحظة صافية ,, لنتعلم كيف نعود لله عودة شافية
137
تعلم كيف ترُبي .. وتعلم كيف تنُشئ
( يوليو 2007 م )
138
تعلم كيف تُربي .. وتعلم كيف تنُشئ
روى عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال فيما معناه ..
" خير ما يغنم المرء من الدنيا الزوجة الصالحة .. إذا نظر اليها أسَرته وإذا أقسم عليها أبرته .. وإن غاب عنها
حفظته "
وقال الشاعر العربي القديم ..
وأجلهن نجابة الأولاد ×× نِعَمُ الإله على العباد كثيرةٌ
والقولان متممان لبعضهما البعض , فالرسول عليه الصلاة والسلام وصف الزوجة الصالحة بخير النعم وجاء
الشاعر ليبين أجلَها وهى نجابة الأولاد , والمقصود بالنجابة هنا الإنجاب وليس الذكاء أو التفوق كما يظن
البعض .. فلفظ النجابة هنا مشتق من الإنجاب ..
وإن كان الحديث قد ورد كاملا مكملا كطبيعة القول الشريف كله .. فإن البيت الحكيم جاء قاصرا نوعا ما ..
فنجابة الأولاد لا تكون أجَل النعم إلا إذا كانت نجابة لأب معلم .. أب مربي
وإلا انقلبت النعمة نقمة لا حدود لآثارها أبدا
ومعضلة تربية النشئ .. هى معضلة شبعت الأوراق من حبر المكتوب بشأنها عبر مختلف الثقافات عربية أو
غربية .. دينية أو علمانية .. لكن المتأمل المحايد فى طرق تربية النشئ سيجد أن الفلسفة الاسلامية بلغت فى
هذا المجال شأوا طرق حد الكمال .. فالتربية الاسلامية بنظراتها وإبداعيتها كانت ولا زالت هى الوسيلةالمثلي
لإخراج الطفل إلى طور الشباب عنصرا مكتمل البنية النفسية لا شائبة فيه .. لكن هذا إن تم تطبيقها كما يجب
وبحذافيرها ..
لكن الشاهد أن أبناء الحضارة الاسلامية ذاتها لا يزالون أبعد ما يكون عن ثراء حضارتهم فى شتى المجالات
وأخطرها تربية النشئ السليم والذى يعد بحق , أهم رافد لبناء الحضارة الانسانية التى تعتمد أكثر ما تعتمد
على العنصر البشري فتعالوا بنا نتأمل ونقارن وندرس
139
لماذا تفوقت الفلسفة الاسلامية ؟
كان العيب الخطير الذى وقع فيه علماء النفس الغربيون فى دراساتهم لتربية النشئ هو ذات الخطأ الذى وقعوا
فيه عندما حاولوا إدراك أسباب كارثة انفلات الشباب وعدم وضوح الرؤية لديهم عن أسباب هذا الإنحلال
الذى يعصف بالأجيال الجديدة , وأخطر مظاهر هذا الإنحلال عزوف الشباب نهائيا عن العلاقات المشروعة
والرغبة الفطرية فى تكوين أسرة إضافة إلى ارتفاع نسبة الإنتحار لا سيما بفرنسا إلى حد مفزع حيث بلغت
.. cnn وفق آخر التقارير عن شبكة
( وتضم جل دول أوروبا وآسيا فهي تقدر ب 17.5 بفرنسا 2004 و 19 بسويسرا ولكسمبورغ والنمسا
( 2002 و 21 ببلجيكا 1997 وفنلندا 2002 و 25.5 باليابان 2004
هذا العيب الذى تناساه أو غفل عنه العلماء بالغرب هو الوازع الدينى , فغياب الوازع الدينى ببساطة ينزع عن
الإنسان طبيبا نفسيا جاهزا حيال الأزمات وبغيابه يغيب الفارق بين الفضيلة والرذيلة ويصبح المنطق المادى هو
المسيطر على الحياة وهو منطق يدفع الانسان لتكييف حياته بأكملها وفقا للمتعة الحسية وفقط ..
وليبدو الأمر أكثر وضوحا ..
فان الغرب عندما أنشأ النظريات الفكرية المختلفة الخالية من أسباب الوازع الدينى لم يتمكن نهائيا من إقناع
جمهور الشباب بأهمية التضامن الاجتماعى مثلا , وكذلك بالنسبة لقيمة الوطن والدفاع عنه .. ومقدار الرضا
والهمة لمعاونة الآخرين فى إطار مجتمع متماسك وأصبح العقد الإجتماعى الذى أنشأه الفيلسوف الفرنسي
جان جاك روسو لتقنين العلاقة بين الدولة والجمهور قائما على عقد معروف البنود يعتمد على منطق الأخذ
والمنح بمقابل متبادل .. فالدولة تعطى الخدمات ونظير ذلك تتلقي الضرائب .. وبهذا المنطق يصبح المواطن
العادى غير مضطر إلى خدمة مجتمعه إلا بمقدار ما يستفيد من هذا المجتمع ..
140
وبناء على هذا التركيز وتلك النظرة كانت النتيجة كما أشارت التقارير بالولايات المتحدة الأميركية مثلا إلى ما
يلي وهو مأخوذ من معهد دراسات حقوق المرأة بمدريد ..
1. بلغ عدد الأميين فى القراءة والكتابة 21 مليون أمريكى من مختلف الأعمار .. وأشار نفس التقرير إلى
أن حالات ضرب المدرسين من الطلبة يبلغ سنويا 5200 حالة بالإضافة بوجود 270 ألف سلاح
نارى يحمله طلبة المدارس
2. بلغ عدد الأطفالالمشردين نتيجة للإنتهاك الأسري والتفكك الاجتماعى خمسة ملايين طفل ويباع فى
أسواق الرقيق ما يزيد عن 5000 طفل سنويا بالإضافة إلى 120 ألف امرأة للغرض نفسه
3. بلغ عدد المدمنين بالولايات المتحدة 36 مليون أمريكى بنسبة 19 % من السكان لعام 1995
وحجم تجارة المخدرات بالولايات المتحدة سنويا بلغ فى نفس العام 35 مليار دولار
4. بلغ عدد جرائم القتل 50000 جريمة فى عام 95 وبلغت عدد حالات الإنتحار 30000 لنفس
العام
5. بلغ مقدار تجارة الدعارة الاقتصادى 2500 مليون دولار عام 1995 وأشار التقاير إلى تزايد مطرد
بالاضافة إلى وجود حالات حمل غير شرعى بنسبة الربع بين طالبات المدارس الثانوية
6. بلغ عدد الملاجئ المخصصة للكبار من النساء والزوجات المضروبات أو المعرضات للإنتهاك
الجنسي 1400 ملجأ
وهو ما نتج عنه بعض المظاهر التى استغربها الأشارقة عند زيارتهم للبلاد الغربية , وتمثلت فى انعدام الإهتمام
المتبادل بين أفراد المجتمع على خلاف عاداتنا الشرقية , وكذلك بالنسبة لدور المجتمع فى رعاية الأخلاق
فهذا الدور انتفي تماما فى الثقافة الغربية القائمة على مفهوم خاطئ للحرية الشخصية
فهناك لك مطلق الحق فى عمل أى شيئ بأى وجه تراه مهما كان شاذا ما دمت لا تؤذى أحدا بشكل مباشر ,
أيضا هناك القانون الفرنسي الذى يحاكم الزوج الشرعى بتهمة الإغتصاب إذا طلب زوجته رغما عنها فى نفس
الوقت الذى يسبغ فيه نفس القانون حماية كاملة للعلاقات غير الشرعية طالما تمت بإرادة متفقة بين الطرفين
كل تلك المظاهر التى لفتت نظر العديد من مهاجرى المشرق فى فترة البعثات الشهيرة وأعجبت بعضهم
تلك الممارسات الحرة كما رأوها للأسف , لأن كل منهم نظر إلى مفهوم تلك الحرية من ناحية أنها حق له
دون أن يتخيل نفسه فى موقف المؤدى والمعتدى عليه إذا مُورست ضده هذه الحرية , نظر إلى المميزات ولم
يسأل عن المقابل .. وذلك هو جوهر التفوق فى نظرية الحق الإسلامى فقبل أن تسأل عن حقك سل عن
واجبك أولا ..
141
فكان جديرا بمن أعجبه التسيب الغربي فى العلاقات الإجتماعية أن يُذكّر نفسه بأن هذا الأمر قابل للحدوث
مع أخته أو زوجته وساعتها سيكون مطلوبا منه اتباع نفس المنطق ..
كل هذا كان بسبب غياب الوازع الدينى كما سبق القول وهو المعيار الرئيسي للفلسفة الإسلامية .
فالجزاء والمقابل فى الفلسفة الإسلامية لا يعتمد على المقابل الدنيوى فقط بل يمتد الجزاء الأكبر إلى الحياة
الآخرة ولهذا كان طبيعيا أن تكون الأخلاق والمبادئ تحت رعاية المجتمع وموضع استنكار إذا فُقدت وهذا
وحده يمثل حارسا قويا لكل قيمة فمهما بلغ هوان الأخلاق فى بلادنا فسيظل مخالفها موضع استنكار ..
ويظل حائزها موضع تقدير
إضافة إلى دور الوازع الدينى فى تنقية النفس من شوائب الأمراض النفسية التى ضربت أوربا منذ بداية عصر
النهضة وخروج النظريات الحديثة على أيدى الفلاسفة الكبار , وانحسار الوازع الدينى إلى أدنى حد نتيجة
للحرب المعلنة على الكنيسة هناك بعد عهود الظلام التى ظلت مسيطرة على سائر أوربا بسبب تسلط رجال
الدين
هم هنا خرجوا من خطأ الى خطيئة .. فما عانوه من تسلط القساوسة دفعهم إلى إهمال هذا الجانب من منبته ,
وتحول إنكار تسلط رجال الدين إلى إنكار للدين ذاته باعتباره حاكما لطباع وممارسات الإنسان فى الحياة ..
وافتقاد المتعة الروحية هو الطريق الذهبي للأمراض النفسية الغير قابلة للعلاج التى تنتهى للإنتحار بالرغم من
عدم وجود الأسباب ظاهريا لهذا .. فالحياة هناك مترفة ومستوى الدخول متميز والنهضة المادية تمثل دافعا
للتمسك بالحياة لا العزوف عنها ..
لكن السبب الحقيقي هو أن سيطرة النزعة المادية على الحياة هو أمر مدمر للرغبة فى الحياة , لأن المتعة
المادية مهما بلغت قوتها ودوامها فهى قابلة بطبيعتها للملل القاتل بعد فترة طالت أم قصرت .. وبعد أن
يحصل الشاب على كل مظاهر المتعة فى سن ناشئة يبدأ البحث عن شيئ مختلف يثير فيه المتعة فيلجأ
للشذوذ ثم تنقضي تلك المتعة بدورها فتَسوَد أمامه الحياة لافتقاد الهدف بطبيعة الحال .. ومجرد التفكير فى
الموت باعتباره نهاية حتمية يدفعه إلى استعجاله فينتحر ..
وهو الأمر الذى دعا مجموعة من الشباب الغربي فى منتصف القرن الماضي إلى إعلان التمرد بإنشاء حركة "
الهيبز " والتى كانت فى بدايتها حركة أخلاقية داعية للعودة إلى الطبيعة ثم انحرف أعضاؤها إلى الجرائم
الشاذة بأكثر مما كان عليه المجتمع الذى ثاروا عليه
وكان السبب أيضا غياب الوازع الدينى خلف تلك الحركة وهو ما أفقدها الهدف والوسيلة فيما بعد
142
وظلت الثقافة الإسلامية حاكمة لفترة طويلة على معظم أقطارها .. وما زالت أغلبها تحت مظلة التدين فى
نظرتها للحياة والتى تعتمد على أن الجزاء الحقيقي لا يكون بالدنيا , إضافة إلى اعتبار الدنيا محطة فى سفر
طويل لا غاية ينقطع بعدها السبيل , والدين الإسلامى بكل روحانياته الغير مبررة كان ولا زال هو الحصن
المتين من الأزمات النفسية التى عصفت بالغرب .. نظرا لأن حق المجتمع والوطن محفور داخل قلب كل
مواطن دونما انتظار لمقابل .. فالدين هو الحاكم والمسيطر خلف القيمة ولذا رأينا الجزاء كله بالآخرة بالنسبة
للعالم والمجاهد والشهيد .. الخ .. كما رأينا الأخلاق غير مدفوعة بنظرية العقد الإجتماعى بل رأينا الغيرة
على القيمة متوافرة حتى بقلب الانحلال لمطابقتها لتعاليم الدين التى تطابق فى ذات الوقت صحيح الفطرة
الانسانية ..
فالخشية من الله تفوق الخشيةمن القانون .. كما تفوق الخشية من استنكار المجتمع الخشية من اللوائح فى
المجتمعات القروية بالذات
إضافة إلى جوانب المتعة النفسية التى يكفلها الدين الاسلامى وتكون خير معالج ومصد أمام الأزمات .. فتظل
الأراضي المقدسة محل راحة عند طلب الرحيل إليها , وتظل آيات القرءان الكريم دافعا غريبا للسمو الروحى
دون سبب منطقي .. كما تظل سيطرة الأب وسيطرة المجتمع وسيطرة الحاكم " بمعنى الحكم فى المفهوم
العرفي " أو كبير العائلة متوازنة مع العقيدة فتنشأ الأسرة على أساس متين لا كما هى بالغرب قائمة فقط على
علاقات مصالح بين الأب والابن ينظمها القانون حتى يبلغ الابن أو البنت سن السادسة عشرة فيمتلك قراره
بقوة القانون وتبدأ الكارثة ..
143
كيف نُنْشئ .. وكيف نُربي ؟
ما كانت معاناة المجتمعات الإسلامية والعربية على وجه الخصوص بالعصر الحالى فى هذا الجانب إلا بسبب
منفرد .. إهمال تربية النشئ الذى أنتج أجيالا مشوهه غير خاضعة للتربية السليمة فكان من الطبيعى أن تزداد
هوة الأزمة بتحول تلك الأجيال إلى آباء فاقدى معايير التربية السليمة فكان أن ازداد الانهيار فى الأجيال
التالية وإلى ما لا نهاية ..
وبدأت المأساة بفقدان سيطرة الأسرة .. ثم سيطرة المجتمع على النحو الذى نراه الآن , ثم نهتف بالحسرة
على الشباب الضائع عديم الفائدة دون أن ندرك أننا من أضاعوهم من البداية ..
والتربية الإسلامية علم فطرى إذا صح التعبير .. بمعنى أنه من الصعب تقنينه فى قوالب نظرية يتم تطبيقها
ونظل فى انتظار النتائج .. لكن ما يحكمها ويمكن تقنينه هو المبادئ العامة التى يجب أن يراعيها كل مربي
وتظل التفاصيل رهنا بظروف البيئة المحيطة ..
وسنبدأ بالتعرف أولا على ما هية التربية .. ثم نتعرف على مفهوم التربية الاسلامية وشروطها ومبادئها ؟
التربية ..
يقع مفهوم التربية فى موقع خاطئ لدى الأغلبية من الناس .. فقد درجنا على وصف الإنسان غير المهذب
بوصف عامى دارج " مش متربي " ..
وهو وصف خاطئ إلى أبعد حد .. فالتربية لا تعنى توافر الأخلاق والتهذيب .. بل من الممكن أن نزعم أن
الأخلاق والتهذيب من الممكن توافرها بمعزل كامل عن التربية السليمة !!..
فالتربية ببساطة هى إنشاء شخصية الفرد ليقوم بدوره الطبيعى فى المجتمع .. لذا فمن الممكن أن نصادف
إنسانا مهذبا وعلى خلق , لكنه خرج على المجتمع بشخصية مشوهه بناء على تربية خاطئة جعلته غير قادر
على اتخاذ قراره بعد اعتياده التبعية وهى حالة شديدة الإنتشار فى مجتمعاتنا والمتشدد منها على وجه
الخصوص ..
فالأخلاق كعلم يجب غرسه بداية بالإقناع والإشباع لا بالرهبة والتخويف .. وهى كعلم يجب أن يخضع
للاختبار .. وتُترك الإرادة حرة للإختيار والتصرف لأن المربي أو الأب لن يظل العمر كله حارسا على من يربيه
.. ولا فائدة من تعليم لم يُختبر حائزه ..
ونتيجة للإدراك الخاطئ من المربي لمفهوم التربية رأينا النماذج المنتشرة لشباب فى سن القرار , وهى تروح
وتجئ وفقا لتعليمات مسبقة وبلا قناعات تقريبا وهى هنا أقرب لنموذج الانسان الآلى منها إلى العنصر البشري
مع ملاحظة أننا نتحدث عن النموذج المثالى للإبن من وجهة نظر آباء اليوم !!
144
والتربية لا يمكن ممارستها عبر نسيج واحد بل هى ثلاثة أنسجة لثلاثة مراحل عمرية مختلفة .. فتكون الأولى
للمتعة دون محاذير والثانية للتعليم والثالثة للاختبار ثم يتُرك الشاب حرا بعدها للاختيار
كما أن التربية لا تكون مهمة الآباء فقط بل يشارك الأب فى تلك المهمة المعلمون فى دور التربية والعلم
والمجتمع فى مرحلة ما من عمر الناشئ , وهى المهمة التى انتهت من أرض الواقع لأن المفاهيم الخاطئة
أصابت المعلمين كما أصابت الآباء ..
فعلى سبيل المثال من المتعارف عليه أن المعلمين لا سيما فى مراحل التعليم الأولى لابد أن يكونوا تربويين
قبل التخصص العلمى , وهى معلومة منتشرة بشكل تام على نحو يدفعنا للدهشة والذهول إذا شاهدنا عدم
انطباقها على الواقع الفعلى
بالرغم من أن الوزارات المسئولة عن التعليم فى أغلب البلاد العربية تقدم لفظ التربية على التعليم فى مسمى
الوزارة .. بغض النظر عن الفهم الخاطئ لدى بعض المسئولين الذين يتفاخرون بأن تقديم التربية على التعليم
مفاده الأول تقديم الأخلاق والتهذيب على التعليم دونما إشارة إلى بناء الطالب تربويا وتأهيله وتكوين
شخصيته ودون إدراك لحقيقة بسيطة هى أن الأخلاق لصيقة بالعلم فى كأس واحد بينما التربية علم مستقل
بذاته
وتزداد الدهشة عمقا إذا عرفنا أن الكليات المسئولة عن إخراج المعلمين للمراحل المختلفة تقرر المناهج
التربوية بكثرة كاثرة تكاد تفوق التخصص فى بعض الأحيان تأكيدا لنظرية أن المعلم لا يمكن أن يكون معلما
إلا إذا كان تربويا .. ولو انتفي الجانب التربوى فالمعلم يتحول ساعتها إلى ملقّن كما هو واقع بالفعل فى
العصر الحالى
وخطورة الملقّن تتمثل فى عنصرين
الأول ..
أنه يردد ما يُلقي إليه من تكليف بغض النظر عن اقتناعه من عدمه ويكون التركيز منصبا على إخراج آلات
ميكانيكية مهمتها العبور من اختبارات آخر العام ومعيار عبور الإختبارات أصبح هو الفارق بين تمييز معلم و
آخر .. دون أن يدرك أولياء الأمور حقيقة مؤسفة هى أن أبنائهم وإن تفوقوا بنتائج الاختبارات فهم ليسوا
بطلبة متفوقين علميا بل هم طلبة مدربون على فن إجابة واجتياز الإختبارات .. والفارق ضخم للغاية لو يدرك
المغيبون !
فقد غاب عن أولياء الأمور أنالمراحل الأولى من التعليم ليس هدفها إخراج العلماء بل الهدف الرئيسي إخراج
التلاميذ .. أى تدريب الطلبة على تلقي العلم الفعلى بعد ذلك فى المراحل المتقدمة






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:02
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

145
فمن غير المنطقي أن نهمل الهدف الرئيسي وهو تدريب النشئ , على حسن استقبال المعلومة ومعرفة معنى
الزمالة وقيمة الكتاب والثقافة واحترام المعلم كطريق موصل إلى دور العلم فى المراحل الجامعية , ونركز على
فهم وإدراك الطالب لمواد دراسية لا تعنى شيئا من القيمة العلمية لكونها مجالا للتدريب ولا يمكن أن تكون
عنوانا لتفوق الطالب فيما بعد عند تلقيه العلم الحقيقي فى المراحل المتقدمة ..
ولبيان الأمر بمثال ..
فان مراكز التدريب للمستجدين من جنود القوات المسلحة " وهى فترة 45 يوما للجندى وستة أشهر لضابط
الاحتياط فى النظام العسكري المصري " لا تكون تدريبا على القتال لا سيما فى الفترة الأولى بقدر ما تكون
تدريبا على نظام التلقي وبمعنى أكثر وضوحا تكون تلك الفترة .. فترة إعداد الطالب أو المتدرب للقواعد
العامة التى تحكم تلقيه لعلم وفن الحرب وبناء روحه المعنوية ومعنى سرية النشاط العسكري وهدف الدفاع عن
الوطن .. وبعد ذلك تكون المراحل التالية هى مراحل تدريب الجندى على القتال الفعلى بعد تشربه لفن تلقي
الأوامر العسكرية ولكيفية التعامل مع زملائه وقائده بالميدان
ولذلك لا يكون الإهتمام منصبا على الإجادة بالنسبة للجندى أو الطالب فى مرحلة الاعداد بقدر ما يكون
منصبا على حسن استيعابه لقواعد التعامل العسكري .. فالفشل فى إجادة الأعمال العسكرية أثناء التدريب
يمكن إدراكه فيما بعد بمزيد من التعليم والتدريب بينما الفشل فى تلقي المبادئ العسكرية لا يمكن أن يُنشئ
جنديا من الأساس مهما كان تفوقه فى مجال إطلاق النار أو التعامل مع آليات الحرب
تلك هى الإجابة المنطقية للسؤال الذى عصف بالمجتمع المصري عندما تساءلوا عن هؤلاء الشباب الذين
التحقوا بالجامعة بمجموع درجات فلكى إبان حقبة التسعينيات .. مجموع درجات لم يحصل عليه النوابغ فى
تاريخ مصر .. فإذا بهم فى مراحل التعليم الجامعى تراجعوا , وغالبيتهم أصبحت فى ركاب المتخلفين فالسبب
واضح وهو أنهم طبقوا ما تدربوا عليه فى مراحل دراستهم الأولى والذى انحصر فى كيفية انتقاء النقاط الهامة
من المنهج وحصر التفكير على السبيل الأكثر أمانا لنيل الشهادات وإهمال التسلسل والتدرج المرحلى للتعليم
فما يتلقونه من معلومات ومقررات يلقون بها عن أذهانهم بمجرد دخولهم للمرحلة التالية وهكذا ..
وهو الأمر الذى لا يصلح فى التعليم الجامعى الذى لا يعتمد على حساب الدرجات , بل يعتمد على التقدير
وهو المسمى الذى غفل عن مغزاه الكثيرون لأن تقدير طالب الجامعة يعنى نظرة الأستاذ الجامعى لمدى إدراك
الطالب بغض النظر عن مطابقة إجاباته لما ورد بالمنهج بعكس النظام المدرسي الذى يعتمد على مطابقة
إجابات التلميذ لما ورد بنموذج الاجابة المنشور أمام المصحح
146
الثانى ..
وهو الكارثة الحقيقية .. أن الملقن بطبيعته الغير مدركة للجانب التربوى لا يدرك بالطبع قيمة رسالة المعلم التى
تعد أعظم رسالة فى حضارات الأمم , فيتعامل معها كانها مصدر رزق وتكسب وهو معيار ينزع عن المدرس
قدسية الرسالة التى يؤديها فيقوم بما يجنى له الكسب والتميز , وهذا هو السبب الرئيسي فى الظاهرة المؤسفة
التى نراها بين الطلبة ومدرسيهم فى الأيام الأخيرة من كل فصل أو عام دراسي حيث يكون التركيز منصبا على
الإختبار القادم وما يمكن التركيز عليه وما يمكن إهماله من المنهج ..
بل الأكثر فداحة من ذلك ظاهرة لمست تجربتها بنفسي بالقاهرة منذ سنوات قليلة عندما طالعت أوراق دراسية
كتبها أحد مدرسي اللغة العربية واحتوت على نماذج مكتوبة لمقدمات نثرية تصلح كافتتاحية لأى موضوع
تعبير بحيث يقوم الطالب بحفظها ووضعها كما هى بورقة الاجابة أيا ما كان الموضوع المطلوب من الطالب
الكتابة فيه لاختبار قدرته على التعبير !
وفداحة هذا الفعل أنه صدر عن من هو مأمون على تربية وتعليم الطلبة .. وبالطبع كان الوازع الذى حكم هذا
المدرس هو رغبته فى تفادى كل طريق من الممكن أن يتسبب فى فقدان درجات بالنسبة لطلبته حتى لو كان
غير قابل للتلقين كموضوعات التعبير .
147
التربية الاسلامية .. مبادئها ومراحلها
التربية الإسلامية هى التربية التى تُنشئ الفرد المسلم مؤهلا لأن يكون عنصرا صالحا بمجتمعه بغض النظر عن
حالة هذا المجتمع .. ولكى يخرج الناشئ وفق أسس تربوية ومعايير سليمة يجب أن يدرك الأب المربي عدة
مبادئ يتم تطبيقها بمنتهى الدقة إذا أراد لولده أو ابنته شخصية متزنة فاعلة فى المجتمع
أول هذه المبادئ وأهمها على الاطلاق هو توافر رغبة الأب فى تربية أبنائه .. !!
وقبل أن ينالك سهم الدهشة من تلك العبارة , تأمل مقاييس الأبوة وكيف هانت فى هذا العصر لتدرك كيف
تغيرت الطبيعة الفطرية لتلك العاطفة الأجَل فى العلاقات الإنسانية .. فتوافر إرادة المنح والعطاء بلا حدود
للأبناء وإرادة التربية ليست مُسلّما بها كما هو مألوف بعد دخول عوامل انتظار المقابل من الأباء أو من
بعضهم ..
والتركيز على دور الأب فى تلك الدراسة ليس إهمالا لدور الأم بل لأن دورها عاطفي فى أكثريته متوافر بطبيعته
والإستثناء فيه وإن كان واقعا إلا أنه لا يمثل النسبة الكاثرة المتوافرة فى تراجع دور الأب لأن دوره ينقسم
مناصفة بين العقل والعاطفة
ولهذا يظل الأب والأم كليهما ضروريا فى أداء دوره .. فمهما بلغت الأم حد الكمال والعطاء لن تتمكن من
تغطية دور الأب والعكس صحيح .. فالأم تحت تأثير العاطفة لا يعنيها إلا وجود الأبناء إلى جوارها بغض النظر
عن أى سوء ينالها منهم أو أية معايير من الممكن أن تباعد بينها وبينهم فقابليتها للغفران بلا حدود , وقلبها لا
يغير اتجاه الحب الفطرى للأبناء مهما كانت الأسباب ولهذا لا تتمكن الأم مهما أرادت من اتخاذ مواقف
صارمة كالذى يتخذها الأب عند الحاجة إليها وتتطلب قلبا متماسكا وتلك من حكمة الله تعالى فى خلقه
ولهذا نرى الأم تجزع من إصابة بنيها بأى سوء مهما كان هذا مبعثا للفخر والاعتزاز .. فأم الشهيد أو العالم
المهاجر لو شققت قلبها لتمنت وجوده إلى جوارها حتى لو فقد كل ما هو مثير للفخر بينما الأب يتدخل
العقل فيحكمه الرضا مهما نازعته عاطفته
وهذا الاختلاف هو الذى يبرر تراجع دور الأب ورغبه أو إرادة التربية والقدرة على تحمل مشاقها لعدة عوامل
قد تكون خارجية كالظروف الإجتماعية , وقد تكون خاصة كالطموح الشخصي الذى قد يحكم الأب فيجعله
غير قادر على إعطاء جل وقته واهتمامه لتربية أبنائه , وهذا هو المعيار الحقيقي لإخراج النوابغ ولذلك رأينا
العديد من العباقرة فى جميع المجالات لا يورثون أبناء فى درجة مماثلة أو حتى مقاربة من العبقرية بالرغم من
تفوق الملكات الشخصية لهؤلاء الأبناء بينما الأباء العباقرة لو فتشنا خلف عبقرياتهم نكتشف ببساطة من هو
148
الجندى المجهول الواقف خلف نبوغ هذا التميز وظهوره كاملا .. فنجد محمد الشعراوى الفلاح البسيط الذى
أخرج الشعراوى ونجد محمد السباعى الأديب العملاق الذى أخرج يوسف السباعى وهكذا ..
وهذا أيضا هو السبب الرئيسي الواقف خلف تفسير ظاهرة بيع مكتبات العباقرة من المفكرين والعلماء بمجرد
وفاتهم ..
والبائع هنا هم الأبناء لأنهم لم يتشربوا ما ورثوه أو يدركوا أهميته لانشغال آبائهم عن تعميق هذا بنفوسهم ..
فهؤلاء العباقرة وُلدوا لأباء تفوقوا فى إدراك ملكات بنيهم التى ظهرت بواكيرها فاشتعلت قدراتهم لأجل رعايتها
.. ولا يوجد تضاد فى الواقع بين إدراك الأب لصحيح دوره وبين طموحه الشخصي ومشاغله المختلفة ..
فالأمر يرجع فى البداية إلى حسن التدبير بين الأب والأم وإدراكهما لطبيعة رسالة الأبوة والأمومة باعتبارها
الواجب الأقوى لأى إنسان ..
لا سيما وأن دور الأب يبدأ خلال مرحلتين عمريتين للأبناء من سن السابعة حتى الرابعة عشرة وهى السن التى
تؤسس لمستقبل الطفل فيما بعد وهو الأمر الذى لا يدركه الآباء المهاجرون مثلا للسعى خلف الرزق وليس
فى ذلك عيب إلا التوقيت ولكن التفكير الأمثل هنا يدفعنا لسؤال بسيطعن الهدف الرئيسي لغربة الآباء عن
الأبناء فى سن احتياجهم والمبرر هنا معروف أن يكفل لهم حسن المعيشة فى ظل الظروف الاجتماعية القاسية
أو يحقق لهم مزيدا من الرفاهية فى ظل عالم ثري بمغرياته ..
