منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب
السلام عليكم ورحمة الله وبركـاتـه

أهلا وسهلا في منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب نحن سعداء جدا في منتداك بأن تكون واحداً من أسرتنا و نتمنى لك الأستمرار و الاستمتاع بالإقامة معنا و تفيدنا وتستفيد منا ونأمل منك التواصل معنا بإستمرار في منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب و شكرا.

تحياتي

ادارة المنتدي

http://www.ouargla30.com


 
الرئيسيةالرئيسية  البوابة*البوابة*  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، اذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى ، فيرجى التكرم بزيارةصفحة التعليمـات، بالضغط هنا .كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيعو الإطلاع فتفضل بزيارة المواضيع التي ترغب .

الشعر - رواية الشعر ورواته

حفظ البيانات؟
الرئيسية
التسجيل
فقدت كلمة المرور
البحث فى المنتدى
Loading



هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل .

و يسعدنا كثيرا انضمامك لنا ...

للتسجيل اضغط هـنـا


منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب :: °ღ°╣●╠°ღ°.. منتديات الثقافة والأدب ..°ღ°╣●╠°ღ° :: قسم الإبداع و الشعراء

شاطر
الثلاثاء 21 أغسطس - 14:21
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67718
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: الشعر - رواية الشعر ورواته



الشعر - رواية الشعر ورواته

الشعر


رواية الشعر ورواته




مجموعات الشعر

فكرة المجموعات

المعلقات

المُفضَّـليَّــات

الأَصْمعيَّات

جمهرة أشعار العرب

ديوان الهذليّين

الحماسات

أجناس الشعر

الشعر الغنائي

الشعر القصصي أو الملحمي

الشعر التمثيلي

الشعر التعليمي

ألوان الشعر

شعر الصعاليك

النقائض

المدائح النبوية

الشعر الصوفي

المعارضات الشعرية

الموشحات

الزَّجل

الشعر النَّـبَطي

أغراض الشعر العربي

الوصف

المدح



الشِّـعـْـرُ فنُّ العربية الأول، وأكثر فنون القول هيمنة على التاريخ الأدبي عند العرب، خصوصًا في عصورها الأولى؛ لسهولة حفظه وتداوله. وقد شاركته في الأهمية بعض الفنون الأدبية الأخرى كالخطابة. وبعد تطور الكتابة وانتشارها واتصال العرب بغيرهم، دخلت بقية الفنون الأدبية الأخرى، المتمثلة في النثر بأشكاله المختلفة لتساهم جنبا إلى جنب، مع الشعر في تكوين تراث الأدب العربي.
ويُعدُّ الشعر وثيقة يمكن الاعتماد عليها في التعرُّف على أحوال العرب وبيئاتهم وثقافتهم وتاريخهم، ويلخص ذلك قولهم: الشعر ديوان العرب.
حاول النقاد العرب تقديم تصوُّر عن الشعر ومفهومه ولغته وأدائه. وقد ظهرت تلك المحاولة في تمييزه عن غيره من أجناس القول، فبرز الوزن والقافية بوصفهما مميزين أساسيين للشعر عن غيره من فنون القول، لذلك ترى أكثر تعريفاتهم أن الشعر كلام موزون مُقَفَّى. وأهم مايميّز الشعر القديم حرصه على الوزن والقافية وعلى مجيء البيت من صدر وعجز. لكن الناظر في كتبهم يلاحظ أن مفهومهم للشعر يتجاوز الوزن والقافية إلى جوانب أخرى، وذلك من خلال تعرفهم على الشعر في مقابلة الفنون الأخرى، فيصبح مثلها؛ مهمته إيجاد الأشكال الجميلة وإن اختلف عنها في الأداة.


ومن ثم ظهر الاهتمام بقضايا الشعر ولغته، فظهرت الكتب في ضبط أوزانه وقوافيه، كما ظهرت دراسات عن الأشكال البلاغية التي يعتمدها الشعراء في إبداع نصوصهم، مثل: الاستعارة والتشبيه والكناية وصنوف البديع.
وكما ظهرت كتب تقدم وصايا للشعراء تعينهم على إنتاج نصوصهم، وتُبَصِّرُهم بأدوات الشعر وطرق الإحسان فيه، ظهرت كتب أخرى في نقد الشعر وتمييز جيده من رديئه. كما اهتمت كتب أخرى بجمعه وتدوينه وتصنيفه في مجموعات حسب أغراضه وموضوعاته. وقد جعلوا الشعر حافلاً بوظيفتي الإمتاع والنفع، فهو يطرب ويشجي من جهة، ويربي ويهذب ويثبِّت القيم، ويدعو إلى الأخلاق الكريمة وينفر من أضدادها من جهة أخرى.
وتتراوح أغراض الشعر بين مديح وهجاء وفخر ورثاء وغزل ووصف واعتذار وتهنئة وتعزية، ثم أضيفت إلى ذلك موضوعات جديدة جاءت نتيجة تغير الحياة العربية مثل الزهد والمجون، بل تغيرت معالجة الموضوعات القديمة كما ظهر عند أبي نواس وغيره من شعراء العصر العباسي.
وعلى الرغم من هذا الحرص على شكل البيت الشعري، فإن تراث القصيدة العربية عرف من الأشكال ما سمي بالمسمَّطات والمخمَّسات والمربَّعات. كما عرفت الأندلس شكل الموشحة التي كانت خروجًا على نظام القصيدة في الأوزان والقوافي. انظر: الجزء الخاص بالموشحات في هذه المقالة.
وفي العصر الحديث، عرف الشعر ألوانًا جديدة من الأشكال الشعرية، منها الشعر المُطلق أو المرسل الذي يتحرر من القافية الواحدة ويحتفظ بالإيقاع دون الوزن. وكذلك الشعر الحر، وهو الشعر الذي يلتزم وحدة التفعيلة دون البحر أي وحدة الإيقاع. وسُمّي بشعر التفعيلة. وأما اللون الذي لا يلتزم بوزن أو قافية فقد عرف بالشعر المنثور. انظر: الجزء الخاص بقصيدة النثر، والشعر الحر، والشعر المرسل في هذه المقالة.
وكما اختلف الشكل حديثًا اختلف المضمون كذلك، وتحولت التجارب الشعرية الحديثة إلى الدلالات الاجتماعية والنفسية والرمزية التي تكامل فيها الشكل والمضمون معًا.
رواية الشعر ورواته
كان العرب في الجاهلية أُمّـةً أُمِّـيَّـةً تغلب عليها المشافهة وتقل فيها الكتابة، ولهذا السبب لم يكن الشعراء الجاهليون يدونون أشعارهم، وإنما كان رواتهم، وهم عادة من ناشئة الشعراء، يتولون مهمة حفظ ذلك الشعر وإشاعته بين الناس. وهؤلاء الرواة الذين وصفناهم بأنهم من ناشئة الشعراء قد قويت قرائحهم بعد ذلك، فأصبحوا أو أصبح بعضهم من الشعراء المشاهير. فقد روت المصادر أن زهيرًا ابن أبي سُلمى كان راوية لأوس بن حجر، وروى عن زهير ابنه كعب والحُطَيئة، كما روى شعر الحطيئة هدبةُ بن خشرم، ثم روى جميل بن معمر شعر هدبة بن خشرم، وروى كُثَيِّر عزة شِعْرَ جميل وهكذا دواليك.
وعندما جاء الإسلام شُغل العرب عن رواية الشعر فترة من الزمان، ولكنهم بعد اتساع الفتوحات الإسلامية، واستقرارهم في الأمصار عادوا إلى رواية الشعر ومُدارسته، وهنا نجد فئة من الرواة نذرت نفسها لرواية هذا الشعر وجمْعه ومحاولة تنقيته من كل ما هو زائف.
ثُمَّ نشأت طائفة أخرى من الرواة لم يكونوا ممن يحسنون نظم الشعر، فهم لا يروونه من أجل أن يتعلموا طريقته لكي يصبحوا شعراء، وإنما يروونه بقصد إذاعته بين الناس. فقد روت المصادر الأدبية أنه كان لجرير والفرزدق عدة رواة يلزمونهما ويأخذون عنهما شعرهما. ولم يكن هذا الأمر وقفًا على جرير والفرزدق فحسب بل إن غيرهما من الشعراء كان لهم رواة وتلاميذ.
وبعد ازدهار الحياة العلمية والثقافية في مدينتي البصرة والكوفة أصبحت هاتان المدينتان قبلة لطلاب المعرفة، وصارتا تتنافسان في استقطاب العلماء والأدباء والشعراء، فازدهرت فيهما رواية الشعر ودراسته بشكل لم يَسبق له نظير. وبرز في كل مدينة من هاتين المدينتين أعلام مشاهير، جمعوا أشعار الجاهليين والإسلاميين، وكانوا يحرصون على أخذ هذا الشعر من الرواة مشافهة، ولم يكونوا يعولون على الأخذ من الكتب أو الصحف، ولا يثقون بمن يعتمد على ذلك. وقد عُرف رواة البصرة بالتشدد في الرواية والتدقيق فيها، وكانت معاييرهم أكثر دقة من معايير رواة الكوفة الذين امتازوا بالتوسع في الرواية والتسامح في بعض جوانبها.
ومن أشهر رواة الشعر بالبصرة أبو عمرو بن العلاء، وكان ثقة أمينًا، وهو أحد القراء السبعة الذين أخذت عنهم تلاوة القرآن الكريم، وقد وُصف بأنه ¸أعلم الناس بالغريب، والعربية وبالقرآن، والشعر وأيام العرب وأيام الناس•. انظر: أبو عمرو بن العلاء.
ومن أشهر رواة الكوفة حماد الراوية، وكان واسع الرواية قوي الحفظ عالمًا بأشعار العرب وأخبارها، ولكنه لم يكن ثقة، بل كان كما يقول ابن سلام الجمحي: "ينحل شعرَ الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار".
ومن مشاهير رواة البصرة خلف الأحمر، وكان في معرفته بالشعر وأخبار العرب لا يقل عن حماد الراوية. ومن رواة البصرة الثقات أيضًا عبدالملك بن قريب الأصمعي، وهو من أعلم الناس بأشعار الجاهلية وأخبارها، وقد اختار من أشعار العرب مجموعة شعرية عرفت بالأصمعيات. وهي مشهورة ومتداولة. انظر: الجزء الخاص بالأصمعيات في هذه المقالة. وقد رويت عنه دواوين كثيرة أشهرها دواوين: امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة. انظر: الأصمعي. ومن رواة البصرة أيضًا أبو سعيد السكري، وله الفضل الأكبر في جمع كثير من دواوين الشعراء الجاهليين.
كما يعدُ المفضل بن محمد الضبِّي من أبرز رواة الكوفة، وكان عالمًا بأشعار الجاهلية، وأخبارها وأيامها، وأنساب العرب، وأصولها. وقد اختار مجموعة من أشعار العرب عُرفت بالمفضليات. وهي مطبوعة ومتداولة. انظر: الجزء الخاص بالمفضليات في هذه المقالة. ومن الرواة الكوفيين أيضًا أبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي، وابن السكّيت، وثعلب، وغيرهم. ولكل راوية من هؤلاء الرواة ترجمة في هذه الموسوعة.
مجموعات الشعر


مجموعات الشعر العربي
الشعر ديوان العرب. وكان اهتمامهم بالشّاعر، قديمًا، أكثر من اهتمامهم بالكاتب، لحاجتهم إلى الشاعر. وقد عبّروا عن هذا الحرص على الشعر والاهتمام بالشاعر في عنايتهم بما اصطلح على تسميته بمجموعات الشعر.
وهذه المجموعات أقرب إلى ديوان الشعر بما تحويه من أشعار لعدد من الشعراء. وترتبط نشأتها بحركة رواية الشعر في عصر التدوين، في القرن الهجري الأوّل. ثم أخذ الرواة، بعد ذلك، يتناقلون هذا التراث جيلاً بعد جيل.
ومن أشهر هؤلاء الرواة أبو عمرو بن العلاء والأصمعي والمفضّل الضبي وخلف الأحمر وحماد الراوية وأبو زيد الأنصاري وابن سلاّم الجمحي وأبو عمرو الشيباني وغيرهم. انظر: الجزء الخاص برواية الشعر ورواته في هذه المقالة.
فكرة المجموعات. تختلف هذه المجموعات تبعًا لفكرة كل مجموعة منها، فبعضها يرمي إلى إثبات عدد من القصائد المطولة المشهورة وهي المعلقات. وبعضها قد يكتفي بالأبيات الجيدة المشهورة يختارها من جملة القصيدة وهي المختارات، ومنها ماوقف عمله على الشعر الجاهلي لا يتعداه، على حين زاوج بعضها بين الجيّد من شعر الجاهلية والإسلام.
وتقدم المجموعات فائدة أكبر من فائدة الدواوين؛ لأن الأخيرة أضيق مجالاً لوقوفها عند شاعر بعينه لاتتجاوزه، في حين نجد المجموعة أوسع مجالاً لتنوع الموضوعات وتعدّد الشعراء. فهي أقدر على تصوير ذوق العصر بإعطائها خلفية أوسع عن الحياة الاجتماعية، وإن كان ذوق مصنّفها لا يغيب عنها في كل الأحوال.
وأشهر هذه المجموعات:

السموط. شبهت العرب أشعارها الجيدة بالقلائد فسمتها السموط.
المعلقات. مصطلح أدبي يطلق على مجموعة من القصائد المختارة لأشهر شعراء الجاهلية، تمتاز بطول نفَسها الشعري وجزالة ألفاظها وثراء معانيها وتنوع فنونها وشخصية ناظميها.
قام باختيارها وجمعها راوية الكوفة المشهور حماد الراوية (ت نحو 156هـ، 772م).
واسم المعلقات أكثر أسمائها دلالة عليها. وهناك أسماء أخرى أطلقها الرواة والباحثون على هذه المجموعة من قصائد الشعر الجاهلي، إلا أنها أقل ذيوعًا وجريانًا على الألسنة من لفظ المعلقات، ومن هذه التسميات:
السبع الطوال. وهي وصف لتلك القصائد بأظهر صفاتها وهو الطول.
السُّموط. تشبيهًا لها بالقلائد والعقود التي تعلقها المرأة على جيدها للزينة.
المذَهَّبات. لكتابتها بالذهب أو بمائه.
القصائد السبع المشهورات. علَّل النحاس أحمد بن محمد (ت 338هـ،950م) هذه التسمية بقوله: لما رأى حماد الراوية زهد الناس في حفظ الشعر، جمع هذه السبع وحضهم عليها، وقال لهم: هذه المشهورات، فسُميت القصائد السبع المشهورات لهذا.
السبع الطوال الجاهليات. أطلق ابن الأنباري محمد بن القاسم (ت 328هـ ، 939م) هذا الاسم على شرحه لهذه القصائد.
القصائد السبع أو القصائد العشر. الاسم الأوّل هو عنوان شرح الزوزني الحسين بن أحمد (ت 486هـ، 1093م)، أما التبريزي يحيى بن علي (ت 502هـ، 1109م)، فقد عنْون شرحه لهذه القصائد بـ شرح القصائد العشر.