هذا هو ما نجده من مبررات مباشرة لمسألة السفر للعمل بدول أخرى .. والذى غالبا ما يكون متزامنا مع سن
التربية للأبناء .. ولكن لو توافرت النظرة الأكثر عمقا للأمور سنجد أن تلك المبررات تقف فى صف عدم
الإغتراب عن الأبناء فى تلك السن .. هذا لو كان الهدف الفعلى للسفر هو ضمان حسن التربية لأن غياب
الأب لضمان توافر الجانب المادى يهدم بكل تأكيد البناء المعنوى والذى لا يقل خطورة إن لم يزد عن
الجانب المادى ..
لا سيما وأن الحياة فى ظل ظروف اقتصادية صعبة مع وجود الأب إلى جوار أبنائه فى سن الإعداد لا يؤثر
تقريبا على شخصياتهم سلبا وهو ما رأيناه فى معظم الفلتات العبقرية الذين خرجوا فى حضن الشقاء المادى
والثراء المعنوى .. بينما توافر المادة للأبناء فى ظل غياب الآباء يجزم بنقصان البناء حتميا لدى الأبناء الذين
يشبون عن الطوق وهم يتعاملون مع الأب رغما عنهم باعتباره مصدرا لرغد العيش .. مصدرا غائبا حتى لو
تواجد بينهم بين فترة وأخرى .. لأنهم اعتادوا على هذا الغياب وألفوه وهو ما يسبب فيما بعد انزعاجا شديدا
فى محيط الأسرة حال وجوده المفاجئ بعد طول غيبة ..
وعليه ليس من حق الأب المغترب هنا الإعتراض على ما يجده من نكران أو عدم ألفة من الأبناء فضلا على ما
سيلقاه من رفض كبير لأى ممارسة لدور فاعل فى التربية والتأديب .. هذا الدور الذى تنازل الأب عنه طواعية
149
أما بالنسبة للأم .. فغيابها قد لا يكون متصورا فى العادة .. إلا أنه فى ظل ظروف العصر الحالى نستطيع
الجزم بحدوثه .. وغياب الأم يختلف عن غياب الأب فى عنصرين ..
أولهما .. كون هذا الغياب كمشكلة سهل الحل نظرا لأن الأب أكثر عرضة لهذا الغياب سواء كان مستمرا
كالغربة أو متقطعا كفترات العمل الطويلة أو المبالغ فيها
وثانيهما .. أن هذا الغياب أشد وأكثر خطورة من غياب الأب ألف مرة .. لأن غياب الأخير يسبب فقدان
البناء السليم لشخصية الطفل وهو أمر من الممكن تدارك بعض جوانبه المفقوده بمزيد من الجهد .. أما غياب
الأم خاصة فى مرحلة السبع سنوات الأولى فهو كفيل بنسف شخصية وبناء الطفل نسفا لا يفيد معه العلاج ..
وهذا لطبيعة دور الأم التى تمثل الحضن الدافئ للطفل منذ مولده وحتى سن الإدراك والفضول .. ولذا ففترة
السبع سنوات الأولى هى فترة الأم بمعنى الكلمة يلتصق فيها الطفل بأمه باعتبار حضنها البديل الطبيعى للرحم
الذى تعود على احتوائه بغير منغصات ويزداد التعلق الفطرى بالأم مع اكتشاف الطفل لعالم آخر خرج إليه
ويبدو له مزعجا وغريبا وغير مأمون
وفى تلك الفترة تتكون عاطفة الحب الغريزى بين الطفل وأمه وهى أيضا فترة التلقين الأولى التى يعتمد عليها
بروز قدرات الطفل فيما بعد على الكلام والتعبير والمشي وهو ما كشفته الدراسات العلمية لتلك الفترة .. فما
تمارسه الأم مع طفلها ويبدو عملا فطريا بسيطا لا فائدة منه كالتدليل والحديث الدائم إليه وتحريكه بالدعابات
المألوفة هو ما يعجل بنمو الطفل وتفوقه بشرط الالتصاق التام بين الطفل وأمه فى تلك الفترة ..
وتأتى كارثة الغياب مع لجوء الأم لترك طفلها لأسباب ومبررات مختلفة منها الخروج للعمل أو الانشغال بأمور
خاصة فتقوم بأحد ثلاثة أشياء إما أن تترك الطفل لمربية , وإما أن تتركه لأخرى فى محيط الأسرة أو تودعه
إحدى دور رياض الأطفال المنتشرة فى فترة الانشغال ..
والثلاثة عناصر كارثتها واحدة
وتتمثل فى تدمير وتشويه العلاقة الطبيعية بين الطفل والأم وهو ما يفسد الغريزة الطبيعية ويكون له أبلغ الأثر
السيئ فى نفسية الطفل الذى ينجذب إلى أم أخرى وعالم آخر لن يعطيه العاطفة اللازمة لإشباعه , فيفقد أولى
معانى الانتماء فى أعماقه والتى تتطور فيما بعد مع مراحل عمره لتصل إلى فقدان الانتماء بالنسبة للعقيدة
والوطن ومن قبلهما الأسرة والمجتمع القريب
وهذا الإختراع المسمى دور الحضانة هو أخطر أسلوب اجتماعى فى تاريخ البشرية وهذا لا يحتاج توضيحا أو
تبريرا لأن من يقوم بالرعاية فى تلك الدور يقوم بدور وظيفي بحت , مهما كانت براعته لن يساوى مقدار خردلة
فى الرعاية الفطرية المتوافرة تلقائيا فى حنايا عاطفة كل أم ..
150
وكدليل عملى على تلك النتيجة سنلجأ الى نفس التقرير السابق ذكره والذى احتوى على فقرة معبرة عن تأثير
الغياب على شخص الأم والأطفال حيث أفاد التقرير فى بنده الحادى عشر والثانى عشر ما يلي :
نسبة 80 % من النساء فى الولايات المتحدة الأميريكية يعتقدن أن سبب التفسخات الاجتماعية
المباشر هو ما حصلت على المرأة من حرية كانوا يرونها لازمة ..
كما أن 87 % من النساء العاملات لو عاد بهن التاريخ إلى الوراء لجزمن بأن نداء حرية المرأة ما هو
إلا مؤامرة إجتماعية موجهة إلى شعب الولايات المتحدة لتخريب أجياله
فى عام 1980 أظهرت الإحصائيات الرسمية فقط أن عدد حالات الإجهاض فى النساء دون
العشرين عاما بلغ ( 1.553000 ) حالة إجهاض معظمها بسبب تعارض توقيت الحمل مع الإنشغال
وقبل أن نترك تلك النقطة الخاصة بخطورة غياب الأبوين .. لا يفوتنا التنويه عن إشكالية بسيطة لا تلفت النظر
لكنها تمثل ركنا أساسيا فى التربية ألا وهى تجمع العائلة على مائدة طعام واحدة مرة فى اليوم على أقل تقدير
..
فتلك العادة المفقودة بالذاتفى المدن كفيلة بتحقيق غياب الأبوين حتى مع وجودهما الفعلى مع الأبناء
فى محيط المنزل .. لأن انفراد كل عضو فى الأسرة سواء من الأبناء أو من أولياء أمورهم بأموره الخاصة فى
المأكل والنوم يُحيل المنزل من بيت أسري إلى فندق لا تجمع بين ساكنيه علاقة إلا اللقاء العابر ذهابا وإيابا
فاللقاء الدورى على مائدة الطعام يكفل حرارة العاطفة بين أفراد الأسرة وعدم ذوبانها ويكفل للأسرة التماسك
الحقيقي بالسؤال عن غياب كل فرد بدلا من أن يصبح الغياب أمرا طبيعيا لا يستدعى تساؤلا من أحد
إضافة إلى أن مائدة الطعام تمثل ما يشبه الاجتماع الدائم الانعقاد بين رب الأسرة وأسرته على نحو يكفل له
متابعة كل صغيرة وكبيرة ومراقبة كل تغير يطرأ على أحد الأبناء نتيجة لاعتياده الدائم على لقائهم مما يُيسر له
كشف أى تغيير وذلك من خلال الكلمات المتبادلة على المائدة أو حول طبق الفاكهة وما يتبع ذلك من
مسامرات هى الطريق الأمثل لدفع عروق الالتزام والانتماء بين أفراد الأسرة ..
وفى النصف الأول من القرن العشرين كانت الاسرة بالمفهوم الأوسع " الجد والأبناء والأحفاد والزوجات "
تجتمع كلها على مائدة الطعام فى تلاصق حميم , كان من نتائجه الطبيعية توثيق الروابط الأسرية التى تفككت
فيما بعد عقب تفكك مفهوم الأسرة لينحصر على الأب والزوجة والأبناء وفى خلال هذا العهد نبتت لأول مرة
الخلافات العصبية بين أبناء العمومة كنتيجة طبيعية لانحسار مفهوم القرابة أو الالتصاق .. ثم جاء العصر
الحالى حاملا رياح استقلال كل فرد بحاله لنشهد اعتداء الأبناء على الآباء أو على بعضهم البعض وهو الأمر
الذى أصبح طبيعيا لكثرة حدوثه واعتياد الناس عليه ..
151
والتماسك المتواتر الذى كان متوافرا بين الأبناء والآباء وباقي أفراد العائلة ثم بقية أهل البلدة أو القرية .. كان
هذا التماسك هو الخالق لدور المجتمع ككل فى تربية النشئ .. وهو ما ضاع تماما فى عصرنا الحالى فلم يعد
المجتمع يمثل دورا أو رهبة أو رقابة أو حماية كما كان معهودا منذ نصف قرن فقط من الزمان
" منذ عدة أشهر وفى وسط مدينة القاهرة تعرضت عشرات الفتيات لاعتداءات وتحرشات جماعية من بعض
الشباب ولم تجد الفتيات سبيلا لانقاذهن لا من المارة ولا من الشرطة التى أتت بعد الأوان .. ومثل هذا
التصرف الذى مر مرور الكرام لو حدث منذ نصف قرن فقط فى نفس المكان لقتل المارة فى الشوارع أى
معتدى يحاول أن يقرب أى امرأة تسير فى أمن وأمان تحت حماية القيم التى هانت اليوم "
وفى مجمعاتنا ننتظر ما هو أفدح اذا ظلت على شغفها بالنظم الغربية والتى أفادت عن أثر تلك الحياة على
الأسرة فى دراسة باسم " جهنم الشخصية " نشرها مجلة تايم الأميركية وورد فيها :
( بالنسبة للطفل أو المرأة يعتبر البيت أشد خطر من الشارع والعنف المنزلي يسبب في سقوط ضحايا أكثر
مما تسببه الأمراض أو حوادث الطريق . وحسب الإحصائيات الأمريكية: 80 % من جرائم القتل هي جرائم
عائلية ، و ( 24،500 ) جريمة عائلية في عام 1993 م ، و 48 % من الجرائم مسرحها البيت )
والسبب الطبيعى لإنتظار تلك النتيجة بمجتمعاتنا هو التغريب الذى حل بالبلاد والعباد ليشوه العالم العربي
وينزع عنه كل صفاته التى صنعت منه كيانا متماسكا .. وكل هذا تحت دعاوى استيراد حضارة الغرب .. فلا
نحن أصبحنا عربا كما كنا ولا صرنا غربا كما هم بالغرب .. ولم يبق لمن أراد التربية السليمة الأبنائه إلا
الإنكباب على خويصة نفسه على حد قول الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وتطبيق حدود التربية الاسلامية
داخل محيط أسرته
والتربية الاسلامية لا تعتمد فقط على دور الأب أو الأم أو المجتمع فقط .. بل يلزم هنا أن ندرك مقومات
النجاح فى تربية النشئ تربية صالحة وتنقسم تلك المقومات إلى نوعين ..
نوع غيبي لا سلطة للمربي فيه ولا علاقة له بالناشئ .. ونوع آخر يعتمد كليا على ممارسة المربي لشروط التربية
الاسلامية ويقع أثره على الناشئ
أما النوع الذى لا سلطة للمربي فيه .. فهو الذى عرفناه من الآية الكريمة
ا] _ً __ِ H َ _ً ;َ ْ - ا ;ُ_;ُ3َ,_ ا للهَ وَ ْ ;ُ3َّ_َ,_َ ْ Oْ "ِ ,َ ْ _& ا َ ;ُ _N َ _ً _5َ j ً ِ +َّ_ ذُرِّ Oْ "ِ Lِ _ْ N َ .ْ _ ا ِ ;_ُ (َ َ _ ;ْ _ َ .َ _:َّ ِ _ ا lَ _َ ْ ,_ [وَ ْ
{ ء: 9 G8_ {ا
وهو شرط جوهرى بدونه لا مجال لانتظار النتيجة المرجوة بالنجاح فى التربية .. فلابد للأب المربي أن يتقي
الله بالمعنى الحقيقي للتقوى وينطق لسانه بالقول السديد إذا أراد لتجربته أن تنجح فى بنيه ..
152
فمهما حرص الأب على تطبيق القواعد التربوية لن يخرج الثمر اليانع بينعه أبدا ما دامت التقوى غائبة مع
القول السديد , لأن الغرس يعتمد على نشاط الغارس مقرونا بتوفيق الله ولن يكون هناك توفيق بدون الشرطين
السابقين ..
وبالنسبة للنوع الثانى فيكن إجماله فى الشروط التالية والتى تم تقسيمها إلى ثلاثة مراحل عمرية مختلفة لكل
مرحلة طريقة فى التعامل مع الناشئ وهو الأمر الذى تحدث عنه أشرف الخلق سيدنا محمد عليه الصلاة
والسلام فى الحديث الشهير الذى تحدث فيما معناه
" لاعب سبعا وأدب سبعا وصاحب سبعا ثم اترك الحبل على الغارب "
ففي خلال السبع السنوات الأولى لا يكون مطلوبا من الأب إلا المتابعة والرعاية فقط وليس مطلوبا نهائيا أن
تكون هناك أدوات منع أو حظر بالنسبة للطفل الذى يجب تركه على سجيته وحريته إلى أقصي مدى لاشباع
عناده الطفولى الغريزى لأن عدم إشباع العناد هو الذى يتسبب فيما بعد فى تمرد الطفل بعد أن يطرق مرحلة
الفتوة والشباب
وإضافة إلى المتابعة .. يجب أن يكون فى ذهن الأب المربي حقيقةدامغة وهى نظرة طفله إليه يكون مؤداها
أنه قادر على كل شيئ وأى شيئ فمنتهى بصر الطفل فى تلك المرحلة يقع عند أبويه .. فيلزم الحرص الكامل
معه فى تلك المرحلة لإجابة طلباته من ناحية والأهم إجابة استفساراته بطريقة بسيطة تناسب سنه مع توخى
الحذر الشديد وعدم الاستهانة بعقل الطفل وإظهار الإستهانة أوالسخرية من تساؤلاته لأنها فى الواقع تكون
تساؤلات معضلة فى أغلب الأحيان
" مثلا سؤلت من طفل لم يبلغ الرابعة من عمره عن ما هية الجماد فأجبته بأنه كل ما لا يأكل ولا يشرب
ففاجأنى بسؤال أفدح عندما استفسر منى قائلا إذا هل يعتبر الله من الجماد لأنك قلت لى من قبل أنه لا يأكل
ولا يشرب !! "
وتاتى المرحلة التالية وهى السبع السنوات المضروبة للتأديب وهى مرحلة أخطر من سابقتها لأنها مرحلة الإلزام
الجبري باتباع قواعد معينة وتدشين العقيدة فى عقل الطفل بممارسة الصلاة والعبادات وإجباره عليها إن أبي ..
وتلك المرحلة تبدو سهلة أو واضحة فى كونها تقتضي تلقين الطفل العبادات المطلوبة والبدء فى تغذية عقله
بالمعلومات .. وكل هذا بسيط لكن ما يجدر الإلتفات إليه هو ضرورة أن يتضاعف حذر الأب أمام طفله فى
تلك المرحلة لأن استيعابه وذاكرته تكون أشد ألف مرة من ذاكرة والده فضلا على أن عقل الطفل يبدأ فى
التفتح لاستقبال المثل العليا وأولهم والده .. ويجب أن يعرف كل أب أن طفله فى تلك السن سيقرن أى أمر
يتلقاه بموقف والده إزاء نفس الأمر وستكون الرقابة بينهما متبادلة .. وتصبح كارثة بالطبع إن طالب الأب ولده
153
بالصلاة والإنتظام فيها وهو نفسه مقصر بها .. وكذلك أن يُعاقب الوالد على الكذب ثم يراه الطفل فى نفس
الموضع ..
ومعيار الخطورة هنا أن الطفل تحت تأثير خوف العقاب لن يجرؤ على مصارحة والده بانتقاده له لكنه سيكتمه
ويفسره بأن الشيئ الوحيد الذى يجبره كطفل على الإنصياع لتلك الأوامر القاسية هو كونه صغير السن وتحت
ولاية الغير وبالتالى عندما يشب عن الطوق سيكون من حقه ترك تلك القواعد كما فعل والده .. !!
فضلا على أمر بالغ الأهمية يتناساه معظم الآباء وهو ضرورة أن تكون الأفعال المحظورة التى يحذر الأب
المربي منها أبناءه هى أفعال مُجرَمة مع التبرير لا بمجرد إصدار الأمر بعدم فعل شيئ ما دون منطق مقنع
للطفل
وأخطر أمثلة هذا الأمر هو ما يفعله الآباء لتبرير تصرفات منتقدة يمنعون منها أبناءهم ويقررونها لأنفسهم
كالتدخين مثلا .. بعض أولياء الأمور يضطر إلى نزع صفة العادة السيئة أو الضارة عن التدخين لكى لا يبدو
أمام طفله مقصرا أو مخطئا .. وتلك كارثة لأن الطفل سيختزن هذا بذاكرته ولن يجد مانعا أمامه من ممارسة
نفس الشيئ وسينمحى منطق الوالد فى ثورته على ابنه المدخن ولن يجد أمامه إلا اتهامه باساءة الأدب عندما
يسأله الإبن بمنطق بسيط
إن كان التدخين فعلا سيئا فلم تفعله وإن كان مباحا فلم تمنعه عنى ؟!..
فيضطر بعض الآباء هنا إلى الهروب من المأزق بتقرير حقيقة أن التدخين للكبار مباح وللصغار ممنوع .. وهى
كارثة أخرى سيجنى الأب سوء ثمرتها فيما بعد عندما يدخل الإبن المرحلة الثالثة وهى الأخطر والمسماه
بمرحلة المراهقة .. والحل الوحيد أمام فعل التدخين أو غيره مما يضطر الآباء إلى ارتكابه أمام أبنائهم ليس
إنكار حرمة تلك الأفعال بل تقرير حرمتها والإعتراف أمام الأبناء بالتقصير لتأكيد قيمة الحق فى أعماقهم ومبرر
الآباء فى منع الأبناء من تلك التصرفات هو منع الخطر عنهم بسبب أفعال تمت تجربتها ولم ينجح الآباء فى
الخلاص منها
وإن انتقص هذا من قدر الوالد فى شيئ أمام طفله فهذا أهون كثيرا من إسباغ المشروعية على أفعال غير
مشروعة فضلا على أن نطق الوالد أمام طفله بالحق دائما هو السبيل لإعلاء قيمة الحق والاعتراف بالخطأ أمام
الأبناء
وتبدأ أيضا قدرة القراءة والاستيعاب فى تلك المرحلة .. وهى التى يجب أن يقوم الوالد فيها بدور الأب ودور
المعلم فى نفس الوقت تفاديا لقصور دور المدرسة فى تنشئة الأبناء للأسباب السالف ذكرها .. لا سيما مع
نظم التعليم الحديثة التى ضربت الجوانب التربوية فى مقتل بتقريرها للغات الأجنبية مثلا فى مرحلة التعليم
الابتدائي وهو الأمر الذى يضر أبلغ الضرر باللغة العربية التى يلزم تلقينها للطفل من البداية ولفترة كافية بشكل
154
منفرد لأسباب تعليمية وعقائدية أيضا لأن تلك الفترة هى فترة تعليم ممارسة العبادات وأولها الصلاة واللغة
العربية السليمة هى بوابة الإجادة فى تلك العبادات التى يجب أن يتشربها وعى الطفل قبل البدء فى شغل
عقله بلغات أخرى ستحل محل العربية لسهولتها من ناحية وأيضا لكونها شيئا جديدا ومثيرا يلفت انتباه التلميذ
ويدفعه إلى السعى خلفه ..
إضافة إلى أن تلك المرحلة تكون مرحلة التدريب للسعى خلف المعلومة واكتسابها لأن عقل الطفل فى تلك
المرحلة يكون مؤهلا لتسجيل ما يراه فى ذاكرته التى تتسع لمعارف ضخمة تؤسس شخصيته , فيلزم هنا للأب
أن يتولى تعميق هواية المطالعة واكتساب المعلومات لدى طفله بشكل شيق لا يمثل إلزاما بحيث تبدو تلك
المعارف عبارة عن فترات لهو ولعب لا فترات تعليم وإجبار تنفر الطفل بطبيعتها الإلزامية وهو الذى يعانى من
إلزام المرحلة الدراسية والعبادات
وتوفير هذا أمر بسيط للغاية يتمثل فى اصطحاب الوالد لطفله إلى رحلات ترفيهية منوعة زاخرة بشرح من
الوالد لما يراه الطفل أمامه فتقترن المعلومة بالمشاهدة ونفس الأمر بالنسبةلطبائع المجتمع حيث يجب أن
يتولى الوالد شرحها خلال تلك الفترة بأسلوب شيق يبين للطفل فيه الجوانب الايجابية والسلبية وآثار كل
منهما على المستقبل بشكل بسيط يستوعبه الطفل بيسر وسهولة
بهذا الشكل سيحفز الآباء فى الأبناء حب تلقي المعلومات وهو الطريق الذهبي للقراءة والتى تعد أمرا لا غنى
عنه فى تلك الفترة ويجب أن يتعامل معها الآباء كضرورة لا كموهبة يشجعونها إن توافرت ابتداء فى أبنائهم ..
ولتعميق حب القراءة على الآباء اجتلاب القصص المسلية والمصورة المعدة خصيصا للأطفال وهذا وحده
كفيل بتحقيق هدفين هامين ..
الأول : ستكون تلك القصص بما لها من أساليب مشوقة دافعا لاستقرار الطفل فى المنزل وعدم سعيه الدائم
للخروج إلى المجتمع فى ظل المحاذير التى نعانيها بعصرنا الحالى ..
والثانى : ستكون تلك القصص هى الطريق والتدريب اللازم لحب القراءة والذى من الممكن أن يكبر تدريجيا
مع الطفل فيستبدل ما يطالعه بما يناسب كل مرحلة سنية قادمة .. إضافة إلى أن تعود القراءة سيكسب الطفل
الثروة اللغوية اللازمة لتدشين اللغة العربية السليمة بأعماقه وهو أهم هدف فى تلك الفترة
بقي أن نقول أن تلك الفترة هى فترة التأديب الجبري بمعنى أن العقاب يكون ماديا بالضرب عند الأخطاء
ولكن بمراعاة لوازم هامة .. تلك اللوازم تتوافر فى أن العقاب يكون متناسبا مع الخطأ من ناحية ومع تكراره من
ناحية أخرى ..
إضافة إلى الحرص الكامل فى عدم التجاوز فى العقاب , مع ضرورة وجود المكافاة فى حالة الإلتزام وتعميق
الشعور لدى الطفل أنه سيكافئ بشكل مضاعف على أفعاله الحسنة التى يقوم بها بمبادرة منه حتى لو كانت
مجرد ممارسة هواية الرسم مثلا .. فيجب أن يظُهر الأب اهتماما فائقا بما يقدمه إليه الإبن مهما كان المقدم
155
منه تافها أو عرضيا لأن مجرد سعى الإبن لكسب رضا والده أمر بالغ الأهمية يجب أن يكون فى قمة اهتمام
الأب .. نضيف إلى ذلك أن العقاب المادى للطفل يجب أن يقترن بهيبة الأب بمعناها الصحيح ..
فما أبعد الفارق بين طفل يخشي من أبيه ويخافه .. وطفل آخر يخشي إغضاب والده من منطلق حبه وتقديره
له ..
فالطفل الأول تحكمه عقدة الخوف من عقاب والده , بينما الثانى يحب والده ويحترمه بأعماقه على نحو
يجبره على السعى إلى رضاه وهى نفس نظرية الحاكم المتسلط والحاكم الصارم العادل كلاهما يتمتع بخشية
مواطنيه لكن الفارق ضخم بين الخشية مع الاحترام والحب والخشية مع تمنى زوال أسباب الخوف
وتأتى المرحلة الثالثة حاملة معها رياح الإدراك والفتوة والأهم مرحلة البلوغ وما يتبعها من آثار .. وتلك المرحلة
ليست مرحلة تعليم جبري لكنها مرحلة مصاحبة وإختبار لما سبق أن تعلمه الطفل فى سابق السنوات ..
بمعنى أن دور الأب هنا يقتصر على المتابعة الحثيثة لتصرفات الابن وتركه على حرية نسبية وليست مطلقة
واختبار ردود أفعاله إزاء الأشياء بحيث تكون رقابة الأب هنا خفية والعقاب لا يكون هو الجزاء الوحيد إزاء
الخطأ كما فى المرحلة السابقة بل يكون العقاب الأول هنا مصارحة الفتى بخطئه وإحراجه أمام نفسه كصديق
أخل بوعده أمام صديقه .. ومع العتاب أو العقاب المناسب يكون الإصلاح وإعادة التأهيل مع الوضع فى
الإعتبار حقيقة بسيطة للغاية تغيب عن معظم الآباء .. أنهم كانوا فى يوم من الأيام فى سن أبنائهم وفعلوا نفس
الشيئ وربما أكثر لكنهم عندما تثور ثائرتهم على تقصير الأبناء يتعاملون مع أفعالهم بسن الأب لا بسن الشاب
الجامح الرغبة
ومن مطالب المرحلة الثالثة شدة الحرص والمتابعة عن بعد بشكل ما لصداقات وأقران الأبناء .. والرقابة هنا
يجب أن تكون بعيدة لحفظ اتزان الابن فى سنه الحرجة المتمردة والتى يشعر فيها بكيانه ويرفض من داخله
تدخل الأبوبن فى حياته الشخصية أو توجيه اللوم إليه أمام الغير " وهى عادة سيئة لدى بعض الآباء ترتب أثارا
نفسية ضخمة " .. ومن هنا كانت أهمية أن تكون المرحلة الثالثة مرحلة مصاحبة وتقارب شديد بين الأب
والابن ..
وفى العصر الحالى .. صارت مسألة رقابة الأقران وأصدقاء الأبناء أهم مهمة للأب فى تلك الفترة .. مع كل ما
يسببه الأقران من كوارث فادحة بشخصية الأبناء ولذلك على الأب توخى الدقة فى الكشف عن تصرفات
الابن ومعاملتها بشكل مختلف
فإن كانت ناجمة عن وسوسة لأحد أقرانه .. وأتى الابن بفعل خاطئ تحت تأثير القرين مهما كان بسيطا هنا
يجب أن تكون ثورة الأب عارمة وقوية بعكس الحال إذا كان الخطأ بفعل الابن ذاته ومن عقله هو .. يكون
العقاب مخففا
156
لأن تلك الطريقة ستدفع الإبن لإدراك خطورة الإنسياق خلف قرين من ناحية .. ومن ناحية أخرى فإن ما
يتسبب فيه الإبن من أخطاء تكون ناجمة عن عقله هو أمر سهلُ معالجته بجلسة عتاب أو عقاب واحدة لأن
الأب يخاطب عقل ابنه مباشرة ويقنعه ..
أما إذا كان الفعل من وسوسة الأقران فهنا لن تفيد جلسات المصاحبة لأن ما سيفعله الأب سيفسده القرين فى
اليوم التالى .. ونقطة أخرى بالنسبة للعقاب البدنى والذى يجب أن يتغير فى مفهومه عن المرحلة السابقة ..
بحيث يكون العقاب فى أضيق الأحوال ولابد أن يتحلى الأب بطبيعة الرصانة والعزة فى غضبه لأن اعتياد
الآبناء على ثورة وعقاب الآباء يُسقط هيبة هذا العقاب من حسابهم نهائيا باعتباره أمرا روتينيا يحدث بسبب أو
بدون سبب
وتتطلب المرحلة الثالثة باعتبارها مرحلة المصاحبة ضرورة هامة هى الحوار الدورى بين الأب والإبن , وهو أمر
إذا غفل عنه الآباء سيكون كفيلابتدمير المرحلتين السابقتين لأن الحوار داخل المنزل سيغنى الشاب عن طلبه
خارج المنزل
والحوار بين الأب والإبن يجب أن يكون بمحتوى معين لا مجرد سؤال عن الأقران أو الأحوال فى الدراسة وما
إلى ذلك من أحاديث تعمق بداخل الإبن فكرة الولاية لا فكرة المصاحبة.. والأب المربي حقيقة هو من
يدرك الجانب الفكرى الذى يلفت نظر الإبن فيحدثه فيه بأسلوب يتعمد فيه الأب إظهار احترامه لوجهات نظر
الإبن حتى لا تؤدى استهانة الأب بوجهات نظر الابن إلى الإشكالية المعروفة بين الجيل القديم والجيل الجديد
والتى نسمعها بالعبارة العامية المأثورة " أبويا دقة قديمة .. "
كما يجب أن يركز الوالد فى المناقشات على المقارنة بين التجارب وتقرير المثل العليا بشكلها الصحيح أمام
أبنائه لأن فترة المراهقة هى فترة الذبذبة بين إدراك الحق والباطل لا سيما ونحن فى عالم متغير يمتلئ
بالمتناقضات .. فحرص الأب هنا لازم وجوبا ليعرف الأبناء سير سابقيهم من العظماء ولماذا وكيف أصبحت
لهم تلك المكانة فضلا على إظهار المفاهيم الصحيحة للمعانى التى اختلت كالفن والابداع والتحضر والرقي
والقوة والحرية والحق وكيفية ممارسته .. فكلها أصبحت مجالات مشوهة بعد إطلاق نفس الأوصاف على
أنشطة مخالفة للطبيعة الفطرية
هذه ببساطة المبادئ العامة لإخراج النشئ .. وهى التى تاهت عن عقول الآباء فى خضم الظروف الحياتية
المتقلبة وانحسار دور المجتمع تماما فى تربية الناشئين .. وتلك المبادئ لن تكون قابلة للتطبيق مع الآباء
الفاقدى الثقافة والمعرفة فى الأصل لأن القاعدة تقول " فاقد الشيئ لا يعطيه " ..
كما أنها لن تكون ذات نفع مع الآباء والأمهات اللواتى فضلن الطموح الشخصي على منح الوقت والجهد
الأكبر لرعاية الأبناء والاكتفاء بتوفير المستوى المعيشي الملائم وفقط بإعتبار أن توفير هذا المستوى كفيل
157
بإخراج الأبناء إلى خضم الحياة سالمى النفس والبدن أو كما يحلو للبعض ترديد المقولة الشهيرة " متربيين
أحسن تربية "
أو إظهار الضجر ليل نهار من أثر مسئوليات الأبناء وتكاليفها وكلا الطريقتين تخلق حساسية وشعور بالمن لدى
الأبناء .. وهذا طبيعى لأن تربية الأبناء ليست عملية ربحية تخضع لقوانين السوق المعهودة ..
بل هى أخطر مهمة للإنسان كما أنها سر بقائه ومقياس حضارته وأساس رسالته فى هذه الحياة ..
ويكفي أن ندرك أن التربية السليمة للأبناء تكفل الخلود للآباء ..
بينما الأب الغافل عن مفهوم التربية الصحيحة يموت حين يموت ..
158
فصل إضافي حول مفاهيم التربية
المرأة وقضية العلم والعمل والزواج
كثيرة هى الدعوات التى تسللت خفية أو صراحة إلى المجتمع الإسلامى حتى وصلت اليوم إلى ما وصل إليه
وكانت الضربة الكبري موجهة فى قضية التشريع بفرعيه القرآن والسنة ثم فى النظم الإجتماعية والتى تركزت
حول فكرة تحرير المرأة
والواقع أن قضية المرأة رغم أنها ليست قضية فى الأصل وبنودها واضحة إلا أن اللجج والتسطيح وتعمد خلق
التفريعات المحيطة بالموضوع كان هو السبب فى التغييب الذى نعانى منه
وبشيئ من الموضوعية والإطلاع دعونا نناقش الفروع الثلاث العلم والعمل والزواج بين عصرين ..
العصر منذ ظهور الإسلام وحتى منتصف القرن العشرين , والعصر منذ عام 1950 إلى اليوم
عصر التخلف كما يسمونه العلمانيون , وعصر التحضر الحالى , ولنر بالإحصائيات والتجربة قبل المرجعية من
من العصرين كان أقدر وأكفأ ؟! وأى التجارب أقوى وأوفق
لأن النقاش واحتكاك الآراء لن يكون له محل فى ظل وجود التجربة لأن النظرية .. أى نظرية إذا تمت تجربتها
فهنا لا وجود للمناطحة أو المزايدة بالرأى بعد يقين النتيجة الذى يبين أين موقف التجربة من الحق ؟
ومع التجربة .. من الضرورى أن ننوه بشأن المرجعية , ولا خلاف على أن مرجعيتنا هى ما تقره الشريعة وتبينه
من حدود يتوقف عندها حد الرأى وحد النقاش
* فكرة الخروج الحر للمرأة والعمل
فى تلك النقطة لن نحتاج لكلام بعد كلام الإمام , فالشيخ الشعراوى أثار تلك القضية وكان أول مستنبط
لأحكام الإسلام فيما يخص خروج المرأة عن طريق معالجة قصة بنات شعيب عليه السلام مع موسي عليه
السلام
وسأركز فى طرح فكرتين عبقريتين استنبطهما الإمام الراحل وتعد من فرائد ما أتى فى مجال التفسير ومعالجة
الواقع المعاصر بالفهم الإسلامى السليم وهما فكرتان لخصتا قضية المرأة تماما
قام الإعلامى فوزى ناصف بسؤال الشيخ مستوضحا عن قوله بشأن قصة شعيب عليه السلام كيف استنبط
منهما الإمام أن الأصل ألا تعمل المرأة عملا خارجيا بينما الاستثناء الضرورى وحده هو الذى يعطيها العذر فى
ذلك
فقال الإمام
159
{ أنا أول من أثار قضية عمل المرأة من خلال استنباط معانى قصة شعيب وابنتيه عليه السلام .. المرأة التى
صنعوا منها ومن قضيتها رأس حربة ليثيروا بها القلاقل حول الدين الإسلامي ..
فالله عز وجل عندما يقص القصة لا يكون هذا بغرض التسلية بل يكون بقصد أخذ العبرة والعلم فلما تعرض
لهذه القصة جل سبحانه قال تعالى
[وَلَ  ما وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمةً مِنَ الناسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا
{ نَسْقِي حَتى يُصْدِرَ الرعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ] {القصص: 23
هذه الآية المنفردة والتى تعبر العين عليها فى ثوان أعطتنا قضية المرأة وحكم خروجها عبر الاستنباطاتالتالية
أولا .. ففي قوله وأبونا شيخ كبير علة وعذر قدمتها الفتاة وبالتالى أصبحت هناك قاعدة وهى ألا تخرج المرأة
بغير علة من بيتها ولولا هذا ما ردا على استفسار موسي عليه السلام بشرح السبب وإعلان العلة وهى غياب
العائل
ثانيا .. قوله عز وجل لا نسقي حتى يصدر الرعاء معناها أن العلة إن أجبرت المرأة على الخروج فليس معنى
هذا أن تتحرر من كامل حرصها بتوافر العلة ولكن تتخذ سبل الحيطة والحذر ولا تشارك الرجال أماكنهم صيانة
لأنوثتها ولولا هذا ما أتت الفتاتان تزودان أى تهشان الغنم عن الماء حتى ينتهى التزاحم والتلاصق حول البئر
ثالثا .. وتستمر الحكمة القرآنية فى قوله عز وجل فسقي لهما .. وهذا يعطينا حكما ثالثا على أن المرأة إذا
خرجت للمجتمع فى غياب العائل فعلى المجتمع أن يخف رجاله لكفاية حاجتها
رابعا .. خروج المرأة للضرورة يجب ألا يكون انتهازا للفرصة بمعنى أن المرأة عندما تضطر لذلك فيجب أن
يكون شعورها مستمرا بتمنى العودة لبيتها حال وجود الفرصة وهذا ما حدث عندما قالت كبراهما يا أبت
استأجره .. ففي هذه العبارة دليل على أن خروجها لم يكن إلا رغما وحال توفر فرصة العودة لبيتها قامت بتنبيه
والدها ولو أن الخروج كان فى نفسها هدفا لما نبهته }
وهكذا أتى الشيخ الشعراوى بتلخيص بديع لقضية أثارت جدلا متعمدا على غير ذى واقع ولخص الأمر لمن
أراد الإلتزام
وسأله الإعلامى فوزى ناصف .. اسمح لى أن أسألك ما هو مقياس الضرورة ؟!
فقال الشيخ بعد ضحكة خفيفة { الضرورة مقياسها أنها تموت جوعا لو لم تطبقها .. ولكى يكون الكلام
صريحا إنك عندما تخلص النية لتطبيق شرع الله ومنهجه يوفقك الله حتما إلى إتمامه فليس الأمر أمر التماس
أعذار أو انتهاز فرص }
فعقب الإعلامى قائلا .. هل نعتبر هذا رأيا للشيخ الشعراوى ..
وهنا أتى الشيخ باستنباطه الثانى الذى لا يقل روعة عندما أجاب






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:03
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

160
{ أى رأى يا رجل ؟!
إنه ليس رأيا إنه قرآن ..
للمرأة عمل وواجب لو أنها حرصت عليه أمام زوجها ومنزلها وأبنائها لما وجدت وقتا لتأكل وتشرب وهكذا
رأينا أمهاتنا فى بلاد الفلاحين عندما ينتهى عمل المنزل تبدو منهكة القوى ..
وليس الدليل القرآنى على أن الخروج للعمل هو واجب الرجل وحده قاصر على قصة شعيب .. فأمامنا قصة
سيدنا آدم عند خروجه من الجنة ونزوله للأرض عقب مخالفته لربه قال له عز وجل
{ [فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِ  ن هَذَا عَدُو لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنكُمَا مِنَ الجَنةِ فَتَشْقَى] {طه: 117
ومع التأمل فى الآية الكريمة نجد أن الخطاب بالمثنى فلا يخرجنكما وبالرغم من هذا فقد ختم الآية بخطاب
آدم منفردا قائلا له فتشقي .. فلماذا ؟
هذا الخطاب متعمد لأن واجب الخروج للشقاء هو واجب الرجل وحده أما المرأة فمهمتها الداخل وهى مهمة
لو أبصرتم لا تقل إن لم تزد أهمية ويكفي أنها ستتعامل مع من لا عقل له }
انتهى كلام الشيخ وظهر الدليل الذى لا مراء فيه على حكم الإسلام فى هذا الشأن
وسبحان الله كم من مرة نمر على الآيات ولا تلفت أنظارنا كوامن أسرارها البديعة .. وليس هذا بمنته عن القرآن
فهو الذى أتى معجزة الزمان إلى آبد الآبدين لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء
وبعد وفاة الإمام الراحل بأقل من عامين طالعتنا الأنباء بعدة أخبار كم أتمنى لو تأملها المتأملون ليدرسوا ويروا
بأعينهم كيف أن شرع الله تعالى هو الأنسب للبشر وكيف جاء الحق على لسان أعدائنا
فالذين صدعوا رءوسنا بالحضارة الغربية والمدنية والتقدم بمفاهيمهم التى يرونها لتلك المعانى لم نسمع لهم
صوتا على ما جاءت به الأنباء من أوربا عن تشكل أغلبية الرأى العام هناك تحت لواء النداء بالعودة للطبيعة
والبساطة والخروج من غابات الأسمنت ومنح الفرصة لغذاء الروح وتشكلت بالفعل عشرات الجماعات التى
قامت برحلات متكررة فى فصول العام تخرج بها إلى الغابات وتعيش معيشة الإنسان البدائي بعد أن ملكوا أمر
الدنيا لقرن واحد فدمروا الأرض بالموت البطئ عبر مختلف السموم و الأدخنة والاختراعات الترفيهية التى
تجنى وبالا على الطبيعة
وجاءت الأنباء أيضا من روسيا مهد الشيوعية التى قالت بأن الدين أفيون الشعوب ثم أتى أن علماؤها
المتفوقون مؤخرا
فى مجال فسيولوجيا المخ والأعصاب ليعلنوا ما إليه انتهت أبحاث أكبرهم وهو البروفيسور أنوكى إلى أن
وظائف المخ الرهيبة التى تم اكتشافها وضعت أمام العلماء حقيقة أن المخ يتكون من نصفين مختلفين فى
الوظيفة فالأيمن للعقائد والفنون والأنشطة الذهنية بينما الأيسر للأنشطة العضلية والمادية وخرج فلاسفة أوربا
بعد هذا الاكتشاف بنتيجة أن الأمراض النفسية التى تعصف بالعالم الغربي وتؤدى إلى مختلف أنواع جرائم
161
المجتمع والانتحار والشذوذ ناتجها تعطل وظائف النصف الأيمن مع الاهتمام الساحق بوظائف الجزء الأيسر
فكان من الطبيعى أن تنهار بنية المجتمع الغربي بهذا الشكل
ووقف أحد مفكريهم يقول ويا للسخرية إننا نحسد الحضارات الشرقية بالرغم من تخلفها التكنولوجى
لأنهم استثمروا النصف الأيمن بوجود العقيدة التى مثلت حاجز الحصانة بينهم وبين هذا الانهيار
بينما نحن فى الشرق على حد قول المفكر د. مصطفي محمود لا أصبحنا نمثل أنفسنا كشرقيين ولا حتى
أدركناهم فى تقدمهم المادى بل أصبحنا كائنات مشوهة تحت تأثير التبعية للغرب وثقافته التى احترفت
التضليل المنظم
ومن الولايات المتحدة الأمريكية وعقب حوادث العنفوالقتل والتحرش التى ضج بها المجتمع الأمريكى
بنسبة خرافية حوالى 70 % من النساء يتعرضن للاعتداءات المختلفة التى تكون من نتيجتها إخضاع الضحايا
الأحياء لإعادة تأهيل نفسي فقد أجرت إحدى المؤسسات الصحفية استفتاء على هامش هذه القضية فجاءت
النسبة الساحقة من النساء مؤيدة لوجهة النظر القائلة بأن مبادئ ومذاهب حرية المرأة ما هى إلا مؤامرة على
الشعب الأمريكى ؟!
مؤامرة ؟!
وإن كانوا هم أهل وأصحاب هذه المذاهب والتى صدروها لنا فى علب الأفكار المستوردة ولا زالت ذيولهم
حتى الآن تنادى بهذه الأفكار ومع ذلك يعتبرون أنفسهم ضحايا فما الذى نوصف به نحن إذا ؟!
والسؤال الأكثر أهمية إن كان العالم الغربي بأوربا وأمريكا تراجع عن سائر مذاهبه وبدأ فى إعادة هيكلة نفسه
بل ونقل العدوى لليابان أيضا فما بالنا نحن فى مجتمعاتنا لا زلنا نجد من يقف وينادى ويكرر بأسلوب بالغ
السخافة والحماقة نفس القضايا التى جعلت مجتمعاتنا أشبه بملهاة مضحكة فالنساء يعلمون والشباب القوى
القادر على العمل يقضي وقته فى المقاهى وتحت تأثير هذا الخراب الإجتماعى وتحت تأثير وجود المرأة
بالشارع بهذا الانتشار وانتشار ثقافة التحرر أصبح الشباب بطبيعة الحال عازفا عن الزواج وهو الأمر الطبيعى
لأن المرأة أصبحت فى متناول يده وتحت نظره كل يوم
فظهرت ابتكارات العلاقات الفاسدة كعقود الزواج العرفي وغيرها تحت تأثير واحد فقط هو إلحاح الشهوة من
الطرفين
وظهر أيضا زواج المسيار الذى أفتى الفقهاء بجوازه نعم .. لكن هل يمكن إنكار أنه ابتذال لمكانة المرأة
ووضعها الذى نظمه الإسلام فى إطار تنظيم إجتماعى متكامل ؟!!
162
وقضية العمل كما قلت تبدو مضحكة إذا طالعنا الحالة الإقتصادية وتأملنا كم نوعا من الإجازات مخصص
للمرأة العاملة وليس لها مثيل عند الرجل العامل بالطبع .. والسؤال هنا أى فائدة يجنيها المجتمع من تعطيل
طاقة عاملة صالحة لوقت العمل كله فى سبيل إخراج طاقة ليست مؤهلة لتحل محلها ؟!
لقد بلغت الإجازات المقننة للمرأة العالمة أكثر من عشرة أنواع من الاستثناءات والإجازات منها ما يمتد إلى
عام كامل , فى الوقت الذى تضرب فيه البطالة كيان المجتمع بسبب انشغال أماكن العمل بالنساء واللواتى
وصلن حتى إلى الجيش والشرطة والقضاء وكأن البلاد قد خلت من رجالها أو شبابها المؤهل لتلك الوظائف
فى حين أن بمصر مثلا يتقدم لكلية الشرطة سنويا ما يزيد عن عشرين ألف طالب يجتاز نصفهم على الأقل
اختبارات القبول وتتم تصفيتهم إلى العشر بعد ذلك , والسؤال هنا لماذا تلجأ الشرطة لدفعات النساء ؟!
وفى الكليات العسكرية يبلغ مجموع متقدميها ما يزيد عن ثلاثين ألفا ويتم ترك معظمهم نظرا لأن العدد المتاح
للقبول لا يستوعب إلا العشر أيضا ومع ذلك تتاح للنساء دفعات مخصصة
وفى القضاء حدث ولا حرج حيث يبلغ عدد خريجى وحاملى ليسانس الحقوق سنويا ما يزيد على سبعين ألفا
% ربعهم على الأقل مؤهل بدرجته العلمية للقضاء الذى لا يقبل إلا النذر اليسير سنويا بنسبة لا تتجاوز 1
ومع ذلك تخصص للنساء مقاعد قضائية بدون مبرر مع توافر الكفاءات العلمية والمؤهلة لتلك المناصب من
الشباب وتتفوق أيضا على المتقدمات من النساء واللواتى حصلن عليها لمجرد أنها دفعات للنساء فقط ؟!
بل إن القضاء على فرض جدل لو أنه لم يجد فى شباب الخريجين العدد المناسب وهو أمر مستحيل قطعا
فلن يكون عليه إلا البحث فى الدفعات السابقة وفى المحامين المسجلين بنقابتهم وينص القانون على أن لهم
دفعات مخصصة لشغل الوظائف القضائية حال الحاجة لسد العجز فى تلك الوظائف ولم يتم تطبيق هذا النص
وتم تطبيق الدفعات النسائية
والنظرة هنا نظرة عملية بحتة لا علاقة لها بمبدأ عمل المرأة من الناحية الشرعية , بل هى قياس حيادى لأزمة
البطالة والمؤثرات التى جعلت الركود هو سمة المجتمعات العربية وأدت بطبيعة إلى الحال إلى نقص فرص
الزواج لأن الغالبية الساحقة من الشباب لا طاقة لهم بتكاليفه على نحو ولّد فى المجتمع مختلف التأثيرات
حتى الجنائية منها بانتشار جرائم العرض
ولو تحدثنا عن أثر العمل ما بعد الزواج فسيطول الحديث عما يحكم العلاقة الزوجية من فتور طبيعى وخلافات
لا تنتهى بين الزوجين حتى لو كانا فى أخلاق الملائكة فالزوج يريد العودة لعمله كما تعود بمجتمعه ليجد راحته
بعد يوم عناء طويل ليفاجئ أنه ليس لديه زوجة بل لديه زميل عمل متعب مثله يحتاج من يوفر له سبل الراحة
أيضا
163
وتبدأ الخلافات المتكررة حول حقوق كل منهما واحتجاج الزوجة بأنها أيضا تعمل وتتعب , ناهيك عن أثر
العمل نفسه للزوجة والذى يفتقد فى غالبيته الساحقة للأجر الذى يستحق أن تضحى فيه باستقرار منزلها حيث
يذهب نصفه على أقل تقدير لمصروفات العمل ذاته من خروج وزينة وملبس ,
ومن ناحية الأبناء فمصيرهم معروف إلى دور الحضانة المنتشرة بكل ما فيها من تأثيرات سلبية على الطفل
تقطع العلاقات الوثيقة بينه وبين أمه التى يجب أن تلتصق به فى السبع سنوات الأولى التصاقا تاما
ومن الغريب أن بعض النساء يرفعن شعار تحقيق الذاتية بإصرارهن على العمل كمبدأ , ونحن نسأل كم من
النساء العاملات حصلن على جائزة نوبل ؟! وكم منهن وصلت لدرجة الوزيرة ؟
وهذا هو المقابل الطبيعى لشعار تحقيق الذاتية إذ أن الذاتية تعنى تحقيق طموح يتفوق على مجرد أداء عمل
مقابل أجر كل شهر ولو كان هذا هو المقصود فما الذى يمثله العمل حينئذ من إغراء حتى تقارنه بمنزلها
وأولادها وزوجها
ثم أى ذاتية تلك أكبر من تحقيق الذات فى الأبناء والأسرة ؟!
هذا مع ضرورة التأكيد على أن الإستثناءات الموجودة فى عمل المرأة تمثل استثناء يؤكد القاعدة ولذا لا مجال
للاحتجاج بأمثلة لنجاحات فى العمل أو فى المنزل هى مجرد حالة فى ملايين الحالات وحتى تلك الحالات
من المستحيل قطعا أن تكون قد أدت كلا الحقين داخل وخارج المنزل ؟
ونأتى للسؤال الأصلي , ما الذى أظهرته التجارب ؟!
ولست أرى أننا بحاجة إلى إطالة لأن المقارنة السريعة بين عصرنا الحالى وبين العصور السالفة جميعا حتى
منتصف القرن الماضي تعطينا فكرة عن مدى التردى الذى وصلنا إليه إقتصاديا واجتماعيا وسياسيا باللجوء
للمنهج الغربي وكل الأقاويل التى نادت بخروج المرأة للعمل تحت مبررات التقدم ومشاركة النصف الآخر
وزيادة التطور انقلبت للعكس حتى أننا خسرنا ما تفوقنا فيه فى العهد القريب قبل عام 1950 بمصر مثلا
والتى عرفت الصناعة والزراعة والفكر والعلوم فى عهود لا زالوا يسمونها عهود اضطهاد المرأة ؟!!
فما الذى كسبناه يا ترى من عهود تحرير المرأة , نترك الإجابة للتأمل ..
* قضية الزواج
من المعروف بالطبع أن الزواج يمثل للرجل استقامة حياته , بينما هو للمرأة حياتها كلها .. ويعود هذا إلى
طبيعة خلق المرأة لا كما يصوره العلمانيون على أنه عيب فيها ..
فالرجل الذى قد يداري طموحه العملى وطبيعته الخشنة حاجته لدفء تكوين الأسرة لا يمكن للمرأة تحت أى
ظرف أن تصبح مثله لأن طبيعة الحنان فى أعماقها هى التى تدفعها للبحث والإستقرار فى عش هادئ يكفل
لها الحماية المناسبة لطبيعتها
164
وشتان بين الباحث عن الحماية , والباحث عن السكن والراحة ..
لأن الباحث عن الحماية { المرأة } لا تملك أن تستغنى عنها , والباحث عن السكن والراحة { الرجل }
يبحث عن إكمال جوانب حياته
وبعد أن أصبح الزواج فى المركز الثالث من طموحات الفتيات الظاهرة بعد التعليم الرسمى والعمل
فما الذى أدى إليه ذلك فى ظل التأيد الكاسح لهذا التوجه من الإعلام الرسمى ؟!
التجربة تقول وتتحدث ..
فبالرغم من أن المرأة بلا زواج تقع فريسة لمختلف التأثيرات السلبية النفسية إلا أن البعض لا زال يكابر ,
وعلى الرغم من دعوى انفتاح المرأة على المجتمع كما يسميها الأدعياء حملت من ضمن مبرراتها زيادة فرص
الزواج إلا أن التجربة أثبتت العكس بشكل ساحق .
ولنأخذ المثال الأول وهو مصر ونعرض التجربة فيها لنكتشف مثلا الفارق بين مصر قبل عام 1950 م , وبين
مصر بعدها وحتى عهدنا الحالى ..
ففي عهد الطباع المجتمعية الرصينة كانت نسبة العنوسة لا تزيد عن خمسة بالمائة , هذا إن وجدت أصلا ..
ومعها بنفس النسبة بالغةالضآلة نسبة الطلاق فكان شبه منعدم بالمجتمع لا سيما الأرياف أما الذى لم تعرفه
مصر نهائيا كظاهرة هو ظاهرة اللجوء للمحاكم فى قضايا الزواج والطلاق حيث ظلت تلك القضايا حالات
فردية وفقط معظمها فى أمور الميراث
أما بعصرنا الحالى فحدث ولا حرج ..
فالمجتمع فى مصر على سبيل المثال يستنكر أشد الإستنكار ما تنقله الصحافة ووسائل الإعلام عن المهازل
التى تحدث فى قضايا الأحوال الشخصية وسماها الإعلاميون الأهوال الشخصية فهى فى البداية كعدد تفوق
سنويا القضايا الشخصية مجموع القضايا المتداولة فى جميع أنواعها أمام القضاء
والكارثة ليست فى الكم وحده بل فى الكيف أيضا , فما كان بالأمس مجرد استثناء أصبح اليوم قاعدة ,
فالطلاق كان أصلا استثناء لم يألفه المجتمع لا سيما بالريف لكنه أصبح اليوم يشكل حد الظاهرة المتكررة
بشكل فادح وبعد فترات زواج تتراوح بين الشهر وبين الثلاثة أعوام !
أما قضايا الطلاق ففيها من ألاعيب الممارسات القضائية ما ينهى ويقضي على مفهوم الأسرة وهيبتها وتكوينها
فى المجتمع مع الكم الهائل من الاتهامات المتبادلة بين الأزواج للحصول على حكم بالطلاق أو بعدمه , ولا
ينتهى الأمر عند ذلك بل يمتد إلى قضايا النفقة وتبديد الأثاث وحق السكن وما إلى ذلك من قضايا قد يمضي
على بعضها فترات تتجاوز عشرة أعوام
165
ولا داعى للتساؤل قطعا عن موقف الأبناء لأن تأمل المجتمع اليوم بما فيه من تراجع لسطوة الأخلاق الحاكمة
للشارع يدل دلالة قاطعة على غياب دور الأسرة نهائيا
أما بالنسبة لنسبة الزواج نفسه فنظرة إلى الأرقام تنبيك عن الهول , إذ بلغ عدد فتيات العنوسة قبل أربعة أعوام
حوالى خمسة ملايين فتاة بين الثلاثين والأربعين عاما !
وإذا كان هذا حال فترة خريف العمر فما بالنا بعدد الفتيات المعانين من العنوسة فى السن الأقل من العشرين
وحتى الثلاثين
وكل الأسباب المؤدية لهذه النتيجة تكمن أصلا فى محاربة طبيعة المرأة بخروجها للشارع بهذا الشكل الكثيف
والذى أدى معه إلى البطالة كأحد أكبر الأسباب , وثانيها تراجع الرغبة من الشباب أنفسهم لانهيار أهم ما
يدعو الشاب لفتاة أحلامه ألا وهو القيم المبنية على التقاليد الدينية ..
ولنضرب مثلا طريفا لذلك ,
فلو تأملنا الأغانى العاطفية التى كانت متداولة فى فترة ما قبل منتصف القرن العشرين وبعدها بقليل وتأملنا
حال أغانى اليوم لوجدنا فارقا ضخما جدا , ليس فى مستوى الإبتذال الذى تعانى منه الأغانى الحديثة وحسب
, بل حتى فى محتوى الكلمات التى تعبر عن طبيعة المجتمع
فقديما كانت هناك أغنية شهيرة غناها المطرب لشبشب حبيبته , وأخرى للخلخال , وثالثة للشال { الخمار }
ورابعة للشباك التى تطل منه الحبيبة وخامسة لمنديل الحبيبة , وسادسة تقول غاب القمر يا بن عمى يلا روحنى
وهذا طبيعى لأن الحبيبة قابعة فى منزلها مغيبة فيه ورؤيتها وحدها كانت حدثا يستحق أن يتغنى به المغنون
أما الآن لو بحثنا عن قصة كقصة حسن ونعيمة مثلا لن نجد حسن يتغنى لنعيمة بشيئ من ذلك , فمن
المجنون الذى سيغنى لشباك الحبيبة التى تطل منه مرة واحدة كل يوم والحبيبة قابعة إلى جواره ست ساعات
فى العمل !
ولهذا كان من الضرورى أن تواكب الأغانى ما وصل إليه المجتمع فسمعنا أغانى من عينة , غمض عنيك وفى
حضنى نام " هات من الآخر يا عم ", قلي بحبك بصوت عالى " فين بقي أيام زمان صوت عالى كان معناها
علقة سخنة " , أجرى عليه وأ... " واللى حافظ الأغنية يكمل " , حبك هادى وأنا مليت الحب العادى "
ومحدش قالنا ايه هو الحب اللى مش عادى وظروفه ايه يعنى "
ولا تسأل عن أيام الشباك فقد تم كسره مع الباب , ولا تسأل عن القمر الذى غاب لأن الأخلاق ذاتها غابت
ولو أوغلنا الزمن قليلا لوجدنا قصائد الغزل الذى لا تتوقف عن وصف حياء الحبيبة واحمرار خديها لمجرد
خاطر خطر لها كما غنت فيروز " وقف يا أسمر .. فيه إليك عندى كلام " ,
مكررة روائع الشعر العربي القديم :
حتى يوارى جارتى مثواها ×× وأغض طرفي إن بدت لى جارتى
166
والشاعر هنا يتحدث عن الجارة فما بالنا لو عاش بعصرنا ورأى أن الجيرة انفتح مداها قليلا " مدى العالم كله
فقط "
ومع كل هذا الإبتذال نشأ التعود وهذا أمر طبيعى ونشأ العزوف والملل بعد ذلك فكان حتما على الإغراءات
أن تتزايد لتجلب الشباب " دلوقتى فين الشاب الذى يثير عاطفته منديل "
وتفاقمت الأزمة لتظهر المذاهب الجديدة للزواج أو الزنا المقنع والعياذ بالله , وهى حالات بلغت فى
الجامعات وحدها مئات الألوف من الطلبة والطالبات كنتيجة طبيعية لفقد الأمل فى زواج شرعي
ناهيك عما يحدث من فتور هائل للعلاقة الزوجية نتيجة فساد ذوقيات الشباب بعد أن أصبحت فتيات
الإعلانات والأفلام هى فتيات أحلامهم , وغالبا بالطبع ما يتمنى كل منهم من زوجته أن تكون مثلها بل ووصل
الأمر لمطالبة بعض الزوجات من أزواجهن بالإبتذال حتى يجد شيئا جديدا يمتعه , وليس هذا غريبا مع شيوع
الملل القاتل وهو الأمر الذى استنكره الشعراوى رحمه الله وقال فيما قاله أن الزوجة ليست تمثالا للمتعة
مطلوبا منه أن يتجدد فى الجانب الحيوانى وحده بل هى محل للتفريغ الحلال لتلك الغرائز حال ثورتها , أما
المطالبة بإثارتها فهذا ما لا يقره دين ولا عقل ولا حتى كرامة ,
وينحط بالإنسانية إلى دركها الأسفل , تماما كما فعل الغرب عندما جعل من علاقة الزوجين أو العلاقة الجنسية
عموما منهجا علميا يتم تدريسه وتداوله بل والتجارة فيه أيضا باعتباره مجالا للمتعة لالتوافر النوع فى الأصل ,
وهذا هو الغريب أن يأتى هذا النداء من الغرب المتشدق بالحضارة واحترام المرأة ومع ذلك يولى اهتمامه شطر
الشهوات الحسية فقط وبأكثر الأساليب ابتذالا على نحو ما نراه بأوربا من فترينات عرض فتيات المتعة ! وفى
أمريكا من رقيق النساء الذى يبلغ حجم تجارته خمسة ملايين إمرأة كل عام يتراوح ثمنها بين العشرين والثلاثين
ألف دولار
" فأى المجتمعين أولى المناداة فيه بحقوق الإنسان وحرية المرأة , مجتمعاتنا بالشرق أم مجتمعاتهم بالغرب "
وينبغى للقارئ المدرك أننا نتحدث عندنا عن العلاقات فى إطار الشرعية أو شكلها على الأقل , لكن إن عرجنا
إلى الحديث عن العلاقات غير الشرعية والتى أصبحت بفعل الأفلام السينمائية والإختلاط المبتذل بين الرجال
والنساء فى المجتمع سنجد ما يحفظه كل منا من مظاهر هى النتيجة الطبيعية لتوافر الإغراء مع غياب الوازع
الأخلاقي ومن قبله الوازع الدينى
وانتشار ثقافة الإنحلال ودعها دفعا لتتخذ شكلا غير مستنكر من المجتمع حتى كادت أن تصل الأمور إلى
الإقرار بشرعية تلك العلاقات تحت مفاهيم رنانة كالحب والحرية الشخصية
وإذا عدنا لنتساءل عن السبب , هل يمكننا أن نجد صعوبة فى إدراكه , وهل يمكن أن نبرر تلك المظاهر بغير
مبرر واحد هو خروج المرأة للشارع بشكل يمثل الإنفلات الكامل
167
قضية العلم والتعليم
كان السبب الرئيسي لهذا الموضوع هو السؤال الذى طرح نفسه للنقاش وهو أيهما أهم بالنسبة للمرأة التعليم
الدراسي أم الزواج , وما الذى ينبغي أن يكون عليه موقف الفتاة إذا تقدم لها الخاطب مشترطا انقطاعها عن
التعليم
والقضية فيها خلط واضح يجب تداركه ,
ففي البداية يجب أن نسأل هل الخاطب المتقدم للفتاة يناسبها كزوج فيه من الصفات الكريمة ما يؤدى بها
لمعيشة مستقرة أم لا وهذا السؤال ضرورى ,,
لأنه لو لم يكن مناسبا لكان الرفض هو الموقف المطلوب من الفتاة دون شك وبسبب يرجع للمتقدم ذاته
بغض النظر عن مسألة التعليم واستمرارها فيه من عدمه
ولذا سنفترض أن المتقدم المشترط لانقطاع الفتاة عن دراستها التنظيمية هو مؤهل كزوج صالح ,
ويكون السؤال التالى .. هل رفض الزوج يقتصر فقط على التعليم أم على العلم ؟!