عنترة بن شداد كما تخيّله رسام.
وقد أشار ابن رشيق في كتابه العمدة إلى بعض هذه المصطلحات، فقال: "وقال محمد بن أبي الخطاب في كتابه المسمًّى بجمهرة أشعار العرب: إن أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمى السُّمُط: امرؤ القيس وزهير والنابغة، والأعشى ولبيد وعمرو بن كلثوم وطرفة. قال: وقال المفضل: "من زعم أن في السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء، فقد أبطل"، فأسقط من أصحاب المعلقات عنترة، والحارث بن حلِّزة، وأثبت الأعشى والنابغة.
ويُقال: إنها قد سميت بالمذهّبات، لأنها اختيرت من سائر الشعر فكُتبت في القباطي بماء الذهب، وعُلقت على أستار الكعبة، فلذلك يقال: مُذهبة فلان، إذا كانت أجود شعره. ذكر ذلك غير واحد من العلماء. وقيل: بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة الشاعر يقول: علِّقوا لنا هذه، لتكون في خزانته.
وكما اختلفوا في تسميتها، اختلفوا في عددها وأسماء شعرائها. لكن الذي اتفق عليه الرواة والشُّرَّاح أنها سبع، فابن الأنباري، والزوزني اكتفيا بشرح سبع منها هي:
1ـ معلقة امرئِ القيس ومطلعها:
قفانَبْكِ مِنْ ذِكْرى حبيبٍ ومنزلٍ بسِقط اللِّوى بين الدَّخول فحوْمَل
2ـ ومعلقة طرفة بن العبد ومطلعها:
لخولة أطلالٌ بِبُرقة ثهمد تلـوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
3ـ معلقة زهير بن أبي سُلْمى ومطلعها:
أَمِنْ أمِّ أًَوْفَى دمْنةٌ لم تَكَـلَّم بَحْــومَانـــة الدُّرّاج فالمتَـثَـلَّــــم
4ـ ومعلقة عنترة بن شداد ومطلعها:
هل غادَرَ الشُّعراء من مُتَردَّم أم هَلْ عرفْـتَ الـدار بعـد توهــم ؟
5ـ ومعلقة عمرو بن كُلثوم ومطلعها:
ألا هبيِّ، بصحْنِك فاصْبحينا ولا تُبـــقي خُمـــور الأنْدَرِينــــا
6ـ ومعلقة الحارث بن حِلِّزة ومطلعها:
آذنتْنـــا ببينـهــــا أسْمـــــاءُ رُبَّ ثــــاوٍ يُمَـــلُّ منـه الثَّـــواُء
7ـ ومعلقة لبيد بن ربيعة ومطلعها:
عَفَتْ الدِّيارُ مَحَلُّها فَمُقامُهَا بمنى تَأبَّـــد غولُهـــا فِرَجامُهَــــا
أما أحمد بن محمد النحاس، أحد شُرَّاح المعلقات، فقد أنهى شرحه لقصيدة عمرو بن كلثوم وهي القصيدة السابعة عنده بقوله: "فهذه آخر السبع المشهورات على مارأيت عند أكثر أهل اللغة... وقد رأيت من يضيف إلى السبع قصيدة الأعشى التي مطلعها:
وَدِّع هريرةَ إن الركب مُرْتحِلُ وهل تُطِيقُ وداعًا أيُّها الرَّجُـــــلُ؟
وقصيدة النابغة التي مطلعها :
يادار مَيَّة بالعلياء فالسندِ أقوتْ، وطال عليها سالِفُ الأبد
وعلل سبب إضافة هاتين القصيدتين إلى القصائد السبع بقوله: "رأينا أكثر أهل اللغة تذهب إلى أن أشعر أهل الجاهلية امرؤ القيس وزهير والنابغة والأعشى، إلا أبا عبيدة فإنه قال: أشعر الجاهلية ثلاثة: امرؤ القيس وزهير والنابغة فحدانا قول أكثر أهل اللغة إلى إملاء قصيدة الأعشى وقصيدة النابغة لتقديمهم إياهما وإن لم تكونا من القصائد السبع عند أكثرهم".
أما التبريزي فقد أنهى شرحه لقصيدة الحارث بن حِلِّزة وهي القصيدة السابعة عنده بقوله: "هذه آخر القصائد السبع، وما بعدها المزيد عليها". فذكر قصيدتي الأعشى والنابغة السابقتين وأضاف إليهما قصيدة عَبيد بن الأبرص التي مطلعها:
أقفر من أهله ملحُوبُ فالقُطَّبيَّات، فالذَّنُــوب
وهي القصيدة التي من أشهر أبياتها قوله:
فكل ذي نعمة مخلوس وكل ذي أمل مكذوب
وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب
من يسأل الناس يحرموه وسائـل الله لا يخيــب
وكما اختلف الرواة في عدد القصائد، اختلفوا أيضًا في عدد الأبيات وترتيبها. وفي رواية بعض الألفاظ. وهو اختلاف مألوف في نصوص الكثير من الشعر الجاهلي بسبب وصوله إلى عصر التدوين عن طريق الرواية الشفوية وبسبب تعدد الرواة واختلاف مصادرهم.
وإن كان مصطلح المعلقات أو المسمَّطات أو المذهبات يعني لونًا من الاستحسان لتلك القصائد وتمييزها عن سائر شعر الشاعر، فكذلك الحال بالنسبة للقصائد الحوليات إذ إن مصطلح الحوليات عُني به المدح والإشادة بجهد الشاعر حين يستغرق نظمه القصيدة وتنقيحها حولا كاملاً قبل أن يخرجها للناس ويذيعها بينهم. وكان الشعراء الذين يفضِّلون هذه الطريقة هم ممن يحرصون على مكانتهم الشعرية أكثر من غيرهم.
وتسمى قصائدهم أحيانًا، بالمقلدات والمنقحات والمحْكَمَات. وقد عُرف زهير بن أبي سلمى بأنه من أصحاب الحوليات. روى ابن جني أن زهيرًا عمل سبع قصائد في سبع سنين، وأنها كانت تسمى حوليات زهير. وروى ابن قتيبة أن زهيرًا نفسه كان يسمي قصائده الكبرى الحوليات. وقد قيل: إنه كان يعمل القصيدة في أربعة أشهر، وينقحها في أربعة أشهر، ثم يعرضها في أربعة أشهر، ثم بعد ذلك يخرجها إلى الناس.
ويرى ابن رشيق أن فترة نظم القصائد لم تكن تستغرق من زهير هذه المدة الطويلة، فهو في رأيه ينظم القصيدة في ساعة، أو ليلة، ولكنه يؤخرها عنده من أجل التنقيح والتهذيب خشية النقد. وهذا الشعر المنقَّح يفضله بعض الناس على غيره من الشعر لخلوِّه من المآخذ، بينما ينظر إليه آخرون على أنه شعر متكلَّف، لم يأت عن إسماح وطبع. فالحُطيئة، وهو تلميذ زهير وشريكه في الصنعة، يقول: "خير الشعر الحولي المنقَّح المحكَّك". أما الأصمعي فإنه يقول: "زهير بن أبي سلمى والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، وكذلك كل من جَوَّد في جميع شعره، ووقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة". ويصف ابن قتيبة الشاعر الذي ينقح شعره بأنه شاعر متكلِّف، ويقول عن الشعر المتكلَّف: "إنه وإن كان جيدًا محكمًا فليس به خفاء على ذوي العلم لتبيُّنهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكر، وشدة العناء، ورشح الجبين".
ولم يكن التنقيح والتهذيب وقفًا على زهير والحطيئة، بل إن هناك شعراء آخرين في الجاهلية والإسلام كانوا يتَأَنَّون، ويعيدون النظر في أشعارهم. ومن بين من عُرف بذلك من شعراء الإسلام مروان بن أبي حفصة، وذو الرُّمَّة، ولكننا لا نعرف شاعرًا آخر غير زهير تمكث القصيدة عنده حولاً كاملا،ً بحيث يمكن أن يعد من شعراء الحوليات.
المُفضَّـليَّــات. من أقدم ماوصل إلينا من اختيار الشعر. جمعها وألَّفها المفضّل بن محمد الضبيّ (ت 168هـ، 784م)، العلاّمة الكوفي راوية الأخبار والآداب وأيّام العرب وأحد القُرّاء البارزين.
عمد المفضّل إلى الجيِّد من الشعر القديم فاختار منه مجموعة اختلف الناس في سبب تأليفها، فقيل: "كان ذلك بطلب من الخليفة المنصور" وقيل: " ألَّف ذلك الاختيار للمهدي". والرّوايات في ذلك مختلفة؛ فقد روى أبو الفرج الأصفهاني عن المفضّل نفسه أنه قال: "كان إبراهيم بن عبدالله بن الحسن متواريًا عندي، فكنت أخرج وأتركه. فقال لي: إنك إذا خرجت ضاق صدري فأخرج إليّ شيئًا من كتبك أتفرَّج به. فأخرجت إليه كتبًا من الشعر فاختار منها السبعين قصيدة التي صدَّرت بها اختيار الشعراء، ثمّ أتممت عليها باقي الكتاب".
وخلاصة كلّ هذه الروايات أن المفضّل هو الذي اختار القدر الأوفى من الشعر القديم الذي حوته هذه المجموعة الرائدة.
أما تسميتها بالمفضّليات فالغالب على الظّن أنها لم تصدر عن صاحبها، المفضّل، وربّما نُسبت إليه، ثم اشتهرت بذلك.
وتتبوأ المفضّليات مكانة مرموقة بين مجموعات الشعر القديم. فبالإضافة إلى قيمتها التاريخية وإبقائها على جانب مهم من الشعر الجاهلي، وحفظه من الضّياع، وأنّها أقدم مجموعات الشعر، فهي تمتاز أيضًا بأن القصائد التي اختارها المفضّل قد أثبتها كاملة غير منقوصة، يضاف إلى كل ذلك اشتمالها على طائفة صالحة من أشعار المقلِّين من الشعراء.
وشعراء المفضّليات أكثرهم من الجاهليين وفيهم قلّة من المخضرمين والإسلاميين، وعددهم 66 شاعرًا، منهم تأبّط شرًّا والشَّنْفَرَى الأزدي، والمرقّشان: الأكبر والأصغر، والمثقّب العبدي وأبو ذؤيب الهذلي، ومتمّم بن نويرة، وبشر بن أبي خازم، وسلامة بن جندل وغيرهم.
أما القصائد المختارة في هذه المجموعة فقد تراوحت بين 128 و 130 قصيدة حسب الروايات، إلاّ أن الرواية
المعتمدة والتي عليها الناس هي رواية ابن الأعرابي عن المفضّل. ومجموع أبيات المفضّليات نحو2,700 بيت.
وقد حظيت المفضّليات بعناية القدماء، فشرحوها شروحًا وافيةً مفيدةًَ، وفي مقدمتها شرح الأنباري (ت305هـ، 918م). وابن النّحاس (ت 338هـ، 949م). والمرزوقي (ت 241هـ،855م). والتبريزي (ت502هـ، 1108م). أما في العصر الحديث فقد لقيت أيضًا اهتمام العلماء عربًا ومستشرقين، فحقّقوها وضبطوها ونشروها في طبعات عديدة.
الأَصْمعيَّات. مجموعة مهمة من مجموعات الشعر العربي القديم، جمعها وألفها أبو سعيد، عبدالملك بن قُريب، الأصمعي (ت 217هـ، 832م). وهو عالم في الطليعة من العلماء الأقدمين. كان قويّ الذاكرة غزير المحفوظ، متمكنًا، عالمًا بأنساب العرب وأيامها وأخبارها وأشعارها. وهو بحر في اللغة لايعرف مثله فيها وفي كثرة الرواية.
والأصمعيات هي المجموعة التي تلي المفضليات في أهميتها وقيمتها الأدبية. ويعدها العلماء متممة للمفضليات. ولعلّ تلاميذ الأصمعي أو المتأخرين هم الذين أطلقوا عليها الأصمعيات، تمييزًا لها وفرقًا بينها وبين اختيار المفضّل الضبّي. ورغم ذلك، فإن الاختلاط والتداخل قد وقع بين هذين المجموعين حتى ذكر بعض الناس قصائد من المفضليات على أنها أصمعيات. بل ذكر بروكلمان أن للأصمعيات أربع مخطوطات إحداها مختار مختلف من المفضليات والأصمعيات. ويبدو أن أمر الاختلاط قديم، أو أن النسخ التي أطلع عليها الأقدمون تختلف عمّا بأيدينا؛ لأن كثيرين منهم كابن قتيبة وأبي عبيدة قد ذكروا قصائد وجعلوها من اختيار الأصمعي، إلاّ أنها غير موجودة في أصمعيّاته المطبوعة.
وعلى كل حال، فإن المجموعة التي اشتملت عليها الأصمعيات هي من جيّد الشعر؛ لأن الأصمعي معروف بغزارة الحفظ وجودة الاختيار. وقد اقتصرت هذه المجموعة على الشعر القديم الجاهلي، وشيء من شعر المخضرمين والإسلاميين. واختار فيها لكثير من الشعراء قصائد غير التي اختارها لهم صاحب المفضليات. وممن اختار لهم الأصمعي: دريد بن الصمّة وعروة بن الورد وعمرو بن معديكرب ومهلهل بن ربيعة والمتلمّس ومتمّم بن نويرة وغيرهم.
وبلغ عدد الشعراء الذين اختار من شعرهم 72 شاعرًا وكانت قصائدهم 92 ومجموع أبياتها 1,439 بيتًا.
نشرت الأصمعيات أول مرة بعناية المستشرق وليم بن الورد في ليبزج بألمانيا سنة 1902م، ثم نشرت في طبعة محققة بعناية أحمد محمد شاكر وعبدالسلام هارون.
جمهرة أشعار العرب. مجموعة من المختارات الشعرية تُنسب إلى أبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي. وهو عالم من علماء العربية يحيط بحياته الغموض، ويرجّح أنه من علماء القرن الثالث الهجري.
وقد شاعت التسمية بالجمهرة خلال القرن الثالث الهجري وما بعده. فمن ذلك جمهرة ابن دريد في اللغة، وجمهرة أنساب العرب لأبي الفرج الأصفهاني وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، وجمهرة الأنساب لابن حزم.
ويمتاز كتاب جمهرة أشعار العرب عن الكتب المؤلفة في موضوعه بمقدمته الطويلة التي كشفت عن غرض الكاتب وأبانت منهجه، وهذا أمر لم يتوافر في المفضليات والأصمعيات. كما امتاز الكتاب بتبويبه المحكم الدقيق.
وقد جعل المؤلف مجموعه المختار من شعر الأقدمين ووضعه في سبعة أقسام، في كل قسم سبع قصائد لسبعة من الشعراء. وهذه الأقسام هي: المعلقات والمجمهرات والمنتَقَيَات والمُذَهَّبات والمراثي والمشُوبات والملحمات. ويبدو من هذه الأسماء أنها صفات للقصائد المختارة؛ فالمعلقات هي التي كتُبت وعُلقت على أستار الكعبة، والمجمهرات مشبهة بجمهور الرَّمل في انتظامها ومتانة سبكها، والملحمات هي القصائد التي التحمت أجزاؤها، والمذهبات والمنتقيات فيها دليل جودة الشعر، والمشوبات يعنى بها أن أصحابها من المخضرمين الذين شابهم الكفر قبل إسلامهم. أما المراثي فمعروفة.
وهذا التقسيم وإن لم يكن محكمًا كل الإحكام إلا أنه كان دليلاً على نزعة نقدية مبكرة تمثلت في فكرة الطبقات التي شاعت في جيل أبي زيد وما بعده.
وتبقى جمهرة أشعار العرب مجموعة قيّمة من الشعر المختار تعدُّ مكملة للمفضليات والأصمعيات. وتزداد قيمتها بانفرادها بقصائد لم ترد في مصدر سوى الجمهرة هذه.
نشرت هذه المجموعة عدة نشرات، آخرها طبعة 1967م وهي محققة ومضبوطة.
ديوان الهذليّين. كانت القبيلة في العصر الجاهلي المظهر البارز لحياة العرب الاجتماعية، وكانت شخصية هذه القبيلة تعتمد على رفعة النسب وعراقة الأصل، وتتجلّى أمجادها في صفات الكرم والوقائع، لذلك كانت القبيلة تحرص على أن يكون لها شعراؤها الذين يصونون مكانتها بالدفاع عنها ضد المعتدين، وينشرون مناقبها بين القبائل.
من هنا كانت عناية الرواة والعلماء الأوائل بأشعار القبائل، فدوّنوها وصنَّفوا فيها المجموعات الشعرية المعروفة، ورووا دواوين شعرائها، وكان على رأس هؤلاء الرّواة أبو عمرو الشيباني الذي اهتمّ بهذا النّوع من التأليف فجمع شعر ما يزيد على ثمانين قبيلة، وكذلك فعل الأصمعي وابن الأعرابي وغيرهم من العلماء والرواة.
وديوان الهذليين صَنَعَه أبو سعيد، الحسن بن الحسين، السُّكّري (212-275هـ، 827-888م). وهو عالم في اللُّغة والنحو ورواية الشعر، اشتغل برواية دواوين الشعراء وأشعار القبائل.
ويعدُّ هذا الديوان من الدواوين الفريدة التي وصلت إلينا، ولو وصلت إلينا بقية الدواوين لكانت ثروة علمية قيّمة، تكشف عن خصائص اجتماعية ولغوية مهمة. وترجع أهمية هذا الديوان إلى أن قبيلة هذيل كانت من قبائل الحجاز المعروفة بفصاحتها وسلامة لغتها من شوائب العجمة؛ لأنها تعيش في وسط الجزيرة العربية، بعيدة عن مناطق الاختلاط بغير العرب، لذلك كان شعر هذه القبيلة موضع اهتمام العلماء والرواة كالشَّيباني والأصمعي، بل اهتم به جلّة الأئمة كالإمام الشافعي.
ويمثل شعر هذه القبيلة ثروة ضخمة في الاستشهاد به في اللّغة والنحو والقرآن والحديث. وقد كان العلماء في جمعهم اللغة والحفاظ على سلامتها، لا يأخذون عن عامة قبائل العرب، بل كان أخذهم عن قريش وقيس وأسد وتميم وهذيل وبعض كنانة وطيِّئ. وتأتي قبيلة هذيل في الطليعة لصلتها بقريش في النسب والمصاهرة والجوار.
يضم هذا الديوان قرابة تسعة وعشرين شاعرًا من شعراء هذه القبيلة، وهم سبعة وعشرون شاعرًا في بعض أصول الديوان المخطوطة. وهذا العدد من الشعراء يتفاوت في العصور والشَّاعريّة وغزارة الإنتاج، غير أنّ أشهرهم وأشعرهم ألبتَّة أبو ذؤيب، خويلد بن خالد الهذلي، وهو أكثرهم إنتاجًا. وتبدأ هذه المجموعة بأشهر قصائد أبي ذؤيب وهي العينية التي نظمها في رثاء أولاده.
وكان هذا الديوان محلّ عناية العلماء منذ القدم. وقد عكف السُّكّريُّ على شرحه بعد أن أكمل جمع قصائده، غير أن هذا الشرح ضاع فيما ضاع ولم تصل إلينا منه إلاّ قطوف يسيرة. كذلك كان هذا الديوان موضع عناية المتأخرين والمحدثين، فقد نشر عدة مرات، أفضلها حتى الآن طبعة دار العروبة.
الحماسات. اشتهرت في التراث العربي حماسات كثيرة. وهي اختيارات من الشعر العربي قام بها لفيف من العلماء. اشتهر منها الحماستان: الكبرى والصغرى، لأبي تمام (ت231هـ، 845م) وحماسة البحتري (ت284هـ، 897م) وحماسة ابن الشجري (ت 542، 1147م) والحماسة البصرية للبصري (659هـ، 1260م)، وفي العصر الحديث مختارات البارودي (ت 1322هـ، 1904م).
الحماسة الكبرى. كان أبو تمام، حبيب بن أوس الطائي، رائد التأليف في موضوع الحماسات. فهو أول من نسبت إليه الحماسة. ويبدو أنه صاحب هذه التسمية، وإن كان في ذلك خلاف. وتأتي أهمية حماسة أبي تمام في اختلاف ذوق مصنِّفها عن مصنفي الاختيارات الأخرى، لأن الرجل شاعر لطيف الحسِّ حسن الثقافة حافظ لقديم الشعر، وخليق بمثله أن يكون قادرًا على التمييز، بصيرًا بجيد الأشعار.
اتسمت الحماسة بأنها اختيار عمد فيه أبو تمام إلى جيد الأبيات فانتقاها، مخالفًا بذلك طريقة السابقين كالمفضل والأصمعي اللذين كانا يختاران القصيدة برُمّتها. وقد أباح أبو تمام لنفسه حرية إصلاح مايراه قلقًا من الألفاظ كما ذكر بعض شراحها كالمرزوقي؛ وهذا منهج لايرضاه النقّاد، ولعلّه سار في ذلك على ماذكره الأصمعي من أن الرواة قديما كانوا يصلحون أشعار الشعراء.
وامتازت حماسة أبي تمام، بالإضافة إلى جمع أشعار القدماء، بتبويبها حيث وقعت في عشرة أبواب هي: باب الحماسة، والمراثي، والأدب، والنسيب، والهجاء، والأضياف، والمديح والصفات، والسِّير، والملح، وباب مذمة النساء.
والنقّاد القدماء مجمعون على إطراء الحماسة، قال المرزوقي: "وقد وقع الإجماع من النّقاد على أنه لم يتفق في اختيار المقطعات أنقى مما جمعه أبو تمّام. وروى التبريزي قول بعضهم": إن أبا تمام في اختياره الحماسة أشعر منه في شعره.
وقد كثر شراح حماسة أبي تمام حتى جاوزوا العشرين شارحًا أشهرهم المرزوقي والتبريزي والصولي وابن جني والآمدي والعسكري والشنتمري والمعرّي والعكْبري. ولعلّ أشهر هذه الشروح شرح المرزوقي وشرح التبريزي وقد طبعا عدة طبعات.
الحماسة الصغرى. وهي أيضًا لأبي تمام، وقد عرفت بالوحشيات أو هكذا سماها صاحبها. وقد جاءت تسميتها من صفة أشعارها التي أشبهت الوحوش في كونها شوارد لاتُعرف وأغلبها للمقلين أو المغمورين من الشّعراء.
وهي على غرار الحماسة الكبرى، لم تختلف عنها في تبويبها إلاّ في إحلاله باب المشيب مكان باب السِّير. وهذه الحماسة دون الكبرى في شهرتها واهتمام العلماء بها. وهي مطبوعة محققة منذ 1963م.
حماسة البحتري. يبدو أن شهرة حماسة أبي تمام أغرت البحتري، أبا عبادة، الوليد بن عبيد، بأن ينسج على منوال أستاذه، حيث كان البحتري هو المقلّد الأول لأبي تمام في هذا التأليف. وقد جاءت بعده جماعة أعجبتهم الفكرة فحذوا حذو الطّائيين مثل الخالديَّين وابن الشجري وابن فارس وغيرهم.
وكان البحتري قد اختار أشعار حماسته للفتح بن خاقان، وزير المتوكّل. ولم يختلف اختياره عن اختيار أبي تمام، وسائر من صنفوا في هذا الموضوع، إلا بزيادته بعض الشعراء المحدثين مثل بشار بن بُرد وصالح بن عبدالقدوس.
أمّا في التبويب فقد كان الفرق واضحًا حيث جعل البحتري حماسته في أبواب تفصيلية بلغت 147بابًا، تفرّعت عن الموضوعات العامة والأغراض الكبرى. وقد تكاثرت مقطوعات الحماسة حتى بلغت 1,454 مقطوعة قد تطول وقد تقصر حتى تكون بيتًا أو بيتين. وكثر، تبعًا لذلك، عدد شعرائها حتى بلغوا 600شاعر.
ولم يعمد أحد من الأقدمين إلى شرح حماسة البحتري. وقد طبعت أكثر من مرة.
حماسة ابن الشجري. ابن الشجري هو هبة الله بن علي، من علماء القرن السادس الهجري، اشتهر بأماليه وبكتاب الحماسة الذي نحا فيه منحى أبي تمام والبحتري ولم يختلف منهجه عن منهجهما كثيرًا.
والأشعار المختارة في حماسة ابن الشجري مقطعات لاتبلغ حدود القصائد وهي في غزارة مادتها لاتبلغ غزارة مادة الحماستين السابقتين. وقد بلغ عدد شعرائها 365 شاعرًا عدا المجهولين الذين لم يسمهم، وبلغت مقطعاتها 944 مقطّعة. وهي تشارك سابقاتها في التبويب والأغراض واختيار الشعر القديم، وتهتم أكثر منها بشعر المولّدين مثل بشّار وأبي نواس وأبي العتاهية وأبي تمام والبحتري وأضرابهم. ولم يكتف بذلك بل أفرد للغزل في شعر المحدثين بابًا.
وقد طبعت حماسة ابن الشجري أكثر من مرة، وطبعتها الأخيرة جيدة مفهرسة.
ولابن الشجري أيضًا مختارات تختلف عن حماسته من ثلاث جهات؛ الأولى أنه قصرها على أشعار الجاهليين، والثانية أن القصائد التي أوردها جاءت تامة غير مجتزأة، بلغت خمسين قصيدة لأربعة عشر شاعرًا. أما الجهة الثالثة فإن هذه المجموعة لم تقتصر على إيراد الشعر وحده بل كانت تتقدم الأشعار مقدمات نثرية تنطوي على أخبار قائليها، وتلقي ضوءًا على مناسباتها.
وقد طبعت هذه المختارات أكثر من مرة.
الحماسة البصرية. من مصنفات القرن السابع الهجري، جمعها أبو الحسن، صدر الدين بن الحسن البصري، وأطلق عليها لقبه لتعرف به وتتميز عن غيرها.
وليس في الحماسة البصرية جديد من حيث المادة والتبويب. وقد بلغت أبوابها 12 بابًا احتوت على 6 آلاف بيت لنحو 500 شاعر تقدمتها خطبة شاملة أبانت فضيلة الاختيار. نشرت في الهند 1964م.
هذه أشهر الحماسات، وهناك حماسات واختيارات أخرى لم تكتب لها الشهرة كالتي تحدثنا عنها، منها حماسة الخالديين وغيرها. أما في العصر الحديث فقد قام محمود سامي البارودي بجمع قصائد قصرها على ثلاثين شاعرًا من المولدين دون سواهم، مثل بشار وأبي نواس ومن جاء بعدهم، عرفت بمختارات البارودي. ولم تطبع إلا بعد وفاته.
أجناس الشعر
قد تسمى أنواع الشعر أيضًا. وهي تلك القوالب التي استقر الشعر منذ نشأته على طابعها، أو هي الشكل الأدبي الذي ارتضاه الشعراء للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم. انقسمت هذه الأجناس أو الأنواع إلى أشكال أربعة: الشعر الغنائي، الشعر القصصي أو الملحمي، الشعر التمثيلي، الشعر التعليمي.
الشعر الغنائي. وقد يسمَّى بالشعر الوجداني. وهو يعني ذلك التعبير عن العواطف الخالصة في مجالاتها المختلفة من فرح وحُزن وحب وبغض، وما إلى ذلك من المشاعر الإنسانية. ويعد هذا اللون أقدم أشكال الشعر في الأدب العربي، فقد كان الشعراء القدامى يعبرون تعبيراً خالصًا عن هذه المشاعر الإنسانية وقد يكون هذا التعبير مصورًا لذات الشاعر ومشاعره، كما ارتبط منذ نشأته بالموسيقى والغناء، ومن هنا سمي بالشعر الغنائي.
هذا اللون من الشعر استأثر بطاقة الشعر العربي، وفجر ينابيعها الفنية حين تحوّل إلى موضوعات وأغراض، كالغزل والوصف والحماسة والمديح والرثاء والهجاء والفخر والزهد والحكمة. وقد ترك هذا التوجه للشعر الغنائي ميراثًا هائلاً يتدفق حيوية وجمالاً وهو ماعرف بديوان العرب.
وقد استمرت موضوعات الشعر الغنائي في التعبير عن الذات الإنسانية وعن تقلباتها وعن أفراحها وأحزانها حتى وقتنا الحاضر. ولكن التطور الحضاري والفكري بدل فيها بعض التبديل؛ فلم يعد المدح يدور حول الشجاعة والعدل مثلاً أو يتغنَّى بالعفة والفضائل الخلقية، ولكنه توجه للتغني والتعبير عن وجدان الأمة وبطولاتها ومآثرها القومية كما ينشد التقدم والرخاء ويدعو للحاق بركب الأمم، وهكذا ظلت موضوعات الشعر الغنائي باقية متجددة ولكن في تعبير أقرب إلى حياتنا المعاصرة.
تحول الشعر الغنائي من عاطفته المشبوبة وغزله الصريح ووصفه لمحاسن المرأة إلى فكرة ورؤية ورمزٍ وأُنموذج. وبذلك اتسع مداه ليشمل ما يمور به الكون من تأمل واستبصار، وشوق وحنين، وألم وأمل، وفرح وحزن، وإن ظل الشعر الغنائي أو الوجداني هو سيد التعبير عن عواطف الشعراء غير منازع.

حصان طروادة
الشعر القصصي أو الملحمي. يسمى الشعر القصصي أو الملحمي؛ لأنه يدور غالبًا حول معارك حربية، وهو ذلك الشعر الذي لا يعبر عن ذات صاحبه، ولكنه يدور حول أحداث أو بطولات وأبطال في فترة محددة من تاريخ الأمة. كما يمزج الحقائق التاريخية بروح الأسطورة والخيال وتتوارى ذات الشاعر في هذا المقام حين يتناول مادته تناولاً موضوعيًا وليس وجدانيًا. وهو يصور حياة الجماعة بانفعالاتها وعواطفها بعيدًا عن عواطفه وانفعالاته، ولا تظهر شخصيته إلا في أضيق الحدود. كما تعنيه عواطف الأبطال وانفعالاتهم أكثر من عواطفه وانفعالاته الخاصة.
تطول قصائد هذا اللون من الشعر حتى تصل آلاف الأبيات، ولكنها على طولها لا بد لها من وحدة هي حدثها الرئيسي وشخصيتها الرئيسية التي تمضي بالأحداث إلى نهايتها. ثم تتفرع أحداث ثانوية وشخصيات مساعدة.
أقدم ماعرفه تاريخ الأدب العالمي من هذا الجنس الشعري ملحمتا الإلياذة والأوديسة لشاعر اليونان هومر، وموضوع الإلياذة تلك الحرب القاسية بين اليونان ومملكة طروادة، وأما الأوديسة فتصور عودة اليونانيين إلى بلادهم عقب المعركة.
والملحمتان تحكيان ألوانًا من المشاعر المتباينة، من الغدر والوفاء، والحب والبغض، كما تصور أحداثًا دامية عنيفة، وتحكي أسطورة فتح طروادة بهيكل الجواد الخشبي، كما تحدثنا عن شخصيات الأمراء والقواد مثل أخيل و أجاممنون و أجاكس و هيكتور وغيرهم. وبلغت الإلياذة ستة عشر ألف بيت من الشعر على وزن واحد.
وقد عرف الرومان الملاحم على يد شاعرهم فيرجيل حين كتب الإنيادة مستلهماً ملحمتي هوميروس. وموضوعها مغامرات البطل إينياس.
وكذلك عرفت الأمم الأوروبية عددًا من مطولات الشعر القصصي جعلته سجلاً لأحداثها ومواقف أبطالها؛ فأنشودة رولان عند الفرنسيين تصوير لعودة الملك شارلمان منهزمًا في إحدى غزواته، ولكنه بالرغم من هزيمته كان مثالاً للبطولة والنبل. كما عرف الفرس ملحمة الشاهنامه التي تحكي أحداث مملكة الفرس. وكذلك كتب الهنود ملحمة المهابهاراتا في مائة ألف بيت حول صراع أبناء أسرة واحدة على الملك مما أدّى إلى فنائهم جميعًا.
لم يعرف الأدب العربي هذا اللون من القصص أو الملاحم في شعره القديم ولكن في العصر الحديث حاول الشعراء العرب استيحاء التاريخ قديمه وحديثه لتصوير البطولات العربية الإسلامية. فكتب الشاعر المصري أحمد محرم (ت 1945م) الإلياذة الإسلامية في أربعة أجزاء يحكي في الجزء الأول حياة الرسول ³ بمكة ثم هجرته إلى المدينة، كما يتناول غزواته وأحداثها وبطولاتها ويستمر الحديث عن الغزوات والبطولات في الجزءين الثاني والثالث. أما الجزء الرابع فيخصصه للحديث عن الوفود التي قدمت على الرسول والسرايا التي اتجهت إلى مختلف أنحاء الجزيرة العربية.
وقد كتب خليل مطران قصيدة قصصية عنوانها فتاة الجبل الأسود تصور ثورة شعب الجبل الأسود ضد الأتراك. ومحورها بطولة فتاة تنكرت في زيِّ فتى واقتحمت موقعًا للأتراك، وقتلت بعض رجالهم، وعندما أُسرت اكتشف الأتراك حقيقتها فأعجبوا ببطولتها وأَطلقوا سراحها.
وإذا كان الأدب العربي الفصيح لم يعرف هذا اللون من الشعر إلا بقدر يسير، فالأدب الشعبي اتخذ من فن الملحمة لونًا وجد الرواج والقبول؛ فما يزال المنشدون يرددون ملحمة عنترة أبي الفوارس و تغريبة بني هلال وهي ملاحم تؤدي فيها الأسطورة والخيال دورًا مهمًا في تصوير الوقائع والبطولات.
هذا اللون قد قل شأنه في العصر الحديث إذ لم يعد الإنسان تطربه خوارق الأساطير الممعنة بالخيال بقدر اهتمامه بأحداث الحاضر المعبِّر عن واقعه وهمومه وآماله وآلامه.

صلاح عبد الصبور
الشعر التمثيلي. هو ذلك اللون من الشعر الذي تحكي أحداثه موقفًا تاريخيًا أو خياليًا مستلهمًا من الحياة الإنسانية. ومن أهم خصائصه أن مجموعة من الأفراد تصور هذا الحدث بالحوار بينها وأداء الحركات. وبذلك تتوارى ذات الشاعر تمامًا؛ فهو لا يصدر عن عواطفه وأحاسيسه الخاصة، ولكن عن عواطف تلك الشخصيّات التاريخية أو الخيالية التي يصورها.
عرف الشعر التمثيلي نوعين هما: المأساة التي تصور كارثة وقعت لشخص من ذوي المكانة العالية وتكون نهايتها محزنة إما بموت البطل وإما باختفائه. والملهاة التي تتناول أشخاصًا ليسوا من ذوي المكانة العالية وتحكي وتصور حوادث من حياة الناس اليومية مركزة على العيوب أو النقائص التي تثير الضحك.
اقترن الشعر التمثيلي منذ نشأته بالغناء والموسيقى، ثم بدأ الأداء التمثيلي يبعد شيئًا فشيئًا عن دنيا الغناء حتى انتهى الأمر إلى لونين هما المسرحية التمثيلية والمسرحية الغنائية. وأهم تغيير حدث في هذه المرحلة هو أن المسرحية التمثيلية اتجهت للنثر الخالص وتركت الشعر؛ لأن قيود الشعر جعلت إدارة الحوار بين الشخصيات يبدو متكلّفًا كما أنها تضعف الحركة اللازمة في المسرحية.
من أشهر من كتبوا هذا اللون من الشعر قديمًا سوفوكليس وأريسطوفانيس في الأدب اليوناني، وسنيكا وبلوتس في الأدب الروماني وراسين وموليير في الأدب الفرنسي، وشكسبير وبرنارد شو في الأدب الإنجليزي.
ظل الشعر التمثيلي مجهولاً في أدبنا الحديث حتى أخذ أحمد شوقي بيده فكتب ست مسرحيات شعرية، ثلاث منها تحكي عن العواطف الوطنية الملتهبة وهي مصرع كليوباترا و قمبيز و علي بك الكبير واثنتان تصوران طبيعة الحب والعاطفة في التراث العربي هما: مجنون ليلى وعنترة والسادسة ملهاة مصرية بعنوان السِّت هدى. ثم جاء عزيز أباظة وأكمل ما بدأه شوقي من الشعر التمثيلي فكتب شجرة الدر؛ قيس ولُبنى؛ العباسة والناصر؛ غروب الأندلس؛ قافلة النور.
ثم أخذ الشعراء المعاصرون من المسرح الشعري شكلاً رمزيًا حين اتجهوا له؛ فاستفادوا من طاقة الشعر وشفافيته في تصوير المشاعر والأفكار برقة وحساسية. فكتب صلاح عبد الصبور وعمر أبو ريشة، وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرهم، مسرحيات شعرية. انظر: عبد الصبور، صلاح. حتى أصبح المسرح الشعري شكلاً فنيًا قائمًا بذاته.
الشعر التعليمي. لون من الشعر يمزج بين العلم والفن والعقل والخيال، ويحاول أن يقدم الخبرات والتأملات في قصائد ذات حسٍ غنائي، فقد نظم شعراء اليونان في مجالات العلوم والفلك وكذلك شعراء الرومان وبعض الشعراء الفرنسيين.
ولما تحددت حدود العلم عن الفن بدأ الشعر التعليمي يُتخذ وسيلة في أيدي بعض الناظمين ليعين الناشئة خاصة في موضوعات العلوم. وقد عرف العرب منذ القرن الثاني الهجري هذا اللون من الشعر على يدي أبان بن عبد الحميد اللاّحقي، حين نظم أحكام الصوم والزكاة، ومحمد بن إبراهيم الفزاري حين نظم قصيدة في الفلك وإن كان أبَّان اللاحقي هو سيد الشعر التعليمي في الأدب العربي؛ إذ نظمه في مختلف الأغراض مثل سيرتي أردشير وأنوشروان كما نظم كليلة ودمنة.
ونجد في مجال العلوم بشر بن المعتمر. وكذلك في التاريخ ماكتبه الأندلسيان يحيى بن الحكم الغزال في فتح الأندلس وابن عبد ربه في غزوات عبد الرحمن الناصر.
وتدخل في دنيا الشعر التعليمي قصائد المواعظ والحكم كقصيدة أبي العتاهية ذات الأمثال، هذا فضلاً عن دور هذا الشعر في اللغة مثل: مقصورة ابن دريد، وألفيَّـة ابن مالك.
ألوان الشعر
عرف الشعر العربي، على مدى عصوره المختلفة، ألوانًا من الخطاب الشعري. وقد تبلورت تلك الألوان في أشكال من التعبير صنفها النقاد تارة وقفًا على موضوعها ودلالته فقالوا: شعر الصعاليك، وأخرى حسب رؤيتها السياسية فقالوا: شعر النقائض، ومرة حسب عاطفتها فسمّوها الشعر الصوفي أو المدح النبوي. وقد يختص اللون الشعري بما يخالف موروث القصيدة التقليدية، ومن هنا نجد الموشحات في الأندلس والأزجال في المشرق والمغرب، كما نجد الشعر الشعبي الذي يعد لونًا من ألوان الشعر في لغته العامية. وقد يتداخل مصطلح الألوان مع الأغراض ولكن الألوان أوسع مجالاً من الأغراض؛ إذ يضم اللون الواحد عددًا من الأغراض فنجد مثلاً في شعر الصعاليك أو الموشحات أو الشعر الشعبي وصفًا ومدحًا وغزلاً ورثاءً وهجاءً وما إلى ذلك من الأغراض.
شعر الصعاليك. مصطلحٌ يصف ظاهرة فكرية نفسية اجتماعية أدبية لطائفة من شعراء العصر الجاهلي عكس سلوكهم وشعرهم نمطًا فكريًا واجتماعيًا مغايرًا لما كان سائدًا في ذلك العصر. فالصعلكة لغة مأخوذة من قولهم: "تصعلكت الإبل" إذا خرجت أوبارها وانجردت. ومن هذا الأصل اللغوي، أصبح الصعلوك هو الفقير الذي تجرد من المال، وانسلخ من جلده الآدمي ودخل في جلد الوحوش الضارية. وإذا كان الأصل اللغوي لهذه الكلمة يقع في دائرة الفقر، فإن الصعلكة في الاستعمال الأدبي لا تعني الضعف بالضرورة، فهناك طائفة من الصعاليك الذين تمردوا على سلطة القبيلة وثاروا على الظلم والقمع والقهر والاستلاب الذي تمارسه القبيلة على طائفة من أفرادها. ونظرًا لسرعتهم الفائقة في العدو وشراستهم في الهجوم والغارة، أُطلق عليهم ذؤبان العرب أو الذؤبان تشبيهًا لهم بالذئاب.
ومما لاشك فيه أن هناك عوامل جغرافية وسياسية واجتماعية واقتصادية أدت إلى بروز ظاهرة الصعلكة في الصحراء العربية إبَّان العصر الجاهلي. فالعامل البيئي الذي أدى إلى بروز هذه الظاهرة يتمثل في قسوة الصحراء وشُحِّها بالغذاء إلى درجة الجوع الذي يهدد الإنسان بالموت. وإذا جاع الإنسان إلى هذه الدرجة، فليس من المستغرب أن يتصعلك ويثور ويقتل.
والعامل السياسي يتمثل في وحدة القبيلة القائمة على العصبية ورابطة الدم. فللفرد على القبيلة أن تحميه وتهرع لنجدته حين يتعرض لاعتداء. ولها عليه في المقابل أن يصون شرفها ويلتزم بقوانينها وقيمها وأن لا يجر عليها جرائم منكرة. وفشل الفرد في الوفاء بهذه الالتزامات قد يؤدي إلى خلعه والتبرؤ منه، ومن هنا نجد طائفة من الصعاليك تُسمى الخلعاء والشذاذ.
ومن الناحية الاجتماعية، نجد أن التركيبة القبلية تتشكل من ثلاث طبقات هي طبقة الأحرار الصرحاء من أبناء العمومة، وطبقة المستجيرين الذين دخلوا في القبيلة من قبائل أخرى، ثم طبقة العبيد من أبناء الإماء الحبشيات. والحقيقة أن مجموعة كبيرة من الصعاليك هم من أبناء هذه الطبقة المستلبة التي ثار الأقوياء من أفرادها لكرامتهم الشخصية مثل الشنفرى وتأبط شرًا وعمرو بن برَّاقة والسليك بن السلكة وعامر بن الأخنس وغيرهم. وكان يُطلق عليهم أغربة العرب أو الغِرْبان تشبيهًا لهم بالغراب لسواد بشرتهم.
أما العامل الاقتصادي، فيعزى إلى أنَّ حياة القبيلة في العصر الجاهلي كانت تقوم على النظام الإقطاعي الذي يستأثر فيه السادة بالثروة، في حين كان يعيش معظم أفراد الطبقات الأخرى مستخدَمين أو شبه مستخدمين. فظهر من بين الأحرار أنفسهم نفر رفضوا أن يستغل الإنسان أخاه الإنسان، وخرجوا على قبائلهم باختيارهم لينتصروا للضعفاء والمقهورين من الأقوياء المستغلين. ومن أشهر هؤلاء عُروة بن الورد الملقب بأبي الصعاليك أو عروة الصعاليك.
ويمثل الصعاليك من الناحية الفنية خروجًا جذريًا عن نمطية البنية الثلاثية للقصيدة العربية. فشعرهم معظمه مقطوعات قصيرة وليس قصائد كاملة. كما أنهم، في قصائدهم القليلة، قد استغنوا في الغالب عن الغزل الحسي وعن وصف الناقة. ويحل الحوار مع الزوجة حول حياة المغامرة محل النسيب التقليدي في بعض قصائدهم. وتمثل نظرتهم المتسامية إلى المرأة موقفًا يتخطى حسية العصر الجاهلي الذي يقف عند جمال الجسد ولا يتعداه إلى رؤية جمال المرأة في حنانها ونفسيتها وخُلقها.
وعلى الرغم من أن مقاصد شعر الصعاليك كلها في تصوير حياتهم وما يعتو






الموضوع الأصلي : الشعر - رواية الشعر ورواته // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الثلاثاء 21 أغسطس - 14:22
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67718
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: الشعر - رواية الشعر ورواته



الشعر - رواية الشعر ورواته


وفي العصر العثماني، أُصيب الشعر الصوفي بآفة التكرار والابتذال، إلا أن نظْم عبدالغني النابلسي (1141هـ، 1728م) يظل متميزًا لدمجه بين رؤيته النقشبندية ورؤية الشعراء السابقين مثل ابن الفارض وابن عربي وجلال الدين الرومي (672هـ، 1273م).
وفي العصر الحديث، ظهر تأثر الشعر الغربي بالشعر الصوفي العربي والفارسي في أشعار جوته وريلكه. كما يشكل شعر محمد إقبال (1357هـ، 1938م) وأدونيس استمرارًا للشعر الصوفي في الشعر المعاصر. إلا أن شعر إقبال ينزع في مجمله نزعة إسلامية وشعر أدونيس ينزع نزعة غربية.
المعارضات الشعرية. مصطلح أدبي يرتبط مدلوله الفني بمدلوله اللغوي ارتباطًا وثيقًا، ففي مادة (عَرَضَ) تورد المعاجم العربية عددًا من المعاني لهذه الكلمة ومتفرعاتها، غير أن ألصقها بالمدلول الفني وأقربها إليه ما يفيد المقابلة والمباراة والمشابهة والمحاكاة.
قال ابن منظور في لسان العرب تحت مادة (عرض): "عارض الشيء بالشيء معارضة أي قابله، وعارضت كتابي بكتابه، أي قابلته، وفلان يعارضني أي يباريني". وقال الفيروزأبادي في القاموس: عارض الطريق: جانبه وعدل عنه وسار حياله، والكتاب قابله. وفلانًا بمثل صنيعه: آتى إليه مثل ما أتى، ومنه المعارضة.
وقد استعملت كلمة معارضة قديمًا للدلالة على المجاراة والمحاكاة في الشعر والنثر على حد سواء. فقد ورد في كتاب الأغاني أن أبا عبيدة والأصمعي كانا يقولان عن عدي بن زيد: "عدي بن زيد في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم يعارضها ولا يجري معها مجراها". وفي العمدة قال ابن رشيق: "ولما أرادت قريش معارضة القرآن عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك على لباب البر وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة" قصد بالمعارضة المحاكاة.
وقد ضاق مدلول هذا المصطلح في العصور المتأخرة حتى اقتصر على المحاكاة في الشعر فقط، واختلفت الآراء ـ بعد ذلك ـ في تحديد المفهوم الفني له، فوقع الاختلاف بين الباحثين المعاصرين فيما يدخل ومالا يدخل في باب المعارضات. ولعل أقرب مفهوم فني للمعارضة هو: أن توافق القصيدة المتأخرة القصيدة المتقدمة في وزنها وقافيتها وحركة رويها، وأن يكون الغرض الشعري واحدًا أو متماثلاً، بحيث تكون القصيدة المتأخرة صدى واضحًا للقصيدة المتقدمة. وهذه معارضة صريحة. أما ما عدا ذلك من القصائد التي فقدت أحد هذه العناصر فهي معارضات غير صريحة.
وقصيدة المعارضة غير الصريحة ـ تبعًا لذلك ـ هي التي فقدت فيها القصيدة المتأخرة أحد عناصر الشكل الخارجي للقصيدة القديمة واتفقت معها في الغرض العام أو العكس. ونقصد بذلك أن تتفق القصيدتان المتأخرة والمتقدمة في عناصر الشكل الخارجي وتختلفا في الموضوع العام، ومن أشهر أنماط هذه المعارضات قصيدة شوقي الهمزية النبوية وهي من البحر الكامل. ومطلعها:
ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء
فهي معارضة غير صريحة لهمزية البوصيري المشهورة، وهي من البحر الخفيف. ومطلعها:
كيف ترقى رقيك الأنبياء ياسماء ما طاولتها سماء
فاختلاف الوزن بين هاتين القصيدتين جعل قصيدة شوقي معارضة غير صريحة.
أما اختلاف الموضوع فمثاله قصيدة شوقي الأخرى في المولد النبوي التي مطلعها:
سلوا قلبي غداة سلا وتابا لعل على الجمال له عتابا
وهي معارضة غير صريحة لقصيدة الشاعر الأندلسي ابن حمديس الصقلي التي يتذمر فيها من الزمان وغدر أهله ومطلعها:
ألاكم تُسمع الزمن العتابا تخاطبه ولا يدري جوابا
فاختلاف الموضوع بين القصيدتين جعل قصيدة شوقي معارضة غير صريحة لقصيدة ابن حمديس.
وقد تأتي المعارضات الصريحة معارضات كلية، أي للقصيدة المتقدمة كلها، وقد تأتي معارضات جزئية وهي ما اقتصر فيها الشاعر على معارضة جزء من القصيدة المتقدمة، كاقتصاره على معارضة الغزل في قصيدة مدح متقدمة مثلاً. ومن نماذج المعارضات الصريحة الكلية قصيدة شوقي نهج البردة التي مطلعها:
ريم على القاع بين البان والعلم أحلّ سفك دمي في الأشهر الحرم
وهي معارضة صريحة كلية لقصيدة البوصيري البردة ومطلعها:
أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم
فالقصيدتان متحدتان في الموضوع وهو المديح النبوي، والوزن وهو البحر البسيط، وحركة الروي وهي الميم المكسورة. وأمثلة هذا النوع من المعارضات كثيرة عند شوقي والبارودي.
ومن نماذج المعارضات الصريحة الجزئية قصيدة شوقي المشهورة التي مطلعها:
مضنــاك جفـاه مرقده وبكـاه ورحّــمَ عُوَّده
وهي معارضة للجزء الغزلي من قصيدة الحصري القيرواني التي قالها أصلاً في مدح أحد الأمراء ومطلعها:
ياليلُ الصبُّ متى غده أقيامُ الساعة موعـده
وقد كانت المعارضات في تراث الشعر العربي توحي بقدرٍ من فحولة الشاعر المتأخر حين يُجيد في معارضة قصيدة متقدمة اكتسبت شهرة بقصيدة تجري في مضمارها، وتحقق لنفسها قدرًا موازيًا من الشهرة والقبول. لكن هذا النمط من الخطاب الشعري اختفى أو كاد في الشعر المعاصر؛ لأن خصوصية التجربة وتباينها ـ بين شاعر وآخر في القصيدة الحديثة ـ أصبحت هي المعيار الحقيقي لأصالة الشاعر وقدرته على الإبداع.