والفارق بينهما كالفارق بين السماء والأرض .. وقياس الموقف هنا يجب ألا يقتصر على موقف الفتاة لأنه
يشمل النظر فى موقف الخاطب أيضا ..
وبداية تعالوا بنا نتأمل الفارق بين التعليم والعلم ,
فالتعليم هو الطريق المألوف للحصول على شهادة جامعية أو دراسية فى أى مجال , وهو طريق تلتزم فيه الفتاة
بالخروج لجامعتها أو مدرستها وممارسة التعليم فيها إلى نهاية المرحلة الطبيعية وهى المرحلة الجامعية والتى
يكونبعدها مرحلة الدراسة الأكاديمية بالماجستير والدكتوراه وهى طرق استثنائية للراغبين فيها فحسب
وغالبا ما يأتى الرفض من جانب الأزواج للفترة الجامعية نظرا لأن الفتاة ساعتها تكون قد دخلت سن الزواج
أما العلم ,
فهو السعى للمعرفة فى المطلق حتى فى أدق التخصصات وليس فى مجال الثقافة الحرة فحسب بدون التزام
الطريق المدرسي أو الأكاديمى ,,
والفارق الضخم بينهما أن التعليم لا يساوى بالضرورة علما لأننا لو تأملنا نظم التعليم فى الوطن العربي كله
سنكتشف أنها مؤسسات تم إنشاؤها لتخريج الجهلاء عندما يدخلوها أميون !
وهذا هو السبب الذى تعانى منه الأوطان العربية قاطبة بعد فترة من الحجر على التعليم المدرسي وتفريغه من
مضامينه وامتد الإنهيار للجامعات حيث يدخلها الطلبة مفتقدين المبادئ الأساسية لتلقي العلوم ليجدوا
168
جامعات غير مؤهلة لاستيعابهم مع الأعداد الرهيبة التى تلتحق بها كل عام وأضف إلى ذلك تردى الحال
بالجامعات من الناحية العلمية التى لا تضيف فى تخصص الطالب علما أو فهما وهو ما يكتشفه الخريجون
عندما يخرجون للعمل والمجتمع
فمثلا خريجو كلية الطب بعد دراسة تمتد لسبعة أعوام يكون أمامهم بشكل إجباري دراسة أخرى ليتعلموا فيها
الطب لأن السبع سنوات التى أخذوها فى الدراسة لا تخرج حتى ممرضا فضلا عن الطبيب
وخريجو الحقوق يجدون أنفسهم فى مواجهة قانون لم يدرسوه ومهن لم يتعلموها بكليتهم , فيكون من
الطبيعى أن يتم تدريبهم على المحاماة والقضاء مع أنه من المفترض أن كليات الحقوق تمنح درجة الليسانس
فى القانون أى أنها تخرّج مؤهلين للممارسة لا مجرد مثقفين من الناحية القانونية بلا أى اعتبار عملى .. وقس
على هذا سائر التخصصات
بينما العلم فى المطلق يختلف فيه الحال تماما , حيث يخرّج العلماء بالفعل , فالذى يطرق باب العلوم من
منزله فى الشأن النظرى بالذات يصبح خلال سنوات قليلة متخصصا لا يدانيه متخصص حاصل على أعلى
الدرجات الجامعية
مثال ذلك محمد حسنين هيكل الحاصل على دبلوم التجارة المتوسطة وهو الآن واحد من أبرع عشرة محللين
سياسيين فى العالم وكتبه مراجع علمية لأساتذة القانون الدولى والعلوم السياسية
وأيضا العقاد الذى يعد نسيج وحده فى هذا المجال باعتباره جامعة للنقد الأدبي والتاريخ
وهناك الإمام الشعراوى رغم كونه تعلم بالأزهر فى عهد العراقة والشموخ إلا أنه درب نفسه فى المراجع
فأصبح العلامة الشهير وعندما سألوه لماذا لم يتقدم للحصول على الدكتوراه قال { يكفينى أن أول من حصل
عليها , حازها ممن لم يحز عليها } وقد صدق فى ذلك , لأن علمه المنثور فى الكتب يكفيه لعشرات من
رسائل الدكتوراه
وهناك فى علم الحديث بالذات أمثلة كبري فى هذا المجال لأن المحدثين , وهم أندر علماء الشريعة فى
العصر الحالى لم يبرز منهم إلا أربعة طيلة القرن الماضي وهم العلامة أحمد شاكر والعلامة محمد عمرو عبد
اللطيف والعلامة الألبانى والعلامة الحوينى وجميعهم لم يدرسوا علم الحديث فى شكله الأكاديمى بل تلقوه
بالتتلمذ الحر على العلماء
ولو فتحنا مجال العلم على وجه الثقافة لكانت المطالعة عبارة عن باب لا ينتهى لتنمية العقل والممارسة
العلمية
والذى يهمنا فى هذا الشأن أن نفرق بين قيمة التعليم والعلم , لأن التعليم لا قيمة له إلا فيما يضعه الطالب من
شهادة جامعية لا تعبر فى الغالبية العظمى عن أى قدر من العلم , بل هى مجرد شهادة تشهد للطالب أنه
169
استطاع عبور الإختبارات آخر العام وفائدتها الوحيدة تكمن فى أنها طريق الحصول على وظيفة عمل , وفى
السنوات الأخيرة من القرن العشرين انهارت تلك الفائدة أيضا ولم يعد لها تأثير تقريبا فى اختيار العمل
وممارسته على فرض وجود فرصة العمل أصلا
أما العلم فهذا مجال حضت عليه شريعة الإسلام وبينت الكفاية فى أهميته للدنيا والآخرة فضلا على الإيجابية
التى تتحقق منه فى تربية الأولاد وفى تنمية السعادة الزوجية أصلا بوجود أحد طرفيها أو كليهما على هذا
الدرب
والآن نسأل , هل اعتراض الخاطب يكون منصبا على التعليم أم على العلم ؟!
من الطبيعى أن 99 % من الإعتراض سيكون على التعليم لأن هدف الخاطب صيانة منزله وزوجته بعيدا عن
الإحتكاك بمجتمع أصبح الإنحلال فيه هو القاعدة الأساسية .. أى أن هدفه ليس حرمان زوجته من العلم
وقيمة التعلم
وهذا مطلب مشروع دون شك , لو وضعنا بأذهاننا أنه حتى بعض أولياء الأمور يعترضون طريق التعليم للفتاة
حال تغربها عن أسرتها لجامعة بعيدة أو نحو ذلك وهو الأمر الذى يفسره ما حل بالمجتمع الآن من تفكك
ويؤيد هذا المنطق ما سبق أن ذكرناه عن مدى الفائدة التى تتحقق من التعليم الرسمى والتى لا تساوى شيئا
أصلا ولا زالت العقول تتشبث بها تحت بند الإستفادة فى مجال العمل فى اعتراف تام بأن قيمة التعليم
الرسمى لا تساوى شيئا فى حقيقتها
وعليه فتصوير أمر اعتراض الخاطب على إكمال خطيبته لمشوار التعليم بصورة المنع من العلم هى صورة غير
واقعية وغير دقيقة وهدفها الوحيد الذى تبذل الفتاة لأجله كل هذه المخاطرة هو الحصول على لقب جامعية
فى مجتمع أصبحت فيه الجامعات عبارة عن دور للفساد والإفساد , ونظرة واحدة إلى شكل الطلاب فى أى
جامعة يغنينا عن الحديث
وعليه يكون رفض الفتاة للزوج المناسب لهذا السبب هو فى الواقع رفض يستند إلى سند من رماد لا تلبث أن
ينهار بها
أما إذا كان رفض الخاطب مركزا على العلم والكتب والقراءة , فهنا الأمر مختلف تمام الإختلاف لأن رفض
الفتاة هنا إن دل فإنما يدل على وعيها الذى يجعل منها جوهرة نادرة فى عالم نسي معنى الثقافة والعلم , فإن
صادفت خاطبا رافضا لهذا الأمر ورفضته فهو القرار الصائب حتما لأن رفضه هذا يدل على سقوط أهليته
كزوج وأب صالح مهما كان به من مميزات
وأخيرا ,,
هى خواطر أتمنى أن تنال من مطالعيها التركيز القليل والإدراك المناسب والله من وراء القصد
170
تعلم كيفية الثبات فى زمن المتغيرات
( علامات إرشادية على طريق الثورة )
( ( يونيو 2011
171
تعلم كيفية الثبات فى زمن المتغيرات
( علامات إرشادية على طريق الثورة )
كما تعودنا عزيزى القارئ فى هذه السلسلة ( سلسلة تعلم كيف .. ) " 13 " , تعودت ألا يقدم الكاتب نفسه من
مقعد المعلم , بل من مقعد طالب العلم , والذى لا يطرح العلم لغيره بل يناقشه معه ,
وهنا .. نحاول أن نناقش بعضنا البعض فى أمور أصبحت الثقافة فيها فرض عين على كل راشد , لا سيما وأننا
فى زمان حذرنا منه النبي عليه الصلاة والسلام ,
زمان يصبح فيه المنكر معروفا والمعروف منكرا , ويُري الحليم فيه حيرانا , والعالم الحقيقي محبوسا عن
جماهيره , بينما تصعد الرويبضة ( جهلاء القوم ) لتتصدر المشهد بعد أن ذهب زمن العلماء , وتسيدت الآلة
الإعلامية على أذهان الناس , وأصبح التلقين الإعلامى أشبه بالسحر الأسود له تأثير طاغ , ويستطيع صاحب
المنظومة الإعلامية أن يجعل الشمس تشرق من مغربها فى عيون الناس إذا أراد ,
وهذا أمر طبيعى بعد ستين عاما عاشتها المنطقة فى زيف وكذب وخداع وتضليل وحرب طواحين الهواء ,
فانتقلت المنطقة بأكملها من الإعلام الموجه المنفرد بالساحة فى فترة الستينيات إلى نهاية الثمانينات , إلى
الفضائيات التى لم يكن تأثيرها أوفق من الإعلام الرسمى , بل تحكمت فيها إمبراطوريات المال والأعمال
وأصبحت إعلاما موجها ولكن بقدرة المال عوضا عن قدرة النفوذ
وبين هذا وذاك ضاع الوعى العام وتخبط وأصبحت المعلومة الصحيحة شحيحة على طالبها , وغريبة على
صاحبها
اليوم سنناقش مجمل القضايا المثارة على الساحة المصرية بعد الثورة النبيلة التى غيرت مجرى التاريخ عند
المفترق المصري , وسنعرض للزخم الإعلامى الهائل الذى يفرض سطوته بتيارات متضاربة تتحرك وفق
مصالحها الخاصة , دون أن تأبه بأى أمانة يحملها اللسان أو القلم فى التوعية ..
هذا إلى جوار الطامة العظمى , وهى سقوط رموز قيادات الرأى العام والذين هم قادة الأمة كما يفترض فى
فخ رهيب حفروه لأنفسهم عندما تباينت مواقفهم من الثورة , فسقطوا من أعين الجماهير التى اكتشفت فجأة
, وعلى حين غرة , أن بعض قادتها اللامعين الذين حسبوهم أهل جهاد ونضال وعلم , إذا بهم يظهرون على
حقيقتهم , فإذا الأمر بينهم وبين الأنظمة الحاكمة مصالح متبادلة , يتنازل الحاكم فيها لهم فيمنحهم فرصة
ن s ا __7 _Q_/ 12 +_4_4_ ا ._ ($1 13 172
الوصول للجمهور , فى مقابل فروض الطاعة والولاء , والتى ربما تكون خفية وربما تكون ظاهرة بحسب أصول
اللعبة , وبحسب القدرة على خداع الجماهير ,
فظهرت مؤسسات رسمية للإعلام والعلم وهى تنافق العالم صراحة , ولا يُسمح لها بالتجاوز , مثل القيادات
الرسمية للأزهر , وقيادات الجامعات , والصحف القومية والتليفزيون الرسمى ..
كما ظهرت وسائل إعلام تحمل وصف المعارضة , وهى أولى بوصف العارضة , عارضة أزياء الديمقراطية لكن
على غير أساس واقعى , وتحمل توجيهاتها من رموز أمن الدولة رغم مانشيتات وهتافات النضال التى تتصدر
صحفهم وقنواتهم ,
وهؤلاء مثالهم صارخ فى الأكشاك الحزبية المعروفة زورا باسم أحزاب المعارضة , وهى أطوع للنظام من بنانه
, بل إن حزبا مثل حزب الوفد ممثلا فى شخص رئيسه السيد البدوى , والذى ظهر أيام الثورة أسدا هصورا
يعلن سقوط شرعية النظام , كان خادما مطيعا لسياسات نظام مبارك بأسرع مما يطلب مبارك نفسه , وتمكن
من إقصاء إبراهيم عيسي عن جريدته الفذة ( الدستور ) عندما اشتراها فى صفقة مشبوهة هزت الوسط
" الصحفي ليقصي عيسي وسياسته التحريرية عن الجريدة التى كانت تمثل صداعا مزمنا فى رأس النظام " 14
ثم جاءت الثورة ..
وإذا بالغالبية العظمى التى كانت منبطحة , ومعهم جمهور عريض من الأقلام والوجوه التى كان يظن الناس بها
خيرا , إذا بها تتذبذب فى مواقفها تجاه الثورة , وإذا بالصفقات التى كان يعقدها النظام أوسع نطاقا مما كانت
تتصوره الجماهير !!
وانكشفت الصفقة التى ذهبت ضحيتها الجماهير العريضة , وكانت الصدمة هائلة ومحزنة , مما كرس لحالة من
فقدان الإتزان لدى الشباب ولدى الغالبية العظمى من الناس , وجعلتهم على وشك أن يكفروا بكل شخص
يقدم نفسه بالعلم والفكر , بعد أن ذاقوا الويلات فى السابق من الذين تاجروا بعلمهم ومكانتهم بين الناس ,
وهم أبعد الناس عن الإخلاص !
ولما كانت حالة فقدان الثقة العارمة هذى , حالة مدمرة لأى مجتمع , كان لزاما أن نتوقف قليلا تحت خمائل
شجرة الأحداث , لنتأمل ونعى ونعيد توجيه الصورة وتنقيتها واستخلاص الحقيقة المجردة أولا , ثم استخلاص
القادة الحقيقيين من القادة المزيفين بناء على معايير موضوعية لا تخضع مطلقا لهوى التعصب للأشخاص , بل
تخضع فقط للمقاييس التى يجب أن تكون عليها ..
ون (N وآ W4,& O, اھ (/ ر إ ;_H__ ا +_ ز^ WL_<_ ا __G_ ا +&;H;_ ل ) _1(F ة _,7 +<- ر ( ;_H__ 14 ا






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:03
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

173
وهذا أمر طبيعى ..
إذ أن أمة الإسلام لا يمكن أن تخلو فى أى وقت من الأوقات من العلماء الربانيين والمفكرين المخلصين ,
وإذا كان الشعب المصري ومن قبله التونسي أثبت للعالم أن هناك مخلصون من عامة الناس بالملايين ,
فليس غريبا ولا مستغربا أن نثق بوجود العلماء وقادة الرأى العام الجديرين بالثقة ,
لا سيما إذا وضعنا بأذهاننا أن هؤلاء المفكرين المخلصين , والعلماء النابهين , أغلبهم بعيد عن بؤرة الضوء
غالبا , لأن المُخْلص فى زمن الفتن لابد أن تبتعد عنه الأضواء , فأضواء الشهرة أصبحت من زمن بعيد حكرا
على أصحاب المصالح , أما أصحاب الفكر فلا مكان لهم إلا عند من يعرفهم حق المعرفة ,
وليس أمامنا اليوم إلا التفتيش عن الكنوز المخبوءة التى خرجت حتما من صوامعها بعد أحداث الحراك
الإجتماعى الثورى الذى دفع دماء الأمل لهؤلاء العلماء مرة أخرى , وجعلهم يستبشرون خيرا بمستقبل أفضل
..
هذا بالإضافة لمناقشة هادئة لشتى القضايا التى تعرض الآن فى مرحلة إعادة البناء , مناقشة تضرب مفصل
القضية وأساسها , ولا تنشغل بالذيول الإعلامية التى تعتمد على الإثارة وحدها للتكسب وجذب الجماهير
فقد حان الوقت الآن أن يرضخ الإعلام لرغبة الجماهير فيترك الإثارة التى يتعمدها كوسيلة للإنتشار , لأنها
كانت وسيلة النظم البائدة فى السيطرة على أذهان الجماهير وجذبها عن أهم قضايا المجتمع لصالح توافه
الأمور ..
والجمهور وحده هو من يملك إخضاع الأبواق الإعلامية لرغبته فى تحرى الحقيقة المجردة ,
وذلك باستخدام نفس الأسلوب الثورى فى معاقبة وسائل الإعلام الخاضعة والملوثة , حيث أحسنت الجماهير
عقاب التليفزيون المصري ومذيعيه وقياداته على مواقفهم المخزية , فضل على مظاهراتهم ضد الصحف القومية
والتابعة , بالإضافة إلى تصديهم الثورى للقنوات الخاصة التى كانت بوقا لإشاعات النظام طيلة أيام الثورة مثل
قناة المحور وأضرابها ..
174
القضية الأولى : عظمة الحدث .. وندرة الإستيعاب ..
وقعت الثورة المصرية كحدث هائل منفرد , و رغم التأثير الجارف الذى تأثرت به الجماهير , والتفاعل غير
المسبوق فى وقوعه وتكاتف الشعب المصري الذى لم يتكرر منذ أحداث حرب أكتوبر المجيدة , وانبهار
العالم أجمع بما تحقق , ونهوض جيل الشباب بما لم يأت فى خاطر أعتى المتفائلين ..
رغم كل هذا ,
إلا أننا نستطيع أن نجزم فى وضوح بأن الغالبية الساحقة من المصريين لم تحسن استيعاب ما حققته من إنجاز
, ولم يصل إليها بعد معنى ومغزى ما تحقق ,
فكان البون شاسعا بين علو الحدث وبراعته , وبين قدرة الجماهير على استيعابه ..
نلمس هذا الأمر من حالة الإدراك فى تأثر البعض بالأحداث التى شهدتها مصر الثورة , وبالفتن التى تفجرت
رغم محدودية تأثيرها وبخوف البعض المبالغ فيه مما هو منتظر , بالإضافة إلى انحسار نسبي لموجة التفاؤل
من ناحية , ومن ناحية أخرى استعجال كبير لنتائج الثورة ,
أما الشعور بالخوف وانحسار نسبة التفاؤل فيتمثل فى الصدمة المبالغفيها من أحداث ما يسمى بالإنفلات
الطائفي , والإنفلات الأمنى
ومن ناحية الإستعجال , فهو انبهار البعض بموجات الثورة الكاسحة التى كنست النظام السابق , وظن البعض
أن مجرد وقوع هذا الطوفان , هو مؤشر لأن تصبح مصر بين عشية وضحاها من أوائل دول العالم !!!
ينسي هؤلاء وهؤلاء أن التاريخ لا يعرف العجلة , ولا يعرف البناء اللحظى , بل الكون كله لا تعرف منظومته
الإنقلاب الفورى , إلا فى أمر المعجزات فقط , وهو الأمر الذى يعد استثناء من القاعدة , ألا وهى قاعدة
البناء خطوة .. خطوة ,
فبالنسبة للذين تأثروا بحالة الإنفلات الأمنى والتخبط الطائفي , فإنهم بالغوا فى عرض خطورة الأمر , وهو بلا
شك يستحق الخوف والترقب والعمل على الحل , لكنه بالقطع لا يستحق هذه الحالة الغريبة من الفزع ,
وهى حالة غريبة على من يشعرون بها بحسن نية , ولكنها قصد مقصود عند المروجين لهذه النظرة القاتمة
للأحداث , طمعا فى أن يستشعر الشعب أن ثورته أتت علي حساب أمنه واستقراره ,
وهو عين أهداف الثورة المضادة التى يروج لها فلول النظام , والتى تساعد فيها اليوم العديد من الصحف
الخاصة الشهيرة كجريدة الفجر برياسة تحرير عادل حمودة , والذى أصدر عدادا به صورة كبيرة لشيخ سلفي
يحمل سيفا .. وكتب معلقا أنها بدء الحرب السلفية لذبح الجميع !! ولست أدرى من أين اقتبس الصورة التى
تبدو كأنها صورة أبي لهب !!
175
ولا يصدق المرء أن هذه العناوين الفاقعة تغطية لأحداث بؤرية لم تتجاوز منطقتها وجرى سحقها فى ساعات !
بالإضافة للتضخيم المبالغ فيه للأزمة الإقتصادية حيث خرجت جريدة المصري اليوم بعنوان يبشر المصريين
بانعدام السولار والبترول وضياع الإقتصاد , حتى أنى شعرت بأن أسواقنا ليس بها رغيف خبز !!
وعلى نفس النهج تجد جريدة الدستور الدستور المزيفة التابعة للبدوى تبشر بانحطاط اقتصادى مروع ينتظر
مصر !!!
وهذه الصحف الخاصة تلجأ لهذه الأساليب بشكل يدفعنا للتشكيك المباشر فى نواياها لا سيما وأن
مؤسسات تعتمد فى تمويلها على رجال أعمال كانت لهم مصالحهم المشتركة مع النظام السابق , بشراكة
الفساد والإفساد
ولا شك أن هذه الصحف تنتهج سياستها التحريرية كل ما ينفع مموليها بغض النظر عن أمانة النقل أو ميثاق
الشرف الصحفي الذى أصبح هذه الأيام ( بيولع ميت مرة زى الولاعة , غير زمان أيام عود الكبريت اللى
ميولعش إلا مرة واحدة )
وهذه الصحف تعتمد على ضعف ذاكرة العامة والبسطاء , والذين عانوا طيلة حكم مبارك من أسوأ فترات
الإنفلات الأمنى بعد تحالف الجريمة المنظمة مع الشرطة فى الحرب على الجماعات الإرهابية , ثم فى
ممارسات الشرطة القمعية التى جعلت كل مواطن لا يستطيع أن يأمن على بيته ونفسه فى ظل ثلاثين عاما من
الطوارئ تتيح لأصغر ضابط شرطة أن يعتقل أى مواطن أو يقتله علنا فى الطريق العام دون أدنى مساءلة !!
وليست حادثة خالد سعيد شهيد الإسكندرية وأيقونة الثورة ببعيدة , ومثالها تكرر عبر السنوات الطويلة بتعمد
تغطية أفعال الضباط فى التعذيب والقتل بالتواطؤ مع مصلحة الطب الشرعي التى كانت تصدر تقاريرها عن
ضحايا التعذيب بالعبارة الشهيرة
( مات المذكور بسبب هبوط حاد فى الدورة الدموية )
بخلاف تغول القبضة الأمنية لجهاز أمن الدولة بصورة عاتية , وأصبح مستقبل آلاف الشباب مرهون بتقارير
أمن الدولة التى تتحكم فى تعييناتهم ووظائفهم وفى حريتهم , ومن الممكن أن يتم طرد أى أستاذ جامعى أو
حتى قاض من القضاة إذا جاء تقرير أمن الدولة بشأنه بالرفض , وبلا إبداء أسباب !!
فضلا على حالة التسلط المرضي على خصوصيات الناس حتى من العوام , وهناك تصريح شهير لحبيب
العادلى قال فيه معقبا على زيادة الإنتقاد لتصنت أمن الدولة على مكالمات المواطنين بلا وجه حق , ( اللى
خايف ميتكلمش !! )
هكذا علنا ..
176
ناهيك عن حوادث الإرهاب التى رعتها الشرطة بنفسها تحت رعاية حبيب العادلى , والذى ابتكر هذا
الأسلوب فى صناعة وحش الإرهاب بهدف الحفاظ على مقعده لأطول فترة ممكنة عن طريق تخويف النظام
بفزاعة الإرهاب الإسلامى كل فترة , وترويجه لنظرية أنه الوزير الوحيد الذى يتمكن من حماية النظام , وبالفعل
نجح فى أن يقضي على مقعد الوزارة أطول فترة فى تاريخ الجمهورية
فأين هو الأمان والإستقرار الذى يحلو لبعض الحمقي أن يرددوه فى وصف عصر مبارك !!
وأين هو المواطن الذى كان يستطيع أن يأمن على نفسه وأهله وماله فى عصر مبارك ؟!!
وكل هذا الإنفلات والرعب الأمنى فى عصر مبارك يفوق بعشرات الأضعاف ما تعانيه مصر الآن من حوادث
متفرقة أشبه برقصة المذبوح لنظام لا يزال رهن صدمة الهزيمة الساحقة
هذا بالإضافة إلى أن كل ما حدث وما سيحدث لو فرضنا وقوع ما هو أسوأ إنما هو أمر طبيعى وفى الحدود
الآمنة والمحتملة , بل هو أقل من الطبيعى فى الواقع إذا أردنا حكما منصفا ,
فما تحقق من إنجاز بكنس نظام مبارك كنسا من على قمة السلطة بعد ثلاثين عاما , وانتهاء عصر الديكتاتورية
الفرعونية القائمة على صمت الشعوب بعد ستين عاما كاملة , ونزول الشعب لأول مرة فى العصر الحديث
ليفرض كلمته كأمر واقع ,
هذا الحدث أعتى وأكبر وأهم من أن نغفل قيمته , وأن نستهول المقابل الطبيعى الذى ينبغي علينا دفعه كأثر
جانبي لشفاء مرض عضال عمره ستين عاما طويلة !!
فأصبح حال المتوجسين والخائفين كحال المريض المصاب بمرض مزمن أصابه بشلل رباعى , ونجح الأطباء
فى شفائه بأثر جانبي يتمثل بعرج خفيف , وبدلا من أن يتفاءل المريض ويحمد العاقبة , تجده يتخوف من هذا
العرج ويتعاظم تأثيره عليه !!
ينسي المتخوفون ومن استهولوا المقابل المتمثل فى ثمنمائة شهيد , وفى ضحايا الفتنة , والإنفلات الأمنى
الذين لم يتجاوزا العشرات , أننا حققنا بهذه التضحيات , ما كان يستحق على أقل تقدير ثلاثين ألف شهيد
على الأقل لكى يتم إنجازه
ثبات النظام الحاكم بالقبضة الأمنية الهائلة المتمثلة فى قوات الشرطة البالغ عددها مليون ومائتى ألف جندى
أمن مركزى , بتسليح وميزانية هائلة تعتبر هى الثانية من حيث الضخامة على مستوى العالم بعد الصين ,
بالإضافة إلى استقرار فى الحكم على مدى ثلاثين عاما بعلاقات وتحالفات دولية تحرص على هذا النظام
بشدة لأنه مكنها من السيطرة على المنطقة طيلة هذه الفترة ,
نظام بهذه القوة , وبهذا الرسوخ , أين العاقل الذى يقول بإمكانية سقوطه فى ثمانية عشر يوما !!!
177
وأين العاقل الذى كان يتصور فدائية الشباب المتظاهرين وهم يجبرون الأمن على التراجع والإنسحاب ؟!
وأين العاقل الذى كان يتصور انحياز الجيش التام والمطلق للشعب ضد النظام دون أن يشذ قائد واحد من
قادة الجيش فيكون عونا لمبارك ضد الشعب تحت ذريعة حماية الشرعية ؟!