الموشحات. لون شعري نشأ بالأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري، اتخذ معناه من الدلالة اللغوية للوشاح والإشاح، بما في ذلك من معاني التنميق والتزيين.
اختلف النقاد في أصل الموشحة، أأندلسية أم مشرقية، والمرجَّح أن الموشحة فن أندلسي أصيل، وأن شبهة الموشح المنسوب إلى الشاعر المشرقي ابن المعتز والذي مطلعه:
أيها الساقي إليك المشتكى قد دعوناك وإن لم تسمع
زعمٌ لايثبت عند التمحيص، وأنّ هذه الموشحة للوشَّاح الأندلسي ابن زهر الحفيد.
تبدأ الموشحة بمطلع يتألّف في أقل صوره من شطرين يسمَّى كل منهما: الغصن. ويطلق على مثل هذا الموشح اسم الموشح التام. ويعقب المطلع ما يسمى بالدور، ويتكون في أقله من ثلاثة أسماط (أي أشطار شعرية). ويتكون السمط في أقله من قسيم واحد أي مقطع شعري واحد. والموشح الذي يبدأ بالدور مباشرة دون مطلع يسمى الموشح الناقص أو الأقرع.
ويعقب الدور ما يسمى بالقُفل، وهو يماثل المطلع في عدد الأغصان ونظام القافية. ويسمى آخر قفل في الموشحة بالخرجة وهي تأتي على ثلاثة أحوال:
1- عربية فصيحة. 2- عربية عامية. 3- أعجمية.
أما البيت في الموشحة فيختلف عن البيت في القصيدة؛ ذلك أن بيت القصيدة التقليدية يتكون من صدر وعجز، أما بيت الموشحة الأول مثلاً فيتكون من المطلع والدور والقفل. وقد يصل عدد المقاطع الشعرية في البيت الواحد إلى سبعة مقاطع أو تزيد. مثال ذلك، البيت الأول من موشحة ابن اللبانة (ت: 507 هـ).
[غصن] [غصن]
[مطلع] شاهدي في الحب من حُرقي أدمع كالجمر تنذرف
[سمط]
تعجز الأوصاف عن قمر
[سمط]
[دور] خــده يُــدمى من النـظر
[سمط]
بشــر يسمـو على البشـر
[غصن] [غصن]
[قفل] قد براه الله من علقِ ماعسى في حسنه أصف
وللخرجة أهمية خاصة في الموشح. وقد أفرد لها ابن سناء المُلْك في كتابه دار الطراز في عمل الموشحات حديثًا خاصًا بها. ويمهد الوشاحُ غالبًا في الدور السابق بما يسمى الالتفات نحو حركة الختام، ويتضمن ألفاظًا مثل شدا وغنى وأنشد.
وتُفضل الخرجة العامية والأْعجمية على الخرجة المعربة، على حين أن الموشح يسمى زنيمًا ـ وهي دلالة على الذم ـ إن ورد في صلبه، أي فيما قبل الخرجة، كلمة عامية أو أعجمية.
تنقسم أوزان الموشحات إلى قسمين: 1- ما يوافق الأوزان الواردة لدى الخليل بن أحمد. 2- ما يخرج عن هذه الأوزان، وهي الكثرة الغالبة على الموشح. ونجد أن الغناء يقيم وزن هذه الموشحات، مما يدل على الصلة الوثيقة بين الموشح والغناء.
يرتكز الموشح على التنويع في القوافي، وهو بذلك يشبه المخمسات والمسمطات التي عرفها المشرق. وتمثل القافية لونًا من ألوان الحرية أوجدها الموشح في الشعر. ذلك أن قوافي المطلع قد تأتي متفقة أو مختلفة، على حين أن قوافي الأدوار لابد أن تتفق. ثم يأتي القفل ولابد أن يماثل المطلع اتفاقًا أو اختلافًا في القافية.
تتفق لغة الموشح مع قواعد العربية، لكنها تمتاز بشيء من الرقة والعذوبة والصفاء؛ وسبب ذلك أن الارتباط بالغناء جعلها تبعد عن أساليب البداوة مع الإغراق في المحسنات البديعية والألاعيب اللفظية.
وقد ربط الدارسون بين الموشَّح والمغنِّي المشرقي أبي الحسن علي بن نافع البغدادي الشهير بزرياب. وقالت بعض النظريات إن طريقة زرياب في الغناء كانت هي الأصل في نشأة الموشح. ولكن هذا الرأي لايثبت عند التمحيص؛ ذلك أن طريقة زرياب في الغناء تتراوح بين مقامات لحنية متعددة هي النشيد والبسيط والمحركات والأهزاج، بينما إيقاع الموشَّح وحدة نغمية واحدة تتكرر في البيت الأول حتى البيت الخامس. إضافة إلى أن غناء الموشح كان أشد ارتباطًا بآلة الأرغن وهي آلة عرفها الأندلس، بينما طريقة زرياب تقوم على إيقاع العود الذي طوره وأضاف له وترًا خامسًا.
ومن الثابت أن الموشح كان أشد التصاقًا بحياة الناس الشعبية. وطريقة زرياب كانت أشد التصاقًا بحياة القصور.
هناك إجماع أن مخترع الموشحات رجل ضرير من مدينة قبرة في الأندلس، هو كما ينص ابن بسام في الذخيرة مقدم بن معافر القبري. وهناك خلاف حول الاسم، ولكن الريادة تبقى لرجل ضرير من قبرة.
عالج الموشَّح موضوعات الشعر المعروفة، وإن كان الغزل ووصف الطبيعة ومجالس الخمر والغناء أكثر دورانًا على ألسنة الوشاحين. ويأتي في المرتبة الثانية المدح ووصف القصور والتهاني كما اختص مدح الرسول ³ بقدر من طاقة الموشح الشعرية. ومن أشهر الوشاحين في الأندلس: عبادة بن ماء السماء، وابن عبادة القزاز، وأبوبكر محمد بن أرفع رأسه، وابن اللبّانة، وابن الزقاق والأعمى التُّطَيْلي، وابن بقي ومدغليس، وابن زهر الحفيد. ولكن الموشح بلغ على يد لسان الدين بن الخطيب ذروة ازدهاره. ولاتُذكر الموشحات إلاّ ويُستشهد برائعة ابن الخطيب:
جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمـان الوصــل بالأندلـس
لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المـختلس
وقد حاول الموشح أن يوجد قدرًا من الحرية في الشعر؛ حين يخفّف من قيد القافية الملزِم في القصيدة التقليدية، ولكن هذه الحرية لم تتحقق كما ينبغي؛ لأن الوشّاح ألزم نفسه بقيود أخرى بين الأدوار والأقفال أشد صرامة من قيد القافية. ورغم ذلك، فالموشح والزجل معًا عبَّرا عن ذاتية الأندلس، وتفردها بقدر كبير عجزت عنه القصيدة التقليدية.


الزَّجل. فن من فنون الشعر العامِّي، نشأ وازدهر في الأندلس، ثم انتقل إلى المشرق العربي على خلافٍ في ذلك بين مؤرخي الأدب.
معناه اللغوي. تفيدنا معرفة المعنى اللغوي لكلمة زجل في إدراك السبب في اختيار الكلمة اسما لفن الزجل. فالأصل الحسي لكلمة زَجَل يفيد أنها كانت تعني: درجة معيّنة من درجات شدة الصوت، وهي الدرجة الجهيرة ذات الجلبة والأصداء. وبهذه الدلالة، كان يُقال للسحاب: سحاب زَجِل، إذا كان فيه الرعد. كما قيل لصوت الأحجار والحديد والجماد أيضًا زجل.
ثم تغيرت دلالة كلمة زَجَل، فأصبحت تعني اللعب والجلبة والصّياح، ومنها انتقلت إلى معنى: رفع الصوت المرنَّم. ومن هنا جاء إطلاق اسم زجل على صوت الحَمَام، ثم إطلاقه على الصوت البَشَري المُطرب. وقد يؤكد هذا الارتباط الدلالي بين كلمة زجل ومعني الصوت العالي المُنَغَّم أن كلمة زجَّالة ما زالت تُطلق ، في إحدى واحات مصر، على جماعة الشباب الذين يجتمعون في مكان بعيد ليؤدُّوا الرقص والغناء الصاخب بمصاحبة آلاتهم الموسيقية.
معناه الاصطلاحي. غدت كلمة زجل في الدوائر الأدبية والغنائية مُصطلحًا يدل على شكل من أشكال النظم العربي، أداته اللغوية هي إحدى اللهجات العربية الدارجة، وأوزانه مشتقة أساسًا من أوزان العروض العربي، وإن تعرضت لتعديلات وتنويعات تتواءم بها مع الأداء الصوتي للهجات منظوماته. ويتيح هذا الشكل من النظم تباين الأوزان وتنويع القوافي وتعدد الأجزاء التي تتكون منها المنظومة الزَّجلية، غير أنه يُلزم باتباع نسق واحد ينتظم فيه كل من الوزن والقافية وعدد الشطرات التي تتكون منها الأجزاء، في إطار المنظومة الزَّجلية الواحدة.
وقد صنَّف القدماء الزجل، مع المواليا والقوما والكان كان ضمن ماسمَّوه الفنون الشعرية الملحونة أو الفنون الشعرية غير المُعْرَبة. ويقصدون بهذا الاسم: أشكال النظم العربية التي ظهرت في العصر الأدبي الوسيط، والتي لم يلتزم ناظموها باللغة الفصحى المعيارية، وخاصة بالنسبة لقواعد الإعراب. واعتماد ذلك التصنيف على هذا الفارق اللغوي يدلّ على إدراك نافذ. فالواقع أن هذه الأشكال غير المُعْرَبة ظلت على صلة وثيقة بالأشكال المُعْرَبة، وتتبنى تقاليدها الفنية، رغم فارق مستوى الأداء اللغوي. بل إن لغة الزجل، مثلاً، وإن كانت غير مُعْرَبة، كانت تقترب من الفصحى بقدر كبير. فلـُغة المنظومات الزَّجلية كانت لهجة دارجة خاصة بالزجالين، بوصفهم أفرادًا يلتحقون بالدوائر الأدبية السائدة، وتتحد أطرهم المرجعية في داخل نوع الثقافة العربية التي تُقرُّها هذه الدوائر. وقد ظل هذا الفارق في مستوى الأداء اللغوي أحد مقوّمات تمايز الزجل عن الشعر الفصيح، كما كان في الوقت نفسه أحد مقوّمات تمايز الزجل عن أشكال الشعر الشعبي (الجَمْعِي، الفولكلوري) وعن حركة شعر العامية واختلافه معها.
مكان الزجل بين أشكال النظم الأخرى. اتخذ الزجالون من الزجل شكلاً للتعبير استجابة لحاجة لغوية، وتحقيقًا لوظيفة فنيّة، لم تكن الأشكال الأخرى تفي بهما. فقد انحصر كل من القصيدة التقليدية والموشح، بلغتهما ومواضعاتهما، في دائرة مُحدَّدة رسميًا وفئويًا. بينما استبعدت أشكال الشعر الشعبي (الجَمْعِي، الفولكلوري)، الموجودة بالفعل. في الوقت الذي كانت قد تكوّنت فيه شريحة اجتماعية جديدة من أبناء البيوتات العربية في الحواضر والمدن. وكانت هذه الشريحة قد تقلّبت بها صروف الحياة ومطالب العيش في أسواق هذه المدن، ولكنها في توجهاتها ومطامحها تسعى للالتحاق بالدائرة الحاكمة مستجيبة لمعاييرها الاجتماعية والثقافية. ومن هنا، سعى مثـقّـفُو هذه الشريحة الجديدة للتعبير عن أنفسهم في شكل جديد وسيط، يتناسب مع وضعهم الاجتماعي والثقافي الوسيط. وكان على هذا الشكل المُوَلَّد أن يعتمد أداة له: لهجة مُوَلَّدة تَدْرُج بين هذه الفئة من المثقفين، وأن يتخذ من ذائقتها ومعاييرها الفنية ضابطًا. وكان هذا الشكل المُوَلّد هو الزجل.
ومنذ بداياته الأولى، ظل الزجل فنا مدينيا في المقام الأول، وبقي محتلاًّ موضعه الوَسَطِيّ بين أشكال النظم العربية. وإن كانت وسطيَّته هذه تميل إلى جانب تراث الشعر الفصيح، وتبتعد عن مأثور الشعر الشعبي (الجَمْعِي، الفولكلوري). وعلى أساس موضوعه الوَسَطِيّ هذا، تحددت وظائفه وخصائصه، كما تحدد مسار الظواهر التي رافقت نموه عبر تاريخه الطويل. وإدراكنا لهذا الموضع الخاص بالزجل يُمكننا من حُسن فهم خصوصياته، ويزيل كثيرًًا من الالتباسات التي أحاطت به، سواء ما أثاره القدماء أو ما أحدثه المحدثون.
هيكل المنظومة الزجلية. تشير المصادر القديمة إلى أن الزجالين، في المرحلة الأولى من ظهور الزجل، كانوا ينظمون الأزجال في هيئة القصيدة العربية المعهودة، ذات الأبيات المُفردة والقافية الواحدة والوزن الواحد. وهي بذلك كانت تشبه القريض، لا تختلف عنه بغير عدم التزام الإعراب وباستخدام لهجة ناظميها الدارجة. وكانت تلك المنظومات تُسمَّى القصائد الزجلية.
وقد يُمثل هذا القالب قصيدة مدغليس، الذي كان واحدًا ممن ثبتوا فن الزجل من معاصري ابن قزمان (ت554هـ).ومطلعها:
مَـضَ عــنّي مَـن نحـــــبُّو ووَدَّعْ و لهيب الشُوق في قَلبي قد أودَعْ
لو رَأيتْ كفْ كُنّ نَشياعوا بالعين وَمَ ندري أن روحي نشيع
من فظاعة ذا الصَبَر كنت نعْجب حتّى ريْتْ أنْ الفراق منّو أفظعْ
ومنذ هذا الطور الأول في حياة الزجل، بقي قالب القصيدة رصيدًا دائمًا يعود إليه الزجالون، وإن مالوا، من بعد، إلى النظم في هيئات متجددة تتعدد فيها الوحدات، وتتفرع الأوزان، وتتنوع القوافي.
وأبسط قوالب النظم في هذه الهيئات المتجددة ما يعتمد على وحدات رباعية. كما يتبين من النموذج التالي المنقول عن زجل لصفي الدين الحلِّي (750هـ):
ذا الوُجُود قَدْ فاتَكْ وأنْتَ في العَدَم ما كُفيت من جَهْلَكْ زَلَّة القَدَم
قَدْ زَرعْتَ ذي العَتْبَة فاحْصـدُ النَّدَمْ أو تَريدْني الساعة ما بَقِيتُ أريدْ
ثم تتدرج قوالب النظم من حيث كثرة عدد أقسام المنظومة، وعدد أشطار وحداتها، ومن حيث التنوّع في التقسيم الموسيقي لعناصرها، بحيث يصل تركيب قالب المنظومة فيما سُمي الحِمْل، مثلاً، إلى الصورة التالية:
للحمل مطلع ذو بيتين. وبعد المطلع تتالي الأدوار، وهي اثنا عشر دورًا في الغالب. والدور خمسة أبيات أو أربعة. فإذا كانت الأدوار من ذات الخمسة أبيات فتأتي الثلاثة الأولى على قافية واحدة والاثنان الأخيران على قافية المطلع، وإلا كانت كلها على قافية واحدة.
وكما كثُرت قوالب النظم، كَثُرت مصطلحاته وتسميات تفريعاته وعناصره بما تطول متابعته. ولكنا نكتفي بإيراد المخطط التالي لإيضاح هيئة وحدة زجلية وتسميات أجزائها.
المطلـع: غصن أ غصن ب
البيـت أ غصن
أو أ غصن
الدور أ غصن
القُفل: غصن أ غصن ب
ولا تختلف هذه التقسيمات كثيرًا عن التقسيمات الفنية لأجزاء الموشحة. انظر: الجزء الخاص بالموشحات في هذه المقالة.
أما في العصر الحديث، فقد مال الزجالون إلى النظم في القوالب البسيطة، وابتعدوا عن التعقيد وتشقيق الأجزاء، ولهذا تتخذ منظوماتهم إما هيئة القصيدة، وإما تلك المعتمدة على الوحدات الرباعية وأضرابها.
أغراض الزجل. منذ أن استقر الزجل شكلاً من النظم مُعْترفًا به، ومنظوماته تعالج مختلف الأغراض التي طرقتها القصيدة العربية التقليدية، كالمدح والهجاء والغزل والوصف. وقد استمرت تلك الأغراض قائمة يتناولها الزجالون على توالي العهود والعصور حتى اليوم، غير أن للزجالين، في كل عهد معين وبيئة محددة، مجالات يرتبطون بها. ومن ثم كان مركز اهتمامهم ينتقل من أغراض بعينها، تلقى قبولاً في هذا المجال أو ذاك، إلى أغراض أخرى، تختلف باختلاف العهود والبيئات الثقافية التي ينتمون إليها.
ومن ذلك ما نقرؤه في أزجال زجّالي أندلس القرن السادس الهجري، وزجالي العصر المملوكي في القرن الثامن، مثلا، من انشغال بالعشق والشراب، ووصف الرياض ومجالس الصحاب؛ نتيجة لالتفاف زجالي هذين العهدين حول دوائر الخاصة والتحاقهم بمجالسهم التي كان مدارها الغناء والتنافس في إظهار المهارة والتأنُّق والتَّظرُّف.
وعندما أصبح للصوفية وجودها في الحياة الاجتماعية، وأصبح من أهل التصوف مَن ينظم الزجل، غدا الزجل مليئًا بالمواعظ والحكم ووصف أحوال الصوفي.
على هذا النحو، تنقلت محاور التركيز في أغراض الزجل وموضوعات منظوماته، إلى أن جاء العصر الحديث وأصبحت مواجهة الاستعمار والتغيير الاجتماعي هما شغل الأُمَّة الشاغل، أخذ الزجالون يشاركون في الحركة الوطنية. ولذا صارت القضايا الاجتماعية والسياسية من أهمّ المواضيع التي تعالجها المنظومات الزجلية.
وفي كل الأحوال، فهذا الارتباط الوثيق بين المنظومات الزجلية ومشاغل ناظميها وجمهورهم الذي يتلقاها، قد وفّر للمنظومات الزجلية إمكانية واسعة لتجويد أساليبها وصقل طرق صياغتها؛ كما أتاح لأدواتها البلاغية وتصويرها البياني مزيدًا من الواقعية والقدرة على التشخيص والتجسيد، الأمر الذي يسَّر استخدام الزجل في أشكال التعبير الفني الحديثة.
الزَّجَل في الأندلس. يعد الزجل والموشح من الفنون الشعرية التي ازدهرت في الأندلس لظروف خاصة بالبيئة الأندلسية ثم انتقلت بعد ذلك إلى المشرق.
وقد مر الزجل بخمسة أطوار نوجزها في الآتي:
أ- مرحلة ما قبل ابن قُُزمان. كان الزجل في هذه المرحلة هو شعر العامة وأقرب ما يكون للأغنية الشعبية التي تشيع على ألسنة الناس وتكون جهد جنود مجهولين. ونرجح أن الفئة المثقفة في هذه المرحلة كانت أكثر عناية بالقصائد والموشحات بينما كانت الطبقة العامة أكثر شغفًا بالأغنية الشعبية والزجل العامي. ولعل هذه المرحلة كانت في أواخر القرن الثالث الهجري.
ب- زجل الشعراء المعربين هو الطور الثاني من أطوار الزجل ويمثله نفر من الشعراء الذين كانوا يكتبون القصيدة أو الموشح قبل عصر ابن قزمان ثم اتجهوا لكتابة الزجل عندما رأوا رواج هذا اللون من الشعر عند العامة وهو أمر يشبه ما نراه اليوم حين يكتب بعض شعراء الفصحى أزجالاً عامية للغناء. ولعل هؤلاء النفر من الشعراء المعربين هم الذين عناهم ابن قزمان حين عاب على أزجالهم وقوع الإعراب فيها فسخر منهم في قوله:
¸يأتون بمعان باردة وأغراض شاردة وهو أقبح ما يكون في الزجل وأثقل من إقبال الأجل•.
وتميز من بين هؤلاء النفر الزجال أخطل بن نمارة، فقد أشاد ابن قزمان بحسن طبعه وحلاوة أزجاله في قوله: ¸ولم أر أسلس طبعًا وأخصب ربعًا من الشيخ أخطل بن نمارة فإنه نهج الطريق، وطرّق فأحسن التطريق•.
وقد ظهر هؤلاء المتقدمون من الزجالين المعربين في القرن الخامس الهجري خلال عصر ملوك الطوائف. ولما كانت بلاطات ملوك الطوائف أفسح صدرًا للشعراء وأكثر رعاية للشعر المعرب وتشجيعًا لأهله، لم تزدهر أزجال هذا الطور ومنيت بالكساد.
جـ- ازدهار الزجل. يمثل هذا الطور زجالو القرن السادس الهجري وهو نهاية عصر ملوك الطوائف وبداية عصر المرابطين. وقد ازدهر الزجل في هذا الطور بتشجيع الحكام الذين كان حسهم باللغة العربية لا يبلغ حس سابقيهم من ملوك الطوائف. ومن ثم لم تلق القصائد والموشحات الرعاية السابقة التي كانت تحظى بها في بلاطات ملوك الطوائف. ويُعد ابن قزمان إمام الزجل في هذا العصر بل وفي الأندلس قاطبة. واسمه أبو بكر محمد ابن عيسى بن عبد الملك بن قزمان (480-525هـ، 1087-1130م) عاش في عصر المرابطين، وتوفي في صدر الدولة الموحدية. نشأ في قرطبة نشأة علمية أدبية، إذ كان كاتبًا وأديبًا وشاعرًا ووشَّاحًا. وقد ورد في بعض المصادر أنه لما أحسّ قصر باعه في الشعر والتوشيح عمد إلى طريقة لايجاريه فيها أحد، فصار إمامًا لأهل الزجل. تجاوزت شهرته في الزجل الأندلس إلى المغرب والمشرق وقد صدر ديوان أزجاله صوت في الشارع أول مرة عام 1896م ثم عام 1933م بحروف لاتينية ثم نشر مرة ثالثة من قبل المستشرق الأسباني غارسيه قومس بحروف لاتينية مع ترجمة أسبانية.
بلغ الزجل على يد ابن قزمان ذروة نضجه حين قعَّد له القواعد، وجعل من أزجاله تدريبًا عمليًا لكُتّاب الزجل اللاحقين. كما عالجت أزجاله مختلف الأغراض التي وردت في الموشحات وإن غلب عليها الكُدية والتسول والإغراق في اللهو والمجون، كما كان ينتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية .
ويظل ابن قزمان على الرغم من مجونه واستهتاره أبرع زجالي الأندلس وإمامهم. فقد طبع الزجل بصورته الفنية في قالب عامية الأندلس التي تراوح بين العربية واللهجة الرومانسية (العامية اللاتينية)، يقول:
ذاب تنظر في مركز مطبـوع بكـلامًــا نبــــــيل
وتراه عندي من قديم مرفوع ليـس نرى به بديـل
بالضـرورة إليه هو المرجـوع دَعِنْ عن قال وقـيل
الشراب والغنا والجر في المـا في رياضًا عجيــب
هــذا كل عـــلا هُ عنـــدي لوصـــال الحبيـــب
د- الطور الرابع. يبدأ بمنتصف القرن السادس إلى القرن السابع الهجري، وهو مرحلة شهدت وفاة ابن قزمان وسقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين. ويعد أحمد ابن الحاج المعروف بمدغليس هو زجال هذا الطور وخليفة ابن قزمان في زمانه، كما ظهر زجالون آخرون كابن الزيات وابن جحدر الإشبيلي وأبي علي الحسن الدباغ.
هـ- الطور الخامس والأخير في حياة الزجل في الأندلس يقع في القرن الثامن الهجري، وكان من أشهر زجاليه الوزير لسان الدين بن الخطيب، وأبو عبد الله اللوشي، ومحمد بن عبد العظيم الوادي آشي.
موضوعات الزجل في الأندلس. عالج الزجل كثيرًا من الموضوعات التي عرفها الشعر والموشح، إلا أن الزجل كان يمزج في القصيدة الواحدة بين غرضين أو أكثر. فالغزل يمتزج بوصف الخمر والمدح يأتي في معيَّته الغزل أو وصف الطبيعة، ومجالس الشراب. ووصف الطبيعة تصحبه مجالس الطرب والغناء. أمّا الأزجال التي اختصت بغرض واحد لا تتجاوزه فقليلة. ويعدُّ الزجل الصوفي من الأزجال ذات الغرض الواحد وكان الشستري (توفي سنة 682هـ، 1283م) من زجالي القرن السابع الهجري أول من كتب الزجل في التصوف كما كان ابن عربي أول من كتب الموشح في التصوف.
أشكال الزجل في الأندلس، وأوزانه وسماته. تتفق القصيدة الزجلية مع القصيدة المُعْرَبة في التزام الوزن الواحد والقافية الواحدة والمطلع المصرع. وتختلف عنها في بساطة اللغة وعفويتها حتى تبلغ درجة السذاجة أحيانًا في بعدها عن الإعراب ووقوع اللحن فيها.
يتفق الزجل من حيث الشكل والتقسيمات الفنية مع الموشحة في المطالع والأغصان والأسماط والأقفال والأدوار والخرجات.
وتكمن قيمة الزجل الحقيقية في صدق تعبيره عن واقع حياة الناس في الأندلس، في أزقة قرطبة وحواري إشبيلية، وفي شفافية نقله لحياتهم بخيرها وشرها، جدها وهزلها، أفراحها وأحزانها... وهذا ما أكسبه صفة الشعبية وجعل الناس أكثر تعلقًا به.
نماذج من الزجل. يقول ابن قزمان في وصـف الطبيعة:
الربيــع ينشـــــر عــلام مثـل ســــــلطانًا مـؤيـد
والثمـار تـنـثـــر حليــــه بثيــاب بحـــل زبرجــد
والريــاض تلبــس غلالا من نبـات فحــل زمــرد
والبهــار مـع البـنـفسـج يا جمال أبيض في أزرق
ويقول في الغزل:
هجرن حبيبي هجر وأنا ليس لي بعد صبر
ليس حبيبي إلا ودود قطع لي قميص من صدود
وخاط بنقض العهود وحبب إليّ السهر
كان الكستبان من شجون والإبر من سهام الجفون
وكان المقص المتون والخيط القضا والقدر
ومن أزجال الشستري الصوفية قوله:
راس محلــــــوق ونمـــــش مولــــه
نطلب في السوق أو في دار مرفـــه
حـــافي نرشـــق تقــول اعـطِّ اللّه
خبـــزًا مطبـــوع ممن هـو مطبـــوع
مطـبوع مطبــوع إي والله مطبــوع


الزجل في المشرق العربي. تفيد المصادر التاريخية بأن الدوائر الثقافية في المشرق العربي تابعت إنجاز روّاد الزجل الأوّلين في الديار الأندلسية منذ ظهوره. ويبدو أن ظهور الزجل، بوصفه شكلاً من النَّظْم باللهجة الدارجة، لم يكن مُسْتغربًا بالنسبة للمشارقة. فقد كان لدى المشارقة أشكال أخرى من النظم باللهجات الدارجة. حيث كانت توجد أشكال من الشعر الشعبي (الجمعي، الفولكلوري) باللهجة العامية، كما ولّدت دوائر الخاصة أشكالاً من النظم بلهجاتها الدارجة، كالمواليا، والقوما، وكان وكان، والحماق.
ومنذ ذلك الوقت، احتفى المشارقة بهذا الشكل الجديد وأخذوا يتوسعون في النظم به. ولا نكاد نصل إلى القرن السابع الهجري حتى نجد أن الزجل قد شاع بين أدباء مصر والشام والعراق، وكأنما كان على كل مشتغل بفن القول أن يُدلي بدلوه، ويثبت مهارته في النظم بالزجل. وتتتالى أسماء من ينظمون الزجل من الأدباء والشعراء منذ ذلك الحين، فنقرأ عن: علي البغدادي (ت684هـ) في العراق، وابن النبيه (619هـ) وابن نباتة (ت 718هـ) في مصر، وأحمد الأمشاطي (ت 725هـ) وعلي بن مقاتل الحموي (761هـ) في الشام، وغيرهم.
ومن ثَمَّ صار نظم الزجل أمرًا مقبولاً في البيئة الثقافية، وأصبح فقرة مرغوبًا فيها في مجالس الأدب. وهكذا انضم الزجالون إلى البلاط الأدبي لأمراء وسلاطين العصر المملوكي في مصر والشام، حتّى صار من الزجالين مَن تولىّ الوزارة، مثل: محمد بن سليم المصري (ت 707هـ) وابن مكانس القبطي (794هـ).
الزجل في مصر. يُجمع دارسو الأدب العربي ومؤرخوه على أن الديار المصرية هي التي هيّأت للزجل موئلا كفل له الاستقرار والاستمرار. ففي مصر، اتسعت حركة الزجل وتنوّعت مجالات النظم به. وفيها عكف ناظمو الزجل على تجويده وتنمية قوالبه وأساليبه الفنية. وفيها ظهر من ناظمي الزجل مَن انقطع لتأليف الأزجال وأصبح مختصًّا به ومتفرغًا له. ومن أوائل الزجالين الذين اشتهروا بذلك: إبراهيم الحائك المعمار (ت 749هـ) ثم أبوعبد الله الغباري (ت 762هـ).
تاريخ الزجل ونقده. كان لظهور الزجل وانتشار النظم به أثرهما، ليس على المستوى الإبداعي فحسب، بل على مستوى الكتابة حول الزجل أيضًا، وذلك بتناول جوانب من تاريخه أو ظواهره أو قواعد نظمه أو خصائصه الغنية أو دوره الاجتماعي.
والفاحص للمؤلفات العربية التي وصلتنا منذ القرن السادس الهجري، وخاصة المؤلفات التي عنيت بالحركة الأدبية والفنية، يجد مادة تاريخية مفيدة حول الزجل والزجالين. ومع أن تجميع هذه المادة وضمها يساعدنا في تكوين تصوّر عن ظهور الزجل ونموّه، إلا أنها تظل في حدود الإشارات غير الوافية.
ولكن، ولحسن الحظ، يصلنا من القرن الثامن الهجري مصدر أكثر استقصاء، وهو كتاب العاطل الحالي والمرخص الغالي لمؤلفه صفيّ الدين الحِلِّي (ت 750هـ). انظر: العاطل الحالي. وقد مارس المؤلف نظم الزجل واحتك بالزجالين خلال تجواله الطويل بين حواضر مصر والشام والعراق. وقد هيأ له كل هذا إمكانية نقل كتابته من مستوى إيراد المعلومات والأخبار إلى مستوى التأريخ لحركة الزجل حتى أيامه، والاجتهاد في تأسيس قواعد لنظم الزجل. ومن بدايات القرن التاسع الهجري يصلنا كتاب آخر، يتابع العاطل الحالي، وهو كتاب بلوغ الأمل في فن الزجل لمؤلفه ابن حجة الحموي (ت 837هـ). وابن حجة، أيضًا، كان ينظم الزجل وخالط الزجالين متنقلا بين الشام ومصر. وما زال الكتابان مصدرين يرجع إليهما الدارسون لتاريخ الزجل وقواعد نظمه.
أما في العصر الحديث، فقد كان لانتشار الزجل وصلته بالحركة الوطنية أثرهما في تنامي الكتابة النقدية حول الزجل. فظهرت مقالات تعريفية في الصحف والمجلات وفي مقدمات دواوين الزجالين. ثم خُصّ بعض الزجالين المتميزين بمقالات نقدية تبيّن دور أزجالهم ووسائلها البلاغية. ثم تصبح الكتابات النقدية حول الزجل أكثر تعمقا في الدوريات المتخصصة وبعض الأطروحات الجامعية، وخاصة أنه قد أسهم في الجدل حول الزجل ما أثاره الباحثون الأجانب من آراء ونظريات.
الزجل في العصر الحديث. مع قيام النهضة العربية الحديثة، انتقل الزجل إلى طور جديد. فقد تبنى الزجل فئة من المثقفين الذين كانوا فصيلاً في حركة النهضة الوطنية. وقد جهدوا في تنمية أدوات الزجل ووسائله الفنية للاستفادة من إمكاناته في تيسير توصيل أفكارهم إلى جمهورهم المُبْتَغى، وهو جمهور أوسع، ولاشك، من دائرة مثقفي الخاصة. كما عملوا على تخليص الزجل من الركاكة والتكلُّف اللذين رانا عليه من عهود الانحدار السابقة، وعلى فك إساره من أيدي فئة الأدباتية الذين تدنوا به إلى مستوى استخدامه في التسوّل والابتزاز.
وبنهاية القرن الثالث عشر الهجري، تتابعت سلسلة من أسماء الرواد الثقافيين الذين طوعوا الزجل في اتجاهات متنوّعة. ومن أعلام هذه السلسلة المتواصلة: عبدالله النديم، ويعقوب صنّوع، ومحمد عثمان جلال. أما خير ممثل لتمام النقلة النوعية التي انتقلها الزجل فهو محمود بيرم التونسي (ت1380هـ). انظر: التونسي، محمود بيرم. وهو الذي أعلى من مكانة الزجل في الحياة الثقافية، وأكسبه قدرات فنية مكّنته من الامتداد إلى آفاق جديدة. وعلى يديه تكاملت الجهود في جعل الزجل أداة درامية مقبولة في الوسائط المستحدثة: في المسرح الغنائي أو في حلقات الإذاعة المسموعة والمرئية.
وفي سياق حركة الزجل الناشطة هذه، استفاد الزجل من الإمكانات المتجددة للطباعة والنشر واتساع قاعدة القارئين. فتوالى نشر دواوين الزجالين، وعنيت بعض الصحف بنشر الأزجال، وصدرت بعض الدوريات التي تعتمد على المادة الزجلية في المقام الأول.
غير أن اسم الزجل لم يحظ بالذيوع والتكرار إلا على أيدي الكُتَّاب والإعلاميين في لبنان، وخاصة في ثمانينيات القرن الرابع عشر الهجري. وهم لا يستعملون الاسم ليدل على المصطلح المحدد بشكل من النظم بعينه، وإنما استعملوه لكي يشير إلى كل نظم باللهجات اللبنانية المحلية. وهكذا انطوى تحت هذا الاسم: العتابا والميجنا واليادي يادي والروزانا والموال، بل والأشكال الفولكلورية كهدهدة الأطفال وأغاني العمل، وأيضًا الشعر الحديث الذي ينظمه المثقفون بالعامية، فاعتُبر إنتاج شعراء مثل ميشال طراد وأسعد سابا من الإنتاج الزجلي. وإمعانًا في تأصيل خصوصية الزجل اللبنانية قيل: "إن الزجل سرياني اللحن في أول عهده، وعربيُّه فيما بعد".
ومثل هذا الحماس والتوسّع والأقوال المرسلة، وإن كانت مظهرًا من مظاهر الاهتمام بالزجل، إلا أنها كانت مثارًا للخلط واضطراب المفاهيم، الأمر الذي آذن بتراجع الزجل ووقوفه الآن موقف الدفاع في مواجهة مؤثرات الحياة الثقافية العربية الحالية، وإن بدا بعضها متناقضًا. ويبرز أهمها، بالنسبة للزجل، في المؤثرات التالية:
1- حملة دُعاة الفصحى ضد كل أشكال التعبير باللهجات الدارجة أو العامية.
2- الالتفات إلى المأثور الشعبي (الجَمْعِي، الفولكلوري)، وخاصة الجانب القولي منه، وعلى الأخص بعض أشكال النظم منه.
3- تركيز مثقفي كل قطر عربي على شكل بعينه من أشكال النظم في إحدى اللهجات الدارجة في جهة من جهاته، واعتباره حاملاً لخصائص القطر المتميزة ومعبرًا عن ذاتيته المتفردة. كما حدث، مثلاً، مع الشعر النبطي في المملكة العربية السعودية وبلدان الخليج العربية.
4- ظهور الاتجاه الجديد في النظم باللهجات الدارجة، والذي عُرف باسم شعر العامية، الذي يبتعد عن أرض الزجل وأضرابه متحركًا نحو أرض الشعر الحُرّ المعاصر.


الشعر النَّـبَطي. شعر عربي ملحون، خرج على سنن العرب في كلامهم، حافل بالأصوات والمفردات والتراكيب الشعبية الدارجة. وهو أشهر أنواع الشعر غير الفصيح وأكثره انتشارًا في شمال الجزيرة وعلى ألسنة سكانها. وقد سمي بالنبطي تشبيهًا له بكلام النبط لخروجه عن سنن العربية فكأنه كلام النبط الذي يلحنون به ولايقيمون إعرابه.
وقد انتشر هذا النوع من الشعر في الجزيرة العربية منذ قرون بعيدة وبدأ نظمه على ألسنة الشعراء البارعين في جميع الأحوال. وإذا كان صفي الدين الحلي (ت 750هـ) وابن خلدون (ت 808هـ) قد ذكرا أنواعًا من الشعر غير الفصيح وذكرا أسماء ماكان معروفًا في زمانهما، فإن النبطي تسمية حادثة بعدهما لم يذكراها فيما ذكرا من الأسماء. ويظهر أن التسمية بدأت في الجهة الشمالية المجاورة للعراق لقربها من الأنباط وبدأت تعرف؛ لانتشار الشعر بسرعة. وأول من عرف من شعراء الشعر النبطي في القديم أبو حمزة العامري من الأحساء وراشد الخلاوي، وقطن بن قطن من أهل عمان، ورميزان وجبر بن سيَّار من أهل نجد وبركات الشريف وبديوي الوقداني من أهل الحجاز وحميدان الشويعر من أهل الوشم (القصب) والهزاني من أهل (العقيق) الحريق. وفي القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريَّيْن، انتشر الشعر النبطي انتشارًا واسعًا في جزء كبير من الجزيرة العربية وكثر الشعراء الذين يحسّنونه وقوي في كل مكان وعلى كل لسان، وبلغ الغاية في سرعة الانتشار في العصر الحاضر. وبرع فيه شعراء كثر منهم: جهز بن شرار، وابن سبيل، وشليويح العطاوي، ورشدان بن موزة، ولافي العوفي ومحمد بن لعبون وغيرهم. انظر: ابن لعبون، محمد. وكل هؤلاء عاشوا في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري. ثم جاءت بعدهم طائفة من الشعراء الشباب المعاصرين منهم: الأمير محمد السديري وسمو الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز (ابن الملك فيصل) والحميدي الحربي، وبندر بن سرور، وخلف بن هذال، وسبيل بن سند، وبدر الحويفي، وابن عبَّار العنزي، وكثيرون غيرهم.
أقسام الشعر النبطي. ينقسم الشعر النبطي إلى فنِّ القصيد، وفنِّ الرد أو الحوار. وفي كل فنِّ، برز عدد من الشعراء المجوِّدين.
مضامين الشعر النبطي. الشعر النبطي يحمل كل المضامين التي عرفها الشعر الفصيح وعبر عنها العرب الفصحاء، وكل فنِّ وُجِد في الشعر القديم المعرب وُجد في الشعر النبطي واحتفظ بكل عناصر الشعر العربي إلا الإعراب وبحور الخليل، فقد تخلَّى شعراء النبط عنهما إلا أنهم أحدثوا أوزانًا جديدة يستقيم بها جرس الشعر النبطي ويعرفون بها الشعر الموزون المقفى من غيره. وأغلب شعراء النبط في القصيد يلتزمون في البيت قافيتين، فيقفَّون الشطر الأول من البيت بقافية والشطر الثاني بقافية أخرى مثل قول رشدان بن موزة:
يا الله يا فرَّاج ياراع الأفراج يامْبدِّل عسر الليالي بِلِين
تفرّج لمن بيتُه على جَال مِسْهاج كنَّه خلاوي ماش حوله قطيني
ويتناول الشعر المدح والرثاء والهجاء والغزل ووصف الكرم والشجاعة وكل موضوعات الفخر وغيرها ولكن بلغة عامية. وهذه المعاني تأتي في القصيد الذي يحسنه الشعراء في الحجاز ونجد وشمال الجزيرة كله وشرقها وغربها. ومن نماذج ذلك قول مشعان الهتيمي:
قول مشعان الهتيمي تفلهم قاف رجس بين الضلوع المغاليق
وَاحَيْرتي في مقعدي قيس ماتم قلب الهواوي يطرقنِّه مطاريق
خِلِّي طواني طَيَّة الثوبَ الأدهم وأنا طويته طي بير الزرانيق
ومثله قول جهز بن شرار:
يا غزيل جاني وجيته على الدرب جاني وأنا عجلان ماني بقرّا
يحوز من قصر العوالي على الزرب ويمشي على مشهاته اللِّي يورّا
بغيت أخمَّه مير ذلَّيت من حرب وأنا على درب الرَّدى ماتجرّا
أما فنُّ الرَّد أو الحوار فلا يعرف مثله في الشعر الفصيح، وصفته: أن يقوم شاعر ويقوم معه صفان من الناس، فينشد بيتين فيردد الصفان البيتين حتى يعترض الشاعر الآخر ويطلب منهما السكوت ثم يأتي ببيتين آخرين يشاكل معناهما معنى البيتين السابقين، فيقوم الصفان بترديدهما، فإن كان البيتان الأولان مدحًا تبعهما الشاعر الثاني، وإن كانا هجاءً تبعهما أيضًا... إلخ. وهذا الفنُّ لا يحسنه إلا القليل، ومنشؤه في الحجاز وفرسانه هناك (الحجاز مابين الحرمين وما حولهما) لأنه يقوم على أسس معرفية، وأعراف اجتماعية مرعية، وبيئة تشجِّعه. كما يقوم على الذكاء اللمَّاح، وسرعة البديهة، واستحضار الحال، وتضمين أشياء بعيدة عن الفهم المباشر والدلالة السطحية للكلمات. وتكون قدرة الشاعر في استعمال الإيحاء والإيماء البعيد للمعنى مؤثرًا في جودة الشعر، وتزيد إعجاب الناس بالشعر وبالشاعر وترجح كفَّته على مناقضه ويقع الإقرار بشاعريته. ولهذا الفن قوانين يحترمها الجميع، ولا يجلب الهجاء في الملعب عـداوة بين الشـعراء في الغالـب. وإذا لم يحـسن الشاعـر ـ أي أحد المتناقضين ـ المعنى المراد البعيد للشاعر الأول ولم يأت على معنى الشعر الأول بما يطابقه أو يوافقه، عد غير قادر ولو قال في كل ثانية بيتًا، وقد يشتكي منه حتى مناقضه كأن يقول مثل ما قال مهيل الصاعدي:
عميلي حاور الوادي وأنا أَدُوْرُه مع الضّلعان ودوِّرْ صاحبي يالين حال الموج من دونه
دخيلك يافلان إنك تُعدلْ لي لحون فلان عليك تعد له وإلا على المعنى تردونه
يعني أن مناظره قد ذهب بعيدًا عن معناه الذي يريد. وقد يكون المعنى كناية عن أشياء لا يود الشاعر التصريح بها ولا يكون في ملعبة ومُزَيَّنْ كما قال السلمي:
يا ضلع ضلع الحيا يا اللي عشاك النبات فيك الوروش أعجبتني وأدخلتني معك في دينها
يا ضلع ياضلع مرعاية ثمان عنزات ثمان لا تنقص الديره ولا تخلف قوانينها
وهو يخاطب امرأة فترد المرأة:
معزاك معزاك يا ابن احليس لاتعرض بها للثقات من خوف حذفه تجي ويحطها الله في مضانينها
إما كلَّهنْ وإلا غَدَنَّ الأربع الأولات صارت حسوفه على النَشَّاد والرِّعيان كانينها
ومن أشهر شعراء هذا اللون الذين ذهبوا لافي العوفي والجبرتي وابن مسعود، ومن الشعراء الأحياء صيَّاف الحربي، ومطلق الثبيتي، ومستور العصيمي، وغيرهم.
نبذة تاريخية. اللغة كائن متغير متبدل. واللغة العربية الفصحى تعرضت للتطوّر والتغير، ومضى عليها زمن طويل منذ وضعت قواعدها وقنّن نظام الإعراب والنحو والصرف فيها. وتتابعت عليها عصور من التقلبات أكثرها أثرًا على اللغة خروج العرب من جزيرتهم واختلاطهم بغيرهم من الأمم؛ حيث بدأت اللغة العربية تنتشر في الآفاق وتحل حيث حل العرب، وتسير حيث ساروا، وتصارع اللغات الأخرى فتؤثر وتتأثر.
ومع مرور الزمن، نشأت العجمة واضطربت الألسن وانحرفت عن العربية الفصحى وأصابها التغيّر، فظهرت العامية في الكلام وفي الشعر منذ زمن بعيد، وسجل الأدباء والمؤرخون بدء العامية في الشعر والغناء على ألسنة العرب الذين بعدوا عن فهم الفصيح وفشت العامية في كلامهم عندما اختلطوا بغيرهم من الأمم، فاضطربت سليقتهم الفصحى ولكن بقيت شاعريتهم، فنظموا الشعر باللغة العامية التي غلبت على ألسنتهم، وقد وصف ذلك ابن خلدون في مقدمته بقوله: ¸اعلم أن الشعر لا يختص باللسان العربي فقط، بل هو موجود في كل لغة سواء كانت عربية أو عجمية... ولما فسد لسان مضر ولغتهم التي دونت مقاييسها وقوانين إعرابها وفسدت اللغات من بعد بحسب ماخالطها ومازجها من العجمة، فكان لجيل العرب بأنفسهم لغة خالفت لغة سلفهم من مضر في الإعراب جملة، وفي كثير من الموضوعات اللغوية وبناء الكلمات. وكذلك الحضر في الأمصار، نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر في الإعراب وأكثر الأوضاع والتصاريف وخالفت أيضًا لغة الجيل من العرب لهذا العهد... ثم لما كان الشعر موجودًا بالطبع في أهل كل لسان... فلم يهجر الشعر بفقدان لغة واحدة وهي لغة مضر الذين كانوا فحوله وفرسان ميدانه حسبما اشتهر بين أهل الخليقة بل كل جيل. وأهل كل لغة من العرب المستعجمين والحضر أهل الأمصار يتعاطون منه مايطاوعهم في انتحاله ورصف بنائه على مهيع (طريقة) كلامهم. فأما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر، فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر الأعاريض على ماكان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء، ويستطردون في الخروج من فنِّ إلى فنِّ في الكلام. وربما هجموا على المقصود لأول كلامهم، وأكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشاعر ثم بعد ذلك ينسبون. فأهل المغرب من العرب يسمّون هذه القصائد بالأصمعيّات... وأهل المشرق من العرب يسمّون هذا النوع من الشعر بالبدوي والحوراني والقيسي•.
وقد اختلفت تسميات غير الفصيح من الشعر منذ زمن بعيد فعرف الدوبيت، والزجل، والمواليا، والكان كان، والحماق، والحجازي، والقوما، والمزنَّم، وكل هذه الأسماء كانت لغير المعرب من الشعر. هذه الأسماء تختلف من مكان إلى آخر. وقد بَيَّن الإمام صفي الدين الحلي الفرق بينها في كتابه العاطل الحالي والمرخص الغالي.
أما في العصر الحديث فللشعر غير الفصيح أسماء كثيرة منها النبطي، والشعبي، والملحون، والحميني، والبدوي، والعامي، وغير ذلك من الأسماء. وأعمّها في الوقت الحاضر الشعبي. وفي الجزيرة العربية خاصة، يعرف الشعر العامي بالشعر النبطي.
والشعر النبطي كان مشافهة غير مدوّن وغير منشور حتى العصر المتأخر. وأول من دوَّنه وأرَّخَ له ولشعرائه خالد الفرج في كتابه ديوان النبط، ثم عبد الله بن خالد الحاتم في كتابه خيار مايلتقط من شعر النبط ثم كثرت الكتب عن هذا اللون من الشعر النبطي وكثرت دواوين الشعراء، وأغلب ماينشر اليوم ليّن ضعيف يختلف عما كان عليه الشعر النبطي القديم. انظر: الفرج، خالد.
أغراض الشعر العربي
هي تلك الموضوعات التي يتناولها الشعر الغنائي أو الوجداني كالوصف والمدح والهجاء والفخر والغزل وما إليها.
وحول هذه الأغراض، تدور أشعار العرب منذ القديم، حتى أنه من اليسير أن ننسب التيارات الشعرية التي استجدّت في عصور مختلفة إلى واحد من تلك الأغراض، أو إلى أكثر من غرض، وسوف نتتبّع في إيجاز كل غرض عبر العصور المختلفة.