( مع الإحتفاظ التام بحقيقة أن نفس القيادات اتخذت هذا الموقف من الثورة فى بدايتها وحسب وانقلبت
عليها بعد ذلك , ولكن الحقيقة الساطعة أن موقفهم الأول كان موقفا مفصليا , فرط القادة فى استثماره بعد
أن قبلوا أن يكونوا من قادة الثورة للديمقراطية الحقيقية التى يريدها الشعب وحتى هذا الموقف نفسه لا
يدعونا لليأس بل يدعونا لمواصلة انتزاع النصر فى جولات متتالية للثورة المستمرة )
وأين العاقل الذى كان يتصور انحياز الحرس الجمهورى بإمكانياته الهائلة إلى صف الجيش ورفض الأوامر
بفض المظاهرات بالقوة , رغم أن الحرس الجمهورى معروف الإنتماء لرئيسه , ويحوز قادته على أعلى
الإمتيازات ليحتفظ النظام بولائهم له ؟!
وأين العاقل الذى كان يتصور فشل خطة الفوضي الأمنية التى اعتمدها وزير الداخلية السفاح حبيب العادلى ,
عن طريق سحب الشرطة وإطلاق البلطجية على الآمنين بالسلاح الآلى والأبيض , وفتح السجون وإطلاق
المساجين على الناس مع تحريضهم على الفوضي والتخريب , ففوجئت القاهرة وحدها بعشرين ألف هارب من
السجون يعيثون فسادا فى الأرض !!! ويطلقون النار على منازل الآمنين مستخدمين فى ذلك عربات الإسعاف
المسروقة !!
وأين العاقل الذي كان يتخيل أن ينجح المتظاهرون العزل فى ميدان التحرير فى 2 فبراير الماضي يوم موقعة
الجمل فى التصدى لمحاولة بلطجية النظام فض الميدان بالقوة المسلحة , رغم أن المتظاهرين كانوا عزلا من
أى نوع من السلاح , بينما خصومهم يتجاوزون العشرة آلاف بلطجى مسلحين جميعا بالأسلحة البيضاء
والحجارة المحملة على ناقلات خاصة , بالإضافة لمدافع آلية فضلا على عدد لا يحصي من زجاجات
المولوتوف , هجموا بهذا كله على الشباب فى قلب الميدان ,
وإذا بالشباب يصمدون للمعركة ثمانية عشر ساعة كاملة , وينجحون أيضا فى ردع الهجوم ردعا تاما ويسيطرون
على الميدان من جديد ؟ وحاربوا خصومهم بحجارة قاموا بتكسيرها من أرصفة الميدان , واتخذوا لهم دروعا
من صناديق القمامة حتى انتصروا !
تعالوا لنتأمل النتائج المتوقعة فى حال إذا ما تحقق أى خيار من الخيارات السابقة ..
ولنبدأ بموقف الجيش ..
178
ألم يكن من المنطقي والمتوقع أن ينحاز المشير طنطاوى قائد الجيش إلى مبارك , لا سيما وأنه ظل فى وزارة
الدفاع منذ عام 1991 م , أو أن ينحاز معه بقية قادة الجيش على اعتبار مبارك من أبناء المؤسسة العسكرية ,
لا أقول بانحيازهم بمعنى هجومهم على المتظاهرين , ولكن على الأقل الوقوف على الحياد ,
لكن هذا لم يحدث وجاءت بيانات الجيش كلها تؤكد على مشروعية مطالب المتظاهرين , وحماية الجيش
لهم , ثم جاء البيان رقم ( 1) فجأة يوم 10 فبراير ليُفشل آخر خطة لمبارك بالإفلات , عندما كانت مطالب
المتظاهرين من الممكن أن تقتنع بالتفويض , إلا أن بيان الجيش الذى سبق خطاب التفويض جعل المتظاهرين
يجزمون بوقوف الجيش معهم فلم يرضوا بديلا للتنحى الكامل !
ليس هذا فقط ..
بل إن الجيش تجاوز حتى أحلام المتظاهرين فى أيام الثورة , فلم يعط مبارك ضمانا بعدم المحاكمة مقابل
التنحى عن السلطة , رغم أن هذا الأمر ساعتها كان مقبولا جماهيريا , وعبّر عنه أكثر من ناشط سياسي , ومع
ذلك رفض الجيش وحاكموه !
أى نعم أن هناك علامات استفهام حقيقية على تلك المحاكمات وعلى جرائم المجلس العسكري فى الفترة
الإنتقالية , لكن هذا لا ينفي أن الموقف الأول لو لم يتم اتخاذه من القادة كانت الثورة ستفشل فى موجتها
الأولى أو على الأقل ستنجح ولكن بأضعاف الضحايا الذين سقطوا
ألم يكن من المنطقي أن تنجح خطة الترويع الأمنى فى استسلام الشعب ووقوفه ضد المتظاهرين بعد إطلاق
المسلحين من بلطجية النظام فى الشوارع والمنازل ,
وهل كان من المنطقي أن تنجح اللجان الشعبية وحدها بالعصي والأدوات البسيطة فى التصدى لهجمات
البلطجية وردعهم وتحقيق الأمن فى البيوت بسواعد شبابها فى غياب تام وتواطؤ كامل للشرطة ؟!
ألم يكن منطقيا أن ينحاز الحرس الجمهورى للرئيس , على الأقل بما هو معروف من تنافس بين الجيش
وقوات الحرس الجمهورى وما بينهما من حساسيات معروفة , فيقوم الحرس الجمهورى بحماية مبارك ويضطر
الجيش للرد وتصبح حربا ضروسا تدفعه البلاد ثمنا غاليا لها حتى تحقق حريتها ؟!
وأمامنا الآن مثال ما حدث فى ليبيا , وفىاليمن عندما تفرقت القوات المسلحة بين الجبهة الشعبية وجبهة
السلطة ووقعت المعارك الضارية التى أوقعت آلاف الشهداء
ألم يكن منطقيا أن يستغل النظم السابق بعد رحيله من الحكم , إمكانياته المادية الهائلة المتمثلة فى الأموال
المنهوبة وفى رجال الأعمال المتعاملين مع النظام والمتحالفين معه , وقرابة مليون بلطجى ربتهم وزارة الداخلية
فى حجرها , فى أن يضربوا استقرار مصر إلى مدى مفزع يتجاوز كثيرا ما حدث بالفعل
179
إن إمكانيات الثورة المضادة الواقعية , تجعلنا من المنطقي للغاية أن نتوقع كوارث أمنية لا يعلم حدودها إلا الله
تتمثل فى عمليات إرهابية واسعة النطاق يشرف عليها ضباط أمن الدولة ورجالهم والبلطجية التابعين لهم ,
ورغم كل ذلك نجت مصر والحمد لله وكانت الثورة المضادة محكومة بالفشل فى كل خطواتها رغم النجاحات
المرحلية التى حققتها فى دفع اليأس إلى قلوب الناس
وهو ما يجدر بنا أن نتفهمه جيدا ..
أن اليأس الكامل إذا استبد بالناس فهذا هو النجاح الحقيقي للثورة المضادة , ونزع اليأس واستمرار المقاومة
هو الفشل الحقيقي للثورة المضادة مهما كانت خسائر البلاد المرحلية
وبعد هذه النظرة المتأملة , أليس من حقنا أن نقول بأن التضحيات التى قدمناها لتحقيق ما وقع , هى بالفعل
تضحيات تقل كثيرا جدا عن المقابل المنطقي لثورة مثل هذه الثورة ونتائجها ,
إن مصر طيلة الثلاثين عاما الأخيرة كانت تخسر ألف وخمسمائة قتيل سنويا فى حوادث الطرق , بخلاف
ثلاثين ألف مصاب بخلاف الحوادث التى كانت تقع لإهمال السلطة فيذهب ضحيتها الآلاف بلا ثمن , مثل
حادثة قطار الصعيد أو حادثة عبّارة السلام ,
فإذا كانت مصر تحملت هذا الثمن الفادح فى مقابل لا شيئ !!
فهل يعتبر الثمن كبيرا عندما يذهب فى سبيل الدفاع عن حق الحرية الذى خلقنا به الله عز وجل وأوصانا ألا
نتخلى عنه ..
هل يعتبر الثمن كبيرا إذا كان المقابل هو كسر حاجز الخوف وتحطيمه والإستقلال برأى للشعب .. رأى
حقيقي يخشاه الحكام بعد أن تصور الحكام عبر السنوات الطوال أن هذا الشعب قد استسلم وانتهى أمره ؟!
ومصر فى السنوات الثلاثين الأخيرة مرت تحت رعاية النظام بفتن الإرهاب وفتن الطائفية التى قضت على
آلاف الأبرياء وضعضعت الحالة الإقتصادية للبلاد , فى مقابل لا شيئ
فهل نستكثر على الثورة وقوع محاولات للفتنة هنا وهناك يذهب ضحيتها أفراد معدودون , تمكن الشعب
وقواته من التآزر لمنع آثارها قدر المستطاع
ومصر فى السنوات الثلاثين الأخيرة عانت من نهب منظم غير مسبوق منذ أيام الفراعنة , بلغ فيه مجموع
المال المنهوب سائلا وفى شكل عقارات ,ما يقارب ثلاثة تريليونات جنيه مصري (أى ثلاثة آلاف مليار جنيه)
ذهبت بلا مقابل , وإلى خزائن العائلة الحاكمة وبطانتها ورجال أعمالها ,
فهل نستكثر على الثورة أثرا سلبيا يتمثل فى اهتزاز معدل النمو والإنتاج لفترة تطول أو تقصر
وحتى لو استمر الإهتزاز لأعوام قادمة لا قدر الله ما الذى تمثله هذه الخسارة المحدودة أمام جحافل
المليارات المنهوبة سابقا , لا سيما لو وضعنا بأذهاننا أن ميزانية الدولة شهدت اليوم موارد ضخمة جديدة
180
مضافة إليها , وهى الموارد التى كان نظام مبارك يستبعدها من حساب الميزانية الخاصة بالدولة وتذهب حكرا
لرياسة الجمهورية ومصاريف الحكومة دون أى حساب ,
مثل مليارات الصناديق الخاصة والمنح المختلفة , بالإضافة لدخل قناة السويس , وثروة الغاز الطبيعى والبترول
الذى كان يتم تصديره بفارق أسعار مذهل لصالح إسرائيل مقابل عمولات معروفة , فضلا على إنتاج مناجم
الذهب التى كان يتم تهريبها برعاية رسمية من رجال النظام , بالإضافة إلى القروض المشبوهة التى يتم نهبها من
البنوك , .... إلخ
وهذه القيمة المالية المضافة تفوق فعليا ميزانية الدولة السنوية , أى أننا نستطيع القول بل مبالغة أن ميزانية
مصر ابتداء من العام القادم ستشهد مضاعفة فى الموارد بسبب ضم الموارد المنهوبة إلى الميزانية بعد قطع
دابر النهب المنظم
فالخائفون والمتوجسون عليهم أن يهدءوا نفسا , لأنهم إذا استعادوا المشاهد السابقة فى الثورة , سيثقون أن
هناك معاملا خفيا غائبا عن منطق الأحداث ,
هذا المعامل هو الذى أثقل كفة الشعب الأعزل فى مواجهة النظام المتسلط , وكفل للشعب نصرا باهرا بأقل
مستوى من التضحيات ..
هذا العامل هو توفيق الله عز وجل , والذى جعل ضربة العُزّل أشد فتكا من ضربات القنابل ,
وهو نفس العامل الذى ينبغي أن يطُمئن الخائفين على مستقبل الثورة , فمن رعاها فى بدايتها لابد أن حاميها
فى نهايتها .. والله عز وجل أكرم من أن يمنع ما أعطاه , أو يرعي ثم يترك رعيته ,
وهو عز وجل الذى طلب إلينا أن نغير ما بأنفسنا , ثم وعدنا أن النصر حليفنا إن فعلنا , وقد غيرنا أنفسنا
بأنفسنا , فكان عليه حقا نصر المؤمنين ..
أما بالنسبة للفريق الثانى ..
الفريق المتعجل لنتائج الثورة والذى يعتقد أن مجرد وقوع الثورة يعنى بالتبعية خروج مصر أخرى فى غمضة عين
فكما قلنا من قبل أن الطوفان الجارف الذى أحدثته الثورة , قام فينا بقيامة طوفان نوح عليه السلام ,
كانت وظيفته كنس الكفار وأبنائهم ومسح آثارهم من على وجه الأرض لتعود بكرا كما كانت ، لكن لم يكن
من وظائف الطوفان الذى أنقذ نوحا وقومه أن يقوم بإعادة بناء دولة التوحيد بعد زوال دولة الكفر , وهذا أمر
طبيعى لأن إعادة إعمار الأرض بعد الطوفان كانت موكلة إلى المؤمنين الناجين مع نوح فى السفينة ,
وهؤلاء هم الذين شمروا عن سواعد الكد والجهد سنوات طوال لإعادة البناء وخلق أرض جديدة على أرضية
صافية ونقية ..
181
وهذا بطبيعة الحال استلزم جهدا ووقتا امتد لقرون ,
ومصر الجديدة التى خرجت من رحم الثورة , لم يلاحظ المتعجلون أنها أرض جديدة مسح النظام السابق منها
كل وجوه الحياة , وامتص خيرها وضرعها حتى اللحم , ومن الطبيعى أن أن إيقاف النزيف وكف يد النهب ,
يحتاج معه إلى إعادة البناء بموارد خصبة تنتظر السواعد التى تشارك فى نهضتها ,
وأمام مصر عشرين عاما قد تطول أو تقصر بحسب الظروف لكى يمكن لها أن تحتل المكانة العالمية اللائقة
بها داخليا وخارجيا , وليس فى هذا ما يدعو لليأس أو هبوط الحماس
بالعكس ..
المفروض أن يكون سببا للتفاؤل
فمصر الحرية , ستعرف أخيرا معنى البناء عندما يشمر أبناؤها لنهضتها ويعملون بجد واجتهاد وهم واثقون من
أن نتاج عملهم سيعود لهم هم هذه المرة , بعد طول عمل كانت ثماره تُنهب كل يوم أمام أعينهم
فما أجمل العمل الذى يشعر صاحبه بأن نتاجه حتما هو راجع إليه , مهما استطال التعب فى سبيله ,
فضلا على إغراء آخر ينتظر هذا الجيل وهو أننا الجيل الذى قام بالثورة , وأمامنا فرصة لنضيف إلى مجد
الثورة مجدا آخر وهو مجد بناء الدولة المصرية الحديثة الأولى بعد مصر محمد علىّ
لتتذوق الأجيال القادمة من مصر مذاقا مختلفا عما شربناه نحن , وهذا المجد وحده يكفي للصبر ويستحقه ..
182
القضية الثانية .. الثورة وسقوط الرموز
حديثنا فى هذا الجانب لن يشمل نوعا بعينه من الرموز , بل سنحاول وضع الأساسيات التى تؤهلنا كجمهور
للتمييز بين رجل الحق ورجل الباطل فى شأن كافة الرموز العلمية والفكرية , سواء كانوا من العلماء والدعاة أو
من المفكرين والكُتاّب , أو من رجال السياسة ,
وفى مختلف الحالات , سواء فى الأجواء العامة العادية , أو فى الأحداث الإستثنائية كالثورة مثلا ..
والحكم على الرموز ليس أمرا سهلا فهذا أمر عظيم القدر وكبير المسئولية .. والمشكلة أنه بالغ الضرورة لنا
هذه الأيام .. لأن ثقافة التمييز أصبحت الآن لازمة لا غنى عنها
وإذا كانت هذه الثقافة قديما إحدى مقومات الكمال , فهى الآن فرض عين لإدراك مقاييس الرجال ,
والسبب جلىْ وواضح , ويكمن فى أن النفاق بعصرنا أصبح هو القاعدة , والإخلاص هو الإستثناء , وليس كل
من حمل العلم والفكر عالم أو مفكر , طالما استخدمه فى أغراض دنيوية بغض النظر عن رسالته ,
لا سيما إذا تذكرنا نبوءات النبي عليه الصلاة والسلام فى أمر آخر الزمان , وكيف أن الظاهرة التى ستحكم
هذا الزمن هى ظاهرة أئمة النار الذين يدعون إلى النار بدعاء الجنة وعلم السلف ,
وفى ظل الظروف المتلاطمة فى مرحلة إعادة البناء اليوم , فإن الوطن لا يحتمل دخول لبنة واحدةفاسدة فى
تكوين البناء الجديد , الذى ينبغي له أن يقوم على أساس سليم قوامه المخلصون .. والمخلصون وحدهم ..
وقبل أن نعرض لقضية تقييم الرموز وأحوالهم , ينبغي لنا أولا أن نعرف من هم الرموز ,
من هؤلاء الذين يستحقون هذا الوصف .. ؟!
ورغم أنه سؤال قد يبدو ساذجا , إلا أن الإنقلابات المجتمعية فى تقييم البشر أخلت بالموازين , ورفعت
الجهلة وخفضت العلماء ,
وأصبح المقياس الوحيد لاعتبار الشخصية الرمز أو الشخصية العامة هو انتشارها إعلاميا بأى وجه من أوجه
الشهرة ,
المهم أن يكون الشخص شهيرا إعلاميا ليحصد الإعتراف المجتمعى به كشخصية عامة تفتى فى مدار أحداث
الوطن الجسام !! وليس غريبا أيضا أنهم يضعون الحلول لقضايا لا تتمكن عقولهم حتى من استيعاب اسمها ,
فضلا على فحواها !
وساهم الإعلام الرسمى فى تكريس هذه النظرة فأصبحت البرامج الحوارية طيلة العقود الماضية تستطلع الآراء
فى أخطر قضايا المجتمع من الممثلين والراقصات ومن شاكلهم !
183
واستعيدوا كل الكوارث أو الأحداث الجسام التى مرت بها مصر خلال ثلاثين عاما , وراجعوا الإعلام الرسمى
والخاص وقارنوا عدد الممثلين وأهل الإعلام الذين ظهروا ليفتوا بالحلول إلى جوار آراء المتخصصين والعلماء
وأهل الفكر !
كما ساهم هذا فى فتح جبهات الجهلة للهجوم على ثوابت الأمة والدين فى خفة عقل لا مثيل لها , لمجرد
الشهرة , فتجد صحفيا يطعن أو يناقش صحة قاعدة فقهية , وتجد حلاق صحة تحول إلى طبيب فى حركة
ترقيات " 15 " يناقش مبادئ العقيدة !!
ولعل هذه الثقافة المنتشرة كانت هى السبب فى خروج بعض المراهقين السياسيين ليطرحوا أنفسهم لمنصب
رياسة الجمهورية , كما لو كانت انتخابات الرياسة شبيهة بانتخابات نادى هيليوبوليس أو مركز شباب إمبابة ,
ولم يجد هؤلاء حرجا أو وقتا ليسألوا أنفسهم هل مصر الثورة بعد كل هذا التغيير تستحق مرشحين تنطبق
عليهم أوصاف المتردية والنطيحة وما أكل السبع !!
والمشكلة أن هؤلاء المرشحين يعتبرون دليلا قاطعا على غياب ثقافة التمييز من المجتمع , لأنهم اكتسبوا
الشهرة الإعلامية وظنوها ذات حصانة لهم فى الكل العهود ! وظنوا أن الشعب طالما اعتاد رؤيتهم مع
الممثلين والراقصات على شاشات التليفزيون فإن أى موقف منهم مقبول من الشعب !
فشخص مثل عمرو موسي يعتبر أحد الآبناء الشرعيين لنظام مبارك ونديم الفكر والخمر لهذا الأخير والصديق
الوحيد له بعد حسين سالم الذى كان يزوره فى كابينته الشخصية بالمصيف كل عام لتبادل الدعابات
والأحاديث غير الرسمية , ويعتبر أحد راسمى سياسة الإنبطاح التى أخرجت مصر من دورها لتدور فى فلك
السياسة الأمريكية منذ أن كان وزيرا للخارجية وحتى شغله لمنصب جامعة الدول العربية, وهو بطل أبطال
التصريحات والكلام الفارغ الذى ظن أن يبنى به شعبية ولا زال يمارس نفس الأسلوب حتى اليوم , سياسة
حرب التصريحات والشجب والندب إلى غير ذلك من لوازم السياسة العربية القديمة
شخص مثله أعلن قبل شهور من الثورة أنه إذا ترشح مبارك للمرة السادسة فهو معه بلا جدال هو نفس
الشخص الذى استجاب للنظام وذهب للمعتصمين فى ميدان التحرير كى يحثهم على فك الإعتصام قبل رحيل
النظام !
شخص مثله لم يستح أن يتكلم باسم الثورة وأن يقدم نفسه رئيسا منتظرا وزعيما ملهما ! , وكل صُوره توحى
بهذا الداء المركب الذى يستولى على عقله المريض سياسيا والذى يتخيل نفسه على مقعد الفرعون ورافعا يده
Y#__ _7 أ _ لله YG7 ر _1_54_ د ا ;G__ ذ __Ht_ (,"c (N_H (,#5_ 15 184
ليحيي الجماهير كزعيم منتظر , وهى الأمنية العريقة فى قلب عمرو موسي ويتخيل أن الشعب المصري بوعيه
الثورى قابلا للخدعة مرة أخرى ليثق بأحد رجالات مبارك كانت كل وظيفته فى النظام ( كداب زفة )
والمشكلة أنه يصدق نفسه وكأنه فقد الذاكرة أو الوعى ,
فإذا به يقف فى البرلمان الأوربي فى الجلسة المعقودة لمناقشة الثورات العربية بشهر يونيو الحالى " 16 " ويلقي
خطبة عصماء باعتباره أبا للثورة المصرية , وأكثر المعبرين عنها الآن !!! ولم يقف عند هذا الحد بل امتد به
التبجح أنه ادعى التربع على قلوب الشعب باعتباره المرشح الأوفر حظا لرياسة الجمهورية !!!
وليست المشكلة فى ممارسته للدعارة السياسية , بل المعضلة فى درجة الفجور التى مارسها بها
فليته اكتفي بتملق الثورة مثلا , أو اكتفي بالإنقلاب على مبارك بعد أن ظل تابعه المطيع طيلة السنوات الماضية
, بل إنه زايد حتى على الثوار وصادر على رأى ووعى الجماهير وقدم نفسه باعتباره أحد آباء الثورة بينما هو
وزير الخارجية الأطول عمرا فى عهد مبارك وهذا الأخير معروف عنه أنه لا يبقي بجواره إلا أقرب وأخلص
رجاله ومنفذ سياسة الإنبطاح التى اعتمدها النظام , تلك السياسة التى اعتبرت بها إسرائيل أن مبارك ونظامه
كنز استراتيجى لها على حد تعبير بن اليعازر وهو المدشن الأول لسياسة التصريحات الفارغة والمقارعة
الصوتية بلا أى فعل إيجابي على الأرض ,
وبلغ به حد ابتلاع الإهانة أنه سمح لنفسه وهو أمين الجامعة العربية ومعه وزراء خارجية العرب جميعا أن
يتعرضوا للطرد شبه الصريح من كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية فى إدارة بوش الإبن قبيل حرب العراق ,
وذلك عندما ذهب الوفد برياسته لمقابلة بوش فى البيت الأبيض فوجهتهم رايس إلى نيويورك حيث مقر الأمم
المتحدة ولم تسمح لهم الإدارة بمقابلة الرئيس الأمريكى وانصرفوا وكأنهم بعض المتسولين وليسوا وزراء
ممثلين لبلادهم التى تمثل للولايات المتحدة كما هو مفترض شريكا إستراتيجيا فإذا بها بسياسات موسي
ورفاقه وأنظمتهم عبارة عن أتباع للسياسة الأمريكية تحركهم إشارة وتثبطهم أخرى
وهو المحلل السياسي للنظم العربية القمعية بالذات فى ليبيا وسوريا ومصر والممهد الأول لديكتاتوريتها , وهو
المسئول الذى لم ينطق حرفا وهو وزير خارجية أو أمين للجامعة العربية حرفا واحدا تجاه ممارسات القمع
أو الإرهاب الأمنى التى مارستها تلك الأنظمة
ومواقفه أثناء الثورة وقبل إعلان فوزها دليل آخر على مدى انتمائه لمبارك حيث أوصي جهاز أمن الدولة
باستغلال عمرو موسي لمحاولة خداع ثوار ميدان التحرير وهو ما كشفته وثائق أمن الدولة وأكده الواقع حيث
رأيناه نزل الميدان بالفعل داعيا للتجاوب مع النظام وما ينادى به من إصلاحات , ثم زادت الطين بلة بأن قدم
نفسه للمتظاهرين على أنه مرشح رياسي محتمل فى هذا الوقت ودماء الشهداء لم تجف بعد !
2011 م ;,1;_ ("c 16 185
وشخص آخر مثل أحمد شفيق رجل البلوفر قَبلِ أن يكون محللا سياسيا للنظام ! , وكان أحد رجال مبارك
الموثوق بهم لدرجة تفصيل منصب وزير الطيران خصيصا لأجله , وشغل منصب رئيس الوزارة فى أحرج فترة
من تاريخ مصر الحديث حيث كان قبول رياسة الوزارة أو الوزارة خيانة للثورة وانتفاضة الشعب المصري ..
شخص مثله شارك وتواطأ على قتل المتظاهرين فى موقعة الجمل وهو يشغل منصب رئيس الوزراء وظهر على
شاشة قناة الحياة ليعلن أن حماية المتظاهرين فى رقبته ( برقبتى يا ريس ! ) ثم فعل مثلما فعل عبد الحكيم
عامر الذى أضاع مصر فى نكسة 1967 م عندما قال نفس العبارة وفى اليوم التالى سقطت سيناء فى يد
الإسرائيليين
فقالها شفيق ليسقط المتظاهرون فى اليوم التالى مباشرة فى موقعة الجمل ليفقدوا ستمائة شهيد على الأقل
وقرابة خمسة آلاف مصاب بإصابات فادحة تراوحت بين فقد العينين معا أو أحدهما أو الشلل النصفي أو
الشلل التام من جراء هجوم البلطجية بقنابل المولوتوف وحجارة الرخام والمدافع الآلية والأسلحة البيضاء على
صهوات الجياد والخيول التى اقتحمت ميدان التحرير على متظاهريه العزّل
ثم خرج شفيق بعد المعركة الدامية التى استمرت يوما وليلة ليعلن أنه لم يكن يعلم شيئا عن أحداث موقعة
الجمل !! ... هكذا ببساطة لا يعلم شيئا وهو الذى تعهد قبلها بساعات بحماية المتظاهرين برقبته !!
هذا الشخص الذى رفض تسمية الثورة بالثورة , واعتبرها مجرد احتجاجات وانتفاضة , وأعلن فى الإعلام
العالمى أنه يستطيع أن يحصر الإعتصام فى ميدان التحرير ويحرره من المتظاهرين ويفتح الطريق ويترك
المعتصمين يفعلون ما شاءوا ويرسل إليهم بالبونبون والشيكولاته !!
هذا الشخص نفسه هو الذى يرشح نفسه لرياسة الجمهورية الآن ويردد فى لقاء بعد التنحى بلا حياء أنه
يستبشر بثورتنا لاحظوا اللفظ ( ثورتنا ) ! التى وضعت مصر على خارطة التقدم !!
فبم يمكن أن نسمى هذه المواقف ؟!
وهل يفي مصطلح الدعارة السياسية للتعبير عن هذه السياسات , أم أننا ندين بالإعتذار للدعارة باعتبار
ممارسيها لا يبلغ بهم التبجح أن يقدموا أنفسهم كرعاة للفضيلة , !!
ويُضاف إلى هؤلاء الراقصين على أحبال السياسة , الراقصين أمام الشاشات الصغيرة والكبيرة , والذين يقدمون
أنفسهم على أنهم أهل الفن وضمير المجتمع , فلا فارق بين النوعين فى ممارسة كل منهما لنوع من أنواع
الدعارة الإعلامية سواء كان يمارسها بمفهومها القديم منذ الأزل , أو بمفهومها الحديث فى السياسة وعالم
الإنتخابات !






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:04
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

186
ومن هنا ينبغي أن ندرك أن الرمز فى أى مجتمع له شروط وأولها أن يكون من أهل العلم والرأى مع التطبيق ,
لا من أهل الرأى والسياسة مع التصفيق ! , كما يجب أن يكون من قيادات الفكر التى ينُاط بها توجيه الرأى
العام , والمفكرين الذين يقدمون للناس خلاصة الرؤي فى القضايا المختلفة , وأصحاب المواقف الثابتة
القيادية المعبرة عن نبض المجتمع أو حتى عن بعضه والهادفين لإصلاح المجتمع لا لتحقيق مصالحهم
وبهذا الحصر يخرج كافة الأشكال التى اعتاد الإعلام السابق تقديمها لنا لمناقشة القضايا الجوهرية ممن لا
يصلحون أساسا كأفراد عاديين يساهمون فى المجتمع فضلا على أن يتم تقديمهم كرموز فكرية !
والآن ..
فى ظل الثورة الفكرية التى نحتاجها تبعا للثورة السياسية , ينبغي لنا إعادة ضبط الموازين أولا قبل أن نكيل
الكيل ..
نحتاج أن نطبق عمليا ولو لمرة واحدة أن نعرف الحق أولا ثم نعرف رجاله , لا أن نعرف الحق بالرجال ..
وما يهمنا فى قضية الرموز هو إدراك المعادلة التى يتعين علينا أن نُسقط الرمز عن مكانته فى المجتمع على
أساسها , ولا نأخذ منه علما أو فكرا باعتباره غير مأمون الجانب ..
وهذا لا يتحقق إلا بالثقة التامة فى أن هذا الرمز خان مجتمعه الذى رفعه , ولم يؤد أمانته الواجبة فى القول
الفصل وإرشاد الناس عن طريق الهوى أو النفاق أو التلون لتحقيق مكاسب شخصية ..
وقد ظهرت عشرات النماذج لهذا الأمر خلال فترة الثورة , وكلها تستحق الإسقاط للأسف الشديد لأنه ثبت
بالدليل القاطع أنهم يتبعون الجواد الرابح ولا يدينون إلا لمصالحهم سواء كانوا من العلماء أو الدعاة أو
المفكرين
وما يثير الإستغراب أن هؤلاء الرموز لم يكتفوا بالوقوف السلبي المهين من الثورة وأحداثها , بل انقلبوا وتحولوا
بعد نجاحها تماما وأظهروا أنفسهم كما لو أنهم كانوا من مفجرى الثورة وقادتها , ومن المدافعين عن الحق
وأصحابه !!