الوصف. ويراد به وصف الشاعر الطبيعة، أو مشهدًا من المشاهد الحية أو الجامدة، أو كائنًا من الكائنات، كوصف امرئ القيس لفرسه، أو مثل لوحات ذي الرُّمَّة الشهيرة في الشعر العربي، أو وصف النابغة لليل وقد امتلأت نفسه بالرعب من النعمان ملك الحيرة. وفي العصر الجاهلي، زخرت المعلقات بالوصف، كما اشتهر شعراء بوصف الخيل خاصة، منهم طُفيل الغنوي والنابغة الجَعْدي، كما اشتهر الشَمّاخ بن ضِرار، وهو مخضرم، بوصف الحُمُر، والقوس، واشتهر أوس بن حجر بوصف أسلحة الحرب. والوصف في الشعر الجاهلي يتَّسم بالبساطة، والحس الفني الذي يجمع بين الرقة والعفوية. والواقع أن الشاعر الجاهلي وصَّاف مصور، فالصورة الفنية عنصر أساسي في شعره.


ولقد وصف الشاعر الجاهلي كل شيءٍ وقع عليه بصره، كالصحراء بكل تفاصيلها والسماء والنجوم والمطر والرياح والخيام والحيوانات والطيور والحشرات، كما وصف أطلال محبوبته والرحلة إلى ممدوحه، بل إنه في سياق غزله قد وصف المرأة وصفًا بارعًا عبَّر ـ في عمومه ـ عن قيم الجمال الأنثوي لديه. بل إن الوصف كان أداته في كل غرض شعري طرقه.
ولا يكاد الوصف ـ في العصرين الإسلامي والأموي ـ يصيبه شيء يُعتدُّ به من التطور،






الموضوع الأصلي : الشعر - رواية الشعر ورواته // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الثلاثاء 21 أغسطس - 14:23
المشاركة رقم: #
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
صاحب الموقع
الرتبه:
صاحب الموقع
الصورة الرمزية


البيانات
عدد المساهمات : 67718
تاريخ التسجيل : 11/06/2012
رابطة موقعك : http://www.ouargla30.com/
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.ouargla30.com


مُساهمةموضوع: رد: الشعر - رواية الشعر ورواته



الشعر - رواية الشعر ورواته

الشيعة. وهم الحزب الثاني الذي كان نظيرًا للخوارج في مواجهته لبني أمية. وتقوم نظريتهم السياسية على أن حق الحكم يجب أن يكون لعربي قرشي هاشمي، ومن هنا اتصل العداء بينهم وبين بني أميّة حين تحول الحكم إلى البيت الأموي.
يجمع شعر الشيعة بين الاحتجاج والتصوير، الاحتجاج في حقهم في الحكم والتصوير لما أصاب آل البيت من محن وكوارث، ثم مدح آل البيت ورثاء أئمّتهم وهجاء بني أمية والزبيريين. ويختلف شعراء الشيعة عن الخوارج في أن الشيعة تكسبوا بالشعر واحترفوه، فمدحوا وتغزلوا وهجوا. وكان منهم الشعراء الفحول الذين وقفوا أنفسهم على الشعر والاحتجاج به لمذهبهم؛ فكتبوا القصائد الطوال دون المقطوعات. كما يعكس شعرهم بعض مبادئهم. ومن أشهر شعرائهم الكميت الأسدي الذي تزعم الاحتجاج في هاشمياته. انظر: الكميت.
ومن أشهر هاشمياته البائيَّة واللاميّة. يقول مطلع الأولى:
طربتُ وما شوقًا إلى البيض أطرب ولا لعبًا مني، وذو الشيب يلعبُ
ومطلع اللامية:
أَلا هل عَمٍ في رأيه متأمل وهل مدبــر بعـد الإساءة مقبل؟
وكذلك دِعْبِل الخُزاعي الذي عُني بالتصوير المؤثر لمصائب آل البيت خاصة في تائيته المشهورة:
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنـزل وحـيٍ مُقْــفِر العَرَصَات
ثم أيمن بن خريم ومن مشهور شعره قصيدته التي يقول في أولها:
نهاركم مكابدة وصوم وليلكـــم صـــــلاة واقــــتراء
الزبيريون. أما أتباع عبدالله بن الزبير فقد عرفوا بالزبيريين. وتقوم نظريتهم على حق الأرستقراطيّة القرشية في الحكم وأن الخليفة يجب أن يكون بالضرورة عربيًا قرشيًا. أسس هذا الحزب عبداللهلله بن الزبير، وآزره أخوه مصعب.وكان مصعب أكثر عطاءً للشعراء فالتفُّوا من حوله، وأذاعوا مبادئ حزبه السياسية. ويعد عبداللهلله بن قيس الرقيات شاعرهم المقدم وكان يمزج الغزل بالسياسة وبالمدح. ومن شعرائهم أيضًا أعشى همدان ودكين الفُقَيمي. ومن أشهر قصائد ابن الرقيات قوله:
أقفرتْ بعد عبد شمس كداء فكُدَيٌّ فالركن فالبطحاء
حبذا العيش حين قومي جميعٌ لم تفرق أمورَها الأهـواء
قبل أن تطمع القبائل في ملك قريش وتشمتَ الأعـداء
الأمويون. أما الأمويون فهم الحزب الذي استأثر بعداء كل تلك الأحزاب؛ إذ كان يمثل السلطة الحاكمة، وكان الشعراء لذلك يقدمون إلى بلاط بني أميّة للفوز بجوائزهم ومن ثم كثروا وتعددوا ولكن من أشهرهم النابغة الشيباني وعدي بن الرقاع كما مدحهم الأخطل وجرير.
هذه الفرق الأربع هي أهم الأحزاب السياسية التي اكتمل على يديها الشعر السياسي فخرجت به من مجال الرؤية المحصورة إلى مجال أرحب وأوسع، حين جعلت السياسة جزءًا أصيلاً من البنية الشعرية والأدبية.
الزهد ولواحقه. لا شك أن هذا اللون مدين للإسلام، منذ كان غناءً بقيم هذا الدين وفضائله لدى شعراء الرسول ³. وفي العصر الأموي، عبر شعر الفِرق الإسلامية عن معاني الزهد والتقوى، وبخاصة لدى الخوارج؛ إذ تشيع في أشعارهم معاني الإعْراض عن الدنيا وزخارفها والتطلع إلى الآخرة في إطار شعر الحماسة والتعبير عن المعاني الفدائية. يقول شاعرهم:
مارغبة النفس في الحياة وإن عاشت قليلاً فالموت لاحقها
وأيقنــت أنهــا تعـود كمــا كان براهـا بالأمـس خالقهـا
من لم يمت عَبْطَةً يمت هرمًا والمـوت كأس والمـرءُ ذائقها
وقد شهد العصر الأموي أئمة من أهل العلم والتقوى، منهم: الحسن البصري، وكان لأولئك الأئمة تأثيرهم في الشعر الديني، بل إن من الفقهاء من عرف بالشعر الديني مثل: عروة بن أذينة فقيه المدينة. ومن شعراء الزهد في هذا العصر عبدالله بن عبدالأعلى، ومِسكين الدارمي، ولهذا الأخير قصيدة ذكر فيها طائفة من الشعراء ناسبًا قبر كل شاعر إلى بلده ومسقط رأسه، مع التهوين من أمر الدنيا والزهادة فيها والاعتبار بالموت. ومن الشعراء الزهاد في العصر الأموي، أيضًا، أبو الأسود الدؤلي، وسابق البربري قاضي الرقة بالموصل وإمام مسجدها، وممن كانوا يفدون على عمر بن عبد العزيز ليعظه. يقول الجاحظ عن شعر سابق هذا: ¸لو أن شعر سابق البربري كان مفرّقًا في أشعار كثيرة لصارت تلك الأشعار أرفع مما هي عليه بطبقات•.
وفي العصر العباسي، قوي شعر الزهد، وظهر تيارًا قويًا واقفًا في مواجهة شعر الخمر والمجون الذي تزعمه أبو نواس وحماد عجرد ومطيع بن إياس. ومع انتشار الفسق والمجون في المجتمع العباسي، فإن التدين قد انتشر في مواجهته، وكان شعر الزهد، بل أدب الزهد ولواحقه، يمثل جبهة المواجهة الصلبة ضدّ هذا التيار.
وأقوى شعراء الزهد فى العصر العباسي الأول محمود الوراق، فقد عبر، أكثر من غيره، عن معاني الزهادة والتقوى كالمبادرة إلى العمل الصالح والتسليم بقضاء الله تعالى والتوكل عليه والقناعة والصبر عند النوازل واتخاذ الحديث عن الشيب نذيرًا بالموت، والعفو عمن ظلم. ثم هناك من شعراء الزهد طائفة من الفقهاء والمذكِّرين النسّاك مثل: مالك بن دينار وعبدالله بن المبارك بل إن الخليل بن أحمد العالم اللغوي النحوي كانت له أشعار في الزهد.
وفي العصر العباسي الثاني وما يليه، ظل لتيار أشعار الزهد قوته، ثم ظهرت موجة أخرى رافقت الزهد، تلك هي موجة التصوف التي يعاب عليها اقتباسها عناصر غير إسلامية تتعارض مع توحيد الله وتنزيهه، ومن هؤلاء الجنيد وتلميذه الحلاّج والشبليّ، وإن كان هذا الأخير أكثر اعتدالاً، وكان ينكر على الحلاج، خاصة، شعوذاته.
وينبغي ألا تفوتنا الإشارة إلى أبي العتاهية أشهر شعراء الزهد في العصر العباسي قاطبةً، ويذكر له في مجال الفن الشعري الخالص إحداثه تطورًا ملحوظًا فيه غير هيّاب سواء في العروض حيث استخدم مقلوب بحر البسيط كما ولَّد في الشعر معاني جديدة.
وفيما بعد العصر العباسي، تشتد موجة الشعر الديني عمومًا بل تصبح موجات قوية هادرة، فيظهر جيل جديد من شعراء التصوف القائلين بالحلول وغيره من شعوذات المتصوفة وتجاوزاتهم كعمر بن الفارض. كما يتزايد شعر المديح النَّبويّ، وأشعار الزهد. وكانت هذه التيارات الشعرية رجعًا قويًا للمحن الثقال التي تعرضت لها الأمة علي أيدي الصليبيين والمغول. وأبرز شعراء التيار الديني: البوصيري شاعر المديح النبوي في مصر وعفيف الدين التلمساني وعبد الغني النابلسي في ديار الشام.
وفي العصر الحديث، ينشد محمود سامي البارودي قصائد دينية في مديح رسول الله ³، ويضمّن هذا المديح شكواه أثناء منفاه في سرنديب، كما يضمنه بعض آرائه في فلسفة الحرب فيقول مثلاً:
ذاقوا الردى جرعًا فاستسلموا جزعًا للصلح، والحرب مرقاةٌ إلى السِّلْم
أما أحمد شوقي فمدائحه تعبِّر عن آرائه الإصلاحية في الدين والحياة، فيقول مثلاً مخاطبًا النبي:
والحرب في حقٍ لديك شريعة ومن السموم الناقعات دواء
الحكمة. شعر الحكمة هو ذلك الشعر الذي تضمن خلاصة مالدى الشعراء من تجارب العقل والحياة. ويعد زهير أشهر شعراء الحكمة في العصر الجاهلي، ومعلقته الشهيرة مزيج من المديح لهرم بن سنان والحارث بن عوف، ووصف أهوال الحروب ومفاسدها، رغبة منه في إقناع المتحاربين بالمصالحة والسلام، في أسلوب من الحكمة التي تمنح معلقته بعدًا إنسانيًا رفيعًا. ولم تخل حكمة شعراء الجاهلية من تسجيل أفكار العرب في هذه الحقبة وتصوير مثلهم وتجارب حياتهم.
ولا شك أنَّ الكثير مما سجله شعراء الإسلام، في عصر النبوة خاصة، حافل بآراء إسلامية عن العقيدة تعد هي الأخرى من قبيل الحكمة.
ويأتي العصر العباسي فيلقانا ثلاثة من فحول شعرائه في الحكمة: أبو تمام والمتنبي وأبو العلاء المعري.
وتبدو الحكمة عند أبي تمام ثمرة ثقافاته الواسعة التي تمخض عنها العصر، وهي تتناثر في مدائحه وحماسياته ومراثيه في ابنيه وزوجته وابن حميد الطوسي، بل في غزله ونسيبه.
وأبو تمام هو الذي ترك ميراثه من الحكمة خاصة يفيد منه أبو الطيب المتنبي، ويتمثله بقريحته العبقرية ويمضي بالحكمة أشواطًا بعيدة ، وكان المتنبي شديد الشغف بشعر أبي تمام لا يكاد يفارق ديوان شعره في أسفاره، ولا شك أنه بما أوتي من ثقافات عصره، وهي غزيرة متنوعة، قد أصاب حظًا أوفر من الحكمة في شعره: عمقًا وجمال صياغة. وهي تتناثر في أشعاره المختلفة الأغراض. والمتنبي وإن أفاد من حكماء العرب واليونان، فإنه كان نسيجَ وحدِه بلا مدافع. أما أبو العلاء المعري فقد تحولت الحكمة لديه إلى فلسفة أوسع مدى وأعمق.

المعتمد بن عباد كما تخيله رسام
رثاء المدن والممالك. عرف الأدب العربي رثاء المدن غرضًا أدبيا في شعره ونثره. وهو لون من التعبير يعكس طبيعة التقلبات السياسية التي تجتاج عصور الحكم في مراحل مختلفة.
وهذا النوع من الرثاء لا يقف في حدود عند رثاء المدن وحدها حين يصيبها الدمار والتخريب ولكنه يتجاوز ذلك إلى رثاء الممالك تارة والعصور تارة أخرى. بل قد يرثي الدولة بأسرها؛ كما حدث ذلك في الأندلس. وقد تميز هذا الغرض من رثاء المدن في الشعر أكثر من تميزه في النثر.
ويُعد رثاء المدن من الأغراض الأدبية المحدثة، ذلك أن الجاهلي لم تكن له مدنٌ يبكي على خرابها، فهو ينتقل في الصحراء الواسعة من مكان إلى آخر، وإذا ألم بمدن المناذرة والغساسنة فهو إلمام عابر. ولعل بكاء الجاهلي على الربع الدارس والطلل الماحل هو لون من هذه العاطفة المعبّرة عن درس المكان وخرابه.
رثاء المدن في المشرق. عرف المشرق قدرا من هذا الرثاء شعرًا، عندما تعرضت عاصمة الخلافة العباسية للتدمير والخراب خلال الفتنة التي وقعت بين الأمين والمأمون. فنهبت بغداد وهتكت أعراض أهلها واقتحمت دورهم، ووجد السّفلة والأوباش مناخًا صالحا ليعيثوا فسادا ودمارا. وقد عبر الشاعر أبو يعقوب إسحاق الخريمي، وهو شاعر خامل الذكر، عن هذه النَّكبة في مرثيته لبغداد فقال:
يابؤس بغداد دار مملكة دارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثم عاقبها حين أحاطت بها كبائرها
بالخسف والقذف والحريق وبالحرب التي أضحت تساورها
حلّت ببغداد وهي آمـنة داهية لم تكن تحاذرهـا
ثم كان خراب البصرة على يد الزنج في ثورتها المشهورة. فأشعلوا فيها الحرائق وحولوها إلى أنقاض ودمار، فوقف الشاعر ابن الرومي مذهولا بما حدث فقال:
كم أخ قد رأى أخاه صريعا تَرِبَ الخد بين صرعى كرام
كم مفدّى في أهله أسلموه حين لم يحْمه هنالك حامي
كم رضيع هناك قد فطموه بشبا السيف قبل حدّ الفطام
وبالإضافة إلى هاتين المرثيتين، حفل ديوان رثاء المدن في المشرق، بطائفة من القصائد تتحدث عن تلك المدن التي اسقطها هولاكو وتيمور لنك.
وكذلك استثارت نكبة بغداد على يد هولاكو عاطفة عدد من الشعراء مثل شمس الدين الكوفي، ومن أبياته قوله:
إن لم تقرّح أدمعي أجفاني من بَعْدِ بُعْدِكُمُ فما أجفاني
إنسان عيني مذ تناءت داركم ما راقـه نظــــر إلى إنســان
مالي وللأيام شتت خطبها شملي وخــلاني بلا خلان
ما للمنازل أصبحت لا أهلها أهلي ولا جيرانهــا جيـراني
وتعد مرثبة الشيخ تقي الدين إسماعيل بن إبراهيم التنوخي في القرن السابع الهجري أشهر مراثي بغداد حين خربها هولاكو. يقول في آخر القصيدة:
إن القيامة في بغداد قد وجدت وحدّها حين للإقبال إدبار
آل النبي وأهل العلم قد سُبيوا فمن ترى بعدهم تحويه أمصار
ماكنت آمل أن أبقى وقد ذهبوا لكن أتى دون ما أختار أقدار
وكذلك كان رثاء دمشق عندما سقطت في أيدي التتار فتعاقب على رثائها كثير من الشعراء مسجلين ذلك الحدث ومنهم الشاعر علاء الدين العزولي في قوله:
أجريت جمر الدمع من أجفاني حزنا على الشقراء والميـدان
لهفي على وادي دمشق ولطفه وتبدل الغزلان بالثيــــــران
واحسرتاه علي دمشق و قولها سبحان من بالغل قد أبلاني
لهفي عليك محاسنا لهفي عليـ ك عرائسا لهفي عليك مغانـي
ولكن هذا اللون في المشرق لم يزدهر ازدهاره في الأندلس، ويعزى ذلك إلى أن طبيعة التقلبات السياسية في الأندلس كانت أشد حدة وأسرع إيقاعا، وأنها اتخذت شكل المواجهة بين النصارى والمسلمين حين تجمع الصليبيون عازمين على طرد المسلمين وإخراجهم من الأندلس.
رثاء المدن في الأندلس. كان هذا الغرض في الأندلس من أهم الأغراض الشعرية، إذ كان مواكبًا لحركة الإيقاع السياسي راصدًا لأحداثه مستبطنًا دواخله ومقومًا لاتجاهاته.
وكان محوره الأول يدور حول سلبيات المجتمع الأندلسي بسبب ما انغمس فيه الناس من حياة اللهو والترف والمجون وانصراف عن الجهاد. وأن الأمر لن يستقيم إلا برفع علم الجهاد تحت راية لا إله إلاالله. ومن هنا فالصوت الشعري لرثاء المدن في الأندلس يخالف الأصوات الشعرية الأندلسية الأخرى التي ألفها أهل الأندلس في الموشحات ووصف الطبيعة والغزل وبقية الأغراض الأخرى.
ويلفت النظر أن عددا من قصائد رثاء المدن في الأندلس لشعراء مجهولين؛ ويُفَسَّرُ ذلك إما بخشيتهم من السلطان القائم بسبب نقدهم للأوضاع السياسية وإما أن عنايتهم بالحس الجماعي واستثارته كانت أكثر من عنايتهم بذواتهم الشاعرة.
يقوم هذا الرثاء على مقارنة بين الماضي والحاضر؛ ماضي الإسلام في مجده وعزه، وحاضره في ذله وهوانه. فالمساجد غدت كنائس وبيعًا للنصارى وصوت النواقيس أضحى يجلجل بدلا من الأذان، والفتيات المسلمات انتهكت أعراضهن، والدويلات المسلمة تستعين بالنصارى في تدعيم حكمها. وتمتلئ كل هذه النصوص بشعور ديني عميق يطفح بالحسرة والندم.
كان سقوط مدينة طليطلة في أواخر القرن الخامس الهجري بداية المأساة؛ فهي أول بلد إسلامي يدخله الفرنجة وكان ذلك مصابا جللا هزّ النفوس هزًا عميقًا. يقول شاعر مجهول يرثي طليطلة في قصيدة مطلعها:
لثُكلكِ كيف تبتسم الثغور سرورًا بعدما سبيت ثغور
طليطلة أباح الكفر منها حماها إنّ ذا نبــأ كبـــير
وفي هذه القصيدة التي بلغت سبعين بيتا تصوير لحال المسلمين عشية سقوطها وما أصابهم من ذل وصغار، كما تصور ماضيها المجيد وحاضرها المهين. وتنتهي بأمنية مشتهاة أن يخرج من أصلاب المسلمين بطلٌ كطارق بن زياد يعيد الأمر إلى نصابه:
ألم تك معقلا للدين صعـبا فذلّله كما شاء القديـــر
وأخرج أهلها منها جميعــا فصاروا حيث شاء بهم مصير
وكانت دار إيمان وعلـم معالمها التي طمست تنــير
مساجدها كنائس، أي قلب على هذا يقر ولا يطـير
فيا أسفاه يا أسفاه حزنــا يكرر ما تكررت الدهـور
ثم تختم المرثية بهذه الأمنية:
الاّ رجل له رأي أصيــــل به مِمّا نحاذر نستجـــــــــير
يكُرّ إذا السيوف تناولــته وأين بنا إذا ولت كــــــــرور
ويطعن بالقنا الخطار حتى يقول الرمح من هذا الخطــير ؟
وتعد مرثية الشاعر ابن الأبار لمدينة بلنسية من المراثي المشهورة في الأندلس، فقد أرسل بها على لسان أميره إلى أبي زكريا بن حفص سلطان تونس مستنجدا به لنصرة الأندلس ومطلعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إن السبيل إلى منجاتها درســـا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست فلم يزل منك عزّ النصر ملتمسا
ويحكي هذا النص يأس أهل الأندلس من حكامهم المسلمين ومن ثم توجهوا لطلب النصرة من خارج الأندلس كما تصور حال بلنسية وقد تحولت المساجد إلى كنائس وفرض الكُفر سلطانه على الجزيرة وأن الذي أصاب بلنسية يوشك أن يصيب باقي المدن الأندلسية:
مدائن حلها الإشراك مبتسما جذلان، وارتحل الإيمان مبتئسا
ياللمساجد عادت للعدا بيعا وللنداء غدا أثناءها جرسـا
ثم يلتفت إلى أبي زكريا سلطان تونس قائلا:
طهّر بلادك منهم إنهم نجس ولا طهارة ما لم تغسل النجسا
وأوطئ الفيلق الجرار أرضهم حتى يطأطئ رأسا كل من رأسا
وأملأ هنيئًا لك التأييد ساحتها جرُدًا سلاهب أو خطية دُعُســا
وأما مراثي الممالك فمن أشهرها مرثية أبي محمد، عبد المجيد بن عبدون التي رثى بها قتلى بني الأفطس أصحاب بطليوس ومطلعها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور؟
وفيها يقول:
أنهاك أنهاك لا آلوك موعظة عن نومة بين ناب الليث والظفر
وفي هذه المرثية، يحشد ابن عبدون الكثير من أحداث التاريخ وتقلباته ويحكي ما أصاب الدول والممالك من مآسٍ ومحن متخذا من ذلك سبيلا للعظة والتأسي. وتمتاز القصيدة على طولها بحاسة شعرية قوية وعاطفة جياشة تزاوج بين مأساة بني الأفطس الذاتية والسياسية.
ومن أهم المراثي التي ربطت بين المأساة الذاتية والسياسية قصيدة أبي بكر بن عبد الصمد في رثاء مملكة إشبيليا وأميرها الشاعر المعتمد بن عباد:
ملك الملوك أسامع فأنادي أم قد عدتك عن السماع عوادي
لما خلت منك القصور ولم تكن فيها كما قد كنت في الأعــياد
قد كنت أحسب أن تبدد أدمعي نيران حزن أضرمت بفــــؤادي
وتعد أيضا دالية ابن اللبانة في رثاء بني عبَّاد ومملكتهم من تلك المراثي التي ربطت بين مأساة المعتمد وضياع ملكه ومأساة الشاعر حين هوى عن عرش الشعر ومملكته:
تبكي السماء بدمع رائح غاد على البهاليل من أبناء عـــــــبَّاد
على الجبال التي هُدّت قواعدها وكانت الأرض منهم ذات أوتاد
نسيت إلا غداة النهر كونهم في المنشآت كأموات بألحـــــاد
تفرقوا جيرة من بعد ما نشأوا أهـلا بأهـل وأولادًا بأولاد

جامع قرطبة الكبير
وأما نونية أبي البقاء الرندي فهي واسطة العقد في شعر رثاء المدن وأكثر نصوصه شهرة وأشدها تعبيرا عن الواقع. فهي ترثي الأندلس في مجموعها مدنا وممالك. فتصور ما حلّ بالأندلس من خطوب جليلة لا عزاء فيها ولا تأسٍ دونها وكيف ضاعت قرطبة دار العلوم، وإشبيليا مهد الفن، وحمص مهبط الجمال، وكيف سقطت أركان الأندلس واحدة تلو الأخرى، وكيف أَقفرت الديار من الإسلام فصارت المساجد كنائس وغدا صوت الأذان صوت ناقوس؟!، ثم يهيب أبو البقاء الرندي بفرسان المسلمين عبر عدوة البحر إلى المسارعة لنجدة الأندلس والمسلمين. يقول في أول القصيدة:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يُغَرُّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمــان
وللحوادث سلوان يسهلها وما لما حلّ بالإسلام سلوان
إلى أن يقول:
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية وأين شاطــبة أم أيـن جيَّــان؟
وأين قرطبة دار العلوم، فكم من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص وما تحويه من نزه ونهرها العذبُ فياض وملآن
قواعد كن أركان البلاد فما عسى البقاء إذا لم تبق أركان
حيث المساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيـــس وصلبــان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان
وتختتم القصيدة بنغمة حزينة شجية تسفر عن الأسى العميق والتماس العظة والعبرة فيما حل بالأندلس:
لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلام وإيمان!
وأهمية رثاء المدن أنه يكشف عن جوانب ثرية من التاريخ السياسي بين المسلمين والنصارى في الأندلس. كما يكشف جانبا من النقد الذاتي الذي واجه به الأندلسيون أنفسهم حين أَدركوا أن الانغماس في حياة اللهو والترف أدى إلى سقوط راية الجهاد، وأن ملوك الطوائف حين حرصوا على ملكهم الفردي أضاعوا ملكًا أعظم. وما أصدق سخرية الشاعر المصحفي حين قال:
مما يزهدني في أرض أندلس أسمــاء معتضــدٍ فيــها ومعتمـــد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
أنماط الشعر
عرف الشعر العربي عبر عصوره المختلفة أنماطًا من الخطاب الشعري، اختلفت في أُطرها ومحتواها. وكان الشعر العربي القديم، عقب محاولاته الأولى التي لم تصل إلينا، قد استقر في شكله الذي اصطُلح على تسميته بالشعر العمودي، أو الشعر التقليدي.


الشعر التقليدي (العمودي). هذا المصطلح مأخوذ من مصطلح النقد القديم في وصف هذا النمط من الشعر بأنه يتبع عمود الشعر. انظر: عمود الشعر. وقد أرجع النقاد القدماء مقومات عمود الشعر إلى سمات متعددة منها مايتصل باللفظ من حيث جرسه ومعناه في موضعه من البيت، أو مايخص تصوير المعاني الجزئية وصلة بعضها ببعض في بنية القصيدة، أو مشاكلة اللفظ للمعنى، وما إلى ذلك من قيم استمدها النقد القديم من تلك السمات التي وقف عليها فيما بين يديه من قصائد. وقد ثار بين قدامى النقاد العرب كثيرٌ من مسائل الخصومة حول عمود الشعر وما تفرع عنه من دلالات نقدية. وأهم مايميز هذه القصيدة العمودية التزامها عمود الشعر وأنها تسير على سنن وتقاليد القصيدة العربية منذ الجاهلية؛ فتقف على الأطلال والديار، ثم ترحل على الناقة بعد أن تصفها ثم تتخلص بما يسمّى حسن التخلص وتعمد إلى غرضها الأساسي. وتُعد القصيدة الجاهلية هي الأنموذج الكامل للقصيدة العمودية، وذروة سنامها المعلقات.
هذه القصائد العمودية، والتي يسمّيها النقد الحديث بالقصائد التقليدية، كانت تسير على نمط شعري محدد في بحورها وأوزانها متَّبعة تلك الأوزان التي قننها الخليل بن أحمد، كما تلتزم قافية موحدة وحرف رويّ موحد، ويأتي البيت فيها مكونًا من صدر وعجز ومصرعًا في أول القصيدة.
وقد ظلت القصيدة العمودية سائدة في مملكة الشعر القديم من العصر الجاهلي حتى منتصف القرن الأول الهجري. ومن هنا يقسّم النقاد اتجاهات هذه القصيدة إلى أنماط ثلاثة، هي:
شعر الاتجاه المحافظ البياني. وهو الذي عُني بالموضوعات التقليدية من مدح وفخر وحماسة، وما إليها، كما ظل يسلك منهج الأقدمين في بناء القصيدة وفي رصد صورها الشعرية من عالم البادية، مما جعل أسلوبها، بعد العصر الجاهلي، يستوحي الذاكرة والتراث أكثر مما يستوحي العصر والواقع.
الشعر المحدَث (المولَّد). بدأ هذا الاتجاه في العصر العباسي الأول على يد مسلم بن الوليد وبشار بن بُرد وأبي نواس، حين ثاروا على الاتجاه التقليدي في القصيدة العمودية ورفضوا الوقوف على الأطلال أو الحديث عن الصحراء والبادية، فبدأ اتجاه شعري جديد تحرر قليلاً من سلطان القديم ومال أسلوبه إلى ألفاظ بسيطة، وموسيقاه إلى بحور قصيرة وقواف رقيقة وطبع الأسلوبَ طابعٌ حضري. وكان ذلك من أثر تلك الحياة الجديدة التي وجد الناس أنفسهم يعيشونها خلال النصف الأول من العصر العباسي الأول. وهي حياة لا تخلو من لهو ومجون ومجالس طرب وغناء. فجاء الاتجاه المحدث أثرًا من آثار تلك الحياة الجديدة وكان ردة فعل للحياة البدوية القديمة.
اختلف النقد العربي القديم حول هذا الاتجاه الذي خرج عن عمود الشعر، فتعصب الرواة واللغويون للشعر القديم وكان أبو عمرو بن العلاء لا يحتج ببيت من الشعر الإسلامي على الرغم من إدراكه تأثير هذا الشعر الجديد وكان يقول:
"لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت أن آمر فتياننا بروايته".
الشعر المحافظ الجديد. ويرمي هذا الاتجاه إلى إعادة الشعر العربي إلى طبيعته العربية وإلى تقاليده الموروثة وأن يخفف من ثورة المحدثين المتمردة. ولكن كل ذلك لابد له من استيعاب التطوّر الذي بلغته العقلية العربية من رقي وحضارة، إذ لا سبيل لإعادة القصيدة العربية إلى سابق عهدها من بداوة وغلظة وعبارات حوشية غريبة؛ فجاء هذا الاتجاه محافظًا في منهج القصيدة ولغتها وموسيقاها وقيمها، ومجددًا في معانيها وصورها وأسلوبها. فهو يتبع شعراء الطريقة القديمة في بدء القصيدة بالأطلال أو النسيب ولكن من حيث معاني الشعر وصوره يقدم كل مبتكر وجديد؛ فعرف شعرهم ألوانًا من البديع وصنوفًا من المحسِّنات، وكان من فحوله أبو تمام والبحتري والمتنبي وأضرابهم من شعراء العصر العباسي.
وتمضي مسيرة القصيدة العربية على شكلها العمودي محافظة على وحدة البيت من صدر وعجز وعلى بحوره التي وضعها الخليل بن أحمد سوى بعض التجديدات من عصر لآخر، ولكن شكل القصيدة يظل دون تغيير حتى نهاية العصر العثماني وبدايات العصر الحديث، بعد ذلك ينتقل شكل القصيدة إلى نمط آخر.
عمود الشعر. مصطلح نقدي يعني طريقة العرب القدماء في نظم الشعر. وقد نشأ هذا المصطلح نتيجة للحركة النقدية التي دارت حول مذهب الشاعر أبي تمام. ففي بداية عصر التدوين، أخذ الرواة يجمعون الأشعار والأخبار العربية القديمة ويضمنونها مؤلفاتهم، ولا يلقون بالاً للشعر المحدث وإن كان جيدًا. وقد غذَّى هذا الاتجاه جماعة من النقاد الأوائل أمثال أبي عمرو بن العلاء، والأصمعي، وابن الأعرابي. وفي العصر العباسي الأول ظهرت حركة شعرية جديدة تزعمها بشار بن برد وأبونواس ومسلم بن الوليد، تدعو إلى مواكبة الشعر لمتطلبات العصر، وعدم إغفال المستجدات التي طرأت على الحياة العربية نتيجة لدخول كثير من الأمم المختلفة في الإسلام.
ومن بين ما حاوله هؤلاء الشعراء التجديد في أسلوب القصيدة وذلك بتضمينها كثيرًا من العناصر التي عُرفت بعد ذلك باسم البديع. وعندما جاء أبو تمام (ت231هـ) اهتم كثيرًا بالبديع وحرص على ألا يخلي شعره منه حتى آل به الأمر إلى أن أصبح زعيمًا للحركة الشعرية الجديدة. وكان يعاصر أبا تمام شاعر مشهور هو أبو عبادة البحتري (ت284هـ)، ولكنه كان يسير على نهج القدماء ويترسم خطاهم.
سُمع مصطلح عمود الشعر لأول مرة، على لسان البحتري عندما سُئل عن نفسه وعن أبي تمام فقال: "كان أغوص على المعاني مني، وأنا أَقْوَمُ بعمود الشعر منه". وعندما وضع الآمدي (ت 370هـ) كتاب الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري استخدم هذا المصطلح في مقدمة كتابه عندما قال: "البحتري أعرابي الشعر، مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف". وفي الفصل الذي عقده الآمدي للحديث عن فضل البحتري يورد صفات الشعر الذي يشتمل على عناصر عمود الشعر، يقول الآمدي: "وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضْع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له، وغير منافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذ كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري".
وقد تناول موضوع عمود الشعر القاضي الجرجاني (ت392هـ) في كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه أثناء حديثه عن العناصر التي تستخدمها العرب في المفاضلة بين الشعراء، وهذه العناصر هي الأسس التي يتكون منها عمود الشعر. يقول القاضي الجرجاني: ¸وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن، بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشَبَّه فقارب، وَبَدَه فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس، والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض•.
ثم يأخذ المصطلح صورته النهائية على يد أبي علي المرزوقي (ت421هـ) في مقدمته التي استهل بها شرحه لحماسة أبي تمام. ويتضح مما أورده تأثره الكبير بآراء القاضي الجرجاني. يقول المرزوقي: "فالواجب أن يُتَبين ما هو عمود الشعر المعروف عند العرب، ليتميز تليد الصنعة من الطريف، وقديمُ نظام القريض من الحديث". ثم عدَّد المرزوقي سبعة عناصر أو أبواب هي التي تشكل، في رأيه، عمود الشعر، وهذه العناصر هي:
1- شرف المعنى وصحته، 2- جزالة اللفظ واستقامته، 3-الإصابة في الوصف، 4- المقاربة في التشبيه، 5- التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، 6- مناسبة المستعار منه للمستعار له، 7- مشاكلة اللفظ للمعنى، وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما.
وتكمن أهمية المصطلح في أنه استُخدم أول أمره ليميز بين طريقتين في كتابة الشعر: طريقة القدماء من الشعراء وهم الذين التزموا بعمود الشعر، وطريقة المحدثين من الشعراء وهم الذين خرجوا على عمود الشعر. ثم تحول بعد ذلك إلى مصطلح نقدي محدد يتضمن عناصر كتابة الشعر الجيد على إطلاقه.
الشعر الحديث. ظل شكل القصيدة قبل عصر النهضة في الأدب الحديث ـ وهي فترة النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي ـ يجري على نمطه الذي كان سائدًا خلال العصر العثماني. فظل، بالرغم من تفاهة أفكاره وابتذال معانيه وأساليبه المثقلة بالصّنعة والبديع، محافظًا على شكل القصيدة التقليدية سواء في بحورها الخليلية أو قافيتها الموحدة أو بيتها المكون من صدر وعجز.
ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، بدأ الشعر العربي الحديث يغيِّر نمطه وكانت أهم تجديداته متصلة بالموضوعات وإن ظل شكل القصيدة يتبع القالب التقليدي ولا يخرج عنه. وأصبح من أهم الأغراض الشعرية شعر الحماسة والكفاح ضد الاستعمار، والغناء للوطن، والدعوة للإصلاح الاجتماعي، والثورة ضد الفقر والجهل والمرض، والدعوة للحاق بركب الأمم.
ومع النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي أخذت النهضة الفنية في الشعر العربي الحديث تتبلور في اتجاهات فنية محددة بلغت ذروتها خلال القرن العشرين. وعلى يد روّاد هذه الاتجاهات، بدأ التجديد في القصيدة الحديثة يتجاوز المعاني والصور والأفكار إلى تجارب فنية تتصل بالشكل، فبدأت محاولات الشعر الحر والشعر المرسل الذي لا يتقيد فيه الشاعر بالوزن وقد لا يتقيد بالقافية أيضًا.
ومن أهم هذه الاتجاهات والمدارس: مدرسة الإحياء، وجماعة الديوان، وجماعة أبولو ومدرسة المهجر. انظر: الفقرات الخاصة بمدرسة الإحياء وجماعة الديوان وجماعة أبولو في هذه المقالة.
وعندما تصل مسيرة الشعر الحديث إلى الأربعينيات من هذا القرن يتحول نمط القصيدة العمودية أو ما يسمَّى بالقصيدة التقليدية إلى نمط جديد هو الذي عُرف بالشعر الحُر. وقد تعددت أشكاله بين الشعر المنثور والشعر المطلق وقصيدة النثر.

بدر شاكر السياب

علي أحمد باكثير

نازك الملائكة
الشعر الحر. يعني ألا يتبع الشاعر القواعد التقليدية لكتابة الشعر، فلا يتقيد الشاعر ببحر واحد أو قافية واحدة أو إيقاع واحد. وبظهور الشعر الحُر، بدأ الشعراء يكتبون على نهج جديد باستخدامهم أعدادًا غير منتظمة من المقاطع في البيت الواحد وقافية غير موحدة وأوزانًا متداخلة ونهايات غريبة الإيقاع في الأبيات. ولكن ليس الشعر الحُر حُرًا من كل قيد، فهو يستخدم فنونًا شعرية أساسيةً مثل تكرار الحرف الواحد وتكرار الكلمات.
ازدهر هذا الشعر في الآداب الأوروبية خلال القرن التاسع عشر الميلادي، عندما تبنَّى الرومانسيون هذا الأسلوب. وقد كانت تجربة الشاعر الإنجليزي جون ميلتون في القرن السابع عشر الميلادي إرهاصًا مبكرًا لهذا اللون من الشعر. ولكن الشاعر الأمريكي والت ويتمان يُعَدُّ الأب الحقيقي للشعر الحُر في القرن التاسع عشر، وتُعد قصيدته أغنية نفسي (1855م)، الشكل الأمثل لهذا الأسلوب. كما كان الشاعر الإنجليزي جيرارد مانلي من المجددين الذين سلكوا دروب الشعر الحُر في القرن التاسع عشر. وفي أوائل القرن العشرين، بدأت الحركة التصويرية تستخدم الشعر الحُر. فظهر شعراء كبار يكتبون على نهجه. وكان تي. إس. إليوت وعزرا باوند هما العمود الحقيقي لبلورة حركة الشعر الحُر.
وفي الشعر الغربي أضحى الشعر الحُر، في منتصف القرن العشرين، هو الشكل المألوف للشعر وخاصة في أعمال كبار الشعراء مثل روبرت نويل و دي. إتش. لورنس ووليم كارلوس وليمز.
وفي الشِّعر العربي، كانت نازك الملائكة هي رائدة هذا الاتجاه، على خلاف في ذلك، في قصيدتها الكوليرا في أواخر الأربعينيات، فقد استخدمت في هذه القصيدة بحرا واحدًا هو الخبب وإن وزعت تفعيلته فَعْلُنْ بأعداد متفاوتة في الشطر الواحد الذي حل محل البيت ذي الصدر والعجز في القصيدة التقليدية. وإن كان الشعر الحُر في الآداب الأجنبية يعني تعدد الأوزان في القصيدة الواحدة، فهو في العربية يعني شعر التفعيلة التي تحررت من التناسب، أي من التفعيلات المتساوية في كل بيت من أبيات القصيدة إلى تفاوتها من بيت لآخر في القصيدة الحرة في الشعر العربي. وهذا الفرق في الدلالة لمصطلح الشعر الحُر بين العربية والإنجليزية، مثلاً، هو الذي جعل بدر شاكر السّـيَّاب يستخدم مصطلحًا آخر هو الشعر المنطلق وهو ترجمة لمصطلح شكسبير، إذ هو يقوم على انطلاق التفعيلة من التساوي في العدد إلى التفاوت فيه.
ولم يكن السّـيَّاب، أو غيره، رائد هذا المصطلح، فقد استخدمه علي أحمد باكثير عام 1937م في ترجمته لمسرحية شكسبير: روميو وجولييت، ومسرحية أخرى بعنوان: أخناتون ونفرتيتي. كتبها على بحر الخبب نفسه مراعيًا مبدأ التفاوت في الأبيات الشعرية لعدد التفعيلات لا مبدأ التساوي كما هو الحال في الشعر التقليدي.
وعلى كلٍّ، فإن ما قامت به نازك الملائكة أو باكثير أو السياب أو غيرهم لم يكن استعارة حرفية لنموذج الشعر الحُر في الآداب الأجنبية، ولكنه ممارسة لمبدأ التحرر ضمن السياق العضوي لبنية الشعر العربي وإيقاعاته العروضية.
ولمّا كانت الأوزان العربية كلها لا تقبل مبدأ تحرر التفعيلة، إذ إنها تتراوح بين مركَّبة ونصف مركبَّة وبسيطة، انتهت من ثم تجارب الشعراء إلى تحرير ثمانية بحور من صيغها القديمة المتساوية إلى صيغ جديدة متفاوتة. هذه الصيغ تُدعى أحيانًا الشعر الحُر وأخرى شعر التفعيلة ولكن مصطلح الشعر المنطلق لم يكتب له الفوز بالبقاء مع أنه أكثر دلالة على طبيعة التطور الذي دخل بنية العروض العربي.
وكما أن هناك بحرًا تامًا وبحرًا مجزوءًا وبحرًا منهوكًا، فيمكن القول إن هناك بحرًا منطلقًا أيضًا على القياس نفسه. وهكذا تولدت في حركة الشعر الحديث قيم عروضية جديدة وبحور شعرية محدثة وهي التي تشكل عروض الشعر الحُر في شعرنا الحديث، نجملها فيما يلي:
منطلق الخبب - فعلن / فاعلن
منطلق الرمل - فاعلاتن
منطلق الهزج - مفاعيلن
منطلق الكامل - متفاعلن
منطلق الوافر - مفاعيلن
منطلق الرجز - مستفعلن
منطلق المتقارب - فعولن
إلا أن القصيدة ليست أوزانًا وقوافي مجردة، بل هي تعبير عن معاناة إنسانية تتوفَّر فيها الفكرة والعبارة والصورة والانفعال والإيقاع، فَرَنين الكلام وحده لا ينتج شعرًا.
من هنا، علينا أن نميز بين النظم والشعر والإيقاع أو الموسيقى والوزن، وكل هذا ما هو إلا حاضن للإنسان ومعناه وجوهره وشفافيته. وهذا هو معيار الشعر الحقيقي.
الشعر المرسل. هو الشعر المتحرر من القافية الواحدة والمحتفظ بالإيقاع أي محتفظ بوحدة التفعيلة في البحر الشعري دون احتفاظه بالوزن. وقد يحافظ الشاعر في الشعر المرسل على القافية حين يتبع نظامًا أقرب ما يكون إلى نظام الشعر في اللغات الأوروبية بقوافيه المتعانقة أو المتقاطعة. وقد يلتزم الشاعر كذلك بالقافية والإيقاع معًا ولكن الوزن قد يختلف. مثال ذلك قصيدة الشاعر كيلاني سند أنا وجارتي حيث التزم القافية ووحدة التفعيلة مع تنوع الوزن:
لا تقلقي
إنا بذرنا دربنا بالزنبق
ستبصرينه غدًا خميلة من عبق
أتعرفين جارتي بثوبهــا الممـزق
وكفَّها المشقق
كم قلت لي جارتنا ككومة من خرق
غدًا ترينها غدًا في ثوبها المنمق.
وكتابة هذا اللون من الشعر أشد عسرًا من كتابة الشعر الملتزم بالأوزان التقليدية في بحورها المحددة. ذلك أن هذا الشعر يقتضي معرفة دقيقة بأسرار اللغة، الصوتية، وقيمها الجمالية مع دراية بالتناسب المطلوب بين الدلالات الصوتية والانفعالات المتراسلة معها، وما يتبع ذلك من سرعة في الإيقاع أو بطء فيه، وما يصاحبه من تكرار وتوكيد وتنويع في النغم، وهو أمر لا يقدر عليه إلا شاعر مرهف الحس قد ملك أدواته اللغوية والفنية.
ومن أطيب أمثلة هذا اللون من الشعر قصيدة نزار قباني إلى مسافرة وهي تدل على أن الشاعر إن ملك ناصية أدواته الشعرية، كتب شعرًا مرسلاً مبدعًا:
صديقتي، صديقَتي الحبيبة
غريبة العينين في المدينة الغريبة
شهر مضى؛ لاحرف ... لا رسالة خضيبة
لا أثر
لا خبر
منك يضيء عزلتي الرهيبة
أخبارنا
لا شيء ياصديقتي الحبيبة
نحن هنا
أشقى من الوعود فوق الشفة الكذوبة
أيامنا
تافهة فارغة رتيبة
دارك ذات البذخ والستائر اللعوبة
هاجمها الشتاء ياصديقتي الحبيبة
بغيمه
بثلجه
بريحه الغضوبة
والورق اليابس غطى الشرفة الرهيبة
قَصيدةُ النَّثر. هناك تمايز عالمي وتاريخي بين الشعر والنثر في كل الآداب، وما يتميزّ به النثر من منطق وروية ووضوح وعبارة غير موزونة، يقابله الشعر بكثافة المعنى، أو ماتدعوه البلاغة العربية بالإيجاز والشفافية والصورة والموسيقى والنزوع إلى الوجدان.
ومنذ الثورة على المذاهب التقليدية وقيمها المستقرة، اتجهت جهود المبدعين إلى هدم الحواجز بين الأجناس الأدبية أو ابتكار فنون جديدة أو تطعيم جنس بجنس أدبي آخر وهكذا.
فقصيدة النثر هي جنس فني يستكشف مافي لغة النثر من قيم شعرية ويستغلها لخلق مناخ يعبر عن تجربة ومعاناة من خلال صورة شعرية عريضة، تتوافر فيها الشفافية والكثافة في آن واحد. وتعوّض انعدام الوزن التقليدي فيها بإيقاعات التوازن والاختلاف والتماثل والتناظر معتمدة علي الجملة وتموجاتها الصوتية بموسيقى صياغية تُحسّ ولا تُقاس.
وقد تعددت المصطلحات التى تدلّ على هذا الجنس من ثقافة إلى أخرى. فقد استخدم أمين الريحاني مصطلح الشعر المنثور، الذي لا وزن له وأدخله في الشعر الحر، أي شعر التفعيلة عندنا الذي يقاس ويُوزن.
لكن شعراء العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، استخدموا مصطلح قصيدة النثر، وهو مصطلح فرنسي استخدمه بودلير وبعض معاصريه، وشاع شيوعًا كبيرًا في المرحلة الحديثة.وجريًا مع انفتاح الشعراء العرب على التجارب الإبداعية العالمية، فإن دخول الشعر المنثور أو قصيدة النثر إلى شعرنا العربي الحديث وإن سوغته تطورات ضمنية، في حياتنا الأدبية، قام على مبادرات شعراء عرب استوحوا نماذج شعرية وتجارب إبداعية من الآداب الأخرى.
ويُعد شعر المهجر مهد ميلاد قصيدة النثر في الشعر العربي؛ فقد كتب شعراء المهجر: أمين الريحاني وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران محاولات شعرية متأثرين فيها بالشاعر الأمريكي والت ويتمان، ثم انتقلت من هناك إلى المشرق.
لم تجد قصيدة النثر رواجًا كبيرًا في الشعر العربي الحديث؛ إذ إن الذائقة العربية ماتزال محكومة بوزن الشعر العربي وإيقاعه في نماذجه الموروثة.
موسيقى الشعر
تعني موسيقى الشعر مراعاة التَّناسب في أبيات القصيدة بين الإيقاع والوزن، بحيث تتساوى الأبيات في عدد المتحركات والسواكن المتوالية، مساواة تحقق في القصيدة ما عرف بوحدة النغم. وهذه الموسيقى اتخذت معايير متعدّدة. منها مايتَّصل بعروض الشعر وميزانه، ومنها مايتصل بقافيته ورويّه، وهذا يحقّق إيقاع الشعر وموسيقاه.


العَرُوض. أما العروض فهو علم يعرف به صحيح أوزان الشعر وغير صحيحها. وأول من وضع هذا العلم الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني من الهجرة. ولم يتأثر الخليل فيه بأية أمة من الأمم الأخرى. وكان الشعراء قبل الخليل ينظمون الشعر دون ميزان. انظر: الخليل بن أحمد. وقد جعل الخليل الشعر في خمسة عشر بحرًا هي: الطويل، والمديد، والبسيط، والكامل، والوافر، والخفيف، والرجز، والرمل، والهزج، والمضارع، والسريع، والمنسرح، والمقتضب، والمجتث، والمتقارب. وأضاف عليها الأخفش بحرًا آخر سماه المتدارك؛ إذ استدركه على أستاذه الخليل بن أحمد. انظر: الأخفش، سعيد.
وتنحصر أوزان الشعر العربي في عشرة تفاعيل، ومنها تتركب جميع البحور الستة عشر، والتفاعيل هي: فعولن، مفاعيلن، مفاعلتن، فاع. لاتن، فاعلن، فاعلاتن، مستفعلن، متفاعلن، مفعولات، مستفع. لن. ورغم أن هذه التفاعيل عشرة في الحكم فإنها ثمانية في اللفظ. انظر: العروض.
القافية. جاء في لسان العرب لابن منظور أن القافية من الشعر هي التي تقفو البيت، وسُميت قافية لأنها تقفو البيت. وفي الصحاح لأن بعضها يتبع إثر بعض. قال الخليل بن أحمد: القافية هي من آخر البيت إلى أول ساكن يليه مع المتحرك الذي قبل الساكن، كما في قول امرئ القيس:
كلمع اليدين في حَبِيٍّ مكـلَّل
فالقافية وفق قول الخليل هي (كَلْلَلي) لأن الياء هي آخر ساكن وأول ساكن هو اللام ثم المتحرك الذي قبله هو الكاف.
وقال تلميذه الأخفش: القافية هي آخر كلمة في البيت. إذن، في قول امرئ القيس، القافية هي مكلّل، وفق قول الأخفش.
ومن العروضيين من يقول: إن البيت كله قافية. ومنهم من يقول كذلك: إن القصيدة كُلها قافية. لكن بعض المصنفين الذين يصنفون الأشعار يقولون عن معلقة امرئ القيس مثلاً:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدَّخول فحومل
أن قافيتها لامية. والواقع أن حرف اللام فيها ليس قافية بل هو حرف الروي. وقد كانت القصيدة العربية تنسب لحرف الروي فيها.
أما القافية فهي، وفق قول الخليل بن أحمد، من آخر ساكن في البيت إلى أول ساكن يليه والمتحرك الذي قبله. فتصبح أنماط القوافي خمسة هي: المتكاوس والمتراكب والمتدارك والمتواتر والمترادف.
1- المتكاوس: هو مافيه أربعة أحرف متحركة بين ساكنين مثل:
قد جَبَرَ الدينَ الإلهُ فَجَبَر
¸لاهُفَجَبَرْ• -/ ه ـ ـ ـ ـ ه
2- المتراكب: ما اجتمع فيه ثلاثة أحرف بين ساكنين، نحو قول الشاعر:
ضَنَّتْ بِشيءٍ ما كان يَرْزَؤُهَاْ
¸يَرْزَؤُهَاْ• - / ه ـ ـ ـ ه /.
3- المتدارك: ما اجتمع فيه حرفان بين ساكنين، نحو قول طرفة:
خشاش كرأس الحية المتوقّد
¸متوقْقِدي• - / ه ـ ـ ه /.
4- المتواتر: مافيه متحرك بين ساكنين، نحو قول الشاعر:
لقد زادني مسراك وجدًا على وَجْدِ
¸وَجْدِيْ• ـ ـ ه ـ ـ / ه ـ ه /.
5- المترادف: هو ما اجتمع في قافيته ساكنان نحو قوله:
ماهاج حسَّان رسوم المقام
اجتمع الألف الساكن والميم في المقام.
ويجيء في القافية ستة حروف وست حركات. فالحروف هي: الروي و الوصل و الخروج و الردف والتأسيس و الدخيل.
الروي، هو الحرف الذي تُبنى عليه القصيدة وتُنسب إليه، فيُقال: قصيدة دالية وتائية ولابُد لكُل شعر من روي نحو قوله:
مابالُ عينِك منها الماءُ يَنْسَكِبُ كأنّه من كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرِبُ
فالباء هي الروي.
الوصل يكون بأربعة أحرف هي: الألف والواو والياء والهاء سوا كن يتبعن حرف الروي. فالألف في قوله:
وقولي إن أصبــت لقد أصـابا
فالألف وصل والباء روي.
والواو كقوله:
متى كان الخيـام بذي طلـوح سقيت الغيث أيتها الخيامو
فالواو وصل، والميم روي
والياء كقوله:
هيهات منزلنا بنعـف سويقـة كانت مباركة من الأيَّامِي
فالياء وصل في الأيامي، والميم روي
والهاء الساكنة، كقول ذي الرُّمة:
وقفـتُ على ربع لميّــة ناقـتي فما زلت أبكي حوله وأخاطبه
فالهاء في أخاطبه وصل، والباء روي.
الخروج يكون بثلاثة أحرف وهي: الألف والياء والواو السواكن يتبعن هاء الوصل.
فالألف نحو قول لبيد:
في ليلة كفر النّجوم غمامها
والياء نحو قول أبي النّجم:
تجرّد المجنـون من كســائِهي
والواو نحو قول رؤبة:
وبلــدٍ عاميـــةٍ أعمــــاؤهو
ونلاحظ أن الألف والياء والواو جاءت بعد هاء الوصل في الأبيات الثلاثة.
الرَّدف ألف أو واو أو ياء سواكن قبل حرف الروي معه.
فالألف في قوله:
وبلــد يغتــال خطـــو الخـــاطي
الطاء روي، والألف ردف قبله.
والواو في قوله:
طَحَابِك قلبٌ في الحسَانِ طرُوبُ
الباء روي، والواو ردف قبله.
والياء في قوله:
قد اغتــدى للحاجـــة العســــير
فالرَّاء روي، والياء ردف قبله.
التأسيس يكون بالألف قبل حرف الرويّ بحرف كما في قول ذي الرمة:
بجمهور حُزوى فابكيا في المنازل
فالألف قبل الزاي تأسيس.
والدّخيل هو الحرف الذي بين التأسيس والرّوي، نحو قول لبيد:
بلينا وما تبـلى النجــوم الطوالـــع وتبقى الديارُ بعدنا والمصانع
فالنون دخيل وقع بين ألف التأسيس وبين الرّوي، حرف العين.
الحركات هي: المجرى والنفاذ والحذو والرّس والإشباع والتوجيه.
وأما عيوب القافية فهي: الإ قواء والإكفاء والإيطاء والسّناد الذي على خمسة أنواع هي: سناد التأسيس وسناد الحذو وسناد التوجيه وسناد الإشباع وسناد الرّدف، ثم عيب التضمين والإجازة.
وقد رأى دارسو الشعر أن عدد القوافي ثلاثون قافيةً: منها للمتكاوس واحدة، وأربع للمتراكب، وست للمتدارك، وسبع للمتواتر، واثنتا عشرة قافية للمترادف.
الإيقاع هو الوزن الطبيعي المحسوس في أثناء الرقص والموسيقى واللغة. ففي الرقص، تنبعث الأنماط والأنغام الموسيقية بحركات جَسدية فترات أقصر أو أطول، وبنبرات مُشدَّدة أ و مخفَّفة. وفي الموسيقى، فإن التعايير والأشكال المقفاة التي تنبع من ترتيب الألحان، يتم تنظيمها حسب الوقت والشدَّات. أما في اللغة، فإن القافية هي رفع الأصوات وخفضها حسب المقاطع، والألحان الصوتية، والشدَّات اللفظية والسَكَنات. وتتمثل موسيقى الشعر العربي في بحوره وقوافيه. ويُفَرَّق هنا بين أمرين أولهما الإيقاع العام: ويعني وحدة النغم التي تتكرر على نحو ما في الكلام أو في البيت حين تتوالى المتحركات والسَّواكن بشكل متسق في مقطعين أو أكثر من مقاطع الكلام أو أبيات القصيدة.
هذا اللون من الإيقاع لا يخلو منه النثر ويسمَّى التصريع. أما الإيقاع في الشعر فمداره التفعيلة في البحر العربي، والمقصود من التفعيلة مقابلة الحركات والسكنات فيها بنظائرها في الكلمات في البيت دون أن نفرق بين الحرف الساكن اللين والحرف الساكن الجامد وحرف المد.
خلاصة ذلك أن حركة كل تفعيلة هي وحدة الإيقاع في البيت. أما الوزن فهو مجموع التفعيلات التي يتألَّف منها البيت الذي هو الوحدة الموسيقية للقصيدة العربية.
وفي موسيقى الشعر، على الشاعر أن يراعي المساواة بين أبي






الموضوع الأصلي : الشعر - رواية الشعر ورواته // المصدر : منتديات ورقلة لكل الجزائريين والعرب // الكاتب: محمود

بلغ الادارة عن محتوى مخالف من هنا ابلغون على الروابط التي لا تعمل من هنا



توقيع : محمود


التوقيع



الكلمات الدليلية (Tags)
الشعر - رواية الشعر ورواته, الشعر - رواية الشعر ورواته, الشعر - رواية الشعر ورواته,

الإشارات المرجعية

التعليق على الموضوع بواسطة الفيس بوك

الــرد الســـريـع
..
آلردودآلسريعة :





تعليمات المشاركة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

اختر منتداك من هنا



المواضيع المتشابهه