ووجه الإستغراب أن التلون جاء فادحا والإنقلاب كان شاملا ! , وفى ظل أدوات إعلامية تتيح للعامة من الناس
أن تقارن ببساطة ويسر فائقين بين مواقف هؤلاء الزمرة فى البداية ومواقفهم فى النهاية ..
وقد حاول بعضهم الإفلات من الفخ عن طريق الإعتذار للمجتمع الثائر بأنهم لم يكونوا يدركون الحقيقة , وأن
الإعلام الرسمى والنظام ساهم فى تضليلهم !!
وهذا عذر أقبح من ذنب ..
فإذا كان العامة من الناس لم تقع رهن الخداع من النظام الذى انكشفت عورته أمام الكافة , فكيف بالعالم
والمفكر والداعية أن يقع رهن الخداع من أجهزة إعلام ونظام احترف الكذب والتضليل ؟!
187
والأهم من ذلك ..
هل كان فساد النظام طيلة ثلاثين عاما فى حاجة إلى من يوضحه , أو من يظهره بعد أن كشف النظام عن وجه
سافر فى تحدى كافة الإرادة الشعبية سواء فى السياسة الداخلية أو الخارجية !! ؟
وأخيرا ..
لو تتبعنا هذه الزمرة من المتحولين سنكتشف أنهم جميعا كانوا من سدنة النظام وحراسه طيلة الفترة السابقة
ولن تجد لأحدهم كلمة واحدة فى الإعتراض على بشاعة سياسة القهر والإرغام التى يمارسها النظام فى الداخل
أو سياسة الخيانة والعمالة التى يمارسها فى الخارج ,
هذا بالرغم من أنهم كانوا يرفعون عقيرتهم بالإعتراض على أهون الأمور وأتفه القضايا , أما الحكام وسياسة
الحكام فهؤلاء محصنون من نقد هذه الزمرة
ولا شك أن محاولة اعتذار هؤلاء العلماء والمفكرين غير مقبولة للمجتمع ولا تنم إلا عن نفاق متجذر الطباع
للطرف الرابح , لأنهم يدركون تماما أنهم كانوا ينافقون النظام الحاكم على حساب أمانة الكلمة , وجعلوا من
أنفسهم أدوات تضليل مضاعفة مع الإعلام الرسمى لثقة الناس فيهم ,
وأكبر دليل على ذلك ..
أن كل من اعتذر بالوقوع فى الخداع بسبب موقفه السلبي من الثورة , لا زال حتى اليوم ينافق ويسكت عن
باقي أنظمة الحكم العربي التى ثارت وتثور شعوبها بسبب فساد حكامها ,
والأهم ..
أنهم انقلبوا إلى منافقين لمن بيدهم السلطة اليوم , وهم أعضاء المجلس العسكري ! , مما يؤكد أن هذا الأمر
طبع يغلب التطبع ..
ولو كان هؤلاء الناس يعتذرون عن صدق نية حقا , لسمعنا منهم كلمة حق واحدة تجاه أى حاكم لا زال فى
السلطة , أو تجاه أى موقف خاطئ للمجلس العسكري أو الحكومة الحالية ,
وهو ما لم يحدث ولن يحدث على الإطلاق !
ذلك أن النية نفسها اتضح فيها الخلل , والإخلاص كان غائبا بالهوى الشخصي ,
وهؤلاء جزاؤهم السقوط الحتمى , ولا يمكن قبول اعتذارهم بأى حال , ذلك أنهم لم يعتذروا عن خطأ , بل
قدموا الاعتذار الشكلى لتغيير البوصلة لا أكثر ولا أقل , بهدف استمرار الشعبية أو استمرار التواجد على
الساحة !
188
وطالما اهتز الإخلاص وتمركز الهوى فى نفس العالم أو المفكر , فقد سقطت قيمته حتى لو كان أكثر أهل
الأرض علما وفكرا , طالما أنه خان أمنته وضميره وساهممتعمدا فى تضليل الناس عن الحق , وهو أولى الناس
بهدايتهم إليه ,
ذلك أن علمه سيكون رهنا لهواه , وفكره سيصبح أداة من أدوات خدمة ذاته , لا خدمة التوعية وخدمة
الجمهور ,
ولكى يستطيع المرء أن يكرس لنفسه المبادئ الواضحة للحكم على مواقف الرجال والعلماء , عليه أولا أن
يربي نفسه على المبدأ الأصيل ( اعرف الحق .. ثم اعرف رجاله )
فيحدد الحق الأبلج الواضح الذى لا يحتاج إرشادا , ثم ينظر بعد ذلك إلى القائل به فيتبعه ,
وأما الحكم على الرموز بالإسقاط فيكون فقط حال التيقن من سوء النية وغياب الإخلاص فى هذا الرمز أو
ذاك , مع مراعاة الفارق الضخم بين المواقف التى يتخذها بعض العلماء أو المفكرين عن خطأ رؤية حقيقي
والخطأ مغفور مهما بلغ
وبين المواقف التى يتم اتخاذها عمدا .. بقصد تحقيق مآرب شخصية أو أهواء متأصلة مهما كانت درجة
الخطأ هنا بسيطة وهينة لأنها تكون فى هذه الحالة عنوانا لطامة أعظم بكثير وهى طامة فساد النية فى العلم
والعمل
وهذا يمكن شرحه فيما يلي
فى البداية ينبغي لنا أن نؤصل لقاعدة كبيرة ومهمة وهى أنه لا أحد معصوم لا من الخطأ ولا من الهوى ,
أما الخطأ فهذا أمره يسير إذا لحق بالعالم او المفكر أو السياسي لأن الإجتهاد صاحبه مأجور حتى فى الخطأ
طبقا للقاعدة الفقهية الشهيرة لأن المجتهد يلتمس الحق دوما بنية مخلصة
ومن المستحيل أن نُسقط عالما لأجل أنه غفل عن قاعدة أو حديث أو أخطأ القياس والتفسير , أو أن نسقط
مفكرا لأنه غفل عن معلومة أو قدم رؤية خاطئة لأى سبب من الأسباب الطبيعية المقبولة , أو نسقط كاتبا دافع
أو اتخذ موقفا خاطئا تبعا لرؤية ملتبسة خدعت كثيرين مثله وعندما عرف بخطئه تراجع عنه
فالخطأ مهما بلغ فهو مردود ومكانة صاحبه محفوظة طالما أن الفعل كان فى محتوى الخطأ
وتعريف الخطأ هو الزلل الذى يقع فيه الإنسان عن غير عمد قاصد بذلك الصواب ,
نكرر ..
189
الخطأ هنا هو الفعل الناجم عن غير عمد , وداعى التكرار والتركيز أن هذه النقطة بالذات نقطة العمد هى
المقياس الوحيد الذى يتم وصف الفعل الخاطئ على أساسه , فيكون بوجود العمد جريمة غير قابلة للغفران ,
وبغياب العمد خطأ مغفورا
مثل خطأ أبي حنيفة فى قوله أن الإيمان قول باللسان وإقرار بالقلب فقط دون العمل مستدلا بالآية الكريمة :
( الذين آمنوا وعملوا الصالحات )
فافترض أن الواو هنا فاصلة بين الإيمان والعمل واستنبط منها اجتهاده السابق , وهو بخلاف الإجماع أنه قول
وعمل
وجاء الشافعى فأبطل هذا الإستدلال باحتجاجه بالآية الكريمة
( رب المشرقين و رب المغربين )
فالواو لو كانت هنا فاصلة لكانت كارثة إذ أنه معنى ذلك وجود إلهين واحد للمشرق والآخر للمغرب !
وبالتالى فالواو الأولى ليست فاصلة بل واو للبيان وحسب
ورغم أن قول أبي حنيفة فى الإيمان مخالف ويعتبر أحد أقوال المرجئة " 17 " إحدى الفرق الشاذة إلا أن
أحدا لم يأخذها عليه كذلك لأنها جاءت بخطأ فى الإستدلال فحسب
أما الهوى ..
فهو المعضلة الحقيقية , ذلك أن الخطأ بهوى يختلف عن الخطأ المجرد حيث يصبح الفعل شبه عمدى ,
بحيث يستجيب فيه العالم لهواه ضاربا الأدلة جانبا ,
والهوى هو الذى يسقط العلماء لكن بشروط ..
فالهوى ليس نوعا واحدا كما أنه ليس مقدارا واحدا
لأنه موجود فى الفطرة البشرية بطبيعتها ولا يوجد إنسان خال من الهوى مطلقا إلا المعصومين
ولهذا فإنه ينقسم إلى نوعين , لكل منهما حكم مختلف ..
أولا : هوى فطرى تقليدى لا يؤثر فى صاحبه
وهذا النوع من الهوى لو توفر الإدراك له لوفر الكثيرون من ذنوب الطعن بالعلماء وأعراضهم ..
لا سيما وأن الطعن فى أى شخص بالأصل هو جناية عظمى كما ورد فى الحديث الذى صححه الألبانى فيما
معناه
( إنه من أربي الربا أن يخوض المرء فى عرض أخيه )
ادى _V#_ ا T,R__ ق ) ا (L_ ا .,/ ق (L_ ب ( ا ___ JF 17 را
190
فكيف إذا كان الخائضون فى الأعراض يخوضون فى أعراض العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ولحومهم مسمومة
من تتبع عوراتهم بغرض فضحها تتبعه الله حتى جوف بيته
والسبب فى نزوع بعض طلبة العلم والشباب المتسرع إلى الطعن هو تحمسهم الشديد لما ينتسبون إليه من
توجهات وآراء فلا يتحملون عليها أدنى مخالفة ومن ثم إن وجدوا أحد كبار العلماء وله هفوات من الهوى
الطبيعي الغير المعيب أساسا ..
تجدهم سراعا إلى رفضهم وإسقاطهم وحتى دون مستند
( مع ملحوظة شديدة الأهمية , وهى أن هذا النهى المغلظ مقصود به مجال الطعن الشخصي , أما الرد على
العلماء فى الآراء والمواقف , ومهما بلغ الرد من العنف , فهو خارج إطار التعدى على العلماء بالقطع , ولا
يعتبر إطلاقا خوضا فى أعراضهم , فالمقصود هنا هو نزوع البعض إلى إسقاط حشمة وقيمة بعض العلماء بناء
على آرائهم الفقهية أو الفكرية أو مواقفهم التى قد تكون خاطئة لكنها مبررة .. )
و التصيد للأهواء فى العلماء وإسقاطهم يخالف إجماع السلف بل وإجماع المفكرين والمحققين العقلاء حتى
من خارج مجال الشريعة على أن الهوى المحتمل هو الذى يدور حوله المثل المعروف
( الإختلاف لا يفسد للود قضيا )
والإنسان مهما بلغ من القدرة على الحياد سيعجز أن ينأى بنفسه عن الهوى التقليدى الكامن فى طبيعة ذاته ..
مثال هذا الهوى المحتمل الشدة التى عرف بها بن حزم فى مناظراته ومحاوراته وثقته المتينة بعلمه وفضله ..
لا شك أن هذا نوع من الهوى .. لكنه مقبول لأنه بالفعل عالم محقق مدقق وفضله لا ينكره أحد
وشدته التى ألبت عليه علماء عصره كانت إحدى مميزاته فى جانب آخر
وهو جانب دفاعه عن عقيدة أهل السنة فى مواجهة الفرق المختلفة والملل الزائغة كاليهود والنصاري
وتراثه العلمى مشهود ليس عندنا فقط بل حتى فى أوربا التى نقلت علمه عبر الأندلس وأبحرت فى مجالاته
الفكرية حيث لم يكتف بن حزم بعلوم الشريعة بل صنف فى الفكر العام والأدب كما فى كتابه طوق الحمامة :
أيضا هناك مثال على الهوى المقبول فى مجال الفكر السياسي وأعنى به عملاق التحليل السياسي محمد
حسنين هيكل .. ,
معروف بالضرورة أنه مؤسس الناصرية ومُنظّرها الرئيسي فى زمانها الذهبي ..
وبعض بسطاء الفكر يعتقدون أن هيكل هو من استفاد من عبد الناصر بينما الواقع أن عبد الناصر ما كان
لتجربته أن تتحول من تجربة رياسة إلى تجربة زعامة على المحيط العربي والإفريقي والآسيوى لولا محمد
حسنين هيكل ..
191
فهو النابغة الذى تولى مكانة رهيبة الثقل فى السياسة الدولية بفضل موهبته وشعبيته الساحقة وخطابه المؤثر
وقد رهن إمكانياته تلك كلها ومواهبه فى خدمة التجربة الناصرية ونشرها حتى أن اسم هيكل كان فى أيام عبد
الناصر نفسه يتزامن فى القوة والتأثير مع هذا الأخير ومقالاته فى كل يوم جمعة تحت عنوان ( بصراحة ) كانت
تترصدها دوائر الإعلام وترتجف لها أسماء كبري فى محيط السياسة العربية
وكان المقال الذى دوما ما يكون أشبه ببحث كامل يتناول الشأن الجارى وقتها بالتحليل والمعلومات والتوثيق
ويطرح رؤاه فى القضايا المشتعلة فى تلك الفترة الساخنة من تاريخ العالم .. وبعد نشره كان يذاع فى الإذاعة
الرسمية حرفا حرفا وكلمة كلمة بمنتهى الدقة حتى أن المذيع كان إذا مر بفاصلة فى المقال ذكرها ..
ويعود هذا إلى أهمية التحليل الاستراتيجى لدى هيكل والذى جعله واحد من أنبغ عشرة صحفيين فى هذا
المجال الحساس
وقيمته العالمية أشهر من أن تذكر لا سيما بعد أن اعتزل العمل الرسمى فى السبيعينات وأسس للمرحلة
الجديدة فى حياته وهى مرحلة التوثيق السياسي للتاريخ المعاصر والتى شهدت موسوعاته الضخمة التى حملت
الحقائق والوثائق النادرة والتحليلات البارزة التى جعلته مؤسسة بحد ذاته , وهى الموسوعات التى بدأت
بكتاب ( خريف الغضب ) , وانتهت بكتاب ( الإمبراطورية الأمريكية وحرب العراق )
وتزداد قيمة هيكل بروزا إذا عرفنا أن تاريخنا العربي المعاصر هو تاريخ غير موثق ومن كتب فيه كتب بهواه بلا
رابط ولا توثيق .. بعكس تاريخنا الإسلامى الذى تميز بالتوثيق عن تاريخ الغرب
فتفوق الغرب علينا فى العصر الحالى فى حفظ تاريخه لأن الوثائق مهما بلغت سريتها تقوم المؤسسات
بإعلانها للباحثين بعد فترة وهو ما يختلف جذريا فى السياسة العربية التى لا تُخرج من تحت أيديها الوثائق
هذا إن وجدت أصلا إلا فى حالات الفضائح الإنقلابات العسكرية فحسب !
فجاءهيكل بهوايته الأكثر شغفا وهى استغلال نفوذه فى تجميع الوثائق من مختلف الجهات إقليميا ودوليا
لتجعله مرجعا خرافيا لمرحلة التاريخ العربي فى فترة القرن العشرين التى انقلبت فيها موازين القوى عدة مرات
ولا يوجد باحث أو توجد جامعة كتبت أو تكتب فى التاريخ السياسي العربي وعلاقته بالقوتين الأعظم إلا
ولهيكل عليها فضل ومنة بكتبه , بفضل احتفاظه بأطنان من الوثائق السرية يعلم القاصي والدانى أن من بينها
وثائق لا توجد فى رياسة الجمهورية أو المخابرات العامة نفسها ..
أضف لذلك قدرته الخرافية على تحليل المعلومات على نحو يجعل القارئ يستغرب توقعاته ,
ومنها ما توقعه من فشل انقلاب بوريس يلتسين فى التسعينات بروسيا على جورباتشوف .. فرغم أن الإنقلاب
كانت بدايته ناجحة ومتينة إلا أن هيكل وفى الساعات الأولى من يوم الإنقلاب العسكري وبعد أن جمع
معلوماته من كافة أنحاء العالم حكم عليه بالفشل الذريع وهو ما تحقق بالفعل
192
رغم أن بوريس يلتسين تولى السلطة بالفعل ولكن لم يكن هذا بسبب نجاح الإنقلاب بل بسبب استقال
جورباتشوف واعتزاله ..
فهذا الرجل بكل هذه القيمة المتفردة عندما يكون عيبه أن هواه ناصري وهو بنفسه يعترف بذلك ويقر أن لديه
هوى وتحيز لعبد الناصر فمن المستحيل أن نأخذ هواه سببا فى إسقاطه !!
لا سيما وأن هواه تراجع كثيرا جدا عما كان وأصبح مجرد ذكرى للصداقة المتينة التى ربطته بالرجل , وكان
تراجعه شديد الوضوح فى الآونة الأخيرة منذ عام 1995 م , وحتى اليوم , حيث بدأ يتعرض للشأن الجارى
منذ ذلك التاريخ وكانت أولى بواكير إنتاجه المتميز فى الشأن المصري , محاضرته فى الجامعة الأمريكية عام
" 1995 م , والتى أطلق فيها مفاجأة تخطيط نظام الحكم فى مصر للتوريث !! " 18
ولهذا يعتبر هيكل هو أول من أطلق شرارة التحذير من مؤامرة التوريث قبل حدوثها الفعلى بسبع سنوات كاملة
لهذا فكان من الحماقة بمكان أن يصرح بعض السياسيين أن هيكل يفتقد المصداقية لهواه الناصري وهو لم
يكتب عن عبد الناصر أصلا إلا مجموعة مقالات جمعها بكتابين فقط كتاب ( لمصر لا لعبد الناصر ) ,
والكتاب الثانى ( عبد الناصر والعالم )
وباقي حديثه عن عبد الناصر يأتى فى إطار كتبه التقليدية
وسائر كتبه بعد ذلك من النوع الموسوعى الذى يتناول التأريخ السياسي للمرحلة بأكملها موثقا توثيقا كاملا
ومن الممكن جدا أن يختلف أى قارئ مع تحليل هيكل للوقائع والمعلومات .. لكنه من المجازفة أن نتصور
اختلافنا معه فى الحقائق التى يذكرها لأنه لا يتكلم من رأسه بل من وثائقه .. فإذا خسرته فمعناها أنك تخسر
بإرادتك المصدر الوحيد للتاريخ الحقيقي للقضايا المعاصرة ..
أما النوع الثانى من الهوى ..
فهو الهوى الذىيؤثر جزئيا , فيظهر فى صاحبه على فترات ويغيب فى أغلب أحواله :
وهذا الهوى مشابه للسابق وإن كان أكثر ظهورا بقليل ويكون سببه فى الغالب شخصيا بسبب العداوات التى
يتعرض لها العالم أو ما شاكل ذلك فتجعله يميل بهواه إلى مخالفة المتجنين عليه حتى لو كانوا لو على حق
فى بعض الأحيان
وأكبر مثال على الواقع وله تأثير مؤسف فى حياتنا هو الخلاف التاريخى بين مدرستى الأزهر والسلفية ..
" والذى عبرنا عنه سابقا " 19
+_(+, _3Q_ ا b5_ ا +E#c ) +,L_4_ ا +_(__ وا ( زھ ^ ع ( ا ;j;_ JF 19 را
193
أنه خلاف مصطنع سياسي أكثر منه فعلى على أرض الواقع سببه فى الأصل يعود لمنتصف الخمسينيات عندما
كانت العلاقة السياسية متوترة بين مصر والسعودية فى عهد الملك سعود
ثم تطور الأمر الخلاف تشاحن بين بعض العلماء من الجانبين لكون الأزهر فيه بعض توجهات المدرسة
الأشعرية بينما المدرسة السلفية لها خلاف تاريخى آخر مع الأشاعرة ..
وإن كانت خلافهم مع الأشاعرة شيئ ومع أشاعرة الأزهر أمر آخر لأن الأزهر لم يتبن المذهب الأشعري على
وجه الإطلاق ولا كان كل علمائه بنفس المنهج بل فيهم الرموز الحقيقيين للسلفية الحقة والذين تعتبرهم مدرسة
السلفيين المعاصرين زعماء للسلفية بالفعل .. وهؤلاء خرجوا من الأزهر أصلا
مثل الشيخ محمد الأمين الشنقيطى والشيخ أحمد شاكر ووالده الشيخ محمد شاكر الذى كفّر خطيب الملك
فؤاد على الملأ فى الثلاثينات فى واقعة مشهورة تشهد بشجاعة هذا العالم الربانى
فهذا النوع من الخلاف بين الجانبين هناك الكثير من العقلاء تجنبوه وهناك من غالوا فيه .. ولهذا فموقفنا
نحن يجب أن يكون وسطا فى رفض هذا الخلاف كله وعدم الالتفات إليه واتخاذ العلماء من الجانبين قدوة
ومثلا
لا كما يفعل بعض الشباب من المنتسبين للفريقين باتخاذهم الأمر كما لو كان تشجيعا لنوادى كرة القدم فتجد
أنصار هذا العالم يهاجمون خصومه وأنصار الخصم يردون وهكذا !
وهوى العلماء فى هذا الجانب مقبول لأنهم بشر وأخطاؤهم فيه بسيطة بالنظر إلى جبال الفضل التى تركوها ..
ومن الحماقة وسفاهة الرأى أن نُسقط عالما بحجم الرموز لأجل أن رأيه فى عالم آخر كبير رأى سلبي أو جائر
أو حتى رأى ظالم ..
ومن ذلك على سبيل المثال الشيخ الشعراوى إمام المفسرين المعاصرين
والذى كان لديه ميل للتصوف الأول بمعناه الحقيقي لا بمعناه المبتدع .. بل كان الشعراوى يحمل حملة
عظيمة على صوفية البدع كما صرح فى أكثر من موطن ..
والسلفيون لا يطيقون التصوف نظرا لما انتشر فيه من السمعة السيئة فتجد بعضهم يسقط الشعراوى من
الإعتبار لمجرد أنه يري آراء تتفق مع ما ينكره السلفيون فى كثير من المسائل الخلافية التى فيها متسع
كالتوسل وغيرها
بالإضافة إلىأن عقيدته فى الأسماء والصفات سلفية محضة , ويمكن التيقن من ذلك بمراجعة تفسيره فى
آيات الصفات
194
وكان الشيخ أبو اسحق الحوينى زعيم السلفيين المعاصرين اليوم من أكبر الناس الذين دافعوا عن الشعراوى
وأنصفوه عندما هاجمته المجلة المشبوهة ( روزاليوسف ) فى التسعينيات ..
المثال الثانى هو العلامة الألبانى محدث عصره
والرجل الذى له منة على كل طالب حديث فى هذا العصر .. وما قام به من أعمال عظام فى تحقيق السنة لا
سيما بعض الكتب الستة كان ولا زال مسجلا باسمه باعتباره سبقا فريدا ..
كان للألبانى رحمه الله بعض الآراء التى خالف فيها وشذ عن المشهور من رأى الجمهور ..
ولأن الألبانى زعيم السلفية فى آخر القرن العشرين فقد تتبعه خصوم السلفية فى تلك الأخطاء ليُسقطوه عن
الاعتبار كما زعموا رغم أن ما انفرد به الألبانى لا يعدو كونه وجهات نظر لها وجهاتها على أية حال
فتجد البعض يتحاشي الألبانى مع تلك الزوابع المثارة حوله رغم أنك لو جمعت خصوم الألبانى فى قفة
وعجنتهم ما وزنوا مثقال ذرة بعلمه وفضله
لهذا فإن أراد القارئ أن يعرف من هو صاحب المنهج السليم فى الأخذ عن العلماء ستجد أنه الذى يأخذ عن
جميع المدارس التى تتفق فى العقيدة وتختلف فى الفروع فتجده يجمع بين حب الألبانى والشعراوى وبين
حب الحوينى وعطية صقر وهكذا ..
والنوع الثالث :
هو الهوى بلغ القمة وهو الذى يتحكم فى صاحبه تماما , وهو الذى يبلغ به مدارج النفاق والتلون بلا شك ..
وإسقاط العلماء لا يكون إلا مع النوع الثالث فقط لأن الهوى إذا تحكم فإنه يأخذ بالعالم إلى مدارك غير
محسوبة من تعمد التجهيل ويوقعه فى التعمية المقصودة والإنتصار للنفس أو للمذهب وساعتها لا يصبح
مأمونا فى طلب العلم عنه
وهذا النوع من العلماء لا يحتاج إلى شهادة عالم لإسقاطه , ولو أن شهادات العلماء تكون معززة فى هذا الأمر
, والسبب أن هذا النوع من الهوى يكون واضحا شديد الوضوح فى المواقف المفصلية حيث لا يكون هناك
خيار مقبول بين كلمة الحق والباطل ,
ومثال ذلك ما حدث فى الثورة المصرية ,
فالمواقف كانت علامات الرجال لا شك فى ذلك , وأوضحت من يمالئ السلطة وينافقها , ومن يتقي الله
وينطق بكلمة الحق ولو على حساب أمنه وسلامته ,
كما أنها أوضحت المنافقين والمتلونين وأصحاب الغرض فى كل أمر
195
والهوى المتحكم خسرنا بسببه علماء كثيرين وفقهاء كبارا ومفكرين جهابذة , كان لهم فضل كبير لكنهم مع
الأسف ارتكبوا مع هذا الهوى أمورا حرفتهم تماما عن المنهج القويم للدرجة التى جعلتهم فى بعض الأحيان
حجة للعلمانيين والمستشرقين فى شبهاتهم على الإسلام
ومن ذلك العلماء المغرقون جدا فى التصوف وأتباع صوفية الطرق .. والعلماء الذين يشعرون بذواتهم أكثر مما
ينبغي فيرون من دونهم من العلماء لا يساوون شيئا وهؤلاء لبّس عليهم إبليس بالغرور القاتل
ولن أستطيع التمثيل بالأسماء فى هذا الصدد لكنى سأضع بعض العلامات التى إذا لمحها القارئ فى أى عالم
أيا كان وقد اجتمعت فيه فليتحاشاه
وهذه الصفات نجملها فيما يلي :
أولا :
بُغض أهل الحديث والمحدثين والتقليل من فضلهم واعتبارهم عالة على الدين وأن الدين قام على أكتاف
الفقهاء وحدهم وأن الفقهاء هم من يحددون الصحيح من الضعيف حتى لو ضعّفوا البخارى ومسلم !
والمهملين للسنة فى غالب أحكامهم
ومن هذه العينة كثير للأسف .. ومعلوم كقاعدة علمية أنه لا يُبغض أهل الحديث إلا أصحاب البدع
ثانيا :
العلماء المجترئين على من سبقهم من أجيال علماء الأمة فتجد الواحد منهم ينتقد ويتهم أعاظم الفقهاء
والمحدثين من أصحاب المذاهب وغيرهم للدرجة التى دفعت الوقاحة بعضهم إلى اتهام الطبري بأنه عبيط !
ثالثا :
المعتدين على الصحابة كمعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم والمنادين بالتقريب بين السنة والشيعة
والمدعين بأن الخلاف بيننا وبينهم فى الفروع ويجاملون الشيعة على حساب عرض أصحاب النبي عليه الصلاة
والسلام
رابعا :
العلماء أصحاب الغرام بالفتاوى الشاذة لمجرد الشهرة فتجد لهم ولع كبير بإثارة ضجة كل فترة بفتوى غريبة قد
لا يكون لها أى داعى أصلا ..
ولكنهم يتبعون المثل القائل خالف تعرف ..
من هؤلاء منكرى بعض الحدود الثابتة أو أصحاب الفتاوى التى لا أصل لها من عقل أو نقل كالذى يفتى بجواز
الصلاة فى حمامات المنازل المغطاة بالسيراميك !
196
خامسا :
العلماء الذين نسبوا أنفسهم لحاشية السلطان طواعية أو كرها , فحتى الإكراه فى هذه الحالة لا يجوز بأى
حال , ولو أن التقية كانت تجوز للعلماء لاستخدمها بن حنبل والشافعى ومالك وسفيان الثورى وأبي حنيفة
وغيرهم من أبطال الدعوة الذين وقفوا فى وجه السلاطين , لأن العالم إذا استخدم التقية فمن أين يعلم عامة
الناس الحق من الباطل ؟!
وهؤلاء علامتهم تجدها واضحة شديدة الوضوح هذه الأيام حيث تسمع منهم العجب العجاب فى تقديس
وتقدير حكامهم رغم أن التجربة أثبتت لكل ذى عينين أن كافة حكام المنطقة العربية عبدة سلطة ومن أهل
الطغيان , وهم أكثر الناس تحالفا مع الغرب فى هدم رسالة الإسلام ومصلحة العروبة , تلك التهمة التى يحلو
لهم ترديدها وإلصاقها بدعاة الحرية اليوم ,
وكأن الغرب كان ينتظر مزيدا بعد هذه العمالة الصريحة التى وفرتها السياسات العربية له , حتى أصبحت أرض
المسلمين نهبا للجيوش الغازية وبرعاية وتحت بصر وسمع وفوق أرض وسلطان حكامنا المغاوير !
وعلى دربهم أيضا أصحاب الفكر والأقلام الذين ضموا أنفسهم للحكام أو تآمروا على الشعوب بالسكوت عن
الحق , أو أولئك الذين سعوا للمصالح الشخصية والشهرة الإعلامية فى رشوة صريحة على حساب أمانتهم
الإعلامية نظير منصب أو سلطة أو حتى نظير مجاملة فاضحة سعيا لتأمين مكانه أو مكانته !!
خلاصة القول فى هذا الجانب ..
أن المجتمع العربي إذا أراد البناء الصحيح والصريح فى طريق الحرية السياسية والاجتماعية , فعليه أن يبادر
سريعا بإسقاط كل هؤلاء المتلونين أيا كانت أقدارهم وأيا ما كان حسن الظن بهم فى سابق الأيام , بعد أن ثبت
بالتجربة أنهم لا يستحقون ذرة واحدة من الإحترام عندما تبدلوا من النقيض إلى النقيض فى أيام معدودات على
الأصابع !
بل إن بعضهم يُظهر نفسه هذه الأيام كزعيم للثورة التى قامت , والحرية التى جاءت , ولله فى خلقه شئون !!
197
أسطورة الدولة الدينية وتخاريف العلمانية !
رغم أن الثورة المصرية قامت أصلا لإسقاط النظام جملة وتفصيلا , وهدم التشوهات التى أضافها إعلامه
الرسمى عن عمد طيلة الفترة السابقة , وأهمها تشويه صورة الإسلام والمتدينين حتى أصبح كل ذى لحية
متطرفا , وأصبح كل متدين متمسك بشعائر الدين خارجا عن التحضر !
رغم هذا إلا أن ما يسمى بأوساط النخبة ( أهل الإعلام والثقافة ) لم يدركوا أن استمرار هذا التشويه يعتبر
منافيا تماما لحقيقة أهداف الثورة التى اعترف الجميع فيها بأن النظام مارس تشويها منتظما متعمدا للقيم
الإسلامية وصب فى مصلحة العلمانية وتعمد تغييب دور الأزهر وتطويعه وأعلن الحرب على كافة رموز وقيم
الحضارة الإسلامية
وبالتالى يكون التصرف الطبيعى من الكافة سواء الشعب أو النخبة هو رفض ورفع هذا الحظر على قيمنا
وحضارتنا وفتح المجال أمام حقيقة الإسلام وتاريخه ورموزه وفلسفته ,
إلا أن هذا حدث مع الشعب الذى ظل رافضا دوما أى أسلوب للتشويه , ولكنه لم يحدث مع النخبة
المتصدرة لوسائل الإعلام واستمرت دعاوى رفض الإسلام عقيدة وشريعة ومنهجا قائمة , بل وزادت قنوات
الإعلام ودعوات العلمانية شراسة فى رفض أى حديث عن الحضارة الإسلامية وشريعتها ونظم حكمها ومبادئها
رغم الطنطنة المستمرة عن حرية الرأى !!
وطغى فى المجتمع الإعلامى لوثة عقلية تحارب التيارات الدينية المتمثلة فى الإخوان والسلفية واختصرت
الإسلام عن عمد فى هذين الفريقين , وجلبوا الآراء الشاذة والمشوهة وقدموها على أنها تمثل الدين
والتدين لكى ينفذوا غرضهم من إقصاء الدين الإسلامى عن الحياة السياسية تماما !
ولما كان هذا الهدف الإقصائي هو بعينه هدف النظام السابق , ولما كان هذا الإقصاء ينافي فى شدة دعاوى
الديمقراطية التى يتذرع بها العلمانيون والليبراليون , فقد انكشفلكل منصف ومتأمل حقيقة الدعوة العلمانية
وكيف أنها كانت أكثر المستفيدين من جبروت النظام السابق وتسلطه حيث كانت تتعمد تسليط قوة الدولة
للقضاء على الإسلام فى صورة محاربة أى تيار يحمل حضارته حتى لو كان تيار الأزهر الشريف
وهذا ليس غريبا بالطبع فالعلمانية انتعشت ووجدت لها موطنا فى الدولة تحت رعاية نظام مبارك وكان على
رأس وزارة الإعلام دوما دعاة العلمانية والتحرر الفوضوى , من صفوت الشريف القوّاد السابق إلى أنس
الفقي راقص الباليه السابق أيضا ! 198
وكان على رأس وزارة الثقافة فاروق حسنى الإنسان المشوه الذى كان يري الدين خصما تجب محاربته , وهو
الذى تمكن من إنهاء دور وزارة الثقافة تماما وجعلها بوقا للعلمانية والنظام وتسلط رموزها فى شتى المجالات
على كافة أنشطة الوزارة ,
وفتح الباب لمتطرفي العلمانية كى ينشروا بذاءاتهم ضد الأخلاق والدين بأموال الدولة ,
وكلنا يتذكر رواية الكاتب السورى حيدر حيدر ( وليمة لأعشاب البحر ) والتى شبه فيها القرآن بالفضلات
والعياذ بالله , وتمت طباعتها على نفقة الوزارة , كذلك كتب المتطرف العلمانى الكافر بإجماع علماء الأمة
المسمى سيد القمنى المزور الذى قام بسرقة أفكار المستشرقين ونشرها على أنها من أفكاره وأعطته وزارة
الثقافة جائزة الدولة التقديرية على كتاباته التى يقرر فيها أن القرآن إنما هو مؤلف بشري نسجه محمد عليه
السلام بالتعاون مع عمه أبو طالب لتأكيد زعامة بنى هاشم !! فضلا على اتهامه للسيدة العذراء عليها السلام
بإنجاب عيسي عليه السلام الزنا مع كاهن المعبد !! فضلا على ديوان شعر ( الآية جيم ) الذى قدمه صاحبه
مقلدا آيات القرآن الكريم !
ووجد سيد القمنى وأمثاله من حثالة الكتاب من يدافع عنهم ويروج لأفكارهم ..
وغيرهم كثير مثل روايات البذاءة الثلاث التى كانت تحتوى فضائح جنسية ونشرتها الوزارة أيضا فضلا على
عشرات الكتب الأخرى التى كانت تهتم فقط بترويج أى تيار متطرف للفرق الإسلامية الشاذة كالمعتزلة
والصوفية الفلسفية والشيعة الإسماعيلية وغيرها ...
وينبغي لنا أن نلاحظ بشدة أن التيار الإعلامى الرسمى والعلمانية ودعاتها كانوا يرصدون العداء فقط لصحيح
الإسلام القائم على السنة الصحيحة وحدها , بينما فى المقابل يرجون هم بأنفسهم لكافة التيارات البدعية التى
خرجت من الفرق الشاذة فى تاريخ الإسلام ويقدون شخصياتها المشوهة على أنهم كبار دعاة التنوير
مما يشي لأى متأمل بحقيقة الهدف الذى ترمى إليه العلمانية وهو محاربة صحيح الإسلام عن طريق معاداة
التدين والإنتماء الحضاري الإسلامى وفى نفس الوقت تشجيع المسلمين على اتباع الفرق المبتدعة كالمعتزلة
والصوفيةالفلسفية والشيعة الرافضة بكافة فرقها وتقديمهم لهم على أنهم ضحايا قهر الإسلام السنى !
باختصار كانت مهمة وزارة الثقافة ووزارة الإعلام طيلة فترة مبارك هى الحض على السخرية من الدين والتدين
والحضارة الإسلامية وفتح الباب للتيار العلمانى بدعاوى التحضر واستضافة الأفكار الشاذة تحت اسم
التجديد وفى نفس الوقت التضييق بكل السبل على أى تيار معتدل أو علمى محترم يقدم الحضارة الإسلامية
كما هى بعيدا عن التشوهات السياسية ,
ولهذا فعلينا أن ندرك تماما أن التيار العلمانى فى مصر إنما هو جزء من النظام البائد عاش معه واستفاد منه
وركب الثورة على حين غفلة متوقعا أن يجد له مكانا مستفيدا من الفزاعة التى تُخوف من الإسلام ومستغلا






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:04
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

199
الأخطاء الغبية التى وقعت فيها تيارات السلفية والإخوان ليروج لفكرة أن الإسلام لا يعنى إلا التطرف والإرهاب
ورفض الآخر بينما التيار العلمانى بممارساته ومحاولاته الدءوبة لقمع الفكر الإسلامى يمثل الصورة الأبلغ
لمحاكم التفتيش الإسبانية التى قامت منذ قرون فى إسبانيا لنفس الغرض !
ومن أعجب العجب أن يرتكبون أبشع أنواع قهر الرأى الآخر ويرمون التهمة على الثقافة الإسلامية ودعاتها !
ولا يفوتنا أن ندرك مدى حنق وغضب التيارات العلمانية من الثورة وأبطالها لأنهم وجدوا الشعب بعد كل هذا
التشويه لا زال متمسكا بعقيدته يحدوه الأمل فى توفيق ربه , وكانت مشاهد الثورة معبرة بشكل قاطع عن
أصل هذا الشعب ومدى رسوخ إيمانه , وصار ميدان التحرير يحفل بملايين المصلين خلال الثورة وحافلا بكل
أنواع الدعاء المرتبط بالله تعالى المتوكل عليه فى إشارة بليغة إلى فشل الدعاوى العلمانية من التسرب لقلب
المواطن المصري البسيط الذى يرفض أمثال هذا النداءات المخرفة باعتبار الدين والتدين مظهرا من مظاهر
التخلف , بينما الغرب الذى يروج له العلمانيون هو نفسه يتمسك بعقيدته المحرفة وبكتبه المزورة ويريد
العلمانيون منا نحن أبناء الإسلام أن نتخلى عن حضارتنا وديننا الثابت ثبوتا مطلقا منذ أربعة عشر قرنا كى نبلغ
التحضر كما يزعمون
وعندما ضحى أبطال الثورة بحياتهم كانت أعينهم معلقة بالشهادة كجزاء أوفي , وهذا أمر طبيعى لأن الأمر لو
سار كما هو منهج العلمانية لما بذل أى شهيد نفسه وحياته فى سبيل الآخرين بلا أى جزاء على ذلك , ولولا
وجود الجزاء الأخروى النابع من الإيمان فعلى أى أساس كان الشهداء يضحون بحياتهم وهم يعلمون أن انتهاء
حياتهم معناه أنهم لن يجنوا من ثمار ثورتهم شيئا !!
لكنها هكذا هى التيارات العلمانية تتميز بالجهل المدقع فضلا على التجهيل والتشويه واللجاجة وإثارة القضايا
التى تمت مناقشتهاوالرد عليها آلاف المرات !
ورغم ذلك يكررونها فى ملل رهيب لأنهم بالفعل لا يملكون سواها فى هذا المجال , وبعض الإنتقادات التى
يوجهونها للإسلام عمرها عشرة قرون وأكثر ! وتم الرد عليها مرارا وتكرارا لكنهم كانوا يعمدون إلى كتب
المستشرقين القديمة ويستخرجون منها الشبهات ويعيدون تكرارها أمام العامة الذين لا يدركون أن قضايا مثل
رضاع الكبير وشبهات ثبوت السنة وغيرها هى قضايا عفا عليها الزمن ورد عليها العلماء منذ القرن الثالث
الهجرى كما فى كتاب ( تأويل مختلف الحديث ) لابن قتيبة مثلا .. وهم فى إحيائهم لتلك الأمور إنما
يفعلونها اعتمادا ورهانا على ضعف الذاكرة وقلة العلم والإنتباه وعدم وجود وسائل إعلام مستقلة تعرض وجهة
نظر علماء المسلمين الذين كانوا قادة الأمة طيلة أربعة عشر قرنا وكانوا هم مفجرو ثورات التحرر فى تاريخنا
الوطنى ,
200
لا سيما مع افتقار عشرات العلماء الأزهريين وغيرهم لأى وسيلة إعلام تروج لردودهم العلمية , واقتصار
الإعلام وتمويله الضخم على التيارات العلمانية والسلفية الإخوان وكلٌ له أجندته الخاصة التى يتاجر بها
ولو عدنا للتاريخ الإسلامى القديم والوسيط سنشهد أن شخصيات مثل مالك والشافعى وبن حنبل وأبي حنيفة
والأوزاعى وبن تيمية والعسقلانى وبن كثير وغيرهم كانوا هم قادة الهمة العالية المدافعين عن المجتمع وعن
الشريعة فى المقام الأول الحافظين لذاكرة الأمة وحضارتها .. وهم كذلك قواد الثورات والدعاة إلى الجهاد
ضد الظلم وضد الحروب على مختلف أشكالها
ولو عدنا للتاريخ الحديث وتأملنا تاريخ الرافعى مثلا لوجدنا أن علماء الأزهر كانوا هم السبب فى الصحوة
الوطنية المصرية فى العصر الحديث فى بداية القرن التاسع عشر كما كانوا قبلها هم حماة الشعب فى مواجهة
ظلم المماليك , وبعدها كانوا قادة ثورتى القاهرة الأولى والثانية ضد الحملة الفرنسية وكانوا هم مستشاري
محمد على الكبير وصانعى شعبيته ودولته ,
ولم يتراجع دورهم قط إلا مع التغييب المتعمد للأزهر فى فترة ما بعد ثورة يوليو 1952 والتى ظهرت معها
أفكار الإشتراكية والعلمانية ووجدت فى الساحة الإعلامية متسعا لها مع التضييق على الأزهر بالقانون الذى
عرف باسم قانون إصلاح الأزهر !
وعن عمد وتحت تأثير جهل العامة يتفرد دعاة العلمانية بالإعلام ويتابعهم فى ذلك بعض حسنى النية ممن لا
يدركون حقيقة تلك الأساطير التى يروج لها العلمانيون لتخويف الناس من أى ذكر للإسلام , ومنها أسطورة
اختصار الإسلام فى التيارات السلفية والإخوان ! والتى ساعد عليها قطعا عدم خلوص نوايا تلك التيارات
واستباحتهم لكل رقي حضارة الحوار فى الإسلام سعيا وراء المكاسب السياسية
وبلغ الجهل والإسفاف بالإعلام الرسمى والتيارات العلمانية أنها حسبت صلاة المتظاهرين فى الميادين دليلا
على أنهم من قوى الإخوان المسلمين ! وكأن الإسلام وشعائره لا يؤديها فى مصر إلا هذه الفئة !
ومنها أيضا الترويج لما يسمى الدولة الدينية التى يتوعدون بها الناس إن هم لزموا الدين أو طلبوا تحكيم
الشريعة الإسلامية ..
وهذه كلها أساطير لا وجود لها فى الإسلام الذى لا يعرف كهنوت الدولة الدينية ولا يقره , ولو أن أى عاقل
تأمل فى دعاوى العلمانية واستعاد فى ذاكرته التاريخ القديم والحديث لسأل نفسه سؤالا منطقيا يهدم كافة
الدعوات التى تنادى بإقصاء الدين عن الحياة العامة ..
وهو أننا أمة نشأت وترعرعت وسادت على كافة الأمم بالدعوة الإسلامية وحدها التى وحدت أولا عرب
الجزيرة العربية بعد أن كانوا شتاتا .. ولولا العقيدة الإسلامية لما نشأ مصطلح العروبة من الأساس , ثم
201
اعتمدت الإسلام وعقيدته كعامل مشترك يجمع أقطار الأرض فى الشرق والغرب على كلمة لا إله إلا الله ..
محمد رسول الله ..
وبهذه الدعوة وحدها تكونت إمبراطورية الإسلام وسادت على العالم منفردة طيلة ثلاثة عشر قرنا بعد أن قضت
بالعقيدة والإيمان على إمبراطوريات الشرك والكهنوت المتمثلة فى الرومان والفرس وحكم المسلمون من
الصين شرقا حتى الأندلس غربا ..
ثم تصدت للمغول وأرجعتهم عن حدودها وأعادت خلق الخلافة من جديد على يد الظاهر بيبرس الذى اعتمد
القاهرة ودمشق كعاصمتين للخلافة العباسية فى مرحلتها الثالثة واستمر الإسلام بدوله المتعددة حتى قامت
الخلافة العثمانية وملكت مساحة هائلة من الأرض فى إفريقيا وآسيا وأوربا وأخضعت الدول العظمى فى زمانها
حتى أفل نجم الخلافة وانهارت من الداخل وظهرت على إثرها دعوات المذاهب الإنسانية ..
والسؤال المنطقي الآن ..
لقد جرب المسلمون فى التاريخ عقيدتهم الإسلامية واتخذوها أساسا لبناء دولتهم فحكموا العالم أجمع طيلة
القرون السابقة ,
ثم تخلى المسلمون طواعية عن هذه العقيدة تحت تأثير دعاوى النعرات القومية الضيقة التى يعتبرها الإسلام
من دعاوى الجاهلية , وتحت تأثير دعوات العلمانية التى قامت فى أوربا لرفض حكم الكهنة والكنيسة واتبعت
الأنظمة العربية هذه الدعاوى منذ منتصف القرن العشرين وحتى يومنا هذا ؟!
فماذا كانت النتيجة عندما كان المسلمون متمسكون بعقيدتهم ؟! وكيف أصبحت النتيجة بعد أن تخلوا عنها
لصالح المذاهب الإنسانية ؟!
وسنعرض تفصيلا لأساطير العلمانية التى تروجها حول الدين الإسلامى فى المجال السياسي وأهمها أسطورة
الدولة الدينية بعد أن نتعرف باختصار على ما هية العلمانية وحقيقة أهدافها ..
202
العلمانية فى الغرب
العلمانية ثقافة خاطئة حكمت بعض العلمانيين العرب ممن ينتهجون المناهج الغربية لمجرد أنها غربية ولا
يطالعون أصل الفكر عند أهله ؟!
وهو فكر خرج هو وفكر الشيوعية والصهيونية من مشكاة واحدة ألا وهى إبعاد الدين عن سائر قضايا الحياة
فلا يكون الدين رقيبا أو حكما أو مشرعا بل يصبح أمرا شخصيا يخص صاحبه داخل جدران منزله فحسب
بمعنى أنه لا يقبل أن يخرج بتدينه إلى خارج حدود المنزل
ورأينا هذا واضحا بالطبع فى قضية رفض فرنسا لحجاب المسلمات وتعطيل أى مظاهر دينية فى تركيا منذ أيام
أتاتورك
وقد قامت حمى العلمانية بأوربا بعد عصور الظلام مباشرة وعند بدء عصر النهضة كرد فعل طبيعى على
الكوارث التى تسببت فيها الكنيسة ومحاكم التفتيش على مدى قرون فحاربت الكنسية كل منهج وبسطت
سلطتها على سائر شئون الدولة فأفسدتها أيما إفساد , بعد أن نصب الكهنة أنفسهم كرجال دين وتشريع
متحدثون باسم الله ولهم سلطانه على الأرض !
وفى نفس الوقت وفى مقابل عصور الظلام كانت الحضارة الإسلامية فى قمة تألقها بالفكر الإسلامى والحكم
الإسلامى الذى يعود بالسلطة ومصدر التشريع لأحكام المشرع وهو الله جل وعلا وحده وما أنزله فى رسالته
الخاتم بعكس الأسلوب الكنسي القائم على حق الحاكم فى السلطة بمقتضي الحق الإلهى وهى نظرية قانونية
جعلت من الحكام والأباطرة حاكمون باسم الله
وقامت الثورة الفرنسية وهدمت سلطة الكنيسة وأعلنت العلمانية منهجا وبالمثل قامت الثورة البلشفية فى روسيا
وأسقطت الدين من حساباتها بدستورها الناص على أنه لا إله والحياة مادة ..
ونفذت أوربا تجربة العلمانية بعد قرون التخلف التى تسلطت فيها الكنيسة والرهبانية ومحاكم التفتيش وكلها
أمور تم إستخدامها من العلمانيين العرب فى مواجهة الإسلام عن جهل عنيف ومغالطة مقصودة لأن هذه
المفاهيم لم يعرفها الإسلام فى أى عصر من عصوره بل قامت أحكامه على أن كل بن آدم خطاء , وليس هناك
حجة لشخص فى الدين إطلاقا بعد النبي عليه الصلاة والسلام , وكلٌ يؤخذ منه ويُرد إلا صاحب مقام الرسالة
ومنذ تسعينيات القرن الماضي تنبه الغرب لحقيقة فادحة أفصح عنها وركز عليها تركيزا شديدا وهى أنهم فى
ظل المادية البحتة عطلوا كل منافذ الروحانيات الضرورية وهى الأمور التى فشلوا فى التعبير عنها بمفهومها
الأصلي وهى غياب الدين عن شئون الحياة لأنهم خرجوا من خطأ إلى خطيئة
فبدلا من أن يعدلوا من عقيدتهم الفاسدة للعقيدة الصحيحة رفضوا العقائد فى مجملها فتكشفت لهم نتيجة
ذلك فى إحصائيات مفزعة تبين انتشار معدلات الإنتحار لدرجة الهوس وتفكك المجتمع وإنحلاله وغياب
203
القيم لأن غياب الدين معناه غياب الدافع التقليدى الحاض على الفضيلة فغاب الضمير وبقي فقط الخوف من
القانون .. وهو خوف دنيوى لا يمنع أية آثار سلبية
ومهما كانت مواد القانون حازمة ودقيقة ومهما كان المنفذون واعون لهذا فلن يستطيعوا أن يراقبوا كل شخص
بكل وقت مع غياب أهم قيمة إنسانية وهو الضمير
وظهر العلماء والمفكرون ليطرحوا المسألة على مائدة البحث ليفهموا ما الذى ينقص الحضارة الأوربية فى ظل
بحوث البروفسور أنوكى الذى شرح أن المخ له نصفان أيسر مسئول عن الماديات ومخ أيمن مسئول عن
الروحانيات والمعنويات وهو النصف الذى صار معطلا بفعل الإهمال وشرح كيف أن غياب الجانب الروحى
والتغذية الروحية ينتزع من الإنسان إنسايته ويحوله لمجرد ترس فى آلة لا يملك من إرادته شيئا ولا يملك هدفا
واضحا
وعبر أحد المفكرين عن تلك النتيجة قائلا " أن أوربا الآن منذ عصر النهضة تعيش بنصف مخ فقط "
وكانت النتيجة التى نقلها لنا د. مصطفي محمود أن العلماء بالغرب اتخذوا قرارا جوهريا بدئوا بتطبيقه ألا وهو
إعادة النظر فى المنهج كله والعمل على تخريج أجيال تهتم بالفص الأيمن المعطل لأن الحضارة ليست فى
الأجهزة والأبنية بل هى فى الفكر وحده .. وأوربا ذاتها عندما تفخر بتاريخها إنما تفخر بنتاج فلاسفتها
ومفكريها لا مهندسيها وأبنيتهم
وعلى حد قول د. مصطفي محمود أيضا فى مقالاته العديدة فى هذا الشأن ..
فإن الغرب مختل الإدراك النفسي بسبب هذا البعد عن الإيمان وتجد الشباب هناك يهملون الروابط الأسرية
ويتركون آبائهم وأمهاتهم فى دور المسنين وفى نفس الوقت يعطون جل عاطفتهم للكلاب والقطط ويتفنون فى
التعبير عن عاطفتهم نحوها ولهذا نجد للكلاب والقطط فى أوربا حقوقا تفوق حقوق البشر أنفسهم !
هذا فضلا على الإختلال الأسري الناجم عن العزوف عن الزواج والشكوى الرئيسية فى معظم أوربا الآن هى
قلة النسل بسبب ركون الشباب للعلاقات الحرة بلا مسئولية وبسبب قوانين الزواج والطلاق التى تمثل رادعا
قويا للشباب فى الزواج حيث ينص القانون هناك على مناصفة المرأة المطلقة لزوجها فى كامل دخله وثروته !
وهذا المصير الذى وقعت فيه اوربا اليوم هو ما يريد العلمانيون العرب لنا السعي إليه واتباعهم فيه !
204
العلمانية عند العرب
أطرف ما يمكن أن يواجهه المرء حال مطالعته لتجربة العلمانيين والماركسيين العرب هى الجبن المعنوى الهائل
الذى يحكمهم فلا يعبرون عن صريح ما ينادون به أبدا ويحاولون مرارا الخروج من المأزق بابتكار الشبهات
التى تدفعنا للتسليم لهم بأن الشريعة الإسلامية للصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك من أمور شخصية لا تحكم
شأن المجتمع
وبداية الأمر تكون مع التساؤل المنطقي الذى لم نجد له إجابة منهم مطلقا
لقد استوردتم العلمانية ودعوتم بدعواتها الرافضة لرهابنية رجال الدين وتدخلهم فى شئون الحكم وتسلطهم
بصكوك الغفران بل واستخدمتم نفس تلك المسميات كحجة أمام تطبيق الشريعة الإسلامية دون أن توضحوا
لنا أين هذه الأمور فى الإسلام ؟
هل هناك من شيوخ الإسلام من نصب نفسه راهبا متحكما كراسبوتين بروسيا ؟!
وهل هناك صكوك غفران فى الإسلام ؟!
وهل عانت الحضارة الإسلامية فى ظل الشريعة ما عاناه الغرب فى ظل الكنيسة
أم أن الإسلام كان هو السبب الرئيسي فى تكوين الإمبراطورية الإسلامية والفكر الإسلامى فى سائر المجالات
والتى لا زالت حتى يومنا هذا أساسا لعلوم الغرب باعتراف رجال الغرب لا اعترافنا نحن
وعندما شن الغرب مختلف حملاته الصليبية قديما وعندما وقف جورج بوش يعلن أنها حرب صليبية جديدة
تلك التى يشنها على بلاد المسلمين لم نستمع من العلمانيين تفسيرا لدعواتهم باتباع الغرب والتخلى عن
الدين وفكره فى حين أن هذا التخلى هو هدف كل تلك الحملات منذ ظهور الإسلام وحتى اليوم
فإذا كان كل أهداف الغرب العدو لأمتنا هى نزع عقيدة الإسلام ومحاربتها وتشويهها بشتى السبل وإقصائها
عن كافة شئوننا ؟!
فكيف يمكن أن يكون صحيحا أو مفيدا للأمة أن تتخلى عنها طواعية أو تظن بها الضرر بينما يظن بها العدو
نفس الظن ؟!
ومن عجائب ولطائف العلمانية المصرية أن بعضهم روج لأن الغرب لم يعادى الإسلام قط , وأن هذا الإدعاء
هو مظهر مرضي من مظاهر الإضطهاد !!!
ولست أدرى كيف تجرأ هؤلاء على مثل هذا السؤال الفضيحة التى يتجاهل أربعة عشر قرنا من الصراع الدموى
والفكرى بين الإسلام والغرب
ولست أدرى ما الذى يمكن أن يفعله الغرب أكثر مما فعل حتى نوقن بذلك
205
لا زال البعض يتساءل , هل هناك استهداف من الغرب للإسلام وحضارته أم لا ؟!
تماما كما فعل رهبان النصاري فى كنيسة القسطينينية , أثناء دك محمد الفاتح لأسوارها بمدافعه, بينما هم
مجتمعون فى قلب الكنيسة يناقشون كم شيطانا يمكن أن يجتمع فى رأس دبوس !!
لقد توارثت النظم الغربية خططها للإسلام عبر القرون حتى اليوم ونفذتها ومارستها من الحملات الصليبية وحتى
الاحتلال الأمريكى ومؤامرة سبتمبر
ومن تحريض القساوسة وحتى مذكرات ريتشارد نيكسون
ومن تصريح إمبراطور الروم قديما وحتى تصريح بوش وبيرلسكونى بأنهم بصدد حرب صليبية جديدة
وهؤلاء يستنكرون وجود مؤامرة !
ومصيبتنا الحقيقية أننا لم نكتف فقط بإهمال النظر إلى التاريخ بمعالجة الواقع واستشراف المستقبل
بل إننا أهملنا مجرد قراءة الخطط المعلنة والمنشورة ومذكرات أصحابها من قادة الغرب ومفكريه من
المستشرقين وهم بالآلافعبر العصور ومن السياسيين فى العصر الحديث مثل نيكيسون فى كتابه الفرصة
السانحة , والتى تعلن بوضوح مدى فوبيا الإسلام حتى فى أكثر أزمنة المسلمين ضعفا
وهذا يؤكد على أن نظرة الغرب لنا كشعوب لا تقرأ ولا تفهم هو أمر صحيح لأنهم لم يهتموا حتى بإخفاء
نواياهم !!
ولهذا صدقت فينا تماما حكمة ( أمة بلا تاريخ أمة سلمت نفسها لأعدائها )
فى مذكرات نيكسون الصادرة فى السبيعينات وضع نيكسون خطة ما أسماه نصر بلا حرب
وهى كيفية نجاح الولايات المتحدة فى اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار الاتحاد الجزئي الذى تم بين العرب
فى حرب أكتوبر , ورسم المنهج الكامل لكيفية دخول قوات الانتشار السريع لمنطقتنا بحجة الحماية وبقائها
لحراسة منابع البترول وتدمير أى محاولة ليقظة كيقظة أكتوبر ,
وبعد خمس عشرة سنة بالضبط من مذكرات نيكسون دخلت القوات الأمريكية إلى منطقة الخليج بحجة حماية
وتحرير الكويت ولبثت منذ ذلك الحين تحمى منابع النفط وتسيطر على المنطقة عسكريا بعد أن سيطرت
عليها سياسيا
ونجحت السياسة الامريكية فى تنفيذ الخطة بإحكام وإتقان ,
وهى نفس الخطة التى وضعها نيكسون فى البيت الأبيض لتصبح خطة عمل الرؤساء القادمين لكى لا ينالوا
تجربة مثل تجربة نيكسون فى حرب اكتوبر عندما وقفت السيارات والمصانع فى قلب أميركا عندما نفذ العرب
حظر البترول
206
ونحن لا زلنا نسأل
هل هناك مؤامرة أم لا ؟!
والعداء الغربي للإسلام عداء تاريخى منذ انهيار امبراطورية الروم واتخذ أشكالا عدة , سواء بالحملات
العسكرية المتوالية أو الهجوم الفكرى من خلال كتابات المستشرقين ..
والعداء الغربي ليس نسيجا واحدا
فالشعوب الغربية تنقسم إلى عوام ومفكرين
أما المفكرين
منها فئة صغيرة مستثناه من المفكرين الذين يدركون جرائم قياداتهم , أو أولئك الذين يدركون ويعترفون بفضل
الإسلام على الغرب , لكنهم فئة قليلة كما سبق دفعها تفكيرها الحر المستقل إلى هذه النتيجة من أمثالهم
روجيه جارودى وزيجريد هونكه صاحبة كتاب ( شمس العرب تشرق على الغرب )
والفئة الأكبر منها تدفعها العنصرية لتوظيف قدراتها الفكرية لهذا الحقد الأعمى , وهم لا يكتفون بالتأييد بل
كثير منهم يعتبر هو المُنظّر وواضع القواعد التى تسير عليها السياسات الغربية , ولعل أشهرهم فى العصر
الحديث الصحفي اليهودى الأمريكى توماس فريدمان الذى وضع الخطة الكاملة لمناصرة الشيعة الإثناعشرية
فى العراق وتسليح عصاباتها وحمايتهم قهرا للسنة هناك وتنفيذا لمخططهم القديم بالحرب على العقيدة
" الصحيحة ورعاية أصحاب الفرق الشاذة عن السلوك القويم وتنمية النعرات المذهبية " 20
أما العوام ,
وهم يختلفون عن عوامناكعرب ومسلمين إذ أنهم جميعا تقريبا لهم مستوى ثقافي عال ,
والأغلبية منهم تقع تحت تأثير التيار الفكرى الغالب فى العداء العنصري الشديد لأنهم يقرءون الإسلام من
وجهة نظر مفكريهم المنحرفة , لا سيما إن وضعنا بأذهاننا أن هؤلاء المفكرين من الجبهة المعادية ليسوا هم
الأكثر من ناحية العدد فقط بل هم الأقوى من حيث القدرة والشهرة والنفوذ فى الأوساط الثقافية , وامتلاكهم
لإمبراطورية الإعلام العالمية
ولا ننسي أن الغرب عندما بدأ قبل قرون فى رحلة الاستشراق , أنتج أجيالا وراء أجيال من المستشرقين الذين
كرسوا لتلك النظرة ,
وهناك بعض العوام وهم فئة غير قليلة , تتعامل من منطلق الفكر الليبرالى الذى يقوم على قراءة الأحداث
وتحليل القضايا من واقعها الأصلي فجاءت الحملة الشرسة من الغرب على الإسلام كدافع لهم إلى محاولة
فهم هذا الدين من منابعه الأصلية ,
وتحقق عندئذ قول الله تعالى
ن _,#__ دار ا _G" _G7 أ .__ ا(_ وادى ا _ 9__{ [ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] {الأنفال: 30
إذ أن المبالغة الغربية فى بيان خطر المسلمين المزعوم على الحضارة الغربية والمبالغة الشديدة فى تجاهل
حقهم المشروع فى الدفاع عن أنفسهم ضد الهجمة العسكرية والحضارية والثقافية عليهم جعلت الكثيرين لا
يستسيغون هذا المنطق الرسمى فدرسوا الإسلام نفسه وكانت المفاجأة أمامهم أن الإسلام دين لم يتخيلوا مدى
عظمته على نحو أبهرهم
فانضم منهم منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر قرابة مائتى ألف مواطن واعتنقوا الإسلام
وما ساعد على هذا
الماضي المخزى الذى يحمله الغرب على أكتافه , إذ أنه يقدم نفسه كشعلة حضارة ونور بينما حضارته إن
جاز تسميتها حضارة قامت على انحطاط أخلاقي وإنسانى لم تتدنى البشرية إلى مثله منذ عهد الرومان
ولما انكشفت هذه الفضائح التى مارستها السياسة الغربية ضد مستعمراتها فى الشرق الأوسط والأدنى وفى
افريقيا وفى الولايات المتحدة ضد الهنود الحمر , كان هناك العديد من أولئك المواطنين من ذوى الفطرة
السليمة لا يستطيع أن يتقبل مثل هذه الممارسات بالغة البشاعة ,
ولو أننا ضربنا المثال بالولايات المتحدة مثلا
والتى تأسست من الغربيين أصحاب سجلات الإجرام الذين هاجروا لأرض الهنود الحمر , سنجد أمامنا جريمة
إبادة لشعب كامل كان يغطى هذه الأرض بالملايين فلم يتبق من جنسهم فرد واحد
وكمثال آخر أيضا على ما وصلت به العنصرية الأوربية ما فعلته إيطاليا بعهد سفاحها الشهير بنيتو موسولينى فى
غزو الحبشة , عندما قتل مائة ألف من سكان البلاد باستخدام الغاز السام عندما استعصت عليه العاصمة
ورأى موسولينى أن الجيش استغرق وقتا أكثر مما ينبغي للسيطرة على الحبشة فأصدر أوامره باستخدام الغاز ,
ولكى نعطى فكرة بسيطة عن النظرة التى كان ينظر بها الجنود الإيطاليون لمواطنى الحبشة وكيف أنهم يرونهم
أقل قيمة من حيوانات الغابة ,
أن هناك أفراد من الجيش الأثيوبي التقطوا صورا تذكارية أرسلوها لعشيقاتهم وهم يحملون بأيديهم اليمنى
سلاحهم وفى اليد اليسري رأس مقطوعة لمواطن أثيوبي يهزونها أمام الكاميرا فى سخرية !
وفى لقاء مع العالم الألمانى الأصل الأمريكى الجنسية أوبنهايمر صاحب القنبلة الذرية التى صنعتها الولايات
المتحدة , سأله الصحفيون عن شعوره بعد أن تم استخدام قنبلتين ذريتين ضد اليابان فى الحرب العالمية
الثانية بل داعى وبلا مقتضي لأن اليابان كانت فى طريقها للاستسلام بالفعل






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:04
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: تعلم كيف تكون مثقفًا



تعلم كيف تكون مثقفًا

208
فأشار مستشارو الرئيس الأمريكى ترومان عليه أن يستخدم القنبلة الذرية الأولى ضد اليابان كى يرهب الاتحاد
السوفياتى ويضع أمريكا على عتبات قيادة عالم بعد الحرب
فوافق ترومان لهذا السبب وحده
وليتهم اكتفوا بهذا ,
بل أصر مستشاروه أن يستخدم قنبلة ثانية وأيضا ضد اليابان , وكانت حجتهم أن المعامل الأمريكية أنتجت
نوعين من القنابل أحدهما ذرية إندماجية والأخرى نووية إنشطارية ولابد من تجربة القنبلتين عمليا !
فوافق ترومان ليبيد من على وجه الأرض مدينتين بأكملهما لا لشيئ إلا لغطرسة القوة ,!
فجاء أوبنهايمر للقاء الصحفي الذى سألوه فيه عن شعوره عندما سمع بالفاجعة التى تسبب فيها باعتباره أنه هو
المسئول الذى نفذ هذا السلاح الرهيب الذى لم يكن هناك إنسان فى العالم يتخيل بشاعته إلا العلماء
القائمين عليه
فكان رد أوبنهايمر أنه قال ( لقد تقيأت )
وعلى حد تعبير الدكتور المسيري رحمه الله يقول عن إجابته تلك , أن أوبنهايمر أصدر حكما أخلاقيا على
نفسه
كما انكشف أمام المواطنين العاديين حقيقة أخرى حملتها أحداث الحادى عشر من سبتمبر كانت هى الطريق
الذهبي الذى جعل هؤلاء المواطنين يسارعون للإسلام رغم أنه فى أكثر عهوده ضعفا , وجعلتهم يتبرءون
داخليا من انتمائهم للجنس الغربي وقياداته التى لم تتلاعب فقط بمصائر شعوب الدول الأخرى , بل تلاعبت
وفقا لسياسة المصالح بمصائر عشرات الألوف من مواطنيها الغربيين أنفسهم
فمع ظهور العديد من التحقيقات المكتوبة والمصورة عن حادثة سبتمبر وانكشاف الضلوع الأمريكى فيها بما
لا يدع مجالا للشك , بلغت نسبة الأمريكيين الذين يثقون أن إدارة بوش كانت متواطئة فى تلك العملية إما
بالمشاركة المباشرة وإما بالعلم والسكوت , لاستغلال الحادثة لتحقيق مصالحها السياسية , أصبحت نسبتهم
65 % وكان من أهم المعالجات التى ظهرت لأحداث سبتمبر ما نشره الكاتب الفرنسي تيري ميسان بعنوان(
الخدعة الرهيبة )
( loose of change وكذلك الفيلم الوثائقي الذى أحدث إنقلابا ( التغيير غير المحكم 209
وفى حرب الخليج الثانية ( عاصفة الصحراء ) ,
ظهرت اعترافات مذهلة لبعض قادة الكتائب من السلاح الطبي الأمريكى أفادت بأن الأمريكيين استخدموا
طلقات مدافع وقذائف من مكونات اليورانيوم المخضب وذلك للتغلب على التحصينات الأسمنتية , فصارت
تلك القذائف أشبه ما يكون بوحدات نووية مصغرة لها تأثير محدود فى منطقة الإصابة من الناحية التدميرية ,
لكن تأثيرها على البيئة لا ينقص ذرة واحدة
وهو الأمر الذى أدى لإصابة الجنود الأمريكيين بالسرطان بنسبة كاسحة , وهؤلاء الجنود استخدمتهم إدارة
بوش الأب لتجربة هذا السلاح الجديد دون أن تبالى بما يصيبهم
وتلوثت منطقة الخليج بتلك الآثار لا سيما فى العراق وأيضا بقية دول الخليج العربي , وكان هذا هو السر
وراء انتشار موجة الأمراض السرطانية فى المنطقة طبقا لما كشفته قناة الجزيرة فى حلقة خاصة وثائقية عن تلك
الأسلحة استضافت فيها أصحاب الاعترافات من قادة الوحدات الطبية الأمريكية المستقيلين
ناهيك عن انكشاف النيات العنصرية علنا عندما تم تسمية هجمات العسكرية الأمريكية باسم :
( المجد للعذراء ! ) وقبلها فى حرب العراق الأولى كان الجنود الأمريكيون يكتبون على صواريخهم قبل
إطلاقها على القوات العراقية
( نادوا على الله .. فإن لم يستجب لكم فنادوا على شوارتزكوبف )
متهكمين على العقيدة الإسلامية وعلى شوارتزكوبف وزير الخارجية السوفياتى الذى انهارت بلاده قبيل حرب
العراق وانفراد الولايات المتحدة بمقدرات العالم
هذه فقط بعض النماذج والأمثلة وما خفي كان أعظم !
وعنصرية الغرب ضد العالم الإسلامى عنصرية مقيتة غير متصورة تنفي فى وضوح كل إدعاءات الحرية والمساوة
التى يتشدقون بها لا سيما فى نظرة الغرب للعالم الإسلامى ومواطنيه على أنهم مواطنين من الدرجة العاشرة !
بينما العكس مع اليهود مثلا , رغم أن اليهود بتاريخهم المعروف تسببوا فى كوارث لدول أوربا طيلة عهدهم بها
وكانوا دائما أبدا مصدر فساد وإفساد
ورغم هذا
فمسألة اليهود خطا أحمر ضد أى انتقاد ولا عزاء لأصحاب دعاوى الحرية هنا حيث تمارس الضغوط بشتى
صورها من الإغراء المادى وحتى التصفية الجسدية , توضح لنا حقيقة ساطعة وهى أن ما يدعيه الغرب من
الحضارة والحرية , إنما هى عبارة عن أفكار معلبة , وإلا ما مارسوا القهر الفكرى بأبشع وسائله ضد أى مفكر
تجرأ على نبش قبور الأسرار فى أى مجال , وكان آخر هؤلاء روجيه جارودى ,
210
فعنصرية الغرب فى عدائه للإسلام لا ينكرها إلا العميان والحملات الموجهة من الولايات المتحدة الأمريكية
لم يكن هدفها اقتصادى وحسب إذ أنها بطبيعة الحال مسيطرة علي مراكز النفط دون حاجة لبذل جهد
عسكري ولكن الهدف الأسمى ضرب الإسلام بأى وجه وإنهاء الأمل فى خروج قوة تحرر الشعوب الإسلامية
من ضعفها وتعيد لها ذاكرتها المفقودة ,
على حد تعبير هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى أثناء حرب أكتوبر عندما قال عن تجربة الحرب التى
افتتحها الجنود بصيحة ( الله أكبر ) .. إن هذا ينبغي ألا يتكرر ثانية أبدا
وهم يعلمون علم اليقين أن التفاف المسلمين على عقيدة التوحيد معناه ببساطة عودة العملاق الإسلامى مرة
أخرى إلى النهوض ولهذا كانت حربهم الأخيرة حربا للغزو الفكرى بعد أن تمكنوا خلال سنوات الإحتلال
للأقطار العربية من غرز الثقافات الغربية ومذاهبها الضحلة لتفتك بصحيح الدين فى نفوس الناس وحاربوا
التعليم الدينى حربا لا هوادة فيها , واستغلوا وجود عملائهم على مقاعد الحكم لكى يضربوا الإسلام من داخله
وصار الحكام منذ منتصف القرن الماضي أشبه بوكلاء معتمدين للسياسة الغربية فى محاربتهم لأى صحوة دينية
أو حضارية ..
ولولا نهوض المفكرين والعلماء المسلمين للرد ومحاولة استبقاء جذوة العقيدة فى النفوس لكان الإنهيار شاملا
وكاملا ..
واليوم فى ظل تلك النهضة الثورية التى تبحث عن الإصلاح ينبغي لنا أن نعلم أن مواجهة العداء فى الداخل
أكبر من مواجهته فى الخارج , ويبدو هذا متمثلا فى ضرورة التخلص من كافة الشراذم الفكرية التى استفادت
من سلطات الأنظمة البائدة فى تحقيق الأهداف الغربية , وإعادة الفكر والتنوير الإسلامى وبسط سماحته على
عقيدة التوحيد وبيان حقيقة تاريخه بعد التشويه الذى استمر لنصف قرن ..
فالثورة فى مصر يجب أن تتجه إتجاها ثوريا فى مجال الفكر والتعليم بعد أن أصبح التعليم بكافة مراحله خرابا
ما بعده خراب , بعد أن أصبحت السياسة الأمريكية صاحبة الإملاء الحقيقي على مناهج التعليم تحت رعاية
حسنى مبارك وأضرابه فى المنطقة ,
والأمل كل الأمل فى علماء الأزهر ومفكرى الإسلام المستقلين بعيدا عن مؤسسة شيخ الأزهر والمفتى الرسمى
الذى ظلوا فى أماكنهم بعد الثورة دون خجل أو حياء رغم أنهم كانوا أكبر رموز التغييب بموافقتهم وتعضيدهم
لحكم مبارك وتسخيرهم الدين لخدمة نظامه ومواقفهم مسجلة لن ينساها التاريخ وينبغي ألا ننساها نحن ..
فالأزهر تلك المؤسسة العملاقة لا يمثلها شيخ الأزهر بل تمثله جبهة علماء الأزهر التى تمت محاربتها طيلة
العصور السابقة واضطهاد علمائها وتهميش دورهم الفقهى الواسع وعلمهم الغزير ومشاريعهم التربوية التى
ساهمت فى تأسيس الحضارة الإسلامية عبر القرون ,
211
عدم قابلية المجتمع المصري للعلمانية
الجبن المعنوى الذى أشرنا إليه فى دعاوى العلمانين العرب
فيتمثل فى أنهم أجبن من الملحدين فالملحد يعلن صراحة أنه لا يؤمن بإله مشرع .. بينما هم يعيشون فى
مجتمعات إسلامية لا يستطيعون معها إعلان هذا وإلا عانوا من الإزدراء ولهذا حاولوا أن يعرّبوا العلمانية
وفشلوا بالطبع نتيجة للتضارب العنيف بينها وبين الشريعة الإسلامية والفطرة الطبيعية لأى مجتمع يدين بها
فالسؤال المنطقي للعلمانيين الذين يتشدقون بأنهم ليسوا ضد الدين وليسوا ضد التشريع الإسلامى ..
هل آمنتم بالله على أنه الخالق الرازق وأنكرتم عليه أنه الحكم العدل ؟!
وكيف نقول بلا إله إلا الله ثم نطلب أن يكون لنا تشريعنا الخاص بغض النظر عن قول الشرع فيه ؟!
وماذا نفعل فى قول الله تعالى
[وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ
{ ضَ  ل ضَلَالًا مُبِينًا] {الأحزاب: 36
وماذا نفعل فى قوله تعالى
{ [وَمَا خَلَقْتُ الجِ  ن وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ] {الذاريات: 56
وكيف تقولون بلا إله إلا الله ثم تطلبون علانية ألا تقام حدود الله قصاصا ولا يتم تنفيذ تحريم ما حرم الله من
الفساد والإفساد والربا وضوابط مشاركة المرأة للمجتمع ومكانها من التشريع فى الشهادة والأحكام التوريث ؟!
وليتهم طالبوا مثلا وبشيئ من الحياء ألا يتم تطبيق الحدود لأن ظروف المجتمع لا تسمح مثلا , وليت أنهم
نادوا مثلما نادى علماء المسلمين وفقهاءه بضرورة توافر ضوابط تطبيق الحدود قبل تطبيقها الفعلى وهم أمر
شرعي لا غبار فيه , إذ أن حد السرقة مثلا وحد الزنا لا يقام فى ظل غياب العدالة الإجتماعية أو فى ظل قهر
الفضيلة ومحاربتها على النحو الذى كان عليه النظام السابق
بل إنهم طالبوا بإسقاطها على إعتبار أنها فقه يحكم القرن الثالث الهجرى ولا يصلح لعصر الإنفتاح
وكأنى بهم يعتقدون أن تلك الأحكام من بنات أفكار الفقهاء , أو أن شرع الله تعالى الذى وضعه خالق الخلق
وهو أدرى الناس بخلقه , اعتبروه أمرا قابلا للتطوير حسب خطوط الموضة !
وبشأن الفقهاء أوقعونا ضحكا من مآخذهم عليهم إذ يتهمونهم بالتدخل فيما لا يخصهم من علوم عندما يبدى
أى مفتى رأيه بشأن يخص المجتمع وفى نفس الوقت لا يستحوا أن يتحدثوا فى أمور الفقه وكأنها مجال متاح
للعامة ويتحدثون فيها بلا حياء وهم أجهل من دابة فى تلك الأمور ,
ولهذا يتهربون دائما أبدا من معادلة منطقية بسيطة ,
212
وهى أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة فتحا باب الإجتهاد والتطوير فى الفروع , ولكنهما جزما بثبوت
الأصول والفرائض والحدود , وشرعها الله لنا كمبادئ غير قابلة للنقض وسمى منكرها أو متجاوزها جحودا
بالكافر المارق عن الدين ,
الله عز وجل هو من قال ذلك وحكم به وليس نحن الذين سمينا هذا بالكفر والزندقة ,
والعلمانيون يقولون أنهم يؤمنون بالخالق عز وجل ,
فإن كان كلامهم صادقا فكيف يتناسب مع إنكار شريعته وطلب محوها تماما ؟!
وإن كانوا غير ذلك فليعنوها صراحة أنهم كافرون به ملحدون عنه , وليروا رد فعل المجتمع عليهم إن كان يقبل
هذا الكلام أم يرفضه وفق قواعد الديمقراطية التى ينادون بها !
الديمقراطية الكاذبة التى أثبت العلمانيون أنها مصطنعة لا أصل لها عندما يرفضون نتائج الأغلبية وحكمها
ويصرون على اعتبار أنفسهم أنبياء جدد وأوصياء على المجتمع الذى يلفظهم
وقد حاولوا الدخول من بوابة مغلقة عندما قالوا أن العلمانية هى الحل للصراعات الدينية وهذا حل عبقري
يكشف مدى براعة العلمانيين الذين يرون أن الحل الوحيد لحوادث السيارات أن نلغي السيارات .. والحل
الوحيد لكوارث الطائرات أن نلغي الطائرات ؟! وبالمثل الحل الوحيد للتيارات المتطرفة أن نلغي الدين !!
فبدلا من أن نفسح المجال لعلماء الشريعة كى يحاربوا التطرف بكافة أشكاله بالحجة والدليل , يطالبوننا بأن
نرفض الدين فى مجمله , هكذا بخفة عقل ليس لها مثيل
وبالطبع أوقعتهم هذه التناقضات فى حرج بالغ لم يستسيغوا معه هزيمتهم الساحقة التى أفرزتها صناديق
الإنتخابات فى مصر وتركيا والجزائر وفلسطين والكويت عندما انتصر التيار الإسلامى بشكل ساحق ينم عن
أغلبية رائدة بالرغم من القمع الوحشي لسائر أنواع التيارات الإسلامية وحملات التشويه من الداخل والخارج
بل وفى إعلام الدول الرسمى وفى ظل غياب تام للإعلام المعبر عن التيار الإسلامى ورغم كل هذا فالمجتمع
أعلن أنه مع خيار الدين
وآخر الأعاجيب هى أن الغرب معقل العلمانية أعلن أنها بالتطبيق المباشر أثبتت فشلها أما العلمانيون العرب
فلا زالوا مثل إخوانهم من الماركسيين ينادون بأن الخطأ ليس فى النظرية ولكن فى التطبيق
وهى كلمة حق أريد بها باطل لأن النظرية التى تفشل فى ميدانها الأصلي وفى سائر تجاربها هى نظرية فاشلة
قطعا
بينما النظرية التى أثبتت نجاحا كاملا ومبهرا على سائر المستويات وأسس حضارة لا تغيب عنها الشمس لهى
النظرية التى ينبغي أن ندرك أنها الحق الكامل .. لأنها ليست من وضع البشر بل من وضع خالق البشر
213
ولو تأملنا ببساطة شديدة كيف كان حال عالمنا العربي فى ظل الإسلام الصحيح وكيف أصبحنا نحن فى ظل
التخلى عنه لما كان لنا نجادل كثير جدال مع هؤلاء المرضي النفسيين
فالمعادلة بسيطة الإستيعاب لمن أراد الحق .. فلينظر كيف كنامع الإسلام .. وكيف أصبحنا مع العلمانيين
وتطبيقاتهم
والعلمانيون لا يدركون أن الشعب المصري فى هذه الأرض لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يعيش بلا عقيدة
أو يستبدل بها مذهبا إنسانيا صرفا , فعبادة الله بعقيدة التوحيد فى قلب وعقل المجتمع منذ آلاف السنين فى
هذه البقعة المميزة من الأرض ..
وهى فى قلب وعقل الإنسان المصري البسيط لا يفهم غيره ولا يعمل إلا بها , والشريعة والعبادة دوما عنده
هى قرينة العمل الحياتى التقليدى , وفقا ومصداقا للآية الكريمة
(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم )
فجاء العمل والجد والإجتهاد وإعمار الدنيا فى صحبة العبادة والذكر وحسن التوكل على الله تعالى
والشعب المصري تغلغلت داخل فطرته عقيدة التوحيد منذ عصر القرون الأولى ولهذا قلنا أن العلمانية لن تجد
لها سوقا مهما فعلت ,
ففي الحضارة الفرعونية المغرقة فى القدم كان التوحيد والإهتمام بالحياة الآخرة أساس اعتقاد العامة المصريين
, وما يقال عن أنهم كانوا فى فترة من الفترات عبدة للأوثان قول مردود وغير صحيح , إذ أن الحضارة
الفرعونية كانت قائمة على التوحيد ولم يشذ منها إلا طرفا من بعض حكامهم , بينما ظل العامة على عهد
التوحيد منذ دعوة إدريس عليه السلام , وهذا أمر طبيعى فلا يوجد وثنى إطلاقا يمكن أن يهتم بالحياة بعد
الموت , بينما الفراعنة كان شغلهم الشاغل قضية الحساب والعقاب والثواب الأخروى وهو ما يبدو صريحا فى
معابدهم ومقابرهم التى حفلت بعشرات الأدلة على إيمانهم بالتوحيد والبعث بعد الموت
ولو أننا ألقينا نظرة على كتاب " الموتى " وهو أقدم كتاب فرعونى تمت ترجمته وفك رموزه ليتضح أن الحضارة
المصرية قامت على أساس التوحيد وذلك بسبب الآتى ...
أولا .. كلمة " نفر " والتى وجدها الأثريون تصف 2800 تمثال لشخصيات متعددة لا تعنى كلمة " إله " بل
ترجمتها الحرفية " اليد القوية " أى أنها صفة وليست مسمى الهي .. ومن ثم يسقط الإدعاء تماما بأن الفراعنة
كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة أو يعبدون الأوثان لأن هذه الشخصيات الممثلة فى حفرياتهم ونقوشهم هى رموز
أنبيائهم وعظمائهم
214
وتتجلى الإثارة الحقيقية فى الصفات التعريفية المكتوبة إلى جوار تماثيل هذه الآلهة ولفتت نظر العديدين من
الباحثين لقوة الربط الحادث بالأنبياء والمرسلين ..
فهناك " أتوم " والتعريف به هو أنه أول بشري نزل من السماء وأبو الحياة على الأرض وهو يطابق اسم آدم
عليه السلام
وهناك " أوزوريس " ووصفه يقول بأنه الذى علم الناس الكتابة والحياكة وسبل التسجيل وهو يطابق اسم وسيرة
إدريس عليه السلام الذى عاش بمصر وترك صحائفه ودعوته
وهناك " نوه " ووصفه بأنه الذى أنقذ البشريةمن الغرق وهو يطابق اسم وقصة سيدنا نوح عليه السلام
والأسماء والأوصاف شديدة الوضوح كما نرى
ثانيا .. وهو الدليل القاطع على التوحيد لدى الفراعنة .. ما نقلته نصوص كتاب الموتى حيث قالت إحدى
صحائفه بالحرف
" أنت الأول قبل كل شيئ وأنت الآخر وليس بعدك شيئ "
" قال الله خلقت كل شيئ وحدى وليس بجوارى أحد "
كما يُعرف كتاب الموتى المسلات أنها إشارة التوحيد وهو ما يتضح من إشارتها الدائمة للسماء .. فضلا على
أخناتون الذى يعد الملك الفرعونى الوحيد الذى نادى بالتوحيد من بين الملوك ووجوده الغامض فى قلب
" التاريخ الفرعونى لا يمكن قبوله على أنه كان مصادفة على حد قول د. مصطفي محمود " 21
بل من المؤكد أنه جاء معبرا عن أصل شعبي حاربه الكهنة من قديم الزمن وسعوا فيه ومعهم الملوك لعبادة
تماثيل الأنبياء والصالحين على النحو المعروف فى سائر الحضارات وتكرر فى الجزيرة العربية كما تكرر فى
الحضارات الصينية والهندية مع بوذا وكونفشيوس وهم من أهل التوحيد قبل الميلاد بثمانمائة عام وتوارثتهم
الحضارات وعبدوهم فى النهاية
يضاف إلى ذلك أن الاهتمام الفرعونى بحياة ما بعد الموت يصل حدا لا يمكن وجوده فى حضارة وثنية على
الإطلاق لاختلاف المبادئ نهائيا بين الأسلوبين كما أن الفراعنة هم الحضارة الوحيدة قبل التاريخ التى آمنت
بالبعث دون تحديد لرسول أتى إليها أو أحد الأنبياء فيما عدا إدريس وعيسي عليهما السلام
ويبدو الأمر أكثر وضوحا عندما نتأمل التحقيق القرآنى لقصة فرعون فى قوله تعالى
" وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه "
وهو التعبير القاطع عن وجود الإيمان داخل الشعب وخروج الفئة الضالة بسبب أهواء الحكم وحصرها فى
الكهنة والملوك وهو ما أكده أيضا موقف السحرة الذين واجهوا موسي عليه السلام فآمنوا به ورفضوا التراجع
ن _G_I وا O_5_ ا w__1(#_ +,G_5_ ت ا _3___ ا +&;G6_ د ;G__ WLR<_ د. (#_^ م ا ("_ ا bV_ 21 215
أمام بطش فرعون الذى مزق أجسادهم وألقاها فى نقاط مختلفة من صعيد مصر وكان هؤلاء السحرة هم "
أسيوط إسنا أرمنت " ولا زالت البقاع التى ألقيت فيها تلك الجثث تحمل أسماء هؤلاء السحرة حيث تعد
أسيوط قلب محافظات الصعيد واسنا و أرمنت مدينتين متجاورتين تقعان جنوب الأقصر بأربعين كيلومترا تقريبا
هذا بشأن دعوة إدريس والعهد الفرعونى الأول ,
واستمر العامة فى مصر يسلمون بعقيدة التوحيد ويناصرون دعوات كافة الأنبياء الذين وجدوا على أرضهم مثل
موقفهم من موسي عليه السلام حيث أعطى المصريون ذهبهم كله لبنى إسرائيل قبل خروجهم وكان عطاؤهم
طواعية وليس كما قال بعض المفسرين أنه كان إخراجا بالاحتيال لأن عدد بنى إسرائيل بلغ نحو ثلاثمائة ألف
شخص من المستحيل أن يذهبوا لجيرانهم المصريين فى نفس الوقت ليطلبواحليهم على سبيل الاقتراض لفترة
وإعادتها لأن هذا كان كفيلا بإيضاح نيتهم فضلا على أن العدد الهائل لا يسمح بالخروج تسللا بل كان خروجا
صريحا ومن ثم تبعهم فرعون وحاشيته فقط وهم الذين خرجوا معه
أما الذهب المسروق فهو الذهب الذى سرقه قارون عندما كلفه موسي عليه السلام بالعودة إلى العاصمة
لتنصيب ملكا يختاره الشعب المصري لضبط الأمر بعد هلاك فرعون فعاد قارون على رأس جيش ونفذ الأمر
واحتال لنفسه فاستولى على بعض كنوز فرعون المخبأة فى سراديب قصره
وآخر نقطة تخص هذا الأمر هى أن جميع الأمم السالفة التى طغت وبغت أرسل الله عز وجل إليها ما قضي
عليها نهائيا من على وجه الأرض مثل عاد وثمود وإرم والنمروذ وقوم لوط وأصحاب الأيكة وغيرهم ..
بينما ظلت الحضارة المصرية بشعبها بمنأى عن أى عقاب الهي عام فى مطلق تاريخها واقتصر عقاب الغرق
وغيره على فرعون وحاشيته فقط وهذا مما يؤكد على استمرار التوحيد فى المصرين منذ قدوم إدريس عليه
السلام ..
والبدايات المتشابهة تؤدى للنهايات المتشابهة فكما استقبل المصريون دعوة إدريس وموسي عليهما السلام
استقبلوا المسيحية بالبشر ودافعوا عنها وصارت الكنيسة المصرية هى المعبرة عن المسيحية لكافة شعوب
المنطقة ,
وكذلك عندما جاء عمرو بن العاص وعلى أبواب سيناء استقبلته قبائل البدو بالترحاب وانضمت جيوشهم
لجيشه وقادهم عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وعلمهم الإسلام لينطلقوا مخلصين مصر من يد الرومان
لتنشأ الحضارة الإسلامية بمصر بتأيد كاسح من جموع القبط المصريين
ثم هاجر العرب إلى مصر وتوطنوا فيها كما فى سائر بلاد الإسلام وأصبحت مصر إشعاعا للحضارة الإسلامية
منذ ذلك التاريخ , وامتلأت آفاق الفكر باجتهادات علمائها من الليث بن سعد حتى بن حجر العسقلانى






الموضوع الأصلي : تعلم كيف تكون مثقفًا // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الخميس 16 أغسطس - 7:05
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67717
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